-1-
في (يطير الحمام.. يحط الحمام) لا ينفك محمود درويش يحذرنا من الدرس الذي تعلمه من الحب الذي علّمه “ما لا يحب”، و الذي أجبره، ذات هبوط اضطراريٍّ لضغطه العالي، إلى الطيران إلى أمريكا من أجل البحث عن تمديد ما لطيرانه في الحياة، فحطّ بعد رحلته الأخيرة، و هو الذي كان يعلن صراحة أن “أمريكا هي الطاعون”، جسدا هامدا ليُخاط إلى الأرض/ الأم التي لم يتوقف عن كتابتها بالحنين الأزرق.
و في (الرحلة الليلية) يحاول أنطوان سانت ايكزيبيري أن يجعل من الطيران مغامرة لا نهائية نحو المجهول من خلال تجريب العلوّ، و من ورائه التعالي، بوصفه مغامرة وجودية مليئة بالاستكشافات و باكتشاف الآخر خاصة، في السِلم لإيصال البريد إلى أقاصي الدنيا (لمن بالضبط؟)، و في الحرب لاستشراف ما يمكن أن يقوم به العدو من مفاجآت خادعة. و قبل ذلك بكثير حاول عباس بن فرناس أن يجرب الطيران على جناح طافح بالشوق، فحطّ بالسرعة نفسها التي حاول أن يطير بها إلى عوالم أخرى لم يعرفها الراسخون في الأرض و المستسلمون لواقع الجاذبية. و بين هذا و ذاك ثمة عامل أساسيٌّ مشترك يبدو أن اسمه الحلم الذي لا صلة له بالواقع تماما. سيتعلق الأمر هذه المرّة كذلك بالحلم، كما لو أننّا بالحلم نستطيع أن نبني بيت الوجود. و كما لو أننا به أيضا نستطيع أن نهدم ما بنيناه في لحظة واحدة. الحلم يوتوبيا المعدمين من الشعراء و الفلاسفة و الأيديولوجيين المهمّشين الذين لا يريدون للعالم أن يكون إلا على أمزجتهم و على أهوائهم.
-2-
ثمة بيتان في الشعر العربي لشاعرين مختلفين ربما كانا من أعمق ما قالت العرب على الإطلاق. أحدهما لأبي العلاء المعري و يقول فيه: (جَسَدِي خِرْقَةٌ تُخَاطُ إِلَى الأَرْضِ/ فَيَا خَائِطَ العَوَالِمِ خِطْنِي)، و الثاني مما يروى لقيس بن ذريح بحسب ‘تاريخ دمشق’ لابن عساكر و يقول فيه: (وَدِدْتُ مِنَ الشَّوْقِ الَّذِي بِيَ أنني/ أُعَارُ جَنَاحَيْ طَائِرٍ فَأَطِيرُ) .
و على الرغم مما يحمله البيتان من مَعْنَيَيْنِ ظاهرين متعاكسين بالنظر إلى ما يطمح إليه أحدهما من هبوط نهائيّ وما يطمح إليه الآخر من رغبة جامحة في الطيران، فإنهما إذ يحملان ما يحيلان به إلى تجربة حياتية تخترق أسوار المعهود، فهُما بما يحيلان إليه من مفازات باطنة، إنما يدلاّن على ما في تجربتهما الحياتية من معاناة، ومن مرارة، و من تعلّق شبقي، لكنه مجرد، بالجسد بوصفه مركزا للوجود الذي يتجاوز الموجود ّإلى غيره. ففي بيت أبي العلاء، النباتيّ الذي يتعفف من أكل اللحم ومشتقاته، طموحٌ إلى نكران الذات بوصفها جسدا ماديا فانيا على الرغم من إدراكه أن ذلك لا يتحقق إلا بوجود الجسد و لو مصلوبا، كما في التقليد المسيحي، على صلبان الألم. غير أن في بيته الشعري هذا، و في قصيدته كذلك، مرارةُ ما تحمله الحياة من مفارقة تدل على اليأس المطلق مما يمكن أن تقدمه لرجل مثله، لا يقوى إلا على استظهار بواطنها السوداء فينشرها في أشعاره عتمة تبددّ ما في الحياة من نور. و لكن البيت يحمل كذلك هذا المعنى الباطن يكاد يخبر عن رغبة ملحّة في الحياة و عن مدى تشبثه بها تشبث الغريق بقشّة اللغة الشاعرة تعيده إلى الحياة بعد موته منتصرا على بلادة عيشته، و سطحية أحداثها، و تفاهة ما يمكن أن تقدمه لأمثاله ممن لا يرون فيها إلا نصفها الفارغ، بل لا يرون غير كؤوس فارغة عطشانة لمزيد من يأس غامر سرعان ما يتحول إلى رغبة ملحة في التخلص من الجسد بوصفه عائقا في بلوغ المنتهيات النظرية المتأتية من غنوصية النظرة التي يركز فيها الشاعران على تيمة الموت و الحياة إلى درجة الذوبان في إحداهما و نسيان الأخرى.
و في بيت قيس بن ذريح، و نظرا لما عرف عنه من تعلق بالصورة، صورة المحبوب لا ترتوي الذات العطشانة منه و المتعطشة إليه، إلا بالتشهير به عن طريق الحلم الذي لا يتحقق في هذه الحالة إلا بالشوق الذي لا يمكن أن يخرج إلى الوجود زفراتٍ و تأوهاتٍ إلا بالشعر. ربما شرحت الأبياتُ المتبقية من القصيدتين مقاصد الشاعرين بدقة أكثر في توصيف ما يعترض الذات و هي تحاول الخروج عن طورها نظرا لعدم قدرتها على تجاوز مصاعب لا تستطيع التعبير عنها إلا الشعر.
فالشعر في حالة أبي العلاء يتحول إلى جسد/خرقة في ما يصرّ عليه من مناداة للالتحاق النهائي بالأصل الذي هو الأرض، أي الهبوط النهائي إلى الأرض التي طار منها الجسد/ الخرقة ذات ميلاد، حيث لا طيران بعد ذلك و لا حلم. كما يتحول الشعر إلى الفاعل الحقيقي لفعل الخياطة و هو (الخائط)، و إلى الرغبة الجامحة المتمثلة في ترجّي الذي خِيطَ (الشاعر) من الخائِطِ أن يُتِمَّ فعلَ الخياطة بإلحاق الجسد/الخرقة بالجسد الترابيّ الذي هو الأرض، والذي طار منه ذات يوم معتقدا أنه لن يعود إليه.
كما أن الشعر في حالة قيس بن ذريح هو جسد طامح للكمال الذي لا يتحقق في حالته هذه نظرا لما يشوبه من نقص لا يحقق له الرغبة الكبرى في الالتحام النهائي بالمحبوب. صورةٌ في غاية التناقض تحملها هذه الرغبة الملحة في تحوّل الشاعر إلى طائر بعد التأكد من افتقاده لجناحين يطيران به شوقا إلى التي لا يتم إلا الشعر إلا بها. فالجناح الناقص المرغوب هو ما بحثت عنه الإنسانية منذ فجرها الأول من أجل الوصول إلى ما حبا الله به الطير لأجل أن يعلّم الإنسان، وهو يعيش أقسى حالاته الوجودية و أشدها تعلقا بالآخر، حبّاً أو كراهيةً، كيف يواري سوءة أخيه ليلةَ أنْ نشب خلاف بينهما حول حمولة الشوق الأكثر تأثيرا، و التي يحملها كل منهما من أجل الظفر بالمحبوب.
-3-
غير أنه لا يمكن أن نُلزم، على طريقة المعري، هذين البيتين، و من ورائهما الشاعرين، بما يدلّ عليه ظاهرهما الممتلئ حدّ التخمة بما حملاه من رغبة في توصيل الحرقة إلى من يريد تجريبها. ففي البيتين ما ينفتح على آفاق قراءة أكثر سعة في تمثّل الرؤية الفلسفية الناتجة عن طرح إشكالية الجسد و علاقتها ببيت الوجود كما يتصوره الشاعران بنظرتهما المتعاكسة، و ذلك من خلال مفارقة ظاهرة للعيان تتمثّل في التوق إلى السماء من خلال تحقيق عودة الجسد نهائيا إلى الأرض عند المعري، و التّوق إلى الأرض من خلال الطيران اللانهائي في السماء عند قيس بن ذريح.
و لعل الملفت في نظرة كل من أبي العلاء المعري و قيس بن ذريح، و من ورائهما نظرة الحضارة الشرقية، أنها أبعد ما تكون عن الصورة التي تحملها الحضارة الغربية عن الجسد بوصفه مُنْتَجًا مرقّما، وكتلةً معلّبةً وفق الطلب و منحوتةً حسب ضرورات النظرة التشييئية التي ترهن القيمة المعنوية في ما تحيل إليه المادة من تحوّل و انصهار و تلفٍ. إنها الصورة التي تطرحها الفلسفة الغربية عن الجسد :
- بوصفه منحوتة بيجماليونية قادرة على تحقيق رغبتها في استعباد النحات الذي نحتها نظرا لشدة تعلقه المَرَضي بها في التصور اليوناني الإغريقي،
- و بوصفه أيقونة غير ممكنة الاختراق و قادرة على استحضار مأساة صلب الجسد الدامّى و عرضه أمام الملأ في السوق الروحية التي تعجّ بالأحبار و الحواريين كما هو الحال في التصور اللاهوتي المسيحي،
- و بوصفه بضاعة مشيّئة قابلة للاستهلاك في حدود ما تسمح به طرائق استعمالها و تواريخ تعليبها الدالة على تحقق الجسد في الوجود الاستهلاكي، و قدرته على المنافسة الاقتصادية بالنظر إلى مستوى احتفاظه بحيويته الصحية كما هو الحال في الأطروحات الحداثية و ما بعد الحداثية خاصة.
و لعل في نظرة أبي العلاء و قيس بن ذريح هذه ما يجعلنا نفكر مليّا في البعد الذي أودعه كل منهما في أشعاره. بعدٌ مرتبط بالوجود و العدم و الكينونة و الذات و الآخر و البقاء و الفناء و الحياة و الموت، أي بمجمل المساءلات الجوهرية لما سيُسمّى في عصرنا الحالي بمسمّى مُمأسس معرفيا و هو (الفلسفة الوجودية) كما نشأت في الغرب، و كما أسس لها مفكروها الكبار بمختلف اتجاهاتهم، كما هو الحال بالنسبة لكيركجارد و هايدجر و سارتر و مالرو وكامو و كُلُون ويلسن و غيرهم كثير ممن أخذهم التأمل في مغزى الوجود و العدم إلى التأسيس لمذهب فلسفي ترك بصمته الكبرى في الفكر الإنساني المعاصر نظرا لما عاناه الإنسان المعاصر من ويلات جراء الحروب العالمية المتتالية و انغلاق دائرة الأمل في الممارسة الفلسفية الغربية المفضية في نهاية المطاف إلى الدفع بالإنسان إلى مواجهة (الجدران) بحسب سارتر.
ربما كانت نظرتا أبي العلاء و قيس بن ذريح، على الرغم من تعاكسهما، نظرةً وجودية بما تحمله كلمة الوجود من بعدٍ مرتبط بالعدم كما تعكسه النظرة اليائسة للمعري، و لكنها نظرة غير فاقدة لوجهها الإنساني كما رسخته التصورات الفلسفية للحداثة و ما بعد الحداثة، و جعلت منه معلما مركزيّا حوّل الإنسان من إنسانيته المادية التي طالما قسّمت الجسد إلى أنا و آخر، فاستخدمت الجسد/الآخر لخدمة الجسد/الأنا من خلال ترسيخ العبودية و الاستغلال و الحروب، و أوصلته إلى أنسنة متوحشة تدعي تحرير الجسد من أغلاله المعاصرة الرابضة في التصورات اليقينية التي طالما رسخها الفكر الغربي في منجزه الفني و الإبداعي، و تدافع في الوقت نفسه عن حق امتلاك الجسد و حق التصرف فيه تصرفا واعيا بمآلاته، و باعتباره ملكية خاصة يحق للفرد استعمالها وفق رغبته الشخصية و قناعاته الإيديولوجية. و لكنها نفسها الحرية التي تَمنع على الجسد/ الآخر، و تمنع على جسد الآخر، و تمنع الآخر من حق التصرف في جسده حينما يستعمله من أجل تحرير أرضه في فلسطين، أو حينما يحوّله إلى رمز للتحرر من التصورات الغربية التي يحملها التزمت الغربي في معاقبته للجسد/الآخر عندما يمنع على الفتيات المسلمات حرية تغطية رؤوسهن بدعوى احترام المبادئ اللائكية في المجتمعات الغربية. ثمة كيل بمكيالين إذن، لا يتحمله المنطق الأرسطي خاصة.
-4-
إنها نفسها جدرانُ الوجود التي ستتحول إلى سجن يأسر الجسد الغربي في منظورات الاستهلاك و هي تُرفع في وجه الإنسان الدّاخل في النفق المظلم بجسد منهك، و بكمّامات كاتمة للصوت المختلف عن المعهود، و بـ(أيدٍ قذرة) ملطخة بما ارتكبته آلة التدمير الغربية، نتيجةَ ما شكّله انتهاء صلاحية الفكر الحداثي الذي ساد ما يقارب الخمسة قرون من مأزق وجودي و معرفيّ، أدى، بعد نفاد قدرته على تخطي الحواجز الفكرية التي وضعها بنفسه أمام طموح الإنسان في مستقبل أفضل مما كان عليه و هو يعيش ويلات الاستعمار، إلى إعادة إنتاج ما نشأ في بداية عصر التنوير من أجل الثورة عليه وهو الاستبداد الفكري و المعرفي و الاستغلال المركّب الذي كان همّه الوحيد خلق الثروة بوصفها محركا للذات في صورتها الفردانية الأكثر انفصالا عن قيمها الجمعية المنتجة لآفاق المعرفة الحاضنة للخصوصيات، و المستشرفة لما يمكن أن يشوبها من صعوبات في واقع لم يكن فيه من رحمةٍ تأبه بالحلقات الأضعف المُحقِّقة للاستلاب الوجودي، بالنظر إلى ما وضعته النظرية الليبيرالية من محددات نظرية و عوائق واقعية أمام كل فردٍ، متخذةً الصورةَ المطلقة لممارسة الحرية في أكثر وجوهها توحشّا من خلال وضع زمام المبادرة ليس أمام كلّ فرد، و إنما أمام الفرد المستغني عمّا كان يعوقه في عصر الانحطاط و في عصر الأنوار من صنميات اتخذها و لا زال يتخذها تعلّة نضالية لتحقيق فائض القيمة الفلسفي الذي سيسخره في تحطيم هذه الصنميات في مخياله الحضاري و في واقعه الآيل إلى الحداثة، و إعادة بنائها في مخيال الشرق المستعد بغير أهبة معرفية إلى استقبال الآخر بقيمه الجسدية و المعنوية استقبال الراضخين للأمر الواقع.
————————————————————————-
* عبد القادر رابحي ( ناقد وأستاذ جامعي من الجزائر )




