-1-
وردت في رسائل الجاحظ مقولة مفادها أن “من كانت غايته انتزاع الألفاظ حمله الحرص عليها، والاستهتار بها إلى أن يستعملها قبل وقتها، ويضعها في غير مكانها. ولذلك قال بعض الشعراء لصاحبه: أنا أشعر منك! قال صاحبه: ولم ذاك؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه”.
و على غرار ما يمكن أن تدلّ عليه هذه العبارة من طرحٍ لمفهوم الطبع في قول الشعر و من مفاهيم الصنعة و التكلف يكشفهما مدى توافق أبيات القصيدة و اتصالها يبعضها، إلا أنها تُحيِّن، و هي القديمة، إشكاليةَ ما يمكن أن يحدث للنصوص الشعرية من بترٍ تصبح بموجبه أجزاؤها غير دالة على وحدتها. و لعلّ هذا ما يجعل قراءة الجاحظ لما قاله الشاعر عمرو بن لجأ و هو يرد على شاعر آخر، في باب سعة فكرته عن النص و استعمالاته من طرف القراء وفق أهوائهم. و هذا على غرار ما يحمله المعنى الأول من وجوب المؤاخاة بين أبيات القصيدة انتصارا الطبع و ذمًّا للصنعة.
قد لا يعني البيت بالضرورة الصدر و العجز. كما قد لا يعني كذلك محدودية ما يرسخانه من معيارية موسيقية في أذن المتلقي تتوقف عند الظاهر الشكليّ كما رسخته الممارسة الانتقائية لكثير من النقاد القدامى و هم ينظرون إلى البيت من باب القول المكتمل الوزن والمعنى، و إنما قد يعني فسحة القول الشعري التي يمثلها البيت باعتباره كينونة الشاعر و سكنه الدائم الذي يتسع للكتابة بمفاهيمها المتعاقبة عبر الأزمنة و الأمكنة.
فهل يمكن أن نتصور البيت سجنا يأسر فيه الشاعر الوحدة العضوية للقول الشعري على الرغم من إمكانية احتوائه على مجمل إحداثيات هذا القول بوصفها دالة على ما يليها من أفكار تتبع أحداها الأخرى، و تتناسق فيما بينها، فتشكّل هذا البيت الكبير الذي لا يمكن إلا أن يعبر عن كينونة الشاعر الوجودية، و عن بصمته الشعرية التي لا تفارقه؟ و هل يمكننا تصوّر ألاّ يكون البيت غير هذه القصيدة العظيمة يقولها الشاعر العظيم، فتكون دالّة على هويته الشعرية تماما كما البصمة الشعرية تدل عليه هو لا على غيره مهما تعاقبت الأزمنة و تجددت الرؤى الفنية و الجمالية؟
تبدو قراءة الجاحظ لهذه المقولة في غاية الأهمية بالنظر إلى لما يريد التدليل عليه من ضرورة النظر إلى النص/ القصيدة بوصفه وحدة عضوية كاملة في تناسق ألفاظها و اتحاد أبياتها و عمق رؤيتها و تلاحم دلالاتها. و ربما فات من يحاول أن يفكك بنيتها، و هي على هذه الحال، وفق ما تمليه عليه رغبته الذاتية الخالصة، خطورة انتزاع بعض ألفاظها عن بعض، أو الاستهتار بمعانيها، فاستعمالها في غير محلها و في غير وقتها، فيكون بذلك قد أساء إلى القصيدة من حيث هي قصيدة، فشتَّتَ معانيها كل مُشتَّت، و أساء إلى البيت بوصفه أخاً لأخيه الذي سبقه حاملاً منه جيناته، و أخاً لأخيه الذي يليه مورّثَها له، لا يستطيع القارئ عندها أن يفصل بينهما فصلا عشوائيا أو متعمّدًا، يعزل ما يروق له عزله وفق رغبته الآنية الملحة، نظرا لما يربط بينهما من أخوّة، فيكون إنْ فعل ذلك تسرّعا أو استعراضا أو لغاية في نفسه، قد أنزل الأخُوّة منزلة العمومة، و أنزل العمومة منزلة القرابة، فتضيع نسبة البيت إلى أخيه ونسبتهما معا إلى الشاعر الذي أنجبهما، فيتوزع دم القصيدة بين قبائل الروايات المشتتة، و يضيع ميراث الشاعر فلا يبقى منه حينئذ غيرُ أثر قليل يدل على الجزء و لا يدل على الكل، و لا يفي الجزء بغرض ما أراده الشاعر لحروفه في بادئ القول الشعري. و ربما ابتعدت صلة القرابة التي تحيل إلى النص/الأصل، و دلّت بعد ذلك على غير مدلولها الكامن في البيت الأكبر، بيت الوجود أو بيت الكينونة، الذي طالما أرّق شاعرا مثل محمود درويش في قصائده ذات النفس الملحمي المتأتي من رؤية خاصة للذات الشعرية الدرويشية و هي تعاني ممّا عبر عنه الشاعر العربي القديم بعمق حين قال:( بمَ التعللّ لا أهل و لا وطن/ و لا نديم لا كأس ولا سكن).
-2-
لا يمكن لناقد عارف أن ينكر ما في شعر محمود درويش من هذه البصمة الخاصة به، وهذه الكينونة التي كانت تؤرقه بوصفها وطنا دائما له، ما لا يستطيع أيُّ استئصالٍ لجزء من شعره، أو بيتٍ من أبياته الموزونة، أو المرسلة، أو المقفاة، أو الملقاة على قارعة المعنى، مهما كان صاحبه حاذقا في التمثيل و صادقا في الاستئصال، أن يعبّر عمّا تحمله هذه البصمة من خصوصية لا يعكسها المقطع المُمثَّل به، أو المقولة المراد نقلها. و لعل هذا دأب جميع الشعراء لا يريدون لأشعارهم أن تكون لحماً صائغا للمتلقّين و هم يختارون من لُحمةِ النص/ القصيدة ما يروق أذواقهم في تلك اللحظة، و ما يلبي رغبتهم و هم يتخيرون منها ما يعكس مزاجهم، فلا يعيرون أي اهتمامٍ لما يمكن أن يحدث للنص، و من ثمة للشاعر، من تمثيل سلبيّ يصبح بموجبهما الشعر و الشاعر أداة سهلة في يد كلّ مدّعٍ معرفةً بالشعر وكلّ متحامل على خصوصياته.
ما معنى أن ينزع أحدهم بيتا أو مجموعة أبيات أو أسطرا راقته من قصيدة ثم يضعها في إطار مزيّن بصورة الشاعر أو بدونها، ثم يرمي بها في مهب بحر متلاطم من القراء الفيسبوكيين و غيرهم ممن يسكنون العالم الافتراضي، و يُسوّقون من خلال ما يتيحه لهم من تلاعب بالنصوص يَنظُرُ إليها كلٌّ بمنظاره و بمستواه، فيستسهلها بعضهم، و يحتقرها بعضهم الآخر، و يمرّ عليها الكثير من هذا الخلق مرور الكرام لا يولون لها بالا، و كأنها لم تكن في لحظة ما من لحظات الشاعر الحرجة أختا لأختها فصلهما النازع عمدا، فلم تعد تربطها بها في ذهنه و هو يختار ما يريد أن يختاره، أيّةَ صلة قرابة تكفل لهما، لو بقيتا في سياق النص متلاحمتين، قدرةَ الدفاع عن نسبهما المحيل إلى قصيدة الشاعر كاملة غير مجزأة إلى أجزاء، و غير ممزّقة كلّ ممزّق.
تبدو الكثير من مقاطع قصائد الشاعر محمود درويش و هي تتعرض للتقطيع و الجزارة، ثم التزيين و التأطير و التصميم الفوتوشوبي من طرف الكثير ممن يحبون هذا الشاعر الكبير- أو يعتقدون أنهم يحبونه-، و كأنها مقولات عادية جدا بإمكان أي شخص أن يقولها، أو ينسبها لنفسه، أو أن يقول مثلها وينسبها للشاعر، أو أن يشوهها عمدا أو جهلا فيأخذها الأُخَّاذُ على أنها من مقولات الشاعر و من قصائده.
ثمة إشكالٌ بأوجهٍ عدّة تطرحه مسألة كهذه، أولها أن هذه المقاطع غير مُمَرْجعة في غالب الأحيان و غير منسوبة إلى القصيدة التي اقتطعت منها، و ثانيها أنها مقطوعة من سياقها العام الذي ربما اختصت به القصيدة الدرويشية بخصائصها اللغوية و الفنية والجمالية، و ثالثها، و هو الأخطر في نظرنا، أنها بالصورة التي تظهر بها، لا تعكس المكانة الحقيقية لشاعر كبير كانت تؤرقه الفكرة الملحمية في القصيدة، و هي فكرة انعكست في نصوصه المطوّلة خاصة، إلى درجة أنها أصبحت خاصية من خصائص ما يمكن أن نسميه بالقصيدة الدرويشية، تُقرأ هكذا في سياقها الملحمي بما تتركه من أثر جمالي لا يظهر في كثير من الأحيان إلا بعد الانتهاء من زمن القراءة، و بعد تمثّل النسغ العام للنص الشعري كما تشّكل في بطن الشاعر، و كما خرج إلى الوجود حاملا زفرات التاريخ، و آلام الجغرافيا، و تأوهات اللحظات المتشظية الباحثة عن الزمن الضائع في خضم هذا العالم الذي ما فتئ يبحث فيه الشاعر محمود درويش عن مستقرّ للقصيدة و عن موطئ للجسد.
-3-
ربما كان وراء هذا النزع تلك الفكرة التي لا زالت تربط القارئ المعاصر بالمحددات القديمة لجمالية القصيدة العمودية يعتقد من خلالها القارئ المعاصر أن كلّ قصيدة شعرية، إنما هي عمودية مهما كان شكلها، و أن كل ما يشبه البيت هو بيت يستطيع أن يفصله عن سياقه كما كانت تفعل بعض العرب حينما راحت تنزع ما يروق لها من الأبيات المكتملة المعنى، فتقول هذا أروع بيت في الغزل، أو في المدح، أو في الهجاء، رابطةً بذلك كل بيت بمعناه الخاص، و فاصلةً وحدته الشكلية عن القصيدة، فيكون للقارئ الحقّ في أن ينزعه من القصيدة لأجل أن يتمثل به، و لا يبقى للسامع عندها إلا أن يبحث عن المناسبة و عن القائل. و يكون القارئ المعاصر قد نسي في هذه الحالة ما لحق بمفهوم الكتابة الشعرية من تطور في بنية الشعر العربي.
و ربما أخبر هذا الفهم عن مدى تراجع الصورة التي يحملها القارئ المعاصر عن القصيدة الشعرية، لا من زاوية ما يجب أن تحقق له من إدهاش و متعة و مفازات تخييلية تفتح له مغاليق عالم غير مستهلك و لا مكرر و لا مستعمل فحسب، و لكن من زاوية ما يمكن أن ينخر الذائقة الأدبية من تصورات جاهزة تحصر الرؤية الجمالية الباحثة عن هذه العناصر في غير ما يحفل به العصر من تحولات معرفية تطرح هشاشة العلاقة التي تربطنا بالعصر الذي نعيش فيه، في كلّ ما تمثله هذه الهشاشة من سطحية في إدراك المفاهيم الجمالية المعاصرة، و من ابتعادٍ عن تحقيقها على مستوى إبداع يعكس عمق التلقي في راهن انسجامه مع اللحظة، و لا تؤسس لتحريك آلية تراجعية في رؤيتها للنص الشعري كما أراد أن يكتبه محمود درويش في قصائده الملحمية.
و سواء أأحببنا شعر الشاعر محمود درويش أم لم نحبه، فإن ممارسة سلطة التقطيع و التمزيق و الانتقاء غير النابع عن ذوق حقيقي و عن رغبة عميقة في التمثّل بشعر الشاعر، إنما يخبرنا عن مدى ابتعاد القارئ عن منظومة التذوق الشعري و عن تصوره البسيط للكتابة الشعرية، لا كما تحققت في شعرية محمود درويش فحسب، و لكن كما سعت إليها حركة التجديد الشعري بكل ما أتت به من زخم كتابيّ متنوع المشارب و الاتجاهات منذ ما يفوق القرن من الزمن الشعري العربي.
كما أن سلطة القارئ (العادي في هذه الحالة) و هو يفعل بالنص الأفاعيل، ربما دلّت كذلك عن تراجع رهيب للرؤية التي حملتها معركة الحداثة الشعرية بوصفها رؤية مستقبلية مستندة في تطورها و في سعيها الفكري و الجمالي إلى مرجعيات شكلية، و إلى أنساق جمالية طالما استُخدِمت خطأ أو عمدا في تصفية الحسابات الموقفية المرتبطة براهن اللحظة الإبداعية وما يكتنفها من توجسات سياسية أو إيديولوجية. و ليس لهذا التراجع في تفهم البنيات الشعرية المعاصرة و طرائق تحققها في النص الشعري غير سبب جوهري هو مقدار الهوّة التي تفصل القارئ العادي الساعي إلى إنصاف الشعراء باستخدام مقولاتهم الشعرية للتعبير عن تعلقه بهم، أو لتمرير فكرته من خلال ما عبروا عنه في أشعارهم أو في جزء منها، عن الرؤية الفنية و الجمالية التي يحملها الشاعر، و التي يظل يدافع عنها طيلة حياته بغض النظر عن مواقفه الفكرية أو الإيديولوجية المؤثرة هي الأخرى ضرورةً في التحولات الجمالية التي يسعى إلى تحقيقها في نصوصه طيلة حياته.
.
.
—————————————————————————————–
* عبد القادر رابحي ( ناقد وأستاذ جامعي من الجزائر )




