إن أهم عنصر ينهض عليه البناء الفني للروايه هو عنصر اللغة ،”فالشخصية تستعمل اللغة أو توصف بها، أو تصف هي بها مثلها مثل المكان أو الحيز و الزمان و الحدث…”1 ،و لعلنا لا نبالغ أن قلنا أن عنصر اللغة هو من أهم العناصر السردية في الخطاب الروائي ليصبح النص الروائي عبارة عن بناء قائم على مجموعة من الركائز و الأسس مادتها الأولية اللغة، هذه الأخيرة التي أصبحت تتميز بالتنويع في محاولة لتجاوز الشكل الروائي التقليدي الذي يعتمد في جوهره على الشخصية و الحدث، فاللغة لم تعد وسيلة للإبلاغ فحسب بل تجاوزت ذلك حتى غدت غاية مقصوده في ذاتها و صار الروائي الجديد يتحرر في كتاباته من القيود و المقاسات التي كبلت اللغة السردية مدة من الزمن مما أفسح المجال الواسع للخيال الواسع الفسيح.
نادى الشكلانيون الروس بضرورة ميلاد علم جديد للأدب يتمثل في الشعرية ، موضوعه هو “أدبية الأدب” .شكل البحث في مفهوم الأدبية انتشارا واسعا في رصيد الحركة النقدية العربية الحديثة، و الأدبية لفظ وليد النقد الحديث يقصد به ما يحول الكلام من خطاب عادي إلى ممارسة فنية إبداعية ، و لعلنا نذهب إلى الإقرار مع “عبد السلام المسدى” أن لا شئ يبرر أدبية الأدب إلا ذاتها، فالأدبي هو من يجعل الأدب أدبا حقا،هو ذلك العنصر المختفي الذي يجعل النص الأدبي لا يقدم حقيقة ما أو يصف واقعا و يحلله، أو ينقل حدثا تاريخيا، لكنه” المؤثر ذلك التأثير الذي يشبه لذة الحلم و ليس بالحلم و يطرب كالموسيقى و ليس موسيقى و يصير المتلقي مفتنا و معجبا و ملتذا في آن واحد”2.
و الأدبية تتجلى بشكل واضح في نص الرواية أو القصة، فكلما كانت لغتها شاعرية، أنيقة، منسجمة اللفظ ،حسنة التركيب و سامية الأهداف، كلما تركت أثرا إيجابيا على القارئ، أو السامع و العكس، إذ أننا نلاحظ القراء ينفرون من النصوص السردية التي لا تنسجم ألفاظها ومعانيها و التي تكتنف لغتها الإبهام و التعجيز.
إن البحث في الأعمال الروائية – لا سيما الحديثة منها- هو بحث يتطلب معرفة الدلالات المتواجدة فيها ليفهم ما يفضي إليه النص، و البحث عن الدلالة إنما هو اللجوء إلى التأويل،والتأويل هو ” قراءة ودود للنص، و تأمل طويل في أعطافه و ثرائه (…)، وقد وجد”ميشال فوكو” أن التأويل يستحوذ بعنف على تأويل آخر سابق عليه”3، و تأويل النصوص إنما هو بحث عن المستوى العميق داخل النص الروائي، و تجاوز للمعنى السطحي الذي يعتمد على التفسير الحرفي، ذلك أن ” الدلالة ليست مضمونا قائم الذات بوسعنا النفاذ إليه بيسر، إنما تستخلص بدراسة الشكل و تعرف ضروب العلاقة المنتظمة بين الوحدات المكونة للنسيج الدال “4 للكشف عن مكنونات النص السردي.
و إذا كان هذا هو مجال اللغة الروائية التي تعتمد على الجمالية و الإبداع ، فماذا عن طرق تدوينها الذي أضحى اليوم موضوع جدل و خلاف بين فريقين مختلفين يدعو الأول إلى تقنينها و كتابتها بطريقة عصرية داخل أقراص لا تزيد عن حجم كف اليد الواحدة بينما الثاني يتشبت بالكتابة الورقية التي يراها الأجدر و الأنسب للنصوص الأدبية.
يظل فعل الكتابة تخزين للمعلومات ونقل لها سواء عن طريق القلم اليدوي أو من خلال أرسالها إلى المطابع و الآلات الكاتبة و ينتج عن ذلك كتب ورقية، أو عن طريق الحاسوب من خلال تحويلها إلى كتابة رقمية و ينتج عنها (…doctxt)، أو عن طريق تصويرها بالكاميرات الرقمية أو الماسحات الضوئية .
و على الرغم من أن كل من الكتابات تكمل أو بالأحرى تساهم في ترقية فعل تدوين ما كتب إلا أن الفرق واضح بينها سنحاول تلخيصه في نقاط مهمة كما يلي:
1-أثر الكتابة الورقية و الكتابة الرقمية على القارئ:
يختلف وقع النصوص السردية على نفس القارئ وفكره، فالذي يجلس أمام شاشة الحاسوب يتحكم في أجهزته متأثرا بكل ما تقع عليه عيناه من إشارات و مؤثرات بصرية سمعية تجعله يخلص في الأخير إلى النص الذي أمامه ويحاول ربطه بكل تلك البنيات التي ساهمت في إنشائه ،إذ لم تعد الكلمة هي وحدها الفيصل والمنبه بل جاورتها أدوات أخرى أعطتها بذلك مفهوم الكتابة الرقمية وبالتالي قد تكون أكبر من قيمته الحقيقية التي يستحقها وذلك لأن المتلقي لم يتأثر بالنص السردي وحده فقط بل بما يرافقه أيضا ، أو العكس، قد تسئ هذه الأدوات للنص السردي و تفقده قيمته الحقيقية مثلما حدث للنص الروائي” ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي حين تحول من نص روائي مكتوب إلى عمل سينيمائي بالصوت و الصورة أفقد النص أهميته و جماليته ، بل قضى على ذلك الحس المرهف الذي نلتمسه و نحسه و نحن نقرأ و لا نشعر به حين نشاهده يتجسد أمامنا صوتا و صورة، فرواية أحلام مستغانمي تقوم في جوهرها على اللغة الفنية التي تجيد البوح و تدقق الوصف فيسبح القارئ في هذا الفضاء بحثا عن سحر ما يرسمه داخل مخيلته، فكيف سيحسه إذن وهو يشاهد أشخاصا يتحركون و يتحدثون، بل كيف سيتمكن هؤلاء الأشخاص من أن يعبروا عن وصف ما لا يتضمن فعل الكلام كأن تصف لنا مكانا معينا أو شخصا بلغة جميلة جدا لا نملك سوى أن نحبها و نبحث عن بقية السحر في الصفحات الموالية منها.
و لعلي لا أبالغ إن قلت أن الكتابة الورقية تولد نوعا من الحميمية و السرية بين القارئ و النص حين يجلس هذا الأخير يتأمل الحروف و يتخيل المشهد و الأحداث بل يقلب الصور و يكتشف الشخصيات حسب تراكماته الفكرية ودون الحاجة إلى ما يحدد له شكل هذه الصورة كما هو الحال في الكتابة الرقمية، فلحظة التلقي و كيفيته هي المؤثر الفعلي للقارئ، ” و تبلغ العناية بالقارئ ذروتها في جماليات التلقي، إذ هي تتأسس على مبدأ التفاعل بين النص و القارئ و على ناتج التلقي”5 .
2-نوعية الكتابــة:
تختلف الكتابة الإلكترونية أو الرقمية عن الكتابة الورقية من خلال الشكل و النوع، حيث أن الكتابة الرقمية تفرض على المتلقي أن يستعمل المؤثرات الأخرى أو يستعين بها من بينها أن يكون متوفرا على نفس البرامج التي استعملها الكاتب الذي يُطلب منه أن يكون على ذراية بالبرمجة و بالمؤثرات الأخرى التي تساعده على فعل القراءة، كما أن هذا النوع من الكتابات يولد قارئا سلبيا متكاسلا لا يتفاعل مع النص، و على العكس من ذلك فإن الرواية الورقية بسيطة و سهلة لا تحتاج إلى أدوات أخرى غير الكلمات و الجمل.
و لعل الأمر المريب في الكتابة الرقمية هو قدرة الحاسوب على تدوين عدة كتب بنفس أسلوب الكاتب بعد برمجته بقاموس الكاتب و بعض الأدوات الأخرى، و هنا يُقضى نهائيا على براعة الكاتب و إبداعه، بينما نجد الصحافي الإلكتروني الأردني”محمد سناجلة” يدافع عن الكتابة الرقمية معتبرا ” أن الكلمة في الكتاب الإلكتروني لم تعد الأداة الوحيدة إذ تجاورها أدوات أخرى كالمؤثرات البصرية و السمعية ، مقدما نظرة متكاملة ليخلص إلى أن الصورة هي الأصل في الكتابة و ليس الكلمة”6، و يجيب السيميائي “سعيد بن كراد” عن هذا الإعتقاد” معتبرا أن التجريد هو الأصل و ليس الصورة، و أن الفكرة سابقة عن الصورة، و يرى أن للكلمة قدرة كبيرة على الاختزال ، و تفتح للمتلقي قدرة لا متناهية على الخيال، بينما يستعمل الأدب الرقمي مؤثرات تحد من هذه القدرة”7، و يرى مناصروا الكتاب الورقي أن الكتاب الإلكتروني ينتج أدبا بلا مشاعر وأحاسيس إنسانية ، بينما يرفض ” محمد سناجلة” هذا الإتهام مشيرا إلى رواية ( ظلال الواحد) بأنها رواية حب مكسور ، بل إن الرواية كلها تدور تحت سماء افتراضية اسمها (مملكة العشاق) قائلا:” أنا لم أكتب إلا عن الحب و للحب فكيف تغدو كتابتي بلا مشاعر أو أحاسيس؟”8
3-تسويق الكتب الإلكترونية و الكتب الورقية:
تحتاج الكتب بنوعيها الرقمية أو الورقية إلى عملية تسويق و نشر لتصل إلى القارئ، ففي حين يستغرق الكتاب الورقي زمنا طويلا متنقلا ما بين المراجعة و الطبع و النشر وصولا إلى التوزيع و التسويق في أماكن محدودة تخضع للقدرة الشرائية للقارئ و للرقابة السياسية و الاجتماعية و الدينية….، نجد الكتاب الإلكتروني يختصر المسافات ليصل إلى كل رقعة جغرافية على هذه الأرض في زمن قياسي جدا، فالعصر الرقمي يحتاج إلى وسيلة سريعة تحل المشاكل التي كانت تعترض الكتاب الورقي و يستطيع كل من يتوفر على النت قراءته بمجرد و ضعه على الشبكة الإلكترونية ، و من هنا تراجع اقتناء الكتب الورقية من المكتبات و المعارض و تبديلها بأقراص مرنة تحمل أكثر من مئة كتاب أو تحميلها مباشرة من المكتبات الإلكترونية مجانا.
4-مصداقية النقد في الكتب الإلكترونية:
إذا كان النقد عبارة عن مجموعة من الضوابط و الأحكام التي يتم من خلالها الحكم على النصوص الأدبية بموضوعية بعيدا عن الانطباعية و الذاتية، فإننا نلاحظ اليوم أنه فقد معاييره الحقيقية داخل الكتابات الرقمية و بذل أن يكون النقد موضوعيا صار يرتكز على العلاقات العامة و المصالح المشتركة بين جميع الأطراف التي هي قيد الاتصال الإلكتروني وصار النقد الإلكتروني يقوم على المجاملات في معظم الأحيان لا على أساس الحجة و الدليل.
و لا يزال إلى حد الساعة موضوع الكتابة الإلكترونية يثير جدلا كبيرا و يطرح تساؤلات عدة حول مستقبلها و تسميتها، هذه الكتابة التي صارت تطلع من الشاشات و تصل لكل غرفة موصولة بالنت بأرقام قياسية و مدة زمنية قصيرة لا تضاهى، فهل سيخلق هذا النوع من الكتابات أدبا جديدا ينهض بالأدب و يحمل مشعل التطور والرقي و هل هو مؤهل لأن يرث الأدب الورقي أم أنه لا يصلح للاستمرارية و البقاء؟
و يظل السؤال مطروحا: هل الكتابة الورقية هدم للأدب و أدبيته أم بناء و تأسيس لكتابة جديدة تتماشى و العصر الذي نعيشه، وترضي أذواق القراء و النقاد على حد سواء؟ .
الهوامش:
1- د/ عبد الملك مرتاض،في نظرة الرواية، بحث في تقنيات السر، عالم المعرفة، العدد240 ، يصدرها المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب، الكويت 1998، ص:125.
2- د/ نور الدين السد، الأسلوبية و تحليل الخطاب، دراسة في النقد العربي الحديث، تحليل الخطاب الشعري و السردي،الجزء2، دار هومة للطباعة و النشر و التوزيع بوزريعة ، الجزائر، ص:58.
3- أ.د/ حبيب مونسي، نظريات القراءة في النقد المعاصر، منشورات دار الأديب،2007،ص:170.
4- محمد ناصر العجيمي، في الخطاب السردي، نظرة غريماس، الدار العربية للكتاب 1993،ص:87.
5- أ.د/ حبيب مونسي، نظرية القراءة في النقد المعاصر، نفسه، ص:112.
6- http :www.minculture.gov.ma/index.php ?option=com
7- الموقع نفسه،بالتصرف.
8- /ttp :www.aawsat.com/details.asp ?issueno=10626
*باحثة جامعية





رائع جدا أستاذة الكريمة