هموم أدبية الكتابة سلوك عصابي،، إلى الخالدة في صمتها الأزلي الراحلة أمينة مشاكرة..
// لقد أضعت ثلاثمائة صفحة، وفدانا من لب شجر التنوب// .. حينما تصرخ هاته الحقيقة لابد لنا من الإقرار في تساؤل: ” نعم يا إلهي، ما الذي يجعلنا نرتكب هاته الحماقة؟ لماذا نجد متعة في خدش جسد الورق لنملؤه بأصواتنا الضائعة؟” لكن متعة الكاتب لا توازي متعة القارئ فالمؤكد أن : « كل الناس يقرؤون القصص للتسلية، للضحك، والقصاصون يكتبونها احتراقا». أمن أجل هذا يضيع الكاتب ثلاثمائة صفحة؟ ولأجل هذا يأكل فدانا من لب شجر التنوب؟ حقيقة أخرى تصرخ بانتصار تلزم الكاتب بمهمة إقناع القاريء بأنه ليس وحيدا ولو لفترة وجيزة، وكم هي صعبة هاته المهمة.. أن تقنع توازيها أن تقتنع. لابد أن يقتنع الكاتب إذن بأنه هو أيضا لا يعاني الوحدة. وما من أحد هناك. الكاتب يدرك أن ذلك مستحيل الحدوث، وبرغم ذلك يتمنى ألا يكون وحيدا، ولا شيء أيها القدر يحول بيننا وبين التمني. ( ) لكن بصورة ما، وبوجه آخر يشكر الكاتب وحدته، وانصراف الناس عنه. أن نحب الأهل والأصدقاء هي أن نشقى. لنشدان اللحظات الثمينة نحب، وحينما نفقد من نحب نتألم، وحينما نتألم تستيقظ داخلنا الشراسة، ونئن في صمت، فتستفز الوحدة فينا الأشجان، ولا نجد غير الورق جسدا حميما، مستسلما في لذة، واستسلامه يثير فينا شهية تدميره، أن نفرغ من ملء الورق بمعنى ما أنه اغتيل تحت وطأة قلمنا، وكلماتنا المتوهجة، وفي ذروة الشراسة نجد الجميع يستحيل حطاما، الورق، والقلم، والكلمات.. ما من كاتب يرضى عن المسودة الأولى إلا في لحظات الهدوء المثالية، لكن أين منه تلك اللحظات؟ ملزم على الهلوسة أن تزوره. ملزم عليها أن تمارس لعبتها في صمت وكبرياء.. أن تحرق. أن تمزق. أن تحطم.. مصطلحات واردة، لا مفر من عملية الانتحار هاته كطقوس حتمية في حياة الكاتب. تتكرر مع كل محاولة. ولا ينثني، ولا يرعوي عن خدش الورق من جديد. فالفرصة سانحة كون ( العمى) بدأ يتفاقم، والذهن المضطرب مشحوذ بحدة « فحينما تضطرب أعماقهم يكونون أكثر استعدادا للإفضاء بأسرارهم…» ( ) أولم ينصح( وليام بتلرييس) الكاتب ( جيمس جويس) بألا يحاول كتابة القصة في فترة كان فيها أهدأ من ذي قبل، لأن أثناءها يكون العمى الذي به غير كاف لبناء عالم خاص. وحتما ستفزعنا هاته النصيحة، ونضطر رغم كل شيء إلى تصديقها. إن الأمر يكون أكثر دلالة حينما يتصل بحالة الهلوسة الآنية التي تصيب القصاص الصغار والكبار دون استثناء .. ويبدو الأمر أكثر حميمية ومؤانسة حينما يجزم ( برنارد. دي فوتو) بأن : « كتابة القصة طريقة لكبح جماح العصاب ( الهلوسة)، وقد تكون أحيانا تعبيرا عنه. وقد تكون طريقة لاجتياز حالة اضطراب عقلي ( سيكوسيز) في سلام، ومدعاة لصحة العقل». والراسخون في الكتابة يجدون الأمر أكثر مصارحة، و أكثر إحراجا،، لكن ما من كاتب للقصة أو الرواية ينكر حقيقة هذا السلوك. لا شيء يمنع من محاولة تأمين صحة العقل بخدش جسد الورق، وإضاعة ثلاثمائة صفحة، وفدانا من لب شجر التنوب، وباستطاعة من ينكر هاته الحقيقة أن يستقريء التاريخ، والسير الذاتية، والمؤلفات، والمخطوطات ” ليعثر على قصص تؤكد أنها كتبت للتغلب على جنون الاضطهاد ( البارانويا) أو أي مرض عقلي آخر..” ( ) ولغير الكتاب لابد من القول أن الاضطراب الذهني بإمكانه استجلاء الأمر، وتقديره حق قدره.. إنه تعبير عن مخاوف وآلام تتجاوب مع مخاوف وآلام القاريء.. إنه سير المتعة إلى نفسه ولو للحظات بشعوره أنه ليس وحيدا، فهناك من يشاركه تعب الأيام. لكن ألا يحق لنا أن نتساءل بحرقة:« من يشارك الكاتب تعب الذهن والمشوار، حينما تحترق جميع أوراقه، وكلماته، وتتحطم جميع أقلامه. حينما يبحر داخل نفسه حد الغرق لتستحيل بعدها العودة. من يتذكر الكاتب؟؟ ». إنه، وبشكل مؤكد يستحيل حتى على أحبابه أن يفعلوا ذلك. هكذا فجأة وبسرعة يفر أحبابنا في حبن، هكذا وعلى حين غرة تغتال أحلامنا في الظلام، وبصمت المنهزمين نشيع بعضنا البعض.. إن هذه المصارحة تسيء إلينا بشكل أو بآخر، ومبالغة في الإساءة نقول في رجاء: « يا كتاب الأرض اتحدوا، فأبواب المصحات العقلية مفتوحة، وهي تلتهم منكم في غفلة عنكم،،
* شهرزاد زاغز ( روائية وأستاذة جامعية من الجزائر )
.




