-1-
ربما لم يكن مفهوم ‘القابلية’ أكثر حضورا في مخيال الذات الشرقية، و أكثر سكنا في عمق أوصالها المادية و المعنوية، مثلما صار عليه عندما أصبح الشرق مجرد تحفة نزقية في متحف الضمير الغربي. و ربما لم تكن ‘القابلية’ بوصفها مفهوما أخذ طريقه في التبلور الاصطلاحي بسبب اندراجه في منظومة التفكير الغربية نظرا لما شكّله من امتداد للأفق الفكري و الجغرافي الغربي، أكثر تبلورا في ما يولّده بعدُه الاصطلاحي من دلالات واضحة و دقيقة، مثلما صارت عليه عندما أضفى عليها المفكر مالك بن نبي و هو يفكك بنية التفكير لدى الإنسان الشرقي، رؤيةً استشرافيةً من خلال ربط معناه و دلالاته بالظاهرة الكولونيالية بوصفها وافدا جديدا في بيت الوجود الشرقي المليء بآثار الوافدين القدامى الذين لم تمح آثارهم في عمق الذات الشرقية.
لقد حاول مالك بن نبي أن يحصر مفهوم القابلية في ما وفره الشرط الكولونيالي من أبعاد مؤثرة في الذات الشرقية، أي في ما يحوّل فعل القابلية للآخر إلى خضوع نهائيّ له لم يكن ‘الاستبداد’ حتى في أوج تمظهره عبر المراحل التاريخية قد حققه على الرغم ممّا يحمله من خضوع الذات الجمعية لما تمليه عليها إرادة الفرد المنتمي إلى هذه الذات. و هو بهذا قد حدد مسار تواجده في بؤرة الفعل الاستبدادي المُحقّق، لا من طرف ما تنتجه الذات من حالات خضوع لطغيان الفرد الآتي من بين ظهرانيها، ولكن من طرف ما تعبر عنه من رغبة باطنة في تجاوز قبول طغيان هذا الأخير، و المرور إلى مستوى أعمق و أكثر تأثيرا، و هو قبول طغيان الآخر.
إن ‘القابلية’، بهذا المعنى، تطمح إلى مستوى آخر من مستويات الاستبداد التي تتجاوز فيها الذات منطق العبودية التي يمارسها عليها أحدُ أفرادها الذي وكّلته للتفكير في مكانها و تدبّر شؤونها الآنية و المستقبلية. وهو مستوى لا تكتفي فيه الذات، من خلال ممارستها المطلقة لفعل الخضوع، باستبداد أحد أفرادها، و إنما تتجاوزه من خلال فتح مجال ‘القابلية’ للآخر على اعتبار أن الاستبداد لم يكن سوى مرحلة يصبح فيها المُسْتَبَدُّ و المُستبِدُّ كلاهما مستعدّا لتسليم مفاتيح الذات إلى مستبدّ أكبر آخر هذه المرّة نظرا لعدم قدرتهما على تسيير حالة الاستبداد وفق منطق يراعي رغبات المُستبَدّ الكثيرة في البقاء تحت رحمة المُستبِدّ من جهة، ويراعي طموحات المُستبِدّ المتزايدة في التحكم في رغبات المُستبدّ من جهة أخرى. و في هذه الحالة، يدخل المستبد و المُستبَدّ في دائرة ‘المستبد الأكبر’ الجديد الذي سيعرف، وفق ما أتى به من أدوات استبدادية لم يعهدها من قبل لا المستبِدّ و لا المستَبَدّ، الاستماع إلى استغاثاتهما الناتجة عن التشبّع السلبيّ لكل منهما بالآخر، من أجل إعادة تنظيم ما اعوج من علاقة بينهما، و إعادة ‘ترشيد’ منابعها و تحويلها إلى ‘قابلية’ ترضي الطرفين من خلال تقديم ما لم يستطع المستبدّ تقديمه للمستبَدّ، و تحقيقه ما لم يستطع المستبِدّ تحقيقه للمستبَدّ.
-2-
ربما يكمن الفارق بين الاستبداد كما مارسه الشرق على نفسه، و القابلية كما مورست عليه من طرف الأخر، في هذا المستوى من التنظيم الذي يقترحه المستبد الأكبر على منظومة الذات المستعدة للعيش في تجربة جديدة من الاستبداد لم تتوفر لها من قبل، و لم تعرف ما يمكن أن تعيشه بتجريبها. و الأكيد أن المستبِدّ الأكبر الذي سيتحول إلى مُستعمِر، بناء على تحوّل علاقة المستبَدّ بِهِ من الخضوع إلى ‘القابلية’، سيحاول أن يبرهن بالدليل القاطع على أحقيته بتولّي زمام الأمور من أجل ترجيح كفّة العقل في العلاقة التي كانت قائمة سابقا بين المستبِد و المستبَدّ، و ذلك من أجل إدراج عوامل تنويرية لم يكن بوسع الطرفين أن يستنيرا بها لشدّة ما كان يربطهما من تصوّر ظلاميّ في بناء هذه العلاقة. و كذلك لِمَا كان ينتجهُ خضوعُهما معاً لجدلية الخضوع و الإخضاع من طرائق تفكيرٍ أقل ما يقال عنها أن لا تزيد إلاّ من ظلمة الممارسة الساديّة للاستبداد بوصفه إخضاعا للجماعة المُستبدّة من طرف الفرد المُستبِدّ، و بوصفه بؤرة سديميّة تنتهي بالضرورة إلى الانتقال المنطقي، جراء الانتهاء من التجريب في قواعد اللعبة نفسها داخل الدائرة المظلمة، إلى مرحلة أكثر تطورا من الخضوع و الإخضاع تكون محكومة هذه المرّة بقواعد أكثر عقلانية تحدد لمسارات لعبة أخرى لا يكون فيها لفعل التجاوز مكان بالنظر إلى ما تحيل إليه القابلية من دلالات ليس آخرها القبول المسبق بقواعد اللعبة. و هو الشرط الذي لم يكن متوفرا في العلاقة الأولى، و الذي أدى إلى انهيار بنية العلاقة الاستبدادية بينهما نظرا لفساد العلاقة بينهما، و انتهاء مكوناتها الوجودية التي ستؤدى، لا محالة، إلى قبول المستبدّ بتسليم مفاتيح إدارته للذّات المستبدّة إلى مستبِدّ آخر (مستورد) أكثر عقلانية و أكثر صرامة في إدارة ما يمكن أن يشوب الذات الجمعية المُستبَدّة من مآس نظرا لتسلّط المستبِدّ وعدم رضا الذات الجمعية المُستبدّة بمنهجية تسييره وطرائق تحقيقها، أي نظرا لعدم عدله في استبداده بين الأفراد المُكوِّنين للذات الجمعية المُستبَدَّة.
-3-
لقد ربط مالك بن نبي بين القابلية بمفهومها المحض، بما لا تتم إلا به و هو (القابليلة لـ…) التي لم تكن في قرن الوعي بالاستعمار الذي هو القرن العشرين، إلا الاستعمار نفسه نظرا لما كان تعانيه الشعوب الخاضعة لسلطة الاستعمار من محق منهجيّ لم يكن فيه من دور للمستعمر غير ما أوكله إليه المستبَدُّ و المستبِدُّ للقيام به ، وهو الاستبداد بمنهجية جديدة لم يعهداها من قبل، و ذلك من خلال تعميمه للاستبداد على جميع أفراد الذات الجمعية بعدالة مساواتية لا يستطيع المستبِدّ المحليّ، نظراً لتعنّته، أن يحققها لكيّ يتحقق شرط الخضوع على الشعوب المستعمرة.
و لعله الربط نفسه الذي حاول فرانز فانون أن يقيمه في كتاباته من خلال إدراكه، بناء على المعاينة الواقعية لحالة المُستبَدّ، لأساليب المحق المنهجي التي كان يمارسها المُستعمِر على الذات الجمعية المستعمَرة التي لم تكن لتنتج خلال مشوارها الخاضع إلا هذه القابلية بوصفها منجزا معرفيا هو من أعمق ما يمكن أن تُنتِجهُ الذات المستعمَرة بالنظر إلى ما يواجهها من عزم عند من يحققها من المستبدِّين المحليّين في المستوى الأول، و عند المستبدّين (المستوردين) في المستوى الثاني الأكثر حداثة و الأكثر تطوّرا.
و إذا كان عبد الرحمن الكواكبي قد اشتغل،خلال فترة تاريخية بدأت يتبلور فيها مفهوم الخروج من قابلية استبداد الذات إلى مفهوم قابلية استبداد الآخر، بتوصيف حالة المستبِدّ من خلال تفكيك ما يكتنف بنيتها الفكرية والاجتماعية من طبائع تنم عن ألغاز و مكبوتات تعكس شراهة رهيبة لا يلبيها أصلا إلا الكرم الحاتميّ للذات القابلة لحالة الاستبداد في إشباع هذه الشراهة، نظرا لما انتاب هذه الفترة من انتقال متسارع للمجتمعات الشرقية من حالة استبداد الدويلات الضعيفة، إلى حالات الغزو الأوروبي المُنذر ببداية المستوى الثاني من الاستبداد الأكثر تطورا و الأكثر تنظيما و هو الاستعمار، فإن مالك بن نبي اشتغل بدخول هذا المستعمر إلى البنيات الواعية واللاواعية لهذه المجتمعات التي حققت الانتقال من شرط الاستبداد إلى شرط الاستعمار. و إذا كان الكواكبي قد شغلته طبائع المُستبِدّ و قدرته على إيجاد الآليات الكفيلة بتنفيذ شرط الاستبداد لضمان بقائه أطول وقت ممكن على رأس المجتمعات المُستبَدَّة، فإن مالك بن نبي قد شغلته قدرة هذه المجتمعات عموما على الاندراج في الشرط الجديد من دون تجاوز الشرط القديم تجاوزا إيجابيا، أي قدرة هذه المجتمعات على الدخول في نفق استعماريّ جديد من دون الخروج من النفق الاستبداديّ القديم، و هذا على مستوى إدراك المجتمعات للفروق الكامنة بينهما على الأقل ، لأنه لا يمكن أن يتم الشرط الاستعماري من دون توفّر الشرط الاستبدادي، و كأن القابلية للاستعمار لم تكن لتتم على المستوى النظري، و لم تكن لتتحقق على المستوى الواقعي بدون توفر شرط القابلية للاستبداد لأن تحرّر المجتمعات من شرط القابلية للاستبداد سيحُول دون تحقّق شرط القابلية للاستعمار، بل يلغيه منطقيّا و تاريخيا. و لعله من هنا كان اشتغال مالك بن نبي على فهم الآليات الفكرية و المعرفية التي تُحقّق الشرط الكولونيالي، و هي نفسها الآليات التي تُغيّب الشرط النهضوي، أو ما يسميه بـ’شروط النهضة’. و كأن تحقّق شرط النهضة لا يتم إلا بقدرة المجتمعات المُستعمَرة على التحرّر من الشرط الاستعماري، أي من القابلية للاستعمار.
-4-
غير أن فرانز فانون، الذي عايش الشرط الاستعماري في أعتى صورة، لأنه، و حسب التصنيف العنصري للحضارة الغربية المُعقلنَة، ينتمي إلى مجتمعات تحت استعمارية- أي لم تبلغ بعد مستوى المجتمعات ذات القابلية الاستعمار-، سيحاول أن ينقل المستوى الفكري النظري الذي اشتغل عليه مالك بن نبي إلى مستوى واقعيّ بمرارة ما يحمله الواقع من مرارة، مما يفسر اندفاعه اللامتناهي في معركته ضد ما كان يراه استعباداً نظرا لارتباط تجربته بالمعاينة اليومية للإنسان المُستعمَر، لا في ما يعيشه من مكابدات اجتماعية فحسب، و هذا ما اشتغل عليه العديد من مفكري اليسار و منظريه، و لكن في ما لم يتسنّ لهؤلاء المفكرين و غيرهم الاطلاع عليه، و هو الجرح النفسي العميق الذي مكنه من تقليب أوجاع الذات المستعمرة، لا بوصفها ذاتا تعاني من مرض القابلية الاستعمار فحسب، و لكن بوصفها ذاتاً نازفة في عمق جرح لاوعيها المُراكِمِ لمكبوتات ما أنتجه الاستبداد المحلّي من خضوع طيلة قرون أولاً، و ما رسّخه الاستعمار من قابلية طيلة ما يزيد عن القرن من الزمن موزعة على زمنين متباعدين فكريا ومعرفيا وهما زمن القرن التاسع عشر، و زمن القرن العشرين. و في الحالتين، كانت الذات الشرقية تكْبُتُ بصبرٍ و أناةٍ كبيرين جرحها النازف في لاوعيها الباطن المُخْبِر عمّا حاول فرانز فانون أن يُشرِّحه بمبضعه الرهيف فاتحا بذلك ثغرةً في جوف البطن العميقة التي يحملها ‘معذبو الأرض’ من دون أن ينتبه إليها لا المستبدّ المحلّي في ثوائه الطويل، و لا المستعمِر.
إنها ‘الحبّة المُقيّحَة’ الممتلئة بما يسيل وديانا من الهمّ الاستعماريّ ممّا قد لاحظه هؤلاء الثلاثة، الكواكبي و بن نبي و فانون، كلٌّ بطريقته ، و هم يحاولون فهم ظاهرة ‘القابلية’ عند الإنسان الشرقي في مرحلة حساسة من تاريخ البشرية المرتبط أصلا بتسارع آليات التحديث في المجتمع الغربي المستيقظ بعد ركود، و المحتاج لما يشغّل هذه الآليات من الأيدي و العقول الرخيصة المجبولة، وفق ‘الرؤية الرينانية’ على الكسل، و على الخيرات الظاهرة و الباطنة المتروكة للعراء و لعابري سبيل الحضارات الذين سرعان ما يتحولون إلى مقيمين على الدوام نظرا لما كان يعتري الذات الشرقية من شغور.
…/…
—————————————————————————–
* عبدالقادر رابحي ( ناقد وأستاذ جامعي من الجزائر )




