كل ما أذكره عندما قابلته ذاك الصباح كان يتأمل ورد شجرة مشمش جارتنا الخالة (جدية)..خطف بسرعة البرق ما كان يتسكع بخاطري وراح يتكلم كأنه يكمل حوارا بدأناه من عهود خلت -تلك الألوان الساكنة على خدود الورود الرقيقة..تلك هي من توقفني متبتلا هنا..قبل هذا شهدت عاكفا كيف تبكي الأوراق ندى وطلا.. بادلته الابتسامة حين واجهني بوجهه المألوف..تفرس وجهي وتملى برهة يسكن غيبوبة ..تجمدت أنفاسه تشبه لحظة من لحظات اليوغا.. -ملامح أبيك تسكن تضاريس وجهك..هل أنبئوك بتاريخه؟؟ دون أن ينتظر ردي تحرك جسمه يحاكي كلماته ويأخذ شكل ذاك الحكواتي الذي كنا نتدافع لرؤيته في السوق الأسبوعية -من سلالة علم..اجتباه الأمير عبد القادر حين مر من هنا..أترى تلك الربوة وراء الملعب؟؟هناك صلى بهم ورفع يده وهناك كان جدك يقف شامخا معه… أخرج سيجارة ..وضعها في فمه ثم رماها ورفسها برجله -كنت صغيرا مولعا بحكايا التراث…نتحولق حول والدك يحكي لنا سيرة عنترة وقيس ويغرسنا في بساتين ألف ليلة وليلة حكاية لا تُمل.. عاد للصمت يتأمل تلك الشجرة..يتفرس تمايلها..في صمته تكاد تخاله يحاور أشباحا لا يراها غيره..تتحرك شفاهه وأصابعه ..يرتعش أحيانا..تركته وعدت حاملا كوب قهوة كبير..من عاداته أن لا يقبل بالفنجان الصغير.. -إيه إنه شيح جبلي أحس بدهشتي وأحس بسؤالي يستعد للتحليق -كنا نحضره من هناك (مشيرا إلى ما وراء الجبل الممدد كأنه كلب وفي يحرس المدينة منذ وطأ الرومان أوديتها ومعابرها .. -مازالت رائحته تسكنني..بني هناك أمور لا تهجرنا أبدا حتى ولو شئنا الهجران يشرب القهوة مثل شرب الماء ..يفرغها دفعة واحدة سواء كانت باردة أو ساخنة مما جعل معظم السكان يقدمونها باردة نوعا ما حتى لا يتضرر.. -كان علي أن أحرق ما بقي من ذاكرة وأن أصنع منها جبة تماما مثلما فعل ديك الجن برماد حبيبته وأن أدفن كل أشعاري وأربطها بأوتار عودي العتيق في مكان لا يعرفه غيري..لم أندم أبدا والسر إن تقاسمه اثنان ضاع.. سمعت أنه كان شاعرا وكاتبا ورساما يعزف على العود بمهارة..ماذا حدث له حتى استحال هكذا؟؟الكل حائرون يؤلفون حوله أساطير وخرافات وصلت حد المغالاة..يغمرني شعور وأنا أجالسه فضولا أنه من أحفاد سحرة فرعون..إنه يلقف الفكرة قبل أن تنبت.. -لا تستغرب بني..هي التجارب تفضح أفكارك..في تلك الفترة كان العزف والإبداع أوكسجينا أتنفسه فكل ليلة استحضر أرواح بعض الهائمين فمرة يسامر وتري زرياب وبتهوفن ومرة تصرخ حروفي مع تنهدات المجنون وتهيم مع الملك الضال وأحيانا تشنق مع الحلاج وتحرق مع ابن رشد…. هبَّ فجأة يجري فهبت لهفتي ووجدتني أصرخ صامتا -توقف …توقف لا تذهب من يعرفه يدرك جيدا حالاته وصرعه ويدرك أنه يعود للمكان نفسه فله في كل فصل مرتع يرتاده ويحج إليه يسائل الأشياء المسكونة والرموز المدفونة والإشارات العابرة.. جمعت ما تبقى من شتات القصص ورحت أبحث عم حدث حتى تحول وتغير هكذا..كثيرا ما سمعت بعض الأغاني التي ألفها ترددها جارتنا الخالة (جدية)..إيقاعاتها مميزة وتحمل سرا دفينا و حنينا غير مسموع ولكنه يطاردك ما بعد الانتهاء..لها فواصل تعيدك كلما بعد بك الخيال..ولها امتدادات في اصطفاف الكلمات فتحسها موجا يهدهدك برقة فتغيب في هدير اللحن سندبادا لا يرغب أبدا في العودة.. زارني ذاك المساء يحمل علبة عتيقة متوسطة الحجم يحضنها بعنفوان غريب ..بقايا دمع كشفها ضوء القمر وهو يعبر, انحدرت على وجهه المكتسي بلحية شقراء.. -هي لك وحدك وكل ما فيها..كل حرف تاريخ..كل تاريخ طلسم..كل طلسم طرس من خبايا رؤيا كشف لا تتهجاها إلا وأنت بين التشهي والتجلي.. انصرف مسرعا لا يلتفت ..ساحت حيرتي بحيرة من أفكار ..تحسست أصابعي برعشة العلبة العتيقة بقايا أتربة تشبثت بها.. -أي سر دفن هنا؟؟ فتحته وكأني أفتح مغارات الخلود تزمّلني رغبة في الولوج والكشف..وأزاور بين ترددي وفضول يراودني كلما التقيه.. مخطوطات على رق وأوراق قديمة بعضها كتب بالدواة وبعضها بالحبر الصيني..أسطر وجمل هنا وهناك تحتها أسطر بالقلم الأحمر ..جملة كتبت بخط كوفي رائع وكبير (بين النطق والصمت برزخ فيه قبر العقل وفيه قبور الأشياء) كان الوقت شلالا هادرا لا يتوقف عن الانثيال وأنا جائع التهم ما خط..تتربع الدهشة من هذا الملكوت الممتد من أول سطر حتى آخر سطر..لحن هلامي مدهش يسافر معي في أزقة هذه المدينة المدونة هنا..لحن سمعته أول الأمر كان باهتا ثم بدأ يفصح عن نفسه..لحن سمعت جارتنا الخالة (جدية) تدندن به كل صباح..معزوفة لطيف مسافر يحمل علبة عتيقة كلما تعمقت مع الجمل كلما سافرت وانحدرت عميقا..دهاليز كثيرة تنيرها جذوة تلك الحروف وحين أتوقف ترشدني جملة كتبت على الهامش بخط كوفي جميل..نعم هي الإشارات ..وقفت استنبت المعنى واسترد بعض أنفاسي وأنا أقرأها (اتبع رقصة الظل حين تشع الأنوار وادفن سرك فالسر إن تقاسمه اثنان ضاع..) أحسست فجأة بنسائم الصباح تتسلل من نافذتي وأدركت أن الوقت بين يدي ما قرأت ليس إلا دقيقة من عمر تلاشى وحل بي فيض جديد….فخرجت إلى عرش ممرد بندى الصباح وبابتهالات الليل وهو يترك مكانه لخيوط بيضاء.. كل ما أذكره الآن أني واقف أتأمل ورد شجرة مشمش جارتنا الخانة (جدية)…
————————————————————————-
* علي قوادري ( كاتب من الجزائر )




