نص شعري يتأرجح بين الماضي والمستقبل … الأنفتاح على التأويل في خيوط ليلية / بقلم د غزلان هاشمي *
بواسطة مسارب بتاريخ 11 نوفمبر, 2013 في 03:55 مساء | مصنفة في حفريات | تعليق واحد عدد المشاهدات : 2044.

 

 

بين صوت مسيج بالرحيل وهمس مؤسس للحظة الالتقاء…واحتفاء بصورة اللانهائية واختلاق لزمن محير يعيش دهشته وفق مسارات الانتظار ….انتظار الاكتمال في زمن التمكين أو التحقق….وبين التوق إلى الانفلات من سلطة المألوف والتودد لبوح مطوق بالأسرار وجدت نص الشاعر العراقي المبدع الأستاذ ماجد الكعبي الموسوم بـ”للمساء خيول ليلية” .فما يقوله نصه؟

العنوان:”للمساء خيول ليلية” يتشكل العنوان من ثلاث ملفوظات ،حيث يبدأ بجار ومجرور “للمساء” لينزاح عن صفة الاكتمال ويتخذ من المشابهة هوية هاربة من موضع المطابقة،فالمساء يحمل دلالة الانتهاء والارتحال ،كما يحمل دلالة القلق والغربة والوحشة والوحدة إذ هو إيذان بانتفاء النهار ورحيل النور،كما يشكل مسافة زمنية بين النهار والليل ،ومن ثمة فهو يصور موقع الوسط ويعبر عن مساحة قلق وتوتر لأنه يحمل في طياته إشارات آذنة بالتغيير ناحية السلب،وأما “خيول” فتحمل دلالة الرحيل والسفر والتغير والانطلاق والمغامرة…كما الأصالة والهدف وبلوغ المراد،وقد جاءت بصيغة الجمع وكأن بالمساء أو زمن الرحيل يأخذ مسارات مختلفة ومتعددة ،حيث الاحتفاء بهوية مركبة ،وحيث الظهور بمظهر الواحد نهارا يفتضح مع حضور المساء واقتراب الليل لتكتشف الوجوه المختلفة أو المعاني المتسترة وتظهر كل هوية نصية على حقيقتها،وما يؤكد ذلك هو اللفظة الموالية المعرفة أو الواصفة للفظة خيول أي”ليلية” ،إذ هذا التعدد والارتحال وعدم الثبات والانطلاق صار ملازما لزمن الليل هذا الزمن الموسوم بالقلق والغموض والتوتر والوحدة،كما الحلم والاطمئنان والسكينة والراحة،وكأن بالشاعر هنا يؤكد ما قلنا سابقا صفة التعدد والمنظور المختلق لأوجه نصية مختلفة تقضي على الثبات وتشتت انتباه القارئ وتحيله إلى هذه المعاني المبعثرة في ثنايا النص إلى حد الالتباس والخلخلة….إذن يؤصل العنوان لهذه الهوية المرتبكة بتعدديتها والمنجزة آنيا بفعل الاختلاق ،حيث المشابهة دليل خروج عن الاكتمال ودعوة للقارئ لأن يتم نصه وفق تصوراته ومحاوراته البعدية.

للمساء طعم الحيرة

وللموت طعم المطر

وللحب طعم المودة

كم من الأضواء

الراعشة في لهيب النهار

تسبر لغة العيون الباحثة عن قمرها

وكم في ربيع الأمنيات

تموت الأوراق

المحملة بآهات التذكر؟

يبدأ الشاعر خطابه الشعري بشبه جملة ،حيث التعبير عن هوية الانتقاص،وحيث الزمن إيذان بالرحيل وقرب الانتهاء،لكنه انتهاء غير مكتمل مما يسبب حيرة وتوترا واضطرابا نصيا.ويستمر النص في بناء احتمالاته المنتقصة (للمساء ـ للموت ـ للحب) على هذه التقابلات المتعددة التي تلحق بلفظة “طعم”(الحيرة ـ المطر ـ المودة) تعبيرا عن تشتت هوية النص بين اعتبارات مختلفة،وكأنها تبدأ بلحظة مبعثرة لتنتهي بلحظة مبعثرة أيضا.ويمنح النص تساؤلاته لزمن المستقبل”تسير ـ تموت”ليعبر عن هذا القلق المندهش لا الباحث عن إجابات إذ التعدد واضح في هذا الاشتعال المقلق للغة المخاتلة،حيث البحث عن المعنى النهائي يسيج بالاستحالة وما يؤكد ذلك لفظة”قمرها”،وحيث ذاكرة النص تعلن انتفاءها مع بعث الأمنيات المعبرة عن اللانهائية

حين نمشي على أرصفة الخديعة،

ثمة من يراقب

أشرعة الأسرار

يومها نكون قد أدمنا لعبة البحث

عن ملاذات

هي لعبة تخفي العيون

عن أحابيل الوشاة

فتقفز فكرتي

أن أسابق خيل ظنوني

في طرقات عبدتها دموع المتوحدين

والباحثين عن أسرار

مودة العيون الكاسرة

في ريح هوجاء

ويستمر النص في تحديد مساره المستقبلي المعبر عن اللانهائية “نمشي ـ يراقب ـ تخفي ـ تقفز ـ أسابق ” فيقر ببناء اعتباراته على الخديعة اللغوية أو المخاتلة ،إذ مع التواءاته يظل القارئ مراقبا في حذر أسراره المخفية ،وباحثا في احتمالاته المركزة في تلك المسافات الفارغة المموهة ،حيث الحذر وحلم التمكن المسيج بألم الخيبة وقلق الانتظار وتلك الوحدة التي تعلن تسلمها للتأويل المنكسر أمام واجهة ريح التدفق اللغوي.وحتى الاستفاقة على الفعل الماضي”أدمنا ـ عبدتها” هي محاولة لكسر الدفق الشعري للاعتراف براهن يحمل في ثناياه بعض ملامح زمن التغييب لكنه يظل هامسا بالمخادعة المستمرة.

تقف المنايا متوجعة

خطر البسمات

ومكتوبة بنار الفراق

هي تعلم مدى

توسدي لحجارة

الأمل في وادي منتصف العمر

وتعلم أن الشمس

تزيح عتمة

المتعطشين للانقضاض

وتعلم بأن قمرنا

يظهر في ليل

طويل

فأتوسد صبري ونوازع لهفتي

على جرحي

…..

ويظل النص مانحا بوحه لزمن المستقبل”تقف ـ تعلم ـ تزيح ـ يظهر ـ أتوسدليؤصل للهوية المنجزة آنيا ،حيث يعلن الثبات أو استقرار المعنى موته للبدء في لحظة التشكل الموجع والمحدق في خطر التمكين بعد الفراق عن الدلالة السطحية ،ومن ثمة تظل اللغة في موضع الاختلاق المتواري الذي يزيد من عطش القارئ المتأهب للانقضاض على النص تأويلا ،ليعلن الكشف عن شمس المنجز الذي يزيح عتمة النص ،أو ذلك النور المحاط بخطر الليل/الاختفاء متحديا ذلك الاحتماء الدائم بالغموض والأسرار..لتبقى النقاط معبرة عن مسافة صمت أو اعتراف بهذه اللانهائية.

أقول عن ضحكة مرت

فانفجر صاحبي

بالبكاء

قال:

اصبر فإنك تخاف الليل الحالك

وأقول:أي ليل لا قمر فيه

فتنزل لهفتي على حائط الذكرى

وأزيح الخدائع عن دروبي

وأنظر للضوء الزاحف نحوي

مقبلا في ليل طويل

فتأتيني هي بهيئة بريق

يسابق القمر

كخيول ليلية.

ويتأسس الزمن الشعري على المفارقة وعلى التأرجح بين الماضي والمستقبل ،فحينما يعلن النص بوحه سعيدا يقابله القارئ بألم الخيبة في العثور على النهائية ،ويبدأ فعل الحوار بينهما حيث الأمر الموجه للنص بأن يظل متشبثا في احتمالاته وإن لاحت في الأفق خيبة الوصول ،إذ يواجه النص قارئه ببارقة أمل قمر” حيث التوليد والتعدد يلوح بحضور المعنى ويعد بحلم التمكن ،لتأتي اللغة في هيئة وميض ساحر لكنها تظل في حدود الإمكان مستحضر لا قرار له يرتحل كخيول مطاردة وهج الصباح.

 

 

*د غزلان هاشمي ( قاصة وناقدة من الجزائر)

 

 

.

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. دائما متالقة استاذة غزلان ننتظر منك المزيد موفقة عزيزتي

اترك تعليقا