“عائد إلى مونلوك ” عندما تنصف السينما التاريخ …/ ضاوية خليفة *
بواسطة مسارب بتاريخ 29 سبتمبر, 2013 في 07:26 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1340.

 

بعدما وقّع عودته للإخراج السينمائي بفيلم وثائقي عن الأب الروحي للرواية الجزائرية الحديثة الأديب الراحل “الطاهر وطار”، يطلّ المخرج الجزائري المقيم بفرنسا “محمد الزاوي” هذه المرة بموضوع أخر مستوحى من نفحات الماضي والتاريخ برؤية سينمائية جديدة وطرح متميز يأتي في وقت يرى فيه الملاحظون أن الجزائر تفتقر، بل تعاني من نقص الأرشيف الذي يبقى جله حبيس أدراج المستعمر إلى غاية يومنا هذا، هنا تكمن أهمية وثائقي “عائد إلى مونلوك” الذي استغرق سنتين بين التحضير والتصوير، فكانت 60 دقيقة (مدة العرض) كفيلة بتعرية الجانب اللاإنساني للتجاوزات التي قامت بها فرنسا خلال فترة احتلالها للجزائر (1954 – 1962) في حق الجزائريين بالداخل والخارج.”العائد إلى مونلوك” الذي تحدث عنه الزاوي هو المجاهد والرئيس الحالي لجمعية المحكوم عليهم بالإعدام ”مصطفى بودينة” الذي يعود إلى سجنه وزنزانته رقم 45 بمدينة ليون الفرنسية بعد 49 عاما، الزيارة التي جاءت بدعوة من بعض الجمعيات لم تتبعها أي ضجة إعلامية ولا ترتيبات رسمية لذا حملت الكثير من الرمزية لشاب لم يتجاوز العشرين عاما هو ”الناجي من المقصلة”، كان يترقب حينها وفي أي لحظة قطع رأسه، عادت به الذكريات والأيام لماضيه بعد منع السلطات الفرنسية له من دخول أراضيها لأنها كانت تعتبره إرهابيا، فجاء بعد سنوات بباقة زهور لأرواح ضحايا 17 أكتوبر مسترجعا شريط الأحداث المليء بالذكريات التي لم يكن سهلا عليه ورفقائه كتابتها في شكل مذكرات أو التوثيق لها سينمائيا، في حين أن محمد الزاوي الذي استرق تلك اللحظات الثمينة إن صح التعبير، استغل فرصة زيارة بودينة لفرنسا ودعم تلك الوقائع والحقائق التاريخية بكثير من الشهادات والشواهد الحية للأماكن والتي خدمت فعلا العمل، مستندا في ذلك على العديد من الشخصيات، والمؤرخين من بينهم الفرنسي “بنجامين ستورا”، والمحاميين ”نيكول رين” و”رومان ديما”، وكذا المجاهد المحامي ورئيس فيدرالية جبهة التحرير التاريخية فرنسا ”علي هارون”.

تعود تفاصيل هذا التعاون إلى اللقاء الذي جمع الزاوي وبودينة حينما أتى هذا الأخير لمدينة ليون الفرنسية لتقديم كتابه “ناج من المقصلة” في إطار الاحتفالات الخاصة ب 17 أكتوبر 1961، وهنا يقول المخرج “من حسن حظي أنني كنت خلال هذه الزيارة أحمل كاميراتي، الأمر الذي جعلني أصور تلك اللحظات واللقاء الذي جمع بودينة بسكان فولونفلا الشهيرة بانتفاضاتها الشبابية منتصف الثمانينات والذين جاؤوا بكثافة للقاء مَن ظل سجينا هناك بين سنتي 1960- 1962. وجوههم كانت تعبر عن دهشتهم أمام قوة الرجل الذي جاء ليتحدث عن تجربته الإنسانية والقصة التي يجهلها هؤلاء، فالكثير منهم يرى كبار المسؤولين الفرنسيين يقفون دقيقة صمت سنويا ترحما على السجناء الذين قطعت رؤوسهم في الحرب العالمية الثانية لكنهم لم يسمعوا بأن هناك جزائريين قبعوا في هذا السجن وتم قطع رؤوسهم في المكان نفسه، ولذا كان الكل يستمع لهذه الحقائق والشهادات باهتمام وتأثر كبيرين، وهنا يضيف المخرج قائلا ” بعدما علمت أن بودينة سيتنقل لزيارة سجن مونلوك قررت مواصلة تصوير هذه اللحظة الهامة التي يعود فيها سجين جزائري لأول مرة في تاريخ العلاقات بين البلدين إلى زنزانته لأنها تمثل حالة رمزية خاصة واستثنائيةً، فهو الوحيد من الأحياء الناجين الذين يعودون جسديا إلى مكان رمزي كهذا. فقد حان الوقت ليتقبل الفرنسيون فكرة سماع الحقيقة التي وردت على لسان مصطفى بودينة وآخرون، فعلى اختلاف اتجاهاتهم وانتماءاتهم ومستوياتهم الدراسية لا يعرفون بأن 12 جزائريا قطعت رؤوسهم في هذا السجن، الحقيقة التي لم تجرؤ فرنسا على ذكرها، وبدل الاعتراف بجرائمها تمضي لمحو أثار الماضي، بدليل أنه لا توجد أي صور للسجناء الجزائريين في زنزانات السجن الذي تم تحويله إلى متحف تابع لوزارة الدفاع الفرنسية تنظر إليه على أنه المكان الذي يجسد مقاومتها، بينما ترفض الاعتراف به على أنه جزء من الذاكرة التاريخية المختبئة فيها قصص ومآسي الجزائريين.

ولعل ما جاء على لسان بودينة الذي كان وقتها مسؤول شؤون المساجين بتكليف من فيدرالية فرنسا لجبهة التحرير الناحية السابعة أكبر دليل على ذلك. كيف لا وهو الذي تحدث بإسهاب عن تلك الأيام وعن السجناء البالغ عددهم 217 سجينا محكوما عليهم بالإعدام، منهم 208 سجين أعدموا بالمقصلة والبقية قاموا بحرقهم وتسميمهم، وحقائق أخرى أماط اللثام عنها الرجل الثوري الذي وبمجرد دخول إلى سجنه وزنزانته عادت إليه تلك الصور والذكريات الأليمة، فتغيرت ملامح الوجه وعادت أيام القهر والتعذيب، واستحضر حينها هتافات ووجوه رفاق الكفاح الذين تم تصفيتهم ولم يتجاوزوا العقد الثاني، عاد بعد خمسين سنة لهذا السجن الذي يحمل الكثير من الرموز والدلالات كاشفا عن الكثير من الحقائق التي جرت خلال حقبة تريدها فرنسا أن تبقى مظلمة، فسجين الأمس، الزائر الغريب على متحف الحرب العالمية الثانية – سجن مونلوك ـ راح يروي لمدير المتحف قصة كل زنزانة وكل جدار، ويوميات المساجين آنذاك وهنا بدا التأثر واضحا على الرجلين…ويعد هذا الوثائقي نتيجة بحث وعمل على الذاكرة جسّده صاحبه بقليل من الإمكانيات الخاصة والمتواضعة، وفي ذلك تأكيد على أن الإرادة والرغبة في تقديم التاريخ بصورة سينمائية بعيدة عن التزييف وتزويد السينما الجزائرية بأعمال جيدة، جهد لا يقدر بأي ثمن. فبإمكان أي مخرج تتوفر لديه الرغبة في تقديم أعمال جيدة لن تكون الميزانية عائقا أمامه. كلام ينطبق على محمد الزاوي الذي أنتج في أقل من 5 سنوات فيلمين من تمويله الخاص الأول خاص بالأديب الراحل طاهر وطار والثاني بمصطفى بودينة بعنوان “عائد إلى مونلوك”. وقد شارك هذا الفيلم في مهرجان الجزيرة للأفلام التسجيلية في طبعته التاسعة المختتمة فعالياتها منذ أسبوعين. لم يخرج الزاوي خالي الوفاض مثلما دخل خاصة وأن مهرجان الجزيرة كان أول تظاهرة يعرض فيها الفيلم، بل رشحته لنيل الجائزة الكبرى.

هذه النتيجة اعتبرها المخرج خطوة هامة في مساره وتقديرا لجهده وبحثه المتواصل في الذاكرة والتاريخ، وأضاف قائلا ”شرف كبير أن يتحصل الفيلم على هذا الصدى من أول عرض له، يكفي أيضا أنه عرض إلى جانب هذا الكم الهائل والنوعي من الأفلام لكبار المخرجين”، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الزاوي لم يحصل على أي تمويل من أي مؤسسة حكومية جزائرية وعلى رأسها وزارة الثقافة أو أي جهة أجنبية، بل اعتمد على جهده الخاص لإنتاج هذا العمل التاريخي الذي لم يكن يهدف إلى أن يدخل في منافسة مع غيره، بقدر ما يتمنى أن يكون مرجعية للأجيال لتفادي بعيدا عن أي تشويه وتزييف للحقائق وللمساهمة أيضا في كتابة التاريخ سينمائيا وبغية تعريف الشعوب بتاريخ الجزائر ونضال أبناءها، فضلا على أن استقرار المخرج بفرنسا سهل عليه انجاز أعمال قيّمة من هذا النوع بقليل من الإمكانيات، فقد بات يعرف هذا الإعلامي والمخرج بالقناص الذي لا يفوت مثل هذه الفرص التي لا تعوض.

 

 

 

 

 

—————————————————————————

* ضاوية خليفة (صحفية من الجزائر )

 

اترك تعليقا