-1-
لم يكن فرانز كافكا (1883-1924)، و هو يحاول أن يبني لنفسه بغير قصد ظاهر، و من خلال الاستغراق الحاد في الكتابة، مجدا أدبيا سيُحسد عليه إلى الأبد، غير ذلك الفتى الذي لم تسعفه الظروف القاسية في النظر إلى العالم بمنظار أوسع ممّا كانت تحمله بواطنه عن الذات و انتمائها إلى عالم لم يكن يحس أنه خُلق من أجل العيش فيه، و عن هوية كان يحملها جرحا نازفا ممزوجا بروح استشرافية لمأساة ما سيحدث من تدمير للعالم في الحرب العالمية الثانية. ربما لهذا السبب، و ربما لغيره، كان كافكا يستطيع التفريق منذ البداية، ورغم صغر سنّه، و ربما بإحساسه بقصر عمره كذلك، بين الجُزُر التي بإمكان المبدعين أن يخلقوها لأنفسهم من أجل ممارسة حريتهم المفقودة خارج جغرافيا الوجود الشاسعة التي يضطرهم التاريخ إلى الهروب منها، و بين الجُدُر التي يبنونها بوعيّ إبداعي و معرفي واضح، و يضعون أبطال رواياتهم داخلها من أجل حماية الذات من أي خطر داهم استشعر كافكا بشاعته في واقعه المرير، و في مرضه الخطير آنذاك، فلم يكن يرى، بناء على ذلك، حريته في أكثر ممّا سيحدث في مستقبل الأيام لمدينة برلين، التي عاش فيها، من تسييجها بجدار لم يكن يحمل في رمزيته العميقة غير ما يحمله مفهوم الحرية من مرادفات يعجز عن تفسيرها اللسان و تحار في انزياحاتها الدلالة.
-2-
هل يمكننا أن نتصور استحالة تحقيق مفهوم الحرية إلا إذا أُحيط بجُدُرٍ لا تتجاوز مساحتها مقدار مساحة الغرفة التي اكتشف فيها (غريغور سامسا)، بطل قصة (التحوّل)، أنه تحوّل فعلا إلى حشرة مُرعِبة ذات صباح بارد و هو يهم للالتحاق بعمله؟ و هل يمكننا ألاّ نتصور مفهوم الحرية إلا بأسْرِه في جزيرة متخيّلة كما هو حال النظرة التي حملها كافكا نفسُه عن نفسه، أو في جزيرة واقعية، لا يحيط بها الماء، كما هو الحال بالنسبة لـ(لتحوّل) الذي حدث لبرلين بعد الحرب؟ و هل تحمل كلمة الحرية مفهوما أكبر من مساحة التحرك التي تسمح بها المسارات المؤدية إلى الشاطئ و الجدار؟ أم أن الحرية، بمعناها و مبناها، لا تعدو أن تكون مجرد بلاغة لا طائل منها، محصورة في جدارية جزيرة معزولة، لشدّة قربها من العالم الجديد، و لشدة ابتعادها عنه، إلى درجة تصبح بموجبها هذه الأخيرةُ موسومةً بجزيرة الحرية؟
شيءٌ من العبث العالق في حلق المعنى كما تعْلق التركيبة الكيميائية الطبيعية للكافيار في ملابس الصيادين المولعين حدّ الهوس برؤية مالكي القوارب أكثر ترددا منهم في الدخول إلى بطن الحوت، و برؤية الجنود الأمريكيين و هم يقودون السجناء البرتقاليين إلى زنزاناتهم المضيئة على مرمى من جُملةٍ تشيغيفارية لا زال صداها يتردّد في قلب العاصمة هافانا..
ربما لا زال صدى الكاريزما التشيغيفارية يتردد على مسامع من يموت حُبّا في سواحل الجنوب الأمريكي. غير أن ما كان يجب أن يتعلمه (سانتياغو)، في (الشيخ و البحر)، من رحلته البحرية الطويلة هو أنه لا يمكن له بأية حال من الأحوال أن يكون أكثر مهارة في الصيد من سمك القرش.. و إلا فما معنى أن يعود صيّادٌ ماهرٌ مثله إلى الشاطئ بهيكل عظميًّ ناصعٍ بعد رحلة سندبادية مضنية في عمق البحر الوجودي المتلاطم الذي يلف جزيرة همنجواي، السابق كعادته في مشاكسته للمركزيات المغلقة كما كانت تتجلّى في مُغلّفات المنتوج الثقافي الأميركي، و المجبول كعادته – أعني همنغواي- على تسجيل فارق المسافة بينه و بين مثقفي جيله من المبدعين الأمريكيين المصطفّين في طابور الماكّارتية القاتل كما يصطف نسل الإوز الملقح ضد الزكام الاشتراكي، و الذاهب إلى تناول نصيبه اليوميّ من لقاح المعنى في مزرعة ليست أكبر من جزيرة الحرية، و لكنّها ليست أصغر منها كذلك، و هي في الحالتين تشبه إلى حدّ بعيد (مزرعة الحيوانات) كما خرجت من مخيّلة جورج أورويل، مع حفظ الأسماء و الألقاب طبعا.
شيءٌ من العبث الجميل، و لكنه عبث مقرون بكثير من العتمة التي مؤداها أن للحرية جزيرة. فإذا كان للحرية جزيرة فعلا، فهذا يعني أن ثمة أَسْراً مُطْبقا على من يحاول الخروج منها، و على من يحاول الدخول إليها. و هذا يتناقض مع المفهوم الذي يحمله الوصف أساسا. و ربما لذلك، يبقى في نَفْسِ أمريكا المُعتدّة بنفسها شيء من عقدة الانتقام من كلّ من تُسوّل له نفسه استعمال الأسلحة (ما فوق القاتلة) من المتقدمين العرب و من المتأخرين، لأن ذلك كان و لا زال وسيبقى من اختصاصها هي دون غيرها، و ما جدار هيروشيما المشيّد بصورة لا مرئية، و لكنها أبدية، إلا مثل ليس ببعيد.
ثم هل يمكننا أن نتصور أنه بإمكان الجزيرة (بكل معانيها حتى الفضائية منها) أن تكون حريّة، أو أن نتصوّر أنه بإمكان الحرية ( بكلّ معانيها حتّى الأرضية منها) أن تكون جزيرة. ذلك أن الجزيرة، في التصور العام، لا يمكن أن تخرج عمّا يمكن أن يخبئه التاريخ من مفاجئات أسطورية للقارئ المندهش أمام عبقريةٍ كالتي يمثلها شكسبير- ناهيك عن الآلاف من الأدباء ممن كتبوا عن الجزر و غرابتها عبر التاريخ- في طيّات مسرحياته للقارئ الانجليزي المبهور بما يمكن أن تنتهي إليه (العاصفة) من سماحة إنسانية لبطل خيّرٍكـ(بروسبيرو)، رمز الحاكم المنشغل عن الحُكمِ بسيمياء الوجود، و مقلوب عليه، بسبب كثرة غيابه عن سدّة الحكم، من طرف أخيه الجائع إلى تحقيق طموح فجائي بالوصول إلى الحكم من باب الأخوّة الغادرة، لولا أن عبقرية شكسبير (العربية ربما؟؟) تذرو كثيرا من الملح التخييلي على مسار العرض المسرحي، فتفتح له إمكانية إضافة ما تتركه (الساحرة الجزائرية) التي كانت تسكن الجزيرة ثم غادرتها، من عُقَدٍ سحرية ستساعده لا محالة في الدفع بالعمل المسرحي إلى ما تخبئه العقدة من أسرار ستكشف في النهاية عن حلّ أفضى إلى تسليم السلطة إلى الجيل الثاني من العائلة الحاكمة من خلال تزويج ابنة كذا من ابن كذا، كما هو الحال في كل الزيجات المبنية على المصلحة الجالبة للقوّة، و الطّاردة لكل نحس بإمكانه أن يستغلّ ما تركته (الساحرة الجزائرية) في كلّ جزيرة خاوية إلا من أحلام من يصلون إليها على مراكب مصنوعة من جلد ماعز عربيٍّ خالص كما هو الحال بالنسبة لـ (لومبيدوزا) الحالمة بليلة لا تصل فيها أفواج المهجّرين اقتصاديا إلى شاطئها الممتلئ بالرؤوس السود كما تمتلئ الرأس السوداء بالشيب الأبيض مع مرور الوقت.
-3-
هل كان في نية كافكا، و هو يقترب من حتفه، و لمّا يبتعد عن الأربعين، بسبب المرض المركب، و بسبب اليأس المطلق من الشرط الوجودي للحياة الغربية التي وضعته قبالة جدارٍ مُربّعٍ ضيّقٍ لا تسمح فيه الذات لنفسها بالتنفس، فحوّل مخياله السردي كلّه إلى حشرة مرعبة رعب الفكرة التي أوجدتها الحضارة الغربية عن نفسها، أن يحرق أعماله-كل أعماله الأدبية- بما فيها الرسائل الموزعة على الأصدقاء الموزعين هم كذلك على برودة براغ، و على ضباب برلين، و على (بوهيميا) ما تبقى من المجد النمسو-هنغاري؟ و هل كان يريد فعلا حرق كل أعماله؟ و هل من المعقول أن نوصي صديقا بحرق أعمالنا؟ و ماذا لو أن (التحوّل) و غيرها من أعماله قد أُحرقت فعلا و لم يصلنا منها أثر؟ هل كانت درجة الإعجاب حدّ العمى من طرف الكثير من المثقفين العرب المنبهرين بالدرس الكافكاوي ستتحوّل إلى رواية (رجال في الشمس) لغسان كنفاني؟
ربما كانت عبقرية كافكا في كونه استطاع أن يرسم صادقا حالة الغرب الآيل إلى عمق البئر الوجودية التي وضع نفسه فيها وسط زحام غريب سيأتي على مجمل الانجازات التي طالما كان يعتقد أنه حققها للإنسانية جمعاء.كافكا اليائس حدّ النخاع، و الميئوس من حالته الصحية المتدهورة بسبب برد برلين القارس، و بسبب الأفكار القاتلة للمرحلة، و بسبب الجوّ الممتلئ حدّ الاختناق بالأطروحات النازية التي لم يكن ليقابلها إلا بالمزاج اليهوديّ السّاخر الذي استطاع أن يوظفه بطريقة فنية ذكية في قصصه و في رواياته، هو نفسه كافكا المهتم بالتعاليم التلمودية، و المقتنع بالأطروحات الصهيونية، و الراغب في الهجرة إلى فلسطين، و المدافع عن ليبرالية إنسانية ربما وجد فيها ظالته التي لم يجدها في مُغلقات اللحظة المحفوفة بالليبرالية المتوحشة، و بالمخاطر النازية، و المتوجهة رأسا إلى معركة ما كان له أن يحضرها و هو على هذه الحال من المرض و اليأس و الوحدة . كافكا المحبوب حدّ التبجيل ، نظرا لما قدمه من صورة دقيقة للذات المستلبة، و للهوية الممزقة وللوجود البائس، إلى درجة توصيف هذا المزيج المنذر بالكاوس الوجودي من طرف النقاد بـ(الحالة الكافكاوية)، لم يكن يعرف تماما الشعب الفلسطيني، و لم يكن يفكر تماما في ما سيحدث له من حالة كافكاوية لا زال يدفع ثمنها إلى اليوم.
-4-
ماذا لو أن العمر أمهل كافكا فتمكّن من الهجرة إلى فلسطين مثلما كان يرغب في حياته؟ و ماذا لو أنه عرف غسان كنفاني، أو التقاه، أو قاسمه معنى أن يعيش غريبا في وطنه؟ ماذا لو أنه قرأ (رجال في الشمس)، و أحس بحالة الغربة التي يعيشها (أبو القيس) و هو يغادر الأرض و الأهل و أشجار الزيتون للموت داخل حاوية الوجود الشبيهة بغرفة (سامسا)، و بما يفعله (أبو الخيزران) بالجسد الفلسطيني المتروك للعراء؟ هل كان سيضطر إلى سحب (المحاكمة) من التداول، أو إلى إعادة كتابتها وفقا لما ستقترحه مساحة التحوّل المرعب الذي حدث للإنسان الفلسطيني جراء التحويل المنهجي لطبيعة العلاقة التي ربطت الإنسان اليهودي مع الغرب الراسخ بمركزيته المتعالية، و بفظاعة ما أنتجه من قيم معرفية حوّلت (سامسا) إلى حشرة مُرعبة، إلى مأساة يعيشها الإنسان الفلسطيني المُهجّر من أرضه و من وطنه؟ وماذا لو أن كافكا أحسّ لحظة واحدة بحجم المأساة التي كان يشعر بها (أسعد) و (مروان) و (أبو القيس) و هم يتحولون إلى وديعة مأساوية تفوق التحوّل الذي أصاب (سامسا) فظاعةً، داخل حاويةِ مركبةٍ تنقلهم من غربة التهجير إلى صحراء التيه؟ هل كان سيشعر برعشة البرد التي كان يشعر بها في برلين؟ و هل كان سيوافق على تحويل الجدُر التي سجنت برلين طيلة نصف قرن من الحرب الباردة إلى فلسطين، لأجل إعادة زرعها في الأرض الفلسطينية بطريقة هي أشبه بالإخطبوط السرطاني الملفوف على جسد شعب يُسجن بكامله في ما يشبه غرفة (سامسا)، أو في حاوية عابرة لصحراء التيه العربي؟ كأنْ لا خيار ثالث للإنسان الفلسطيني في وطن بحث عنه كافكا في الغرب و لم يجده إلا في فلسطين.
المغفّلون وحدهم هم من يؤمنون بما قال كافكا: “أن نكتب يعني أن نهجر معسكر القتلة”.كان عليه أن يقولها لأذنيه أولا..أن تكتب يعني أن تواجه نعسكر القتلة… أن تكتب يعني ألا تهجر معسكر الخيام المغروسة في خاصرة الأرض نحو وطن افتراضيٍّ كاذب.. أن تكتب يعني أن تدافع عن بيتك في غزّة.. أن تكتب يعنى أن تموت كل لحظة من أجل الدفاع عن شجرة الزيتون في (بلعين)، و عن حي المغاربة في الحرم القدسي، و عن مسكنك المبرمج للبيع القسري و للهدم الحتمي في أعالي بيت المقدس، و على الطريق الرابط بين بيتك الشبيه بالقبر في (رفح) و قبرك الشبيه بالوطن العالق في معبر الروح. أن تكتب يعني ألا تعيش الهجرة القسرية إلى الغربة في مواطن التيه في الوقت الذي تُسْتَبْدَلُ فيه بِرَجُلٍ متورم الرِّجل، ثاوٍ على عصا منخورةٍ، قاطعٍ المسافات من أجل الوصول إلى هيكل وهميٍّ تماما كما (سانتياغو) يحمل هيكله العظمي للتدليل على بقايا مجد مضى، و تماما كما كافكا لم يجد من درس يتركه للإنسانية غير العودة إلى الذات بوصفها كينونة مُنقذة للوجود و لو على حساب المحق المنهجي للذات الفلسطينية من خلال تحويل كينونتها من الوجود إلى العدم.
المُغفّلُون وحدهم همُ الذين يريدون أن يتعلموا درسا ما من كافكا وهو يحوّل العالم إلى كائن ممسوخ يقدم لبني جلدته وحدهم العبرة اللازمة لتخطي صعوبة اللحظة التاريخية التي أنجبته في مرحلة عصيبة من التاريخ الأوروبي، و في كل المراحل العصيبة من التاريخ، تاريخهم..
.
.
.
—————————————————
* عبد القادر رابحي ( كاتب وأستاذ جامعي من الجزائر )




