الجميل ما يبحر بنا إلى معرفة ما تحت القلنسوة ،هل هو شعر” أجعد” أو” مخلل بالدهن الصامغ” أو “صلعه الفارون”،؟ نرتكب في ب عض الأحيان، أخطاءا نضنها تلميحات ولكن عندما يقرؤها غيرنا يضن بها فاقره، انه لعمري شيء عجيب ، وأنا أتهالك كعادتي أمام النصوص المبدعة المثيرة فانبجس فيها خلسة كما كان يفعل النحاة أثناء زمن ابن عباس والأصمعي، يرتوون من أريج اللغة الفاخرة التي تنجذب من حول المادة الكلامية ،لتزف بشائرها المكنونة في نواصيها من أول الكلام ، ربما أنا لست كعادتي عندما اقفز مباشرة إلى مقدمات ربما تخرجني من عنقي ولا استطيع إخراجها من عنق الإبداع ، ذلك ربما هو زلة من زلل الإنسان الذي حسد في السماء والارض ،بين يدي هذه الترنيمة العاجية التي تدور فضاءاتها بين نظرتين الأولى فيزيولوجية والثانية إنسانية ، وللدخول إلى النظرتين يتطلب الحسم في أمر مهم في آلة النقد ، أولها التجرد من حسية الكاتبة أو المبدعة ، رغم إنني لم أتناول نصوصها إلا على صفحات أصوات الشمال المحترمة، يعني ليست لي طوابع من شخصيتها ولهذا فاني سأخنق النص ولا ادعه يموت البتة لان فيه مايستهل أن يتمتع به أخرا، فلهذا لن يكون الحكم قاسيا بقدر ماهو ترويض لما أردت أن أقيم عليه “حالة” يراعي المرتجف من غمق السنون .. وهذا ما جعلني اطرح اربع أسئلة متناصبة في أجوبتها لكي تبنى أسس ما أرادت إن تقوله المبدعة :
السؤال الأول: ماهر الفضاء المكاني عندي قدرية؟
النظرة الطولية في شكلها الحسابي “خط مستقيم” يجسد قارعة لطريق عامر بين (تيه ) منغلق في متاهة التفكير ومساحة إلى عيون (مستقبل) والكاف حرف خطاب، إذن ينجر داله عن طوق يطوق بحركة التفكير التي هي في الأصل نوع من التيه المأخوذ سلفا من قاعدة تفكير عميقة ، لم تخبر بها المبدعة، وكأنها تريد إن تقول إن الناس يعرفون ما تفكر فيه وهذه مؤاخذة لا يؤمن بها النص مهما كان نوعه فالمبدعة هنا اغترت نوعا ما بابتكارها للتيه، رغم انه لاتوجد “دلالة شعرية “توضح ذلك ، اللهم إلا ترنيمة هذا نصها ” حيث تاه فكري … إلي عيونك…” عكست فضاء محصورا ومقوما في نظرة طولية تبدأ وتنتهي لتصل إلى العيون..
- السؤال الثاني: ما هو سبيل الكلام؟
يذكرني هذا السؤال بعنصر مهم في أسئلة “غرين شوبر”حول ماهية الطريقة ، وننعتها في الاتصال ب”الوسيلة” وهي اللغة كما أشارا ليها “شانون ويفر” ، اذن لاخلاص إننا نناقش ربما لغة الكاتبة سوف نحاول تحليل ذلك من خلال ترنيمتها التالية : “بنظرة منها أستمد الكلام”؟ تستبق الكاتبة “لغة النظرات ” التي تطبع طلاسم الغير فلا كلام لها إلا بعد إن يتحلل خاطرها بالنظر إلى المخاطب ، فهي “بكماء” بدون نظر إلا ملهمها فإلهامها من الغير وكأنها تتزود من وقود غيرها ،ربما جعلت هذا على ” سبيل المعاكسة ” لأنها ألقت السمع ولم تؤكد ذلك لأنها تحلم كثيرا “بلغة العيون” وهي لغة الشعراء في ” أزمنة العشق والبوح”على تراحين الابتسامة فموعد فلقاء ، الكلام معدم كأنه أخيلة غائبة لا ترابط لها إلا بإستمداد الروح من بريق النظرة ، لغة الشاعرة ” نظراتي تعشق العيون” وهذا ما يؤكد غزارة ثقافتها العينية ، سنرى ذلك في الترنيمة الموالية من خلال السؤال الموالي:
السؤال الثالث: ماهو تأثير النظرة على القدرية:؟
رجعت الشاعرة إلى مخيلتها لم تجد رابطة لتفسير تلك النظرة العادية سوى إن تربط لنا مجموعة ” تشاكلية” من عناصر “عادية جدا” ، ليس بها أية مسحة إبداعية فقد اشتملت على مدلول (طفل) وفصل الربيع ولو ذكرت الشتاء أو الخريف لكان أفضلا لها من “إقحام الربيع” مايأتي بعدها يكون واضحا ولا يجهد القارئ في الكشف عما كانت تلك النظرات تفعله في عيونها وتفكيرها المؤدي إلى التيه ، فالتيه لم يكون في الربيع لأنه ليصلح لذلك أبدا،عرفنا ألان إن الطفل يناغي الربيع ماذا بعد نحاول أن نكتشف من السؤال الرابع
:
- السؤال الرابع:كيف عجنت الكاتبة خبزها ؟
وضعت بين يديها العاديين ( لا وصف هنا ) تداعبان ذلك السباب( لاوصف هنا ) يجيز المداعبة ، لتدخلنا في عجنة خاصة مقدارها الم وانين يعني تقصد الشوق الذي حرك شفتيها بالله كيف يكون الخصب بين أنين الشوق ورجفة الشفاه إلا إن تكون خلطة سحرية ، لنفسر ذلك أكثر قالت الشاعرة قولتها وفق مايلي :
إذا كانت النظرة قد امتلكت مجسما ، فهذا عين الخرافة بمنطقها الخرافي غير المفهوم وليس الإبداعي المستور في ” ن” القلم واذا كانت الشاعرة تقصد نفسها ، فكان حري بها ان تنظم بيتها لا إن تصنع نافذة بدون زجاج ،وقد وصفت عملية الرضاعة وكشفت عن صدرها ..حتى در البريق ( يعني بدأ الهوس من صفاء ونقاء لحليب كأنه البريق … لنتابع ماقالت ، لاننا سنصل إلى عينيها، بعدما تغنت بعين المخاطب ويظهر لي أنها نسيت نفسها حين قالت
“حيث تاه فكري … إلي عيونك…”"
كأني طفلٌ يُناغي الربيع….بين يديها يُداعبني ذاك السباب……وأنين الشوقِ يرجف بين شفتاي…… ليحين موعد الرواء الخصب….من سُهد نهدها البديع….كلما أبرق صدرها، دَرّ البريق.. عادت إلى عينيها، وكأنها “ترسم قصة لقاء مجددة بين أميرهارب أبكم ، لم تنطقه بعد وبين أميرة مغرورة استهواها در البريق ،لا شيء هنا عادي ينذر إن الشعر هنا محله مواجهة غير متكافئة بين بحروعاصفة وصقيع (خلطة أخرى عجائبية ) ختمتها بالرقص المعجب والأعجب منه أنها “تنسك رقصات” من زمن الأعجوبة فقط ،لتبحث عن سجع متطابق ( لا الرضيع ارتوى وهذا عين العقل مادامت الظروف الطبيعية قاسية..( عواصف، وصقيع، ورقصات ( فان للرضيع إن يرتوي أوحتى ينام) . فقط في الأخير فهمنا ذلك لتقول إن نظراتها وقعت في شعاع الأخر ، عودة بالقبول وكأنها أومأت إليه بالقبول من أول (غمزه) كانت سببا في إعلان النداء ،وتعلية الصوت لتعود حكاية العشق من جديد ولا شان للعبقرية هنا لأنه ليس لها مدلول إلا في خياله الحقيقي بعيدا عن النص المكتوب ، ولا ملائمة للمقام لأنه لست هنا أية مقامة ولا فرقعة سوى عجرفة السقوط في التيه وأو ولق المتابعة :
.في عينيها يُبحر البحَّار في…وجه عاصف الصقيع… عاصفة ترقص عُجباً والأخرى في رقصها تُطيع لا الرضيع ارتوى ولا ملّ الرفيق عاد النداء البكر… إلى عشقكِ يستمد الكلام عبقرية أنتِ في المقام! ابحرت بنا الشاعرة في فضاء العيون، وكانها تشخص حالة حالة نفسية لمريض شفي منذ مدة ،….
*د حمام زهير( ناقد وباحث أكاديمي من الجزائر)
.




