حول راهنيّة السؤال الأرسلاني ، الحداثةُ بوصفها انفصالاً عن الواقع ../ عبد القادر رابحي *
بواسطة مسارب بتاريخ 18 نوفمبر, 2013 في 11:10 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1280.

 

 

 

 

 

 

 

 

-1-

     هل بإمكاننا أن نرصد الفارق الجوهري بين واقع المجتمعات العربية، أي واقع ما يعيشه المواطن من مكابداتٍ موجِعةٍ مرتبطةٍ بمواجهته اليومية لتبعات الغَلَبَة الحداثية التي يفرضها عليه الغرب المُنتِج للحداثة، و بين المسارات الفكرية النظريّة التي قطعتها نُخبُهَا المتنوّرة ؟ و هل بإمكاننا أن نرصد في هذا الفارق- إذا ما استطعنا أن نرصده- الروابط و الصلات بين تصوّر الإنسان العربي في طبيعة اندراجه في بنية المجتمع، و في بساطته مكابدته اليومية لمواطنته و للعوائق التي تحول دون تحقّقها حداثيًّا في الواقع الذي يعيشه، و بين طبيعة التصور الحداثي كما  دونته هذه النخب  في مشاريعها الفكرية و الفلسفية، و كما يتجلّى نظريا في منجزها الإبداعي و النقدي؟ و هل بإمكاننا مساءلة هذه النخب المتنورة عن مستوى ما حققته خطاباتها النظرية في أرض الواقع، و عن نسبة تحقُّقه في تربته، و عن مدى إنجازيّة ما اقترحته، و لا زالت تقترحه، من مشاريع نظرية، و كذلك في ما أبدعته من أفكار حديثة في كل موجة فكرية جديدة تهبّ على المجتمعات العربية طيلة ما يزيد عن قرن من الزمن ؟ و هل يمكن أن نعتقد في دواخل وعينا بالحقيقة التاريخية التي آلت إليها المجتمعات العربية أن الخطاب النهضوي كان له دور فاعل في التأسيس للتجربة التحديثية كما حققتها  الأنظمة السياسية للدويلات الوطنية في هذه المجتمعات على امتداد القرن العشرين؟

-2-

       ينبئ مسار التصور الحداثي المتعثّر في المسلك الواقعي للمجتمعات العربية عن توجسات عديدة طالما رافقت الاستفاقة التحديثية منذ بداية هذا القرن. و لم تكن ثمة من إمكانات فكرية     و مادية كفيلة بدرء المصاعب المتولدة عن السؤال الأرسلاني المشهور، و عمّا سيسميه أدونيس، فيما بعد، بـ’صدمة الحداثة’، ليستطيع من خلالها المثقف الحَداثيّ المتنوّر أن يؤسّس لحركية معرفية فاعلة في بناء علاقتها مع الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه،  و الذي من المفروض أن يكون نتيجةً حتميةً له من حيث هو إفراز مُرَكَّزٌ لرغبة المجتمع الباطنة في تمثيل رؤيته الواعية و اللاواعية بما يدعو إليه  المثقف المُنْتَخَبُ بعناية لتمثيل هذا التصور و التعبير عنه بعمق من خلال بناء علاقة تحترم المعطى الاجتماعي، و تؤسس للانطلاق ممّا ينتجه واقع المجتمع من أسئلة جوهرية سرعان           ما تتحول- و قد تحوّلت فعلا في كثير من الأحيان- إلى مطالب مستعجلة كان على هذا الخطاب أن يتكفّل بالإجابة عنها من حيث هي ضرورة فكرية مُلحّة في واقعية ارتباطها بالحراك المطلبيّ،    لا رغبةً عابرة ألِفَت المكوث الأبدي في ‘نظرية المعرفة’، و تعوّدت على مساءلة التراث، سلبا       أو إيجابا، للبحث عن إجابة، لم تكن، في نهاية الأمر، وبناءً على ما أفرزته هذه الممارسة النظرية من انفصال بين المواطن و النظريّة، إلاّ متناقضةً مع راهن هذه المساءلة و مع جوهرها، و غير واعيةٍ بما تُحدِثُه، لكثرة إبعَادها عن مركزية الممارسة المعرفية، من عمْقٍ في مساحة الشرخ الظاهر بين المثقف كما يريد للمجتمع أن يكون، و بين المجتمع كما يريد للمثقف أن يكون.

     في جلّ خطاباته النظرية المؤسَّسة على التعامل مع أدبيات النهضة الأوروبية، و محاولته تمريرها كمعادل موضوعيّ قادر على التحقّق في مساحة سوسيو- ثقافية تحمل همّا واقعيا يعيشه المواطن العربي هو على بُعد مسافاتٍ ضوئية عمّا يقترحه المثقف الحداثيّ، لم يكن هذا الأخير، و هو يجتهد في البحث عن حلّ جذريّ لمشكلة التخلف، و الاستعمار، و الاستعمار الجديد، و الأنظمة السياسية للدولة الوطنية حديثة النشأة، و غيرها من القنابل الثقافية و العرقية و القبلية و الحدودية الموقوتة المتروكة بعناية في البيت الخلفي كهدايا ما بعد كولونيالية، ليراعي واقع المجتمعات العربية، في خصوصية تكوّنها الاجتماعي، و في ما يخبئه درسها التاريخي المأهول بالمكبوتات غير المُحرّرة، و بالمكتوبات غير المقروءة، و بالمخطوطات غير المُحقَّقة، من مكائد و مفاجآت لم تكن في يوما ما معطى ممركزا في بنية خطاباته الفكرية التي كانت تلجأ عادةً إلى القرون القديمة لتاريخه من أجل البحث عن الإجابة الجاهزة لما يعترضه من معوقات راهنة في متون التراث، في نسخته التنويرية الناجحة بوصفها مرآةً لِمَا كان عليه الأجداد من تطوّر لم يدرك الأبناء مغازيه، و لم يفتحوا رموزه المشفّرة تشفيرا دافينشيًّا.

-3-

     هل تحوّلت الحداثة بوصفها خطابا متمركزا، نتيجةً لهذا التعامل، إلى فعلٍ تسلُّطِيٍّ قامعٍ لما يمكن أن ينشأ من و/ عن علاقة عقلانية بينها و بين المواطن البسيط بوصفه مركزا إنسانيا لتحقّق الواقع، عندما ألحت على جرّ الواقع إلى أتون النظرية، و على الإيغال ، من ثمّة، في الممارسة النظرية التي حاول الخطاب الحداثيّ أن يزرعها في تربة ثقافية مُعبِّرة عن واقع اجتماعي، تبيّن الآن أنها كانت و لا زالت غير صالحة لتلقي بذور الدرس النظري المزروعة في ثناياها- بدون استشارة المواطن البسيط القاطن في هذه الثنايا- من طرف أبنائها المفكرين المتعالين الذين لم تعد تربطهم بها أية صِلة واقعية، لا من حيث انتماءهم الاجتماعيّ، و لا من حيث مكابدتهم اليومية لمرارة الواقع، و لا من حيث مآلاتهم الإعتكافية في معابد المعنى؟ و هل يمكننا أن ننظر إلى هذه المشاريع المتراكمة في أدراج الذات الثاوية في سُريّة تعلّقها بكل ما هو راكد، على أنها لم تكن غير خطابات استعلائية لم تحقق الهدف الأساسيّ المرجو منها، و هو المشاركة في تغيير الواقع المرير للإنسان العربيّ في خريطة جغرافية تمتدّ ‘من طنجة إلى جاكرتا’ بتعبير مالك بن نبيّ، و في خريطة زمنية تمتد من نهايات القرن التاسع عشر، حيث طُرِحت المساءلات الأولى للجرح النهضويّ، إلى بدايات القرن الواحد والعشرين حيث ازدادت هذه المساءلات تعقيدا و إلحاحا في البحث عن إجابات لم يكن السؤال الأرسلانيّ إلاّ صدى مفجعا لا زال يتردّد في أودية التيه النظري للممارسة الحداثيّة، و في أرصفة المدن المزيّفة التي يبدو فيها المواطن البسيط بوصفه مركزا إنسانيا لتحقّق الواقع، غريبا في ممشاهُ الوجودي نحو تحقيق ذاته المستعصية على التحقّق في تربته الوطنية؟

    ربما تكمن فجائعية السؤال الأرسلانيّ في واقعية صياغته المأساوية من حيث هو ارتداد لصورة انفصال المشتغلين على الحقل النظري من المفكرين والفلاسفة العرب المعاصرين عن الواقع الذي انتهوا إلى عدم معرفته، أي جهله جهلا تامًّا، بسبب كثرة الإلحاح على المكوث في لبّ النظرية.    و ربمّا انتهى هؤلاء المفكّرون إلى اليأس من ربط الصلة بينهم و بين المجتمعات التي يوجهون إليها خطاباتهم على اعتبار أن هذه المجتمعات هي في الأصل بيئةٌ مناوئة لأطروحاتهم الفكرية، و مناقِضة لمشاريعهم النهضوية، و غير متلائمة  مع تصوراتهم النظرية، و غير منسجمة في نهاية الأمر مع مجمل التصورات التي يحملها هذا الخطاب عن نفسه، و عن المجتمعات التي يسعى إلى تغييرها،       و التي يريد من خلالها تقديم الحلول التي يتصور أنها الأحق بأن تتحقق نظرا لثقته بعقلانية مقاربتها  بغض النظر عن واقعيتها أو عدم واقعيّها.

    و لعل هذا ما أدّى إلى اصطدام هذا الخطاب بلا إمكانية تحقُّقِه على أرض الواقع،  ممّا جعله يؤكد، من خلال انتقاله من مرحلة البحث عن الحلول و التبشير النظري بإمكانية تحقّقها، إلى مرحلة الدعوة إلى لا جدوى البحث عنها،  على استحالة الانطلاقة الواعية للفعل النهضوي في المجتمعات العربية نظرا لعدم إمكانية توفّر آليات انطلاقته، و عدم القدرة على تشغيلها إذا ما توفّرت، بسبب كثرة الأعطاب الكامنة في واقع المجتمع، و ليس في البنيات النظرية للخطاب النهضويّ التي لم تستطع المجتمعات العربيّة مُمثّلةً بالمواطن البسيط بوصفه مركزا إنسانيا لتحقّق الواقع، أن تستوعب معطياتها النظريّة المعقدة.

-4-

     يعيدنا السؤال الأرسلاني بحضوره القويّ، و بقوّة صداه المتردّد في رزنامة ما يقع للمجتمعات العربية اليوم من محق ممنهج للذات، و من تشتيت للمجهود، و من تفكيك للبنيات، و من تقطيع للأوصال، و من تدمير لما أنجزته المشاريع السياسية للدولة الوطنية المابعد كولونيالية من تحديث قسري زائف، إلى حقيقة كبرى ربما تمثلت كليّا أو جزئيّا في مدى واقعية المجهود الفكري          و الفلسفي العربي طيلة  مدّة الزمن النهضوي، و في مدى ارتباط أطروحاته بالمكابدات الواقعية التي عاشتها و تعيشها المجتمعات العربية، و في مدى عقلانية قدرته على الاعتراف بأن جلّ المشاريع النهضوية لم تكن- منذ ما حمله طه حسين و جيله من سؤال استفزازيّ للذات الثاوية في الحلم الكولونيالي، إلى ما حمله محمد أركون و جيله من سؤال استفزازيّ للذات المتشظية على دويلات ما بعد الكولونيالية- على علاقة واقعية مباشرة بالمجتمعات العربية التي ولدوا و نشئوا فيها،         و لكنهم لم ينتموا إليها معيشيا و حياتيًّا و واقعيّا. كما لم تكن هذه العلاقة مسارا واقعيا مفتوحا على إمكانية بناء روابط متينة جديرة بالانغراس في تربة مجتمعاتهم، و بالنمو الطبيعي في ما تحمله من تفاعلات تحتية تغيب عادةً عن نصوصهم الفكرية بمقدار ما تغيب حقيقة المجتمع عن واقع المقاربة النظرية لنخبه المتنورة.

   و لعله لذلك، تبدو هذه المشاريع، وبعد مضيّ ما يجاوِزُ القرن من الزمن، و هو الزمن النهضويّ بطموحاته النظرية العارمة، و بانتكاساته الواقعية النافذة، و كأنها تصورات وهمية مكبوحة الحركة   و مقطوعة الجناح في ما ترزح تحته من ثقل نظريّ برّاق، و غير ذي صلة عملية بالحركة التاريخية للمجتمعات العربية في عشوائية انفجارها الثوري، و هي تواجه المشاريع السلطوية التي تتعامل معها بواقعية، و تخطط بناء على ذلك لمستقبلها المعزول عمّا كانت تقترحه المنطلقات النظرية للخطاب الحداثيّ من مشاريع فكرية و فلسفية. و لعله لذلك كذلك، لا زالت هذه المشاريع تحمل بصمة الانفصال عن الواقع السياسي و الاجتماعي للمجتمعات العربية بمختلف توجهاتها السياسية و الإيديولوجية، حتى و إن حاولت أن تُسقِط من حين لآخر في مقارباتها للفكر الغربي، و في  نتائج غطساتها العميقة في تنظيراته و تاريخه و تجاربه، أو حاولت أن تُسقِط ما تراه درسا إيجابيا في التراث العربي على الواقع العربي، و ذلك نظرا لمسافة الفارق بين ما كانت تقترحه من رؤى نظرية، و بين ما كانت تحققه المنظومات الاقتصادية و الممارسات السياسية للدولة الوطنية من إنجازات هشّة لا تلبّي بالضرورة طموح النخب المتشبثة بالتصورات النظرية لمشاريعها من خلال مطالبة النخب السياسية الحاكمة بتطبيقها على أرض الواقع، و لا تلبي رغبة المجتمعات في الوصول إلى حداثة مرتبطة بالحياة اليومية من خلال تحسين الوضع المعيشي في عقلانية ما تتطلّبه حركة الإنماء الاجتماعي و الثقافي من توطين القيم التداولية في مجتمع تميزه حركة الدوران المغلق على الذات من خلال ترسيم الحاضر بوصفه مشروعا مستقبليا وحيدا قادرا على درء ما يكتنف المستقبل القريب من غموض.

    و لعله لذلك، تظهر المشاريع النظرية للزمن النهضوي و كأنها منفصلة تمام الانفصال عمّا ينتجه الواقع من تناقضات، نظرا لانشغالها بالبحث عن مسببات هذه التناقضات في الإصرار على العودة إلى الماضي  لاعتقادها المطلق أن جل إشكاليات التحديث التي تعاني منها المجتمعات العربية إنما مردّها إلى الماضي بوصفه تراثا حاضرا في مسار الواقع الاجتماعي اليومي للإنسان العربي. و لعله لهذا السبب كذلك، كان ارتماء جلّ المشاريع الفكرية العربية التي شهدها القرن العشرين، التنويرية منها أو الحداثية، في التراث:

- إما في محاولةٍ مندفعة للبحث عن مسببات التخلف الذي تعاني منه الذات الغائبة عن الفعل الحضاري، بقراءة آنية معاصرة تروم البحث عن الوسائل الكفيلة بإقصاء الماضي بوصفه تراثا مُعيقا لانطلاقة الحاضر، نظرا لاعتبارها أن النهضة الغربية إنما قامت على شرط معرفيٍّ وحيد وهو إحداث القطيعة العقلانية مع الماضي، و ربط الذات الحضارية الغربية بما يشغل آنية وجودها و قدرته على إنتاج الفارق الفاصل بين ماضيه و مستقبله.

- و إما في محاولة البحث عن العوائق التي تقف في وجه تحرر الفعل الحضاري من أثقاله الآنية     في ما يختزنه التراث من إمكانيات كفيلة باستنباط رؤية عقلانية ذات معالم واضحة تساعد على تخطّي جدار المكوث في الحاضر المعزول زمنيا عن الماضي، و غير القادر فعليا عن الاندراج في المستقبل.

     و لعله لهذا السبب كذلك، تظهر المشاريع الفكرية العربية و كأنها مغرورة بما تحمله من طموح زائد في خضم تحمّسها لقراءة الماضي على أنه تراث، و ذلك من خلال  محاولاتها استنباط الإجابات النظرية من المسارات المعرفية التي تبنّوْها، و التي لا زال يبحث عنها السؤال الكبير الجامع الذي صاغه شكيب أرسلان في صياغة هي من الوضوح بحيث لم تترك أدنى شكّ في التوجه مباشرة إلى عمق الجرح الحضاري لِمَا كان و لا يزال يستحِي الكثير من المفكرين الحداثيين، كما غيرهم من المفكرين النهضويين، من مواجهته واقعيا و هو: (لماذا تأخر المسلمون و لماذا تقدّم غيرهم؟).

.

.

.

.

—————————————————————————

* عبد القادر رابحي ( ناقد وأستاذ جامعي من الجزائر )

 

اترك تعليقا