قصة “العـمــال يـرحــلــــون”/ بقلم محمد جعفر*
بواسطة مسارب بتاريخ 27 نوفمبر, 2013 في 04:55 مساء | مصنفة في متعة النص | تعليق واحد عدد المشاهدات : 2520.

منذ حوالي أسبوع وهو ينام نومًا سيئًا; لا يلبث أن يستيقظ خلال نومه وقد داهمه كابوس فظيع أو إثر نوبة من نوبات السعال الجاف والخانق والتي أخذت تنتابه في الفترة الأخيرة وبلا هوادة. الكابوس مشهد واحد نفسه يتكرر معه كل ليلة، يأتي في شكل صورة واقعية لأحداث كان قد عاشها منذ ما ينيف عن خمسين سنة. تصور جمعًا غفيرًا من الأهالي وهم يحيطون برجل يحتضر بعدما اخترق جسده الرصاص وأخذ الدم ينفر منه في أكثر من موضع حتى بدا هالكا لا محالة. هذه الليلة كذلك استيقظ عرقًا وجزعا بعدما داهمه السّعال. استفاقت زوجته إلى جانبه وسألته وهي تواجهه بنظرة خالية من كل اهتمام.. – ماذا هناك؟ ردد وهو يطلق زفرات متقطعة: – كابوس فظيع! واكتفى بهذه الإجابة، ولم تكن زوجته ترغب في معرفة المزيد فأولته ظهرها وعادت لتغط في نوم عميق.. لم يكن هذا الأمر صادمًا له، فقد اعتاده مع الأيام كما اعتاد في زوجته تصرفات أخرى كثيرة لم تعد تخلف عنده إلا شعورا بالثقل والإحباط . إنها ليلة حارة ورطبة تحبس الأنفاس وتزيد من اختناقه. أغمض عينيه، محاولا أن ينسى ألامه وكابوسه عله ينام، وداهمه السعال من جديد فحاول أن يخنقه ما قدر على ذلك حتى إذا ما نفر منه انطلق في وصلات طويلة متتابعة ومزعجة.. حاول في أكثر من مرة أن يغير وضعيته على السرير، أن يبحث عن وضع مناسب يمكنه من الاسترخاء والنوم. وفي الغالب كان النوم يتأبى عليه خلال تلك الساعة. تجده منذ ذلك الحين وإلى أن يطلع الصبح يستغرق في التفكير.. كثيرًا ما كان يشعر بالمرارة، وكانت هذه المرارة كالحمى التي تصاحبه تنز من كل مسامات جسده. إنه متأسف إلى ما آلت إليه حياته.. فتح عينيه هذه المرة، ومن خلال الظلال التي كان يمنحها له ضوء القمر النافذ طلعت عليه ذكريات قديمة وتذكر والده من جديد وهو مشارف على الموت.. ركز نظره نحو السقف، وعلى لوحته بدأت المشاهد تتدفق في غزارة وتتوالى تباعًا. وكفيلم قديم شاهده مرات عديدة، لم يحمل له أدنى فضول أو دهشة أو تأثر، كما لم تعد ملامحه تعكس أي تعبير رغم مشاهد الآلام والأحزان التي كان يطويها الفيلم عبر ثناياه… * * * السّعال يشتد من جديد، والمؤذن يدعو إلى الصلاة بصوته الجهير.. الشمس غادرت ولم يبق هناك في الأفق البعيد أين يرسل “العيد” بنظره سوى خيط بسيط من الشفق تتداخل ألوانه ما بين الأصفر والبرتقالي والأزرق الكاحل.. الجو حار اليوم، وبعض النفحات تهب آتية من الشمال تسعف العيد وتخفف عنه ولو جزءا هينا من التوتر الذي ألم به. على الكورنيش يسير. يسعل، والسعال يخنقه أكثر من العادة. يتفل ويبزق ويتمخط ثم يمسح بمنديل نجس على كامل وجهه. التعب يحسه والإرهاق شديد. لا يزال الشباب قابعاً على رمال الشاطئ. يحسدهم، ويمني القلب بأيام وليال وَّلت. يتضجر، ويزوغ بصره في جميع الاتجاهات وكأنه يودع الأزقة والشوارع والمارة.. تفرمل سيارة خلفه، وصوت منبهها يسبب له الهلع.. – يا عم، انتبه إلى نفسك. لولا الله الذي سترَ لكنت صدمتك! يشير إليه يستسمحه، ويعبر على عجل إلى الطرف الآخر من الطريق.. يسرح.. أفكار كثيرة تشغله وترحل به بعيداً. تجزم الأفكار الإلتصاق بعقله الضيق الصغير أين تتراكم وتتضاغط. تجبره الأفكار أن يعانقها ولو كانت جمراً وسفافيدا كاوية.. خشخشة مزعجة وحشرجة تلم بالصدر. ألم قاسٍ يعانيه هذه الأيام، والحرارة تبلغ أوَّجها في الليل. الحمى تعتري كامل جسده فتؤرقه، وترحل به بعيداً وإلى كل العوالم ما عدا النوم.. حتى الراحة تخلت عنه وأصبح لا يطمح إليها.. * * * هذه المرة حاول أن يعاند، لكنه لم يقدر فاستسلم.. سعل في جهد وبألم، ثم حوقل ونخم في صورة فظيعة.. الزوجة لفظت البارحة جنيناً ميتاً. كتلة لحم متورمة وفاسدة. بعد ثمانية أشهر من الحمل والمعاناة قاست البارحة ألاماً مضنية، وعندما نقلت إلى المستشفى تقرر إخراج الجنين بعدما تأكد أنه لم يعد سوى صورة مشوَّهة لا حياة فيها.. بكت حينها، وفي حزن وقسوة أبلغته أن الله لم يعد يهمه حالهم، وأن القدر أصبح يعاندهم ويسخر منهم. حينها أخفى مشاعره الحقيقية وما يجيش في صدره، وطلب منها أن تستغفر الله كثيراً.. مسح بطرف يده على فمه. يتقرر عليه منذ اللحظة أن يحذر الأعين المتلصصة وأن يغرس برأسه في الأرض. معالم الطريق توضحت، ومن ينتبه إليه لن يشك كثيراً في المكان الذي يقصده.. قارب المكان الذي لاحت معالمه كاملة. سار حذراً وكاللص حاول وتمنى ألا يكشفه أحد.. لعن في سره بلقاسم الذي لمحه.. تساءل والسخط العارم يجتاحه: « ما الذي جاء به إلى هنا ! »، وقرر أن يتجاهله لكن بلقاسم لم يمنحه الفرصة .. حياه مشيراً إليه بيده، وأقبل نحوه مسلماً عليه.. – عاش من شافك.. – فِيك الخير، فيك الخير.. – إلى أين العزم إن شاء الله؟ أجاب يحاول إقناعه : – إلى أحد المعارف. أخبرني ولدي أنه مريض، وذاهب لأعوده.. * * * الصخب واللغط شديدان ويكتسحان كل ذرة في المكان. هواء خانق وإضاءة مفتقرة ووجوه جديدة يكتشفها لأول مرة وأخرى ألفها كثيراً.. فكر أن يركن إلى طاولة تجمع خلانه وندماءه لكنه ما لبث أن طرد الفكرة خجلاً وهو يتذكر ما حصل معه البارحة.. همَّ أن يستقل بطاولة منفردة لكنه انتبه إلى أن جميعها مأمومة.. تهالك على واحدة أمامه يكتسحها قبله شخصان لم يأبها به وهو يقعد إلى جانبهما. السُّكْـر رحل بهما إلى عوالم بعيدة.. يلهمه الرحيل ويشغله.. تستوقفه الحقيقة. ما الذي سيحتسيه بمبلغ تافه كالذي يحمله!.. تأسف كثيراً، والسّعال كان لا يزال يشتد في حنق.. لم يعد « العيد» الذي يبذر بغير حساب. شبح البطالة يخيفه بعدما لازمه لأكثر من أربعة أشهر. فصل نهائياً من عمله وطرد بعدما ضبط وهو يسرق كراريسا وأقلاماً لأبنائه. المدير صمم على طرده. قال له أنه يراعي مشاعره وكِبرَّ سنه، وحثَّه على الانصراف في صمت. والعيد رفض أن يحوَّل إلى المجلس التأديبي الذي سيشهر به أمال المَلأ. تساءل هذه المرة في قرارة نفسه: « أليس التشهير بأحسن مما أنا فيه ؟!.. لربما أصدروا عفواً عنّي واكتفوا بزجري فقط !».. كم كان غراً وساذجاً يوم خدعته سماحة المدير وهو يمنحه راتباً إضافياً مضاعفاً قال عنه أنه سيعينه حتى يجد عملاً. غرته المسبحة التي لا تفارق يد المخاتل الذي نصّب أحد معارفه مباشرة بعدما غادر هو العمل.. * * * انتبه إلى النوافذ العديدة وهو بقربها. من هنا قد يكتشفه أحد المارة.. لا، هو يجزم أن هذا الأمر بات مستبعداً بعدما لفَّ الظلام المكان.. عندما قرر النأي إلى مكان آخر، اعترضه شخص قابله بمنكبيه العريضين وصدره البارز. سأله في حقد وسخرية وهو يستعرض أمامه عضلاته وفتوته: – كيف سوَّلت لك نفسك البريئة ارتياد هذا المكان مرة أخرى، ألاَّ يكفيك الضرب الذي لا يتحمله ثور كامل ! – معي المال هذه المرة.. – آه حسناً، كم أنتَ وديع لكن أرني إياه.. إنه يجبره، وعليه أن يمتّثل.. وفي حركة متخاذلة أدخل يده في جيب سرواله ينشد الورق المالية الوحيدة التي معه، وأخرجها يكشفها له.. – آه، جيد جدا. لكن أشرب بقدر المبلغ الذي تحمله ولا تتجاوزه حتى لا تضطرنا إلى ضربك والرمي بك خارجاً.. هاله الوضع الذي آل إليه. الحضيض وأسفل الدرك. ماء الوجه أصبح آسناً والعادة تأصلت. اليد شحيحة والحالة التي تردى إليها بدورها تجبره وتخنقه.. تقزز من طلبه، وأقبل عليه النادل بقارورة «الروج». فتحها له فعبّ منها قليلاً لكنه تقزز من جديد، وحاول أن يشعر بالنشوة لكنها تأخرت عنده.. صوت ما يناديه.. حمل ببصره يجيله في المكان، وانتبه إلى « المختار» يستعجله.. – تعالى معنا. مكانكَ محجوز.. أقبل إلى طاولة ضمت أربعة أفراد، وأخذ المختار مقعداً من طاولة محاذية وقدمه له، ثم قال يوجه حديثه إلى شخص آخر معهم تظهر عليه بعض مظاهر النعمة.. – هذا من حدثتك عنه.. تساءل العيد عما أخبرهم به هذا العربيد، واستولى عليه حنق مفاجئ. أصبح يتاجر بأسرار الناس من كان يستودعه جميع أسراره.. – سي العيد، الله لم ينسك. لقد وجدت لك عملاً. منذ اليوم اعتبر نفسك تشتغل عند هذا السيد.. وأشار إلى السيد نفسه الذي حدَّثه من قبل، فحاول العيد بقدر المستطاع محو مظاهر الانزعاج التي غشيت ملامحه، وأحل محلها ابتسامه عريضة وآملة.. – لم أقل أنه سيعمل عندي، لكني أعاهدك بأن أجد له عملاً في أقرب فرصة.. ثم وهو يوَّجه كلامه إلى العيد أردف: – كن مطمئناً.. كم هو رائع أن يعود من جديد «سي العيد» الذي عهده الناس. العمل شرف مهما كان. على الأقل فإنه سيحميه من المهانة التي يتعرض لها كل يوم. ولد الجيران بعدما استخلف والده في الدكان رفض أن يمنحه حتى كيس حليب. قال له: «ادفع وتناوله. سئمنا تأخيرك في الدفع!». وهو يهمه كثيراً ماء الوجه.. * * * استمروا في أحاديث متشعبة لبعض الوقت، ثم تساءل أحدهم عن الوقت واستدرك أنه متأخر. وعندما وقف قام معه الآخرون وراحوا يغادرون المكان.. كانوا يقهقهون في فظاعة وهم يخرجون، ولم يتلفتوا إلى العيد أبداً.. الوحدة تطرقه من جديد، والسعال الخبيث يعاوده بشكل قاسٍ وعنيد. يحاول جاهدا كبت الألم الذي يعانيه، والقارورة يتحامل عليها. يكرعها دفعه واحدة ويفكر في طلب المزيد.. عليه أن يخرج من هنا ثملاً ومترنحاً.. بل محمولاً على الأكتاف. عليه أن ينسى أوجاعه وهمومه وحتى أحلامه وطموحاته. عليه أن ينسى حتى نفسه.. الدنيا تيار يعاكسه. ما أراد شيئاً إلاَّ وأرادت غيره. «الزهرة» التي أحبها حتى الجنون رفضته عندما اقترنت بغيره، والزوجة تسخر منه ومن رجولته، أما الأولاد ففي ضمير كل واحد منهم شعور رافض وحقود، كما أن لقمة الحلال باتت تتصرف عنه، ولم يبق له سوى العبّ من قارورة الحياة قارورة بعد أخرى، علّه ينسى.. لا يهم، في جيبه كذلك أساور زوجته. على الأقل لن يطرد كالبارحة. إنه يحتقر نفسه كذلك ويحقد عليها. كيف سوَّلت له أن يمد يده إلى ما ليس له فيه حق!.. لن ينسى هذا أبداً، كما لن ينسى أموراً كثيرة. أما الآن فعليه أن يشرب إلى ما لانهاية.. حشرجة قوية تعلو الصدر وتضيّق على القلب، وإحساس بالغثيان يلازمه فجأة. ينتحي جانباً ويتقيأ بفظاعة دماً أحمراً قانياً.. تجحظ عيناه. لا يصدق ما أفرغ من جوفه. يرتد كديك مذبوح والدهشة تقعده.. يسقط أرضاً، والناس تلتف حوله.. – الخمر أهلكه.. – أظن أن السّل قد قضى عليه. – الحياة ومتاعبها الكثيرة. في هذا العالم المحصور فيها كتب الله له والموبوء حاول أن يبتسم. سخر من نفسه ومن تفاهة وجوده.. تنفس للمرة الوحيدة بعمق، ثم تهدل ورحل

* محمد جعفر شاعر و روائي جزائري و النص من مجموعته القصصية “طقوس امراة لا تنام

 

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. kaouther nasre قال:

    استاذي الفاضل جعفر
    القصة التي قرأت في منتهى الروعة ، على كل المستوايات من فكرة الى سرد الى وصف الى اسلوب كتابي ….الخ
    حتى أني تشوقت كثيرا إلى فراءة باقي قصص المجموعة…سلم قلمك

اترك تعليقا