تجليات عالم الصحراء في النص الروائي الجزائري (مملكة الزيوان أنموذجا) / *سليمان قوراري
بواسطة مسارب بتاريخ 16 ديسمبر, 2013 في 05:08 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 6574.

 

فرض عالم الصحراء نفسه وبقوة كبيرة على النص الروائي الجزائري المعاصر ، بحكم جاذبيته ، وروائع طقوسه وعاداته وتقاليده الساحرة الآسرة ، وبحثا من الروائيين الجزائريين عن فرص جديدة للتجريب ، وممارسة مغامرة الكتابة بنوع من الممارسة العشقية مستعينة بقاموس صوفي ثري بمصطلحاته الموغلة في الوله والوجد والفناء . قراءة في بعض التجارب الروائية الجزائرية حول عالم الصحراء: اهتمت بعض الروايات الجزائرية على قلّتها بالعالم الصحراوي ــ وهي ظاهرة جديرة بالانتباه ــ وحاولت أن تبرز بعض مكوناته الجمالية ، من رمال ، ونباتات ، وحيوانات ، ومحور هذا العالم الإنسان الذي استوطن هذا المكان منذ أقدم العصور وتفاعل معه ، وترك بصمات واضحة ، تدل على معاناته الطويلة ، وتكيّفه مع خصوصيات الصحراء ، وتفريعا لجمالية العالم الصحراوي يمكن أن نذكر ههنا رواية تيميمون للروائي :رشيد بوجدرة. وحول عالم الصحراء يرى الباحث حسن المودن أن ” الصحراء جزء من تراثنا الطبيعي ، وإذا كانت الصحراء فقيرة في إنتاجها الزراعي والمادي ، فإنه ينظر إليها على أنها غنية بتراثها الثقافي وبإنتاجها الرمزي ” ، وخلاصة للمبحث الذي خصصه للكتابة والصحراء ، يصل الباحث إلى نتيجة مفادها :” أن الأدب السردي العربي قد عرف ، مع روايات الصحراء ، ظهور نصوص سردية تجعل شخوصها وحكاياها وتأملاتها تستوطن الصحراء ، تقول الصراع ضد قوى الموت ، وتلاحق أسئلة المطلق والخير والشر في صراعاتها الأبدية ” حاول الروائي رشيد بوجدرة وعبر رحلة تخييلية في فضاء واقعي في عمق الصحراء الجزائرية حيث الأمن والأمان المفقود بفعل لغة الموت المبثوثة في كل شارع من شوارع الشمال ، أن يرسم التناقض الصارخ بين فضاءين ينتميان لبيئة جزائرية واحدة ، أنتج من خلال منطقة تيميمون روعة الصحراء وجمالها الأخاذ ، وألق دهشة الحب فيها ، والإندماج الصوفي الرهيب والجليل في طيات أزمانها ، وروعة طوبها وقصورها ، وشذى تربتها ، وبهاء نخيلها، مما فتح نفسيته النافرة من المرأة إلى إعادة اكتشافها وهي المعادل الموازي للحياة وبهجتها وخصوصا “صراء” التي ملأت حياته وشكلت أنيسته في وحدته وظلمة الأحداث التي تصل تباعا عبر الأخبار من الشمال المحترق تحت معاول وسكاكين المتطرفين الإرهابيين ” تعودت الوصول إلى تيميمون مع طلوع الشمس حتى يتمكن السواح من اكتشاف هذا القصر البربري العتيق بواحته الخصبة حيث نظام توزيع مياه السقي يعود أصله إلى آلاف السنين ، فكان يبهرني بتشعباته وتشابكاته ” . لكن جمالية عالم الصحراء عكرها وكسر سردية الحدث الروائي خبر الإغتيالات الهمجية ويشير الراوي إلى عمليات النهب الذي تعرضت له منطقة الطاسيلي ، وخاصة المنحوتات الصخرية الأثرية حيث ” لم يبق منها إلا القليل وقد سرقت ونهبت جلها من طرف الضباط الفرنسيين والغزاة المستعمرين وعلماء السلالة ” . وبالعودة إلى رواية تيميمون تلفي الراوي يتفنن في رسم صورة جمالية لواحة تيميمون والتي هي ” عبارة عن قصر بربري عتيق مبنية أسواره بالصلصال الأحمر والمحبحب ، فسميت بالواحة الحمراء ، ويتربع هذا القصر على صخرة تشرف من أعلى أمتارها العشرين على الواحة ” . ولا يفوت الراوي الحديث عن دور المسجد وأهميته . ومما يتصل بموضوعة الصحراء ، تلك الحوارية في ” تلك المحبة” للحخبيب السائح التي أبرزت معاناة رقيق الصحراء فطريقة التصوير التي انتهجتها ” أم بليلو ” أضفت على طبقة الرقيق طابعا مأساويا ، وصورت مدى المعاناة التي تحملتها هذه الطبقة في تشييد القصور ، وإضفاء صفة الحياة على الفيافي والقفار ، التي تحولت بجهدهم وعرقهم ودمائهم إلى واحات وجنات خضراء على امتداد البصر . وعن طريق السارد المتواري في رواية (تلك المحبة)والذي هو ” سارد خفي أو غير متدخل أو سارد غير درامي ، السارد الذي يصف الوقائع بدون أن يتدخل إلا حين تملي الضرورة ذلك ” ينطق السارد شخصية ” بليلو ” بأسرار أفضى له بها سيده حول الفقاقير ومن فقرها ؟ ” سمعت السيد يقول لي في ليلة ضيفة كنت خدمت فيها أن أجداده اليمنيين الذين استوطنوا توات بعد الفتح هم الذين أمروا بحفر الصحريات كما كانوا يسمونها . ولما كان أجدادك هم الذين يفقرون الأرض كـما يفـقر الذيب النعاج سموها الفقارة فغلب اسم اليد التي تحفر اسم اليد التي تملك ” . ومن خلال هذه النصوص يتبين للمتلقي مدى معاناة أولئك الرقيق الذين طوَّعوا الصحراء وحوّلوها إلى واحات غنّاء تضم بساتين النخيل الوارفة الظلال ، والبساتين الوافرة الغلال . الكشف عن مكونات الطبيعة الصحراوية وما يتصل بها من عادات : استطاعت بعض النصوص الروائية الجزائرية أن تكشف لنا عن عوالم رحبة للعالم الصحراوي المترامي الأطراف ، لأن هذا العبور هو الطريق الأول نحو العالمية ، ولقد توجهت الرواية العربية عموما نحو المحلية تحت تأثير الرواية الأمريكية اللاتينية التي اهتمت بالأماكن المجهولة ، ومن ثم الغوص في أعماق التاريخ، والاهتمام بالحضارات القديمة، كحضارة “المايا” التي تحدث عنها الروائي ميكيل آنخل أستورياس في روايته “أناس من ذرة” وحكايات أساطير الأولين من الأسلاف الغابرين التي تعطي للرواية خصوصيتها المحلية على غرار رواية “مئة عام من العزلة” للكولمبي غابرييل غارسيا ماركيز. حاول حاج أحمد الصديق (الروائي والأستاذ المحاضر في جامعة أدرار/ الجزائر) في نصه الروائي (مملكة الزيوان) إبراز جمالية المعالم الجغرافية، والحياة الاجتماعية، والروحية في صحراء توات، ولقد تميزت روايته بتركيزها على الصحراء واهتمامها بالعودة إلى الماضي السحيق للصحراء، ومحاورة أساطيرها ورموزها، ورمالها ، واستكشاف عوالم الأسلاف و تعاويذهم، ورقاهم، وتمائمهم السحرية. لقد استمد حاج أحمد الصديق مكونات عالمه الروائي الصحراوي من بيئته المحلية، ويمكن حصر هذه المكونات مكون: الصوفية، وما تعلق بأساطير ومعتقدات ساكنيه. ومن خلال البيئة المحلية وعبر حوارية معها يقدم لنا الروائي مجموعة من تفصيلات بعض الشخصيات الفاعلة في هذا النص السردي ، وبالخصوص حياة بطل الرواية ” المرابط الزيواني ” ومن خلاله يرصد مسيرة توات الحديثة ، بعد استقلال الجزائر . لا تصور رواية (حاج أحمد الصديق) البيئة الصحراوية التواتية، بوصفها مكاناً جغرافياً فحسب، بل تعنى بالحياة الاجتماعية والروحية للناس، فتعرض لعاداتهم ومعتقداتهم الموروثة والمقدسة. إن كل شيء في حياة القبيلة مقدس، بدءاً من اللباس، وانتهاء بطقوس الزواج. وقد عرض حاج أحمد الصديق في (مملكة الزيوان) لهذه العادات والمعتقدات والتقاليد، بدافع تعريف القارئ بما يجهله من حياة القبائل في صحراء توات. إن الغموض الذي يكتنف عالماً فسيحاً ومجهولاً كعالم الصحراء لا بد أن يطلق العنان لمخيلة الإنسان، فتتراءى له الأشياء على صورتها الحقيقية. ولعل هذا أن يكون تفسيراً لظهور الحكايات التي تدور حول القوى الخفية التي يقوى الاعتقاد بها في المجتمعات البدائية. وقد حوت (مملكة الزيوان) طرفا من هذه الخوارق الطقوس والعادات، مما يدل على مدى تغلغل هذه المعتقدات في وعي أبناء الصحراء، فالقوى الخارقة موجودة في كل مكان من الصحراء، ولها قدرات خارقة ليست للبشر. ويجب على الإنسان –كي يأمن إيذاءها- أن يتحصن بالتعاويذ والرقى، والحجب. عالم الصحراء في رواية مملكة الزيوان تفكيك بعض المفردات أولا : عالم :جاء في بعض المصادر : “العالَم: جمعٌ لا واحدَ له من لفظه، كالأنام والرهط والجيش، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جِمَاعٍ لا واحد له من لفظه.” و الْعَالَمِ، وَهُوَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى كما قَالَ قَتَادَةُ خلافا لمن قال وَقَالَ: الْعَالَمُ عِبَارَةٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ وَهُمْ أَرْبَعَةُ أُمَمٍ: الْإِنْسُ، وَالْجِنُّ، وَالْمَلَائِكَةُ، وَالشَّيَاطِينُ. وَلَا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ عَالَمٌ، لِأَنَّ هَذَا الْجَمْعَ إِنَّمَا هُوَ جَمْعُ مَا يَعْقِلُ.( الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدٍ) …وقد حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَذَكَرَ أَدِلَّتَهَا وَقَالَ: إِنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ وَمَوْجُودٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ؟ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا “وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَلَامَةِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مُوجِدِهِ، كَذَا قَالَ الزَّجَّاجُ. وَقَالَ: الْعَالَمُ: كُلُّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ جَمْعُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْعُقَلَاءِ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلَاءِ عَلَى غَيْرِهِمْ. ” ونحن في قراءتنا لعالم الصحراء سنأخذ العالم بمفهومه الشامل الدال على وجوده سبحانه وتعالى ذلك لأن النص الروائي برمته فيه من العوالم ما يدل على عظمة الخالق سبحانه أيا كان انتماء هذا النص الروائي ، وشاء ذلك السارد أم أبى فكل العوالم ناطقة بعظمة خالقها ومربيها سبحانه . ثانيا: الصحراء : وردفي الصحاح : حول مادة [صحر] : ” الصَحْراءُ: البريَّةُ، وهي غير مصروفة وإن لم تكن صفة، وإنما لم تصرف للتأنيث ولزوم حرف التأنيث له. … تقول: صحراء واسعة، ولا تقل صحراءة فتدخل تأنيثا على تأنيث. والجمع الصحارى والصحراوات،” وجاء في كتاب مقاييس اللغة (صَحَرَ) الصَّادُ وَالْحَاءُ وَالرَّاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْبَرَازُ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْآخَرُ لَوْنٌ مِنَ الْأَلْوَانِ.فَالْأَوَّلُ الصَّحْرَاءُ: الْفَضَاءُ مِنَ الْأَرْضِ. وَيُقَالُ: أَصْحَرَ الْقَوْمُ، إِذَا بَرَزُوا. وَمِنَ الْبَابِ قَوْلُهُمْ: لَقِيتُهُ صَحْرَةَ بَحْرَةَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ سِتْرٌ. وَالصُّحْرَةُ: الصَّحْرَاءُ فِي قَوْلِ أَبِي ذُؤَيْبٍ: سَبِيٌّ مِنْ يَرَاعَتِهِ نَفَاهُ … أَتِيٌّ مَدَّهُ صُحَرٌ وَلُوبُ وَالْأَصْلُ الْآخَرُ: الصُّحْرَةُ، وَهُوَ لَوْنٌ أَبْيَضُ مُشْرَبٌ حُمْرَةً. وَأَتَانٌ صَحْرَاءُ:فِي لَوْنِهَا صُحْرَةٌ، وَهِيَ كُهْبَةٌ فِي بَيَاضٍ وَسَوَادٍ. وَيُقَالُ: اصْحَارَّ النَّبْتُ، إِذَا هَاجَ ; وَذَلِكَ أَنَّ لَوْنَهُ يَتَغَيَّرُ وَيَخْتَلِطُ. وفي كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر في مادة (صَحَرَ) وفيه «كُفِّنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ثَوبَين صُحَارِيَّيْنِ» صُحَار: قَريةٌ باليَمن نُسِبَ الثوبُ إِلَيْهَا. وَقِيلَ هُوَ مِنَ الصُّحْرَة، وَهِيَ حُمْرة خفِيَّةٌ كالغُبْرة. يُقَالُ ثَوْبٌ أَصْحَرُ وصُحَارِيُّ.وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «فأَصْحِرْ لعَدُوّكِ وامْض عَلَى بَصِيرَتِك» أَيْ كُنْ مِنْ أمْرِه عَلَى أمْرِ وَاضِحٍ منكشِفٍ، مِنْ أَصْحَرَ الرجلُ إِذَا خَرج إِلَى الصَّحْرَاءِ. وفي تاج العروس: َقَالَ ابنُ شُمَيْلٍ: الصَّحْراءُ من الأَرْضِ: مثلُ ظَهْرِ الدّابَّةِ الأَجْرَدِ، لَيْسَ بهَا شَجَرٌ وَلَا إِكامٌ وَلَا جبَالٌ، مَلْسَاءُ، يُقَال: صَحْرَاءُ بَيِّنَةُ الصَّحَرِ والصُّحْرَةِ. وورد في معجم اللغة العربية المعاصرة رقم2973 في مادة – ” ص ح ر صَحْراءُ/ صَحَراءُ [مفرد]: ج صَحْراوات وصَحارَى وصَحارٍ وصَحارِيّ: أرض فضاء واسعة نادرة الماء مرتفعة درجات الحرارة ولا حياة فيها “يعيش البدوُ في الصَّحراء حياة صَعبة” ولهذا فإن الصحراء تشير إلى الخواء إلى انعدام مظاهر الحياة في عمومها اللهم إلا في بعض الواحات التي يصارع الإنسان فيها الطبيعة من أجل البقاء ، مستخدما كافة الوسائل المتاحة ، وما اهتدى إليه تفكيره الطويل من ابتكارات وقف العالم منبهرا بها مثل نظام الفقارة على سبيل المثال , ولأجل خاصية الصحراء التي تعني اللاحياة فإن العامة في كلامها وأمثالها يشيرون بها إلى العدمية فيصفون شخصا ما بأنه خرج من صفقة أو معاملة معينة (صحرة) ” والعامة ينطقون صحرة: عامية صحراء (محيط المحيط). ” 1) الكشف عن مكونات العالم الصحراوي : اهتمت بعض الروايات الجزائرية على قلّتها بالعالم الصحراوي ــ وهي ظاهرة جديرة بالانتباه ــ وحاولت أن تبرز بعض مكوناته الجمالية ، من رمال ، ونباتات ، وحيوانات ، ومحور هذا العالم الإنسان الذي استوطن هذا المكان منذ أقدم العصور وتفاعل معه ، وترك بصمات واضحة ، تدل على معاناته الطويلة ، وتكيّفه مع خصوصيات الصحراء ، وتفريعا لجمالية العالم الصحراوي يمكن أن نذكر ههنا رواية تيميمون للروائي :رشيد بوجدرة ، الذي ساهمت في صقل موهبته الإبداعية باللغة العربية الدراسة الثانوية التي تلقاها بوجدرة في معهد الصادقية بتونس في جمعه بين الثقافتين العربية والغربية ” . وحول عالم الصحراء يرى الباحث حسن المودن أن ” الصحراء جزء من تراثنا الطبيعي ، وإذا كانت الصحراء فقيرة في إنتاجها الزراعي والمادي ، فإنه ينظر إليها على أنها غنية بتراثها الثقافي وبإنتاجها الرمزي ” ، وخلاصة للمبحث الذي خصصه للكتابة والصحراء ، يصل الباحث إلى نتيجة مفادها :” أن الأدب السردي العربي قد عرف ، مع روايات الصحراء ، ظهور نصوص سردية تجعل شخوصها وحكاياها وتأملاتها تستوطن الصحراء ، تقول الصراع ضد قوى الموت ، وتلاحق أسئلة المطلق والخير والشر في صراعاتها الأبدية ” ولعلّ الجرأة الأدبية التي تميّز بها بوجدرة وهي شجاعة غير معهودة لدى الروائيين العرب ، بسبب الحواجز الدينية والأخلاقية والأعراف الاجتماعية ، هي التي دفعت أحد الباحثين لولوج عالم بوجدرة الروائي الذي يستنطق المسكوت عنه في الثقافة العربية والإسلامية ، ويلامس عمق الذات العربية حيث ” ظل بوجدرة كبيرا ومدهشا ، بثقافته الموسوعية وبراعته السردية التي تجنح نحو التفاصيل والاستطراد الذي يحيل على ثقافة سردية تتكيء على ألف ليلة وليلة والقرآن وآثار السلف الصالح من أبي عثمان الجاحظ ، إلى عبد الرحمن بن خلدون ، وأخيرا على الفنون والآداب الحديثة والأوربية تحديدا … ” . لقد حاول الروائي رشيد بوجدرة وعبر رحلة تخييلية في فضاء واقعي في عمق الصحراء الجزائرية حيث الأمن والأمان المفقود بفعل لغة الموت المبثوثة في كل شارع من شوارع الشمال ، أن يرسم التناقض الصارخ بين فضاءين ينتميان لبيئة جزائرية واحدة ، انتج من خلال منطقة تيميمون روعة الصحراء وجمالها الأخاذ ، وألق دهشة الحب فيها ، والإندماج الصوفي الرهيب والجليل في طيات أزمانها ، وروعة طوبها وقصورها ، وشذى تربتها ، وبهاء نخيلها، مما فتح نفسيته النافرة من المرأة إلى إعادة اكتشافها وهي المعادل الموازي للحياة وبهجتها وخصوصا “صراء” التي ملأت حياته وشكلت أنيسته في وحدته وظلمة الأحداث التي تصل تباعا عبر الأخبار من الشمال المحترق تحت معاول وسكاكين المتطرفين الإرهابيين ” تعودت الوصول إلى تيميمون مع طلوع الشمس حتى يتمكن السواح من اكتشاف هذا القصر البربري العتيق بواحته الخصبة حيث نظام توزيع مياه السقي يعود أصله إلى آلاف السنين ، فكان يبهرني بتشعباته وتشابكاته ” . لكن جمالية عالم الصحراء عكرها وكسر سردية الحدث الروائي خبر الإغتيالات الهمجية . ومن ناحية أخرى يشير الراوي إلى عمليات النهب الذي تعرضت له منطقة الطاسيلي ، وخاصة المنحوتات الصخرية الأثرية حيث ” لم يبق منها إلا القليل وقد سرقت ونهبت جلها من طرف الضباط الفرنسيين والغزاة المستعمرين وعلماء السلالة ” . وبالعودة إلى رواية تيميمون تلفي الراوي يتفنن في رسم صورة جمالية لواحة تيميمون والتي هي ” عبارة عن قصر بربري عتيق مبنية أسواره بالصلصال الأحمر والمحبحب ، فسميت بالواحة الحمراء ، ويتربع هذا القصر على صخرة تشرف من أعلى أمتارها العشرين على الواحة ” . ولا يفوت الراوي الحديث عن دور المسجد وأهميته . ومما يتصل بموضوعة الصحراء ، تلك الحوارية الواردة في رواية (تلك المحبة) للروائي الحبيب السائح و التي أبرزت معاناة رقيق الصحراء فطريقة التصوير التي انتهجتها ” أم بليلو ” أضفت على طبقة الرقيق طابعا مأساويا ، وصورت مدى المعاناة التي تحملتها هذه الطبقة في تشييد القصور ، وإضفاء صفة الحياة على الفيافي والقفار ، التي تحولت بجهدهم وعرقهم ودمائهم إلى واحات وجنات خضراء على امتداد البصر . وعن طريق السارد المتواري في رواية (تلك المحبة)والذي هو ” سارد خفي أو غير متدخل أو سارد غير درامي ، السارد الذي يصف الوقائع بدون أن يتدخل إلا حين تملي الضرورة ذلك ” ينطق السارد شخصية ” بليلو ” بأسرار أفضى له بها سيده حول الفقاقير ومن فقرها ؟ ” سمعت السيد يقول لي في ليلة ضيفة كنت خدمت فيها أن أجداده اليمنيين الذين استوطنوا توات بعد الفتح هم الذين أمروا بحفر الصحريات كما كانوا يسمونها . ولما كان أجدادك هم الذين يفقرون الأرض كـما يفـقر الذيب النعاج سموها الفقارة فغلب اسم اليد التي تحفر اسم اليد التي تملك ” . ومن خلال هذه النصوص يتبين للمتلقي مدى معاناة أولئك الرقيق الذين طوَّعوا الصحراء وحوّلوها إلى واحات غنّاء تضم بساتين النخيل الوارفة الظلال ، والبساتين الوافرة الغلال . وهذه المأساة ظلت ملازمة للعبيد طوال الأزمان فلقد ” كانت شعوب الحضارة القديمة من المصريين والبابليين والفرس والهنود واليونان والروم والعرب وغيرها تتخذ الرقيق وتستخدمه في أشق الأعمال ، وتعامله بمنتهى القسوة والظلم ، وقد أقرته الديانتان اليهودية والنصرانية ، وظل الرق مشروعا عند الإفرنج إلى أن حررت الولايات المتحدة الأمريكية رقيقها في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ، وتلتها إنجلترا باتخاذ الوسائل لمنعه من العالم كله في أواخر القرن التاسع عشر ” . أهم مكونات عالم الصحراء في رواية مملكة الزيوان ونحن نقرأ ( مملكة الزيوان) للدكتور الصديق حاج أحمد ، يتبادر إلى أذهاننا أن الراوي يروي لنا تاريخا للمنطقة التي نشأ وترعرع فيها ومن ثمّ يتداخل لدى القارئ مفهوم السيرة والتاريخ ومن ثم نتساءل أحقاً أن السيرة جزء من التاريخ؟ولكن من باب الإنصاف يمكن القول بأنه ” كلما كانت السيرة تعرض للفرد في نطاق المجتمع، وتعرض أعماله متصلة بالأحداث العامة أو منعكسة منها أو متأثرة بها فإن السيرة؟ في هذا الوضع؟ تحقق غاية تاريخية؛ وكلما كانت السيرة تجتزئ بالفرد، وتفصله عن مجتمعه، وتجعله الحقيقة الوحيدة الكبرى، وتنظر إلى كل ما يصدر عنه نظرة مستقلة، فإن صلتها بالتاريخ تكون واهية ضعيفة.” تجليات عالم الصحراء في مملكة الزيوان : تكررت كلمة الزيوان كثيرا عبر كامل النص الروائي مما يؤشر على احتلالها موقعا بؤريا في بنية النص ، وسيطرة حمولتها الدلالية على فكر الروائي ، ومن ثمّ ضغطها التوجيهي للقارئ الذي يتلقف النص مستكشفا لخباياه وزواياه المعتمة ، وإن في تكرار هذه المفردة بهذا العدد لهو دليل على مدى أهميتها في جانبها الواقعي والتخييلي ، وكمونها في اللاشعور الجمعي ، بتاريخها وطقوسها وحضورها اللافت للانتباه في كل تفاصيل الحياة اليومية ، ولعل من أهم العوالم التي أتاحه لنا ضيق الوقت تتمثل فيما يلي : عالم الجان : وهو عالم غير مرئي ن ولذلك سمي الجان جانا لاستتارهم وخفائهم عن الأبصار ، وقد شكل حضورا جماليا داخل بنية النص الروائي ، وأسبغ على النص بعده العجائبي ، وقد شكّل الخطاب العجائبي حضورا ملفتا للانتباه في رواية ” مملكة الزيوان ” ، وهو خطاب بخترق المألوف ، ويخرق ما جرت به العادات ، بغية خلق المفارقة ، والدهشة ، ومن هنا فإن هذه الرواية تأخذ من الرواية العجائبية حيث تتضح جمالياتها في استخلاص خصائص الخطاب العجائبي ، واستثماره في تطعيم النصوص الإبداعية ، لاسيما الخطاب الصوفي وما يتمتع به من سمات خارقة قادرة على خلق عنصر الدهشة ، والانبهار ، وما يتمتع به من ركائز تعتمد على عناصر الكرامة ومقامات الأولياء وقدراتهم العجائبية المستمدة من العطاء الإلهي ، فرواية (مملكة الزيوان) التي تقصّدت العجائبية في طرحها ، إنما كانت تروم مراوغة المتلقي بغية خلق عنصر الدهشة لديه ، وإثارة استغرابه باقتحام مناطق اللامألوف وفضاءات الخيال والغرابة .ومن ثم فإن العجائبي يتمركز في هذه الرواية ليؤدي أدوارا مهمة لعل من أبرزها : ” يرتبط بالماضي والغيبي وبما هو فوق طبيعي ، وبالكرامات والمعجزات ، يعمل على تبئير الإنسان والمكان والزمان ، يتخذ من الأحلام والرؤى سبيلا للبناء ، يعتمد على خلق المفارقة والسخرية من المألوف الواقعي عبر المكاشفة والخارق والمسخ والتحول والتضخيم … ” ويوضح لنا الراوي أنه لاكتشاف هذا العالم اللامرئي كان لابد لذلك الدرويش من القيام بطقوس لازمة من وحي الطالب (أيقش) حيث إنه ” ما إن بلغ نهاية ما وقر في قلبه، وحدّث به نفسه، حتى سمع صوتاً نسوياً لطيفاً خفيفاً يناديه من الداخل، أنِ ادخلْ، فولجَ، ولم يسمِّ، بل تعمّد فعل ذلك؛ لأن الطالب أيْقشَ قد ذكّره كذلك بعدم التسمية حينها؛ لأن ذلك لا محالة سوف يطرد الجن، فدخل غير مسمٍّ. فإذا هو أمام اِمرأة باهرة الجمال، لا عين رأتْ ولا خطر ببال أحد، لم يرَ في عالمه الإنسي الزيواني، اِمرأة فاتنة مثلها، ومهما حاول أو اجتهد في وصف جمالها فلن يفلح بكل تأكيد…. ” حيث يواصل الروائي العالم بكل شيء قائلا : ” وشاهد هناك المرأة الطارقية الجميلة بكل ما أوتيت من سحر جذَّاب وفتَّان؛ لكنه لم يقف كالذي رأى، هيهات… وسألته عن حال أهل الزيوان، وعن عالمه الإنسي الزيواني، وقالت له، إنّها هي مَرُّوشَة الساحرة الجميلة، التي عشقها وفُتن بها الشلاَّلي، وتغنّى بها كثيراً في غناء طبله، ونعتها فيه بأوصاف تُذكر وتُحفظ عند العامة والخاصة، بعثها لها مع مرْسُوله زَرْقْ الرِّيْشْ، وزَرْقْ الجَنْحَاني، وأضحت قصتي أكبر قصة حب وعشق ترويها الأجيال بمملكتكم الزيوانية. وقالت له، إنها أحبّت في نفسها، أن تغني له بيتاً، من مطلع تلك الأغنية الشهيرة عندهم في سماء ذاكرتهم الشعبية، التي غنّاها الشلاَّلي في حبها، وغنّت مَرُّوشَة لقول الشلاَّلي، وهي تضع يدها على خدّها الأيمن، وترسم بالقول مستفتحة (داني داني يا داني): زَرْقْ الرِّيْشْ إيْلاَ أَغْدِيتْ للعَاشْقِينْ سَالْ أَعْلَى مَرُّوشَة أَجْبَالْها دَارْقِينْ بعدها قالت له أن قضيّته تفوقها، ولا تعلم عنها إلا عنوانها، وأن تفاصيلها في جداولها، هي عند شيخ الجان، وقاضي قضاتها، المسمّى الشيخ شَمْهَرونْ، وهو غير موجود حالياً.” عالم الإنسان : الإنسان هو محور النص الروائي والمحرّك للأحداث ، والعنصر الفاعل في كل التطورات التي تحدث في المجتمع لأنه المعني بها أساسا ، وهذا العالم هو الذي نعبر عنه بعالم الشخصية ” ويمثل مفهوم الشخصية عنصرا محوريا في كل سرد ، بحيث لا يمكن تصور رواية بدون شخصيات ، ومن ثم كان التشخيص هو محور التجربة الروائية ، ومع ذلك يواجه البحث في موضوع الشخصية صعوبات معرفية متعددة ، حيث تختلف المقاربات والنظريات حول مفهوم الشخصية وتصل إلى حد التضارب والتناقض . ففي النظريات السيكولوجية تتخذ الشخصية جوهرا سيكولوجيا ، وتصير فردا ، شخصا ، أي ببساطة “كائنا إنسانيا” . وفي المنظور الاجتماعي تتحول الشخصية إلى نمط اجتماعي يعبر عن واقع طبقي ، ويعكس وعيا ايديولوجيا . بخلاف ذلك لا يعامنل التحليل البنيوي الشخصية باعتبارها جوهرا سيكولوجيا ، ولا نمطا اجتماعيا ، وإنما باعتبارها علامة يتشكل مدلولها من وحدة الأفعال التي تنجزها في سياق السرد وليس خارجه . إن التحليل البنيوي ، وهو يجرد الشخصية من جوهرها السيكولوجي ومرجعها الاجتماعي ، لا يتعامل مع الشخصية بوصفها ” كائنا ” أي شخصا ، وإنما بوصفها فاعلا ينجز دورا أو وظيفة في الحكاية ، أي بحسب ما تعمله ، ومن ثم يستبدل غريماس مفهوم الشخصيات بمفهوم العوامل ” . ويصادفنا العالم الإنسي في رواية مملكة الزيوان عبر مجموعة من الشخصيات المتباينة والتي تعكس عالمها الخاص المنتمية إليه : شخصية المرابط : وهو الراوي و الراوي Narrateurحسب الدارس المتخصص إبراهيم خليل هو ” الشخص الذي يسرد الحكاية ، وهو من اختراع المؤلف ، وتصوراته الخاصة ، وهو ـــ أي المؤلف ـــ هو الذي يختار له موقعا يقرّبه من الحوادث ، والشخوص ، والعناصر الأخرى المتداخلة في الحكاية ، كالزمان ، والمكان ” . وتتضمن كل حكاية طالت أو قصرت ، وفي أيّ شكل فني وردت ” متكلّم يروي الحكاية وهو ركيزة أساسية من ركائز الرواية والراوي هذا يطلق عليه بعض الباحثين السارد ، والبعض الآخر يفضل تسميته بالكاتب الضمني .ويحاول الباحث إبراهيم خليل بأسلوبه النقدي السلس أن يزيل الغشاوة التي باتت تكتنف مصطلح الراوي فيرى أن الدارسين السابقين كانوا ” يتجنبون الكلام على هذا الراوي ، ظنا منهم أن المؤلف هو من يروي الحكاية ، بيد أن هذا غير صحيح ، إذ لو كانت الرواية تدور حول قصة تاريخية ، ــ مثلا ــ وافترضنا أن من يروي لنا أجزاء القصة عاش في مصر القديمة زمن الفراعنة ، أو في الأندلس أيام ملوك الطوائف ، لوجب أن يكون المؤلف شاهدا على هاتيك الحوادث التي يروي ، وبما أننا نعرف عنه معاصرته لنا ، وأنه يكتب قصصا أخرى تقع أحداثها في غير ذلك الزمان ، وغير تلك البيئة ، وذلك المكان ، وجب أن نستنتج قيام المؤلف باختراع هذا الراوي الذي يحسن رواية تلك الحوادث ، وترتيبها ، وتفسيرها ، كما لو أنه أحد شهودها بلا ريب ” ، وشخصية المرابط تبرز لنا بكل تفاصيلها منذ قدومها إلى الحياة الدنيا بعد صبر وطول انتظار ، ولا يمكن افحاطة بكل ذلك في هذه العجالة ، وغنما لابد من قراءة المتن الروائي لاستجلاء ذلك كله . الدرويش الزيواني : و” الدرويش هي بمعنى الفقير الزاهد ، وقد يكون أصلها فارسي ثم عربت ” وموقعه في النص لذة البحث عن سر المكان (حفرة الرابطة) التي يتهيبها الجميع ، إلا هذا الدرويش الباحث عن فك شفرات هذا الغموض الذي يكتنف هذه الحفرة العجيبة ، ومن ثم يدخلنا الراوي إلى مرحلة العجائبية في نصه دون أن نشعر بذلك ” كان سكان القصر في سالف عهدهم وحاضرهم أيضاً، وفي واقعهم وخيالهم، يروون عن المكان روايات مرعبة، ما حدا بالكثير منهم، إنْ لم أقل الكلّ، أن يتفادوا المرور بالمكان في تلك الأوقات المحظورة؛ غير أنّ رغبة ذلك الدرويش الزيواني الحالم باكتشاف تلك التحولات الاجتماعية العميقة التي مرّت بها مملكتهم، خلال ثلاثين سنة، كان يدفعه دفعاً لتكسير طابو رعشة المكان، دون أن يراعي أو يحسب للمجازفة حساباً، أو يعطيها ما تستحق من العناية والتريّث. ” ويبرز لنا النص الروائي التباين الحاصل بين عالم الدرويش الإنسي ، والعالم الجني الذي حاول الدرويش الزيواني الولوج إليه عبر مجموعة من الطقوس والتعليمات اللازم تطبيقها بتوجيه من الطالب (ايقش) وما إن بلغ نهاية ما وقر في قلبه، وحدّث به نفسه، حتى سمع صوتاً نسوياً لطيفاً خفيفاً يناديه من الداخل، أنِ ادخلْ، فولجَ، ولم يسمِّ، بل تعمّد فعل ذلك؛ لأن الطالب أيْقشَ قد ذكّره كذلك بعدم التسمية حينها؛ لأن ذلك لا محالة سوف يطرد الجن، فدخل غير مسمٍّ. فإذا هو أمام اِمرأة باهرة الجمال، لا عين رأتْ ولا خطر ببال أحد، لم يرَ في عالمه الإنسي الزيواني، اِمرأة فاتنة مثلها، ومهما حاول أو اجتهد في وصف جمالها فلن يفلح بكل تأكيد، وقد سنحت له الفرصة لأن يرى قراءةً، ما شاء الله له أن يرى، من أوصاف الواصفين للجمال وفنون أذواقه، بمخطوطات خزائن مملكتهم الزيوانية ” . هذا الحضور المتميز لشخصية الدرويش الزيواني أعطى للنص زخمه وجاذبيته التي تجعل القارئ منذ البداية أسير النص لأنه يخاطب شيئا خفيا في الكائن الإنساني الذي يحن دوما للأسطورة ومحاولة معرفة أسرار الوجود . الأم : وهي من أقرب الناس إلى قلب الراوي كيف لا وهي التي حملته كرها ووضعته كرها رعته كأشد ما تكون الرعاية ، وهي التي كادت أن تفقد الأمل في أن يعيش لها ولدا ذكرا ، يمثل الأمل والامتداد للعائلة حسب الأعراف السائدة : ” كنُت أعرف أنّ أمي يصيبها الحبور والفرح، وتنتشي ببكائي وقت ولادتي؛ لأنّ ذلك سوف يُبقي تركة أبي من البساتين، والسِّباخ، وقواريط ماء الفقاقير في عتبته، وبالتّالي قطع الطريق على أعمامي، ولا سيما من جهة الأب، الذين كثيراً ما ابتهجوا وذبحوا الأضاحي، وتودّدوا بالقربان للأولياء والصّالحين، وأشاعوا في أرجاء القصر، مدى نجاعة جداول أيْقشَ، ابتهاجاً بفساد الحمل وطرحه قبل أوانه، أو بميلاد الطوبة عندنا؛ لكون تركتنا قد حُبِّست من الجدِّ الأكبر، للذكور دون الإناث.” الأب : شخصية تواتر ذكرها كثيرا في الرواية حيث يرد في بداية النص الروائي مع الإهداء . ويرد في مواطن عدّة من الرواية كلها افتخار بهذا الأب الحنون المكافح الرحيم بتلك الطبقة المحرومة من المجتمع ويتجلى ذلك بالخصوص في تلك المحاورة الدائرة بين الراوي وزميله (الداعلي) قلت للداعلي:هل تدري من هو أكبر رجل إنساني في خط جريدنا يا الداعلي؟ فكّر الداعلي كثيراً، وقدّر قليلاً، وقال لي بعد برهة:لعلّه ذلك الفرنسي، الذي ذكره معلّمنا لوالدك، من أنه أشفق على الساكنة عندنا، من أمر تلك القنبلة اللّعينة، التي ولدتَ في عامها. قهقهتُ قهقهة سرقتُ دويها، بوضع يدي على فمي، وقلت للداعلي:إنه والدي، أجل يا الداعلي، إنه والدي… بدا ـ وهذا هو الظاهر ـ وكأن الداعلي، لا يصدق قولي، فقطّب عينيه كالعادة، وقال لي: كيف ذلك؟ فقلت للداعلي وكلي فخر واعتزاز بوالدي:كل أهل قصرنا، والقصور المجاورة له من خط جريد توات، لم يشفق أحد على أبناء الخمّاسين، ويزهد في سباخه، وفقاقيره، ويرسل ابن خمّاسه للدراسة، إلا أبي، ألا يستحق أن يكون إنسانياً. التفت الداعلي بيده إلى شعره الأجعد، ودعكه دعكاً خفيفاً، وقال لي:صدقت والله. الأخت : وهي ترد في النص الروائي على لسان الراوي بنبرة الإشفاق عليها ، بسبب العادات والتقاليد الموروثة ” أختي مريْمو المسكينة، التي دفعتْ الثمن غالياً ببوارها وعدم تعليمها وفي الأخير عدم زواجها؛ لكونها طوبة، والطوبة لا ترث ما حُبِّسَ من الميراث، رغم جمالها الفاتن المختلط بين نطفة المرابطين وبويضة الشرفاء” عائلة أمبارك والد الداعلي وأمه قامو: وهذه الشخصيات تمثل انتماء طبقيا كان سائدا في المجتمع التواتي قبيل الثورة الزراعية التي أحدثت زلزالا كبيرا حسب تعبير الروائي الطاهر وطار يجسد الروائي هذا الانتماء وهذه التحولات التي حصلت عتد هذه الشخصيات بهذه العبارات : ” أما أَمْبارَك والد الدَّاعْلي وأمه قَامُو، فلم أعد أراهما في القصر، إلا كما يرى الزائر زائره، واستقلاَّ عنّا بصحبة ابنهما الدَّاعلي استقلالاً تاماً، وأصبح أمبارك ملاَّكاً لأرض استصلاحية، بعدما كان خمّاساً عندنا، وتحسّن حاله بعد الثورة الزراعية خلال منتصف السبعينيات، ليترقّى بعدها نصّافاً لنا بالسبخة لَكْبيرة. يمكن القول بالجملة أنهم كانوا تابعين لنا في كلّ شيء، أكلهم من أكلنا، ولباسهم من لباسنا، وبيتهم في بيتنا، لا فرق بيننا وبينهم إلا في اللّون، و الطاقة على العمل والتحمّل له من عدمه، وكذا ليونة وخشونة كفّ اليد وباطن الرِّجل؛ لكن رغم هذا والحقّ يُذكر أننا عِشنا مع بعضنا خلال تلك المدّة ـ خلا أيام الثورة الزراعية ـ عيشة أليفة وديعة، وعشرة مستلطفة لطيفة، راضٍ كل واحدٍ منا، بما أتاحه له الزّمان من الآخر في ذلك الوقت.” عيشة مباركة بنت بلة أحسست بألم الموسى في يد عيشة مباركة بنت بَلَّة، وهو يقطع سرّتي، ويفصلني عن أمي، بعدما قضيت معها صداقة دامت تسعة أشهر. ، كما تمارس هذه المرأة العرافة ، وتساعدها في مهامها ابنتها (النايرة) ويوغل الراوي في عملية الوصف حتى تشعر وأنت تقرأ النص كأنك تشاهد هذه الشخصيات وترسم العالم الخاص بهم في مخيلتك يقول الراوي : ” لقد كانت عيشة مباركة قابلة القصر وعرّافته، وقد ورثتْ هذه الصنعة عن أمّها. أحسبها اِمرأة رمادية، تخرج من عشّ الخمسين، وتدخل وكر الستين. كان شعرها المخضّب بالحنّاء، يرقد تحت خَنْتِها الأصفر، وقد كانت تعاونها اِبنتها الكبرى النّايْرَة. التي امتدّت يداها تحت إبطي الأيمن والأيسر، حيث شعرت بأنّ كفّاً خشناً يلامس جلدي الرّخو. الذي لا زال يقطر منه زلال المخاض، ما أحدث حركة لزجة بين جسدي الرّخو وكفّها الخشن. ” الخالة لالَّة بَاتي والعمة نفوسة : يتوقف الراوي كثيرا عند عمته (نفوسة) نظرا لخصوصياتها النفسية التي ألقت بظلالها على نفسية والدته ، لاسيما فيما يتعلق بالاعتقادات التي كانت توحيها إليها فبالنسبة للخالة يصفها قائلا : ” خالتي لالَّة بَاتي، أخال طلعتها نائرة، كأنّ عليها نوَّارة الشرفاء، منبسطة، هادئة الطبع. ” ويقول عن عمته (نفوسة) ” وكذا عمّتي نفوسة، التي بدتْ له بشرتها بَشْنِيَّة اللّون، حين تكون البَشْنَة قد صُهِّدت على نار هادئة، حين يميل لونها نحو الاصفرار الدّاكن قليلاً، مفلّجة الأسنان الأمامية، قلقة، كثيرة المودّة مع إبليس عليه لعنة الله…، شكّاءة، بكّاءة، فضولية، سريعة الغضب، موسوسة في نهاية عهدها، عيناها غائرتان، لها خالٌ فوق أرنبة أنفها لجهة الشّمال، دنيوية على سباخنا. شخصيات نسوية أخرى : علقت في ذاكرة الراوي هذه الشخصيات لأنه ألفها في منزل الأسرة وفي القصر وفي أيام طفولته ، وبذلك حفرت في ذاكرته من بينهن كما يقول : ” الجارة مبيريكة زوجة سيد الحاج لعوج، و قامو بنت الحَمْدو، زوجة أمْبارَك ولد بوجَمْعَة. هي أية حال، اِمرأة طائعة لأمر سيّدها وسيّدتها، محبوبةٌ مؤثرةٌ عندهما، لاهي بالهادئة؛ كخالتي لالَّة بَاتي، ولا هي بالقلقة؛ كعمّتي نفوسة، حنيّة اللّون كلون الحنّاء الرّطبة ساعة مكوثها بيد أمي مدّة زمن الأعراس والأفراح، حتى يكتحل ظاهر كفّها، معتدلة في باقي أوصافها. الطالب أيْقشَ وهو شخصية غريبة الأطوار يمارس طقوسا من الجداول والعزائم وعلاقته بعالم الجان لا تخفى على سكان القصر ، ولذلك يلجأ إليه الكثير لحل مشاكلهم النفسية ، ومن بينهم عمة الراوي (نفوسة) التي وجهها ذووها إليه لمعالجتها من آثار الصدمة النفسية التي أحدثتها الثورة الزراعية آنذاك يقول الراوي: ” تدهورت الحالة النفسية والصحية لعمّتي، ما جعل والدي يفكّر في عرض قضيتها على الطالب أيْقشَ، وقد كان فعله في طرد الجن بالقصر مجرّباً، فحملها عمّي حَمُّو إليه، ووصف لها حجاباً أحمراً، فيه جدول مزج ترابي تستعمله بخوراً، وبعد أسبوع من استعمال وصفة أيْقشَ، بدأت تسترد عقلها شيئاً فشيئاً، غير أن ترسبات حرقتها على غصب سبختنا لكبيرة، واغتيال حلمها بميراثي لها، جعل الوسواس باقياً معها، حتى بعد شفائها. ، بل حتى الراوي نفسه اقترح عليه البعض التوجه للطالب(أيقش) لتليين قلب محبوبته (أميزار) على قلبه بعد أن اكتوى بنار عشقها . ويصف الراوي مسكن الطالب (أيقش) وصفا مخيفا يبعث على الرعب والخوف ” كان بيتاً شبه خالٍ، وكما روت لي عمّتي، فقد كان يسكن لوحده مع شياطينه وعفاريته، فقد طلّق زوجته في أيام شبابه الأول، دون أن يخلّف معها بنين، وتكفّلت به خادمته لَخْويْدَمْ.” الطّالب سيد الحاج لكبير إمام القصر وقد كان يحضر ولائمنا على الدّوام، حتى تلك المخصوصة منها، هو شخصٌ مهابٌ، لا يسمع من الكبير ولا من الصّغير، ولا من الرّجل ولا المرأة، ولا الحرّ ولا العبد، سوى كلمة سيدي، وجهه مشرق، لكثرة صلاته ونسكه، كشروق الشّمس خلف كثبان عرق الرّمل زمن الصيف، له لحية بيضاء كثّة. دردتْ أغلب أسنانه بعد سبعينيته، ما جعل نطق بعض الحروف عنده، ليس كما قرّر تصويتها من مخارجها اِبن جِنّي في سرّ صناعته وخصائصه. مسؤول جماعة القصر سيد الحاج عبد السّلام،: يصفه الراوي وصفا دقيقا مبديا إعجابه وإعجاب سكان القصر بشخصيته المعرفية الكريمة و” اللاّفت فيه، قامته الطويلة، وعرض كتفيه، تِنَقُوري اللّون، بعيد مهوى القرط، وقد كان من أكثر النّاس بقصرنا، بساتين وسباخاً، وفقاقيراً، كريماً، سخيّاً، محبوباً، صفات أهّلته وجعلت سكّان القصر، لا يبغون عنه بدلاً. شخصيات مهمة وأعيان القصر : يحضر من بينهم في النص الروائي سيدي مُولْ النُّوبَة، حفيد ولي قصرنا سيدي شَايْ اللهْ، ومن الشّرفاء، مولاي إسماعيل، ومولاي السعيد، ومولاي الزّين… شخصية الغيواني إنه الغيواني الزهواني، الذي كان قد هاجر إلى تونس، في أيام المسغبة، من عام الجراد والقنبلة،حيث إنه ” في عام الجراد والقنبلة، غادرنا ابن عمنا الغيواني الزهواني، بعد أن أفلس، وكثرت مغارمه وديونه، فباع سباخه، وقواريطه من ماء الفقاقير؛ لأنه كان مسرفاً على نفسه في إتباع الغيوان والشهوات، ما ظهر منها وما بطن، فقد كان مولعاً بالزَّمَار، والطبل، والشلاَّلي وداني داني، كما كان صاحب طَرْقة وحشيشة، ومصّ لحليب مرٍّ( العفيون.)، فكان لا يكفيه ما ينتجه بسبخته منهما، بل ويزيد عليه شراء، ولا سيما من الأخير، ما أفلسه، وجعله مضرب الإفلاس، ليس بقصرنا فحسب؛ بل بناحيتنا، فلم يجد من حيلة تنجيه، من شفاية الأعداء ونكايتهم، إلا أن يفرّ بنفسه.” حسب قول عمة الرواي (نفوسة) ومما يزيدنا معرفة بشخصية هذا (الغيواني الزهواني) هو ما سردته والدة الراوي أنه ” قال يوم خروجه من القصر قولاً، أصبح عندنا مثلاً سائراً، هو مورده ومضربه: (أتْكَرْكيبْ لَكْدا، ولا أشْفايَة لَعْدا). فواصلت عمّتي كلامها: وكان من حظّه، أن وجد السبب وافراً، في مغادرة الكثير من أهل ناحيتنا، للذهاب إلى تونس، بعد عام النّكسة من مولدي، فرحل مع الراحلين من القوافل إلى تونس.” شخصية أميزار : أصلها تواتي ولكنها ولدت في تونس والدها هو عم الراوي يدعى بالغيواني ،وحسب ما حكاه عمه (حمو) لعمته (نفوسة):”بحسب ما ذكر لي صاحب القصر الفوقاني، أن الغيواني قد استوى له ظهر الفرس، وتزوج بعد خروجه من القصر بعام، تونسية تُدعى منوبية، وبحسب خبر المخبر، أنه تواعد معها خلال حملها، إن هي أنجبت ولداً فالتسمية تكون لها، وقد اقترحت محرزاً، وإن هي انجبت بنتاً، فالتسمية تكون له، وقد غلب حظه حظها، فأنجبت بنتاً، فسمّاها على أمه أَمِيْزَارْ رحمها الله.” عانى الراوي كثيرا في سبيل التقرب إليها والاستحواذ على قلبها ، واكتوى بدلالها وكبريائها حتى لانت لشخصيته القوية يقول عنها ” أَمِيْزَار عشقي الأوّل والأبدي، قهرتُ بشخصيتي وثقافتي، جبروت كبريائها، كما أن احتواء تخصصي العلمي لتخصصها، وكذا تحسّن الحياة الاجتماعية للقصر، كل ذلك ساهم في وقوعها صريعة بين مخالبي…” ومن ثم فالروائي يؤكد على انتصار العلم على الخرافة والشعوذة ، وأن المنهج العلمي الصحيح والأخذ بالأسباب العلمية هو الطريق والسبيل الكفيل والأوحد لبلوغ درجات الرقي والازدهار . شخصيات تربوية : تنتمي لقطاع التربية والتعليم ، أو للتعليم العالي حسب المراحل التي قطعها الراوي في رحلته الدراسية من الابتدائي إلى الجامعي ، ومنها شخصية المعلم البشاري الذي كان أول المعلمين النظاميين في حياة الروائي الدراسية ” كنا نأتي للمدرسة صباحاً دون محافظ، وقد نكون بلا نعال، ونصطف أمام القسم في صفين، ويأمرنا معلّمنا البشّاري، بأن نضع يدنا اليمنى، على الكتف الأيمن، للذي أمامنا، ثم نسدل يدنا، في حركة واحدة كالعسكر، بعدها يأمرنا معلمنا بالدخول، الواحد تلو الآخر، نأخذ أماكننا من المناضد، ونظل بها وقوفاً، حتى يأمرنا بالجلوس، نكون عندها في هذه الوضعية، نردد جملة واحدة، وهي: صباح الخير يا معلمي. هو أقرب للقصر منه للطول، سمرته مفتوحة أكثر من سمرتنا، سمين، تكرّش حتى عاد بلا رقبة، يكون أكثر ما أقدره من عمره، أنه في نهاية الشباب وبداية الكهولة، ليس بوجهه علامة بارزة تذكر؛ عدا نابه الأيسر العلوي، المطلي بالفضة. كنت أجلس في المنضدة الأمامية الوسطى رفقة الداعلي. وقد كان حريصاً على تعليمنا الحروف أولاً، وتصحيح النطق بها، فقد كانت رواسب النطق الخاطئ بها عندنا وفيرة، بالرغم من تلقينها أيانا بكُتّاب سيّدنا، غير أن أسنانه التي درد معظمها كما قلنا، كانت تخونه في نطق تلك الحروف صحيحة من مخارجها، كما كان ينطقها معلمنا البشاري، ثم بدأ لنا بتعليم الأعداد، وكيفية حسابها، سواء بالجمع وهو السهل منها، ولا سيما عن طريق وسيلة الأصابع، أو بالضرب، أو الطرح، وأخيراً القسمة، والتي استعصى ، واستغلق علينا فهمها في الأول. ومن الشخصيات التربوية التي شغف بها الراوي في مرحلته المتوسطة كان أستاذ التاريخ والجغرافية، المدعو جاسم العراقي، رجلاً كهلاً، ضعيف البنية، متوسط القامة، قمحي اللّون، صاحب دعابة ونكتة، والذي قال لنا، أنه نُفيّ من لدن سلطة بلاده، لكونه كان شيوعياً، ولم يتقبل مبادئ حزب البعث، ما جعل السلطات العراقية تطارده، ويفر بجسده، ويستقر بأدرار، كمستقر للمنفى الاختياري. فقد كان موسوعة متنقلة، ومدونة تاريخية للقديم، والوسيط، والحديث، ما جعل درس التاريخ والجغرافية، يكون عندي، من أكثر الدروس المحببة والممتعة على الإطلاق…، فكم كان يحدثنا عن تلك القنبلة الذرية الفتّاكة، التي أصابت الهيروشيما باليابان، ويقارنها بتلك التي جرت بمملكة زيواننا في حموديا رقّان، وما ذكره لنا، أنه بالرغم من اختلاف الزمان والمكان، إلا أن الأهداف والأضرار، تكاد تكون واحدة؛ بل وأكثر عندنا. عالم النبات : هذا العالم له حضوره اللافت للانتباه ، فالصحراء توحي للقارئ بالعدمية والموت ، ولكن الإنسان التواتي استطاع بفضل عبقريته أن يحيلها في بعض جهاتها إلى واحات غنّاء تستقطب المهاجرين والرحالة والباحثين عن الأمن والراحة والسكينة والطمأنينة ويصادف القارئ هذات الاهتمام الملحوظ بعالم النبات منذ العتبات الأولى للنص حيث ” تحيل عتبات الرواية على جملة من الوحدات الأيقونية واللغوية ، المشكلة لتداولية الخطاب ، والمحاورة لأفق انتظار القارئ وإثارة اشتهائه السردي ، بل وتصيده بالمعنى البارتي للكلمة ، إذ كل ما في الرواية له دلالة ” وبالرجوع إلى عنوان الرواية (مملكة الزيوان) سيلحظ القارئ مدى جاذبية العنوان ووظائفه المتعددة والتي من بينها الوظيفة التمييزية حيث يعد العنوان TITRE (مملكة الزيوان) ذو طابع تمييزي فهو ” الذي يميز الكتاب بين الكتب كما يتميز الانسان باسمه بين الناس . ” . ومن ثم فقد نجح حاج أحمد الصديق بجعل عنوان روايته يقف حاجزا منيعا أمام تماهي النص الروائي مع بقية النصوص الأخرى ، ومن ثم فإن هذا العنوان منع مملكة الزيوان من الذوبان والحلول بالنصوص الأخرى ، وهذا حتى لا يفقد النص الروائي هويته وبطاقته الشخصية . والتطابقية حيث تتوضح دلائلية العنوان على المضمون ، فهو المفصح والمعرب عن هوية النص ومجاله الإبداعي وإلى أيّ حدّ يمكن أن يثير خيال المتلقّي ، ويحفزه لاستكشاف المجهول والمضمر في ثنايا النص الروائـــي والعنوان بمثابة الهادي والموجه إلى مضمون ومحتوى النص الروائي ، فهو الذي يلملم خيوط تفاصيل الرواية ، وتشعباتها التي قد تغطي رقعة واسعة من الأرض ، وتشمل قطاعات بشرية متنوعة ومتباينة في توجهاتها وهمومها ومشاغلها.من هنا يرى ” جينيت” أنه من الناحية العملية ” نجد بأن وظيفة المطابقة ( identification) هي من أهم الوظائف التي يمكنها أن تتجاوز بقية الوظائف ، لأنها تريد أن تطابق بين عناوينها ونصوصها ” . وهناك الوظيفة الإغرائية التي اضطلع بها عنوان الرواية (مملكة الزيوان) وتحقق هذه الوظيفة جماليتها ، وتأثيرها اللائق لمّا ” يكون العنوان مناسبا لما يغري جاذبا قارئه المفترض ، وينجح لما يناسب نصه ، محدثا بذلك تشويقا وانتظارا لدى القارئ كما يقول دريدا ” من هنا سنصادف امتدادات العنوان تبرز لنا منذ الوهلة الأولى مع هذا النص : ” كم لك في خضرتك، وزيوانك، نفع ياعرجون، معظم الأشياء لها في خضرتها حظوة وسلوان، ولها في يبسها نكر وهجران؛ إلا أنتَ ياعرجون، وزيوانك، وأمكما النخلة… ” وورد في الرواية فاغتنمت والدتي فرصة غرغرة دموعي، علّها تلتصق بالكحل، ومدّت يدها إلى تَدارَة حوائجها، المنسوجة من الزيوان بسعف النخيل المبتلّ بعد يبسه، فاستلّت منها مروداً أملس من الحنّاء، وبلّلت رأسه بريق فمها، وألقت به في جوف قنينة كحل صغيرة.” وكقوله ” الخطير، وهو مهدٌ مصنوع من عصي الزيوان المقوّسة.” وهو تعداد لبعض منافع الزيوان والذي هو جزء من منافع النخلة الكثيرة . وكقول الراوي عن يوم عقيقته وبعض منافع الزيوان الحاضر في شتى التفاصيل الصغيرة : ” فأعطته أمي فخذاً من دجاجتها، التي كانت في أغْبيجْ (قدح طيني صغير.) طيني بجانبها، وقد كان ذلك الأغْبيجْ مغطّى بطبق سعفي، مصنوع من الزيوان، ووعدته أمي إن تخطاني بوحَمْرونْ وذهل عنّي الطّاعون، ولم يحصل لي ما حصل للهالكين من صبيان القصر قبلي، ونجوتُ وكبرتُ، وبقيتُ لميراثي، ففي يوم عرسي ـ إن قدّر الله لي الحياة ـ يكون الوحيد الذي يأكل معي تَكَبُّوسْ(معدة الخروف المحشوة باللحم، وهي عادة تستعمل للعريس في ليلة الدَّخْلَة.). ” . إن العقيقة لها مكانتها الدينية والاجتماعية في الوسط التواتي ، فهي تمثل حجابا وحصنا للوليد ، وشكرا للخالق على نعمته السابغة ، وتمثل مناسبة لالتقاء الأهل والخلاّن والأحباب والإخوان ، في جوٍّ من التآزر والود والصفاء والطمأنينة والأمان . بل إن الزيوان يمثل مصدرا مهما للأطفال لصنع فخاخ للطيور يقول الراوي : ” في أحد أيام العطلة الربيعية التي أتينا فيها للقصر، من مقر داخليتنا الابتدائية، انتهزت الفرصة بمعية الداعلي، لنذهب إلى السباخ لاصطياد الطيور، فالفصل فصل ظهور الطيور، فاستلفنا فخاً مقوّساً للصيد من عند عليليل، مصنوعاً من الزيوان المقوس، كان يشكل ذلك التقويس من الزيوان، كـ فك الوجه، واحد علوي، والآخر سفلي، نسجت بينهما شبكة صغيرة بألياف النخل، لا تسمح للطائر بالمرور منها، فيُرفع الفك العلوي منه ليشد بخيط وشوكة في ثقب نواة التمر، ربطت فيها دودة حية متحركة، وما أن تبدأ الدودة في الحركة، حتى يأتي الطير.الطيور كالبشر، فيهم الحذر، وفيهم المقدام الذي لا يحسب للعاقبة حساباً.” ومن النباتات التي فرضت وجودها في النص الروائي باعتبار ملاءمة منطقة توات لزراعة هذا النوع من النباتات هي (الطماطم) الذائعة الصيت في ربوع توات ، والتي كانت على حساب منتوج القمح يقول الراوي : ” وما إن تمّ توصيل الكهرباء لأغلبية السكان عندنا بالقصر، حتى وفد وهلّ عليهم وافد جديد، وقد كان هذا الوافد الجديد، حقاً مدعاة للاحتفاء به أكثر من دخول الكهرباء، وتمثل ذلك في تجربة زراعة الطماطم الباكورية، فقد استعانت البلدية وقتها بمهندس فلسطيني، فوقع الاختيار على قصور قليلة، لإجراء التجربة، فأقامت البلدية بمعية المهندس الفلاحي الفلسطيني مشتلة للطماطم، ووزع على قدر معلوم من الفلاحين، بذور لمشاتل الطماطم، وأرشدهم إلى كيفية غرسها، كما وفّرت لهم البلدية الأسمدة الاصطناعية، وضمنت لهم بيع منتوجهم.” ، إن هذا المقطع من النص الروائي يصور لنا التحوّلات الكبيرة التي باتت تعرفها منطقة توات بالخصوص في ظل إجراءات الثورة الزراعية التي كانت بعيدة الصدى وبرزت في أعمال روائيين عايشوا أحداثها من أبرزهم المرحومان ابن هدوقة ووطار . ومما يتصل بعالم النبات نظام الفقاقير والذي يجسد عبقرية الإنسان التواتي في كيفية تعامله مع قساوة عالم الصحراء حيث أن سكان القصور ” كانوا يرون في حلم ميراث عراجين وزيوان نخل السباخ، وعشق قَواريط ماء الفَقَاقير، مغنمة لا تضاهيها مغنمة أخرى.” لأجل ذلك كان هذا الحضور المتميز للفقارة في جسد النص الروائي الزيواني بكل عبقريتها وتاريخها العريق ” ولقد تحدّث الباحث مبروك مقدم عن الوصف العام للفقارة انطلاقا من عبقرية وذكاء الفرد التواتي الذي أجبرته الظروف القاسية التي يعيشها ، وأهمية الماء في البيئة الصحراوية إلى ابتكار نظام الفقارة ، والذي تباينت الآراء في أولية من ابتكره ويذكر لنا الباحث عن صاحب كتاب البسيط ” يرجع إنشاؤها إلى الأقباط ، والسيد عمر بن عبد الرحمن المهداوي يقول ” اليهود هم أول من أسس الفقارة ” أما صاحب درة الأقلام فيقول : ” نزلت بعض القبائل البدوية ببودة فوجدوا مياه الوادي قد جفت ، فاختبروا الوادي ثم حفروا سلسلة من الابار أنفذوها ببعضها ووزعوا بعض أراضي الوادي ” الفقارة هي أقدم مصدر مائي للاستعمال بالدرجة الأولى ، وهي عبارة عن سلسلة من الآبار يتصل بعضها ببعض ، وتنحدر مياهها من مستوى أرض عالي إلى مستوى منخفض يشرف على تربة صالحة للزراعة فيجري عليها منسوب ماء الفقارة ، عدد آبار الفقارة من 20 بئرا للفقارة الصغيرة وغلى ألف بئر بالنسبة للفقارة الكبيرة …” . كما بيّن الباحث في موطن آخر الأسباب الفاعلة في استخلاص الفقارة فمنها الأسباب الداخلية والتي من بينها ” 1ــ عدم جدوى وفعاليىة الآبار التي حفرت أفقيا لنضوبها بسرعة وعدم قدرتها على نقل المياه بعيدا . 2ـــ نظرا لقلة وسائل الحفر كثيرا ما كان ينضب ماؤها ، مما يستدعي بالإنسان إلى الانتقال بحثا عن الماء .3ــ عدم قدرتها على حرث الأغلال الكافية لمعيشة الإنسان المتزايدة . 4ــ بسبب ضعف منسوبها تقلصت الأراضي التي تحرثها وبذلك أصبحت قيدا ضد إرادة الإنسان ” ، كما يشير الباحث أهم الأسباب الإنسانية الداعمة لفكرة الفقارة . كما تحدّث العلامة المرحوم الشيخ محمد باي بلعالم عن الموارد المائية وفوائدها في توات ، مبينا أن روح الفلاحة في توات تتمثل في الفقاقير ” وحيث أن منطقتنل صحراء جرداء لا توجد بها بحار ولا سدود شاءت الحكمة الإلهية أن يلهم سكان الناحية عملية إحداث الفقاقير والتوسع في هندستها ، والفقارة عبارة عن سلسلة من الآبار بين كل بئر وبئر مثل درجات السلم نفق يبدأ العمل فيها من مكان عالي ولا يزال ينحدر من أعلى غلى أسفل وقد يوجد في عمق بعض الابار ما يزيد على أربعين مترا(40م) ثم ينخفض العمق إلى أن تخرج على وجه الأرض ، فهي غريبة في شكلها وفي تخطيطها وهندستها اشتق اسمها من الفقر وقيل من التفجير بتبديل الكاف المعقودة جيما لأن الماء يتفجر منها ، ومن المؤرخين من يرى أن اسمها مأخوذ من الفقار أي فقاقير الظهر لأن آبارها تشبه فقاقير الظهر ، بينما يرى البعض أنها مشتقة من الفقر الذي هو الحفر من قولك فقر كذا إذا حفره ” لأجل أهمية مياه الفقاقير ودورها الاقتصادي شكلت محورا رئيسا في بنية النص الروائي ، ففرح العائلة بقدوم وولادة بطل الرواية ، إنما هو لاتصاله بشكل واضح بنصيبه من قواريط الفقاقير باعتباره ذكرا له نصيب من ذلك عكس الأنثى المحرومة . وهذا ما تؤكده الرواية في مقطع من مقاطعها : ” كنُت أعرف أنّ أمي يصيبها الحبور والفرح، وتنتشي ببكائي وقت ولادتي؛ لأنّ ذلك سوف يُبقي تركة أبي من البساتين، والسِّباخ، وقواريط ماء الفقاقير في عتبته، وبالتّالي قطع الطريق على أعمامي، ولا سيما من جهة الأب، الذين كثيراً ما ابتهجوا وذبحوا الأضاحي، وتودّدوا بالقربان للأولياء والصّالحين، وأشاعوا في أرجاء القصر، مدى نجاعة جداول أيْقشَ، ابتهاجاً بفساد الحمل وطرحه قبل أوانه، أو بميلاد الطوبة عندنا؛ لكون تركتنا قد حُبِّست من الجدِّ الأكبر، للذكور دون الإناث. ” . ويظهر من بين عالم النبات في الرواية النخلة بقامتها المنتصبة الباسقة والمتعددة المنافع ، وأشارت الرواية إلى بعض من تلك الاستخدامات للنخلة حتى الأشياء البسيطة ، يمكن قراءة هذا المقطع للراوي وهو يتحدث عن هذه اللحظات السعيدة لأمه وهي تستقبل هذا المولود السعيد : ” فاغتنمت والدتي فرصة غرغرة دموعي، علّها تلتصق بالكحل، ومدّت يدها إلى تَدارَة حوائجها، المنسوجة من الزيوان بسعف النخيل المبتلّ بعد يبسه، فاستلّت منها مروداً أملس من الحنّاء، وبلّلت رأسه بريق فمها، وألقت به في جوف قنينة كحل صغيرة. قد تكون ـ والله أعلم ـ لقنينة دواء أسْبيرين قديمة، يكون قد هرَّبها والدي خلال الشتاء الماضي من المُودْيَا(حَمُودْيَا رَقَّان)، قبل أن يحترف التجارة بين توات و بلاد السودان، حيث كان سكان مملكتنا الزيوانية قد ذهبوا هناك، للعمل بمصنع القنبلة الذّرية برقان، لدى الاستعمار الفرنسي، بعدما أرغمتهم مجاعة الجراد في هذا العام الكابس على ذلك. ” ، وللشيخ محمد باي بلعالم كلمة شيقة عن النخلة وفوائدها ، والتي تمثل العمود الفقري لهذا النص الروائي الذي يستمد مادته الفنية من وحيها ، قال رحمه الله : ” النخلة لها ارتباط وثيق بالإنسان فهو في حاجة إليها في معاملاته وفي قوته وفي سائر تصرفاته ، ويستخرج من هذه الشجرة المباركة التي بارك الله في أجزائها منتوجات تنيف على الأربعين ، ثمرتها قوت للإنسان ، ويئدم به الخبز فيكون له بمثابة المرق ويخلط مع البصل الجاف المعروف (الابزار) ويغلف في الجلود ويئدم به الطعام مخلوطا باللبن ويستعمل منه الخل ويجعل زادا للمسافر ، ويقدم في المناسبات مثل عقد النكاح وفي ولائم العراس وعند تسمية المولود وفي الصدقة على الميت بعد مضي ثلاثة أيام من الدفن عندما توضع على القبر جريدة اتباعا لسنة النبي ــ صلى الله عليه وسلم ـــ وأول ما يقدم للقادم من سفره خصوصا الحاج …. ويوم دخول الصبيان للمكتب القرءاني ويوم ختمهم القرءان وفي الاحتفال بالمولد النبوي وأول ما يقدم للضيوف …وأما نواها وحشفها فهما قوت للحيوان البهيمي ومن بعض أجزائها تستعمل الأدوات الضرورية للفلاحة مثل الدلو لسقي الماء والحبل والقفاف للعمل في الفقارة وغيرها والميزان لوزن المحصولات الزراعية والبرادع للدواب … أما الأدوات المنزلية التي تستعمل من النخلة فهي كالتالي الجذوع للتسقيف وللأبواب ، النوافذ ، الحطب للطبخ والإنارة ويمثل الوقود أيضا ، والمراوح اليدوية ، والخزائن لحفظ الكتب ، والأدوات المنزلية ، والمظلات للوقاية من حرارة الشمس ، والسرة للنوم ، والعصي للكراسي ، والطبق لصنع الكسكس ، والطبيقة لحفظ الدقيق والطعام ، والأعواد لشد الرحى ، والمعايير مثل : الصاع ، والمكنسة للأوساخ ، المسّاحة لجمع الدقيق من الرحى . أما منتوجات الليف والعصي زيادة على ما سبق فمنها : الغرائر لتصدير الثمار للخارج ، النعال ، حبل الإنارة ، الفخاخ لصيد الطيور ، والحبالة لصيد الغزلان . ومن منتوجات النخلة أيضا : الجمار ، العسل ، والمشروب المعروف باللاقمي ” عالم الحيوان : تعيش في الصحراء أنواع من الحيوانات التي تتناسب وقساوة الطبيعة وصعوبتها ، إضافة إلى تلاؤمها مع الطبيعة الرملية للمنطقة ، لا سيما سفينة الصحراء التي صارت أشهر من نار على علم . و” نظرًا لفقر الحياة النباتية في الصحاري فإن الحيوانات التي يمكن أن تعيش فيها قليلة جدًّا، وهي تعيش عادة في الواحات وعلى الحافات التي تمثل مرحلة الانتقال بينها وبين أقاليم الحشائش المجاورة، وأهم هذه الحيوانات هي الجمل ذو السنام الواحد والغزال والوعل، وتوجد كذلك كثير من الزواحف مثل السحالي والأفاعي وبعض الحيوانات القارضة الصغيرة، ومعظمها يختفي بالنهار ولا يظهر إلا في الليل، كما أن أغلبها يتميز بلونه الذي لا يختلف كثيرًا عن رمال الصحراء، وهي ميزة تجعل من السهل عليها الاختفاء من أعدائها.” وهو عالم شكل حضورا متميزا في النص الروائي (مملكة الزيوان) حسب السياق الذي يرد من خلاله فقد يرد ذكره لارتباطه بجملة من المعتقدات والطقوس التي يمارسها السكان المحليون فقد يروي لنا الراوي مثلا أن أمه ” شكت في قدح طيني صغير، وشكات معدودات من حليبها، وأمرت قامو بأن تضعه فوق سطح البيت بعد الغروب، لكي يشربه طائر يسمّى عندنا سَحيرَة اللّيل (طائر الخفاش.) ، وأنجو من رضعتها القاتلة.” . والخفاش قد تحدث عنه العلامة الدميري في حياة الحيوان وعن خصائصه التي لها حضور في الثقافة الشعبية العربية ويأتي ذكر بعض الطيور في معرض التشبيه بحالة البطل الرئيس في مرحلة محاولة تعلمه المشي ببعض الطيور حيث يقول” ثم أعود بخوف الفطرة، إلى وضعيتي، كالحمام الصغير بوكر بيتنا، أو الزرزور بثقب سور قصبتنا، أو اليمام بنخلة سبختنا، يريد أن يتعلّم الطيران، فيرفرف بجناحيه استعداداً للطيران، وبالغريزة يخشى السّقوط، فيعود إلى وضعه الأصلي، وظلّ هذا هو حالي مرات ومرات.” ومن الطيور التي استهوت الراوي ، وأرغمته على تجميل روايته بتغريداتها الحلوة ” كان هديل اليمام على النخيل، ونهيق الحمير المتقطع في فضاء السباخ غالباً في تلك العشية، ويقطع إطباقها المخيف…” ويأتي ذكر بعض الحيوانات من باب الحنين إلى الماضي الذي كانت تمثل فيه هذه الحيوانات حضورا متميزا قبل أن تزحف الحضارة الحديثة بآلاتها وأجهزتها العصرية التي قلصت كثيرا من حضور الحيوان في الحياة الزراعية ، جاء في بعض فصول الرواية : ” حتى نهيق الحمير في سماء القصر يا سادتي، قلّ وبشكلٍ لافت، فبعدما كان نهيقهم يشكلّ عندنا معزوفات صوتية غنائية، صباحية ومسائية وليلية، كان السامع لها بالقصر، يعرف من بعيد، نهقة الحمار من الجحش، ويفرّق بين نهقة الحمار الشارد، و الجائع، والعطشان…” كما تستحضر بعض التشبيهات التي يوظفها الراوي لإيضاح صورة ما بعض الحيوانات الصحراوية التي تشكل ركيزة أساسية في حياة الإنسان الصحراوي مثل سفينة الصحراء الجمل : ” ولما كنتُ في حجر أمي، ولم أفتح عينيّ، أخذت أمي قليلاً من دهن البَطَّة (قنينة جلدية، لها غطاء من جلدها.)، لونها كالوبر الأحمر الدّاكن عند الجمل المرتوي رضاعة في صغره.” طائر أَزْراراق : هذا الطائر يرد في معرض حديث بطل الرواية عن طفولته حيث يقول : ” ومن الطيور الحذرة، التي كنا نتعب كثيراً في تصيّدها، ويكثر تردّدها كثيراً في المسك بالدودة قبل نزول الفك العلوي من الزيوان عليها وقبضها، طائر يسمّى أَزْراراق، ومنها ما كان يسهل علينا صيده، لكونه كان مقداماً، فما أن يرى بريق الدودة حتى ينزل عليها، دون تردّد، كطائر ولد كَلْمَة.” . ووجود هذا الطائر إنما هو تأكيد على استمرار الحياة ، ووجود الإنسان المكافح من أجل تطويع عالم الصحراء . كما أنه يحيل على ما يكتنف عالم الطفولة التواتية من مرح ولهو ولعب متاح حسب ظروف وامكانيات المنطقة المحرومة من وسائل الحضارة التي يستمتع بها الآخرون الجراد : ويرتبط الجراد بذكرى يوم مولد بطل الرواية ” في ذلك الصباح الرّبيعي، من عام يُدعى عند أهل قصورنا بعام الجراد، حين أحسست بألم الموسى في يد عيشة مباركة بنت بَلَّة، وهو يقطع سرّتي، ويفصلني عن أمي، بعدما قضيت معها صداقة دامت تسعة أشهر.” ويتحدث الراوي عن مآسي ذلك العام وما أحدثه من اختلالات كبرى في حياة السكان ، يقول الراوي : ” ولعلّ أبي وأهل ناحيتنا معذورون في ذلك، لقلّة علمهم وقتئذ، ناهيك عن خصاصتهم، بعد النّكبة التي حلّت بهم، إبان عام ميلادي، حيث أتى الجراد على الأخضر واليابس، وهلك الحرث والنّسل، ولم يترك للفلاحين من نخيل سباخهم، سوى نخل محلوق جريده، وتمره الرّطب من عرجونه عند النّخلة المتأخرة، أو تمره اليابس من زيوانه عند النّخلة المبكّرة، ما حدا بسكان قصرنا إلى أن يتخذوا من هذا العام، تاريخاً لأحداثهم، ومعلماً بارزاً من معالمهم الزّمنية المنحوتة التي لا تُنسى. وهو الأمر ذاته الذي جعل الكثرة من أهل زيواننا، يهاجرون لتونس في ذلك العام الحزين، بحثاً وطلباً للرزق، بمن فيهم أحد أبناء عمومتنا المدعو سيد الغيواني التواتي.” ، واستحضار الجراد في النص الروائي لما يمثله من بعد ديني في منظومة الفكر الإسلامي فقد ورد ” عن سلمانَ قالَ: سُئلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن الجرادَ فقالَ: «أَكثرُ جنودُ اللهِ، لا آكُلُه ولا أُحرِّمُه» . وهو يرتبط بالفناء حيث لا يبقي ولا يذر ، ولذلك وردت بعض المعاني اللغوية لتؤكد ذلك جاء في مقاييس اللغة : (جَرَّدَ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالدَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ بُدُوُّ ظَاهِرِ الشَّيْءِ حَيْثُ لَا يَسْتُرُهُ سَاتِرٌ. ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِمَّا يُشَارِكُهُ فِي مَعْنَاهُ. يُقَالُ تَجَرَّدَ الرَّجُلُ مِنْ ثِيَابِهِ يَتَجَرَّدُ تَجَرُّدًا. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ: الْجَرِيدُ سَعَفُ النَّخْلِ، الْوَاحِدَةُ جَرِيدَةٌ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ جُرِدَ عَنْهَا خُوصُهَا. وَالْأَرْضُ الْجَرَدُ: الْفَضَاءُ الْوَاسِعُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِبُرُوزِهِ وَظُهُورِهِ وَأَنْ لَا يَسْتُرَهُ شَيْءٌ. وَيُقَالُ فَرَسٌ أَجْرَدُ إِذَا رَقَّتْ شَعْرَتُهُ. وَهُوَ حَسَنُ الْجُرْدَةِ وَالْمُتَجَرَّدُ. … . وفي المصنفات اللغوية ما يشير إلى ارتباط الجراد بالإزالة ، فلا يبقى مع الجراد الخضر ولا اليابس ” وأرض مجرودة، أي: قد أصابها الجراد.والخريد: سعف النخل، الواحدة جريدة؛ سميت لأنها جرد عنها خوصها….قال بعض أهل اللغة: ارض جرد، أي: فضاء واسع.[قال:] وسمي الجراد لأنه يخرج الأرض فيأكل ما عليها.وفرس أجرد، إذا رقت شعرتهُ، وهو حسن الجردة، أي: المتجرد….وسنةٌ جارودة: شديدة المحل…” وجاء في موسوعة الطير والحيوان في الحديث النبوي ” الجراد: فصيلة من الحشرات المستقيمات الأجنحة، واحده جرادة للذكر والأنثى.وفى المثل: «ما أدرى أى الجراد عاره» . يضرب للشىء يذهب ولا يوقف له على أثر! والدّبى: الجراد قبل أن يطير، أو أصغر ما يكون من الجراد. والجراد مشتق من الجرد، قال تعالى: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [سورة القمر اية: 7] والجراد إذا خرج من بيضه يقال له: الدّبى، فإذا طلعت أجنحته فهو الغوغاء، الواحدة غوغاة، وذلك حين يموج بعضه فى بعض، فإذا بدت فيه الألوان، واصفرت الذكور، واسودت الإناث سمى جرادا حينئذ. وجاء أيضا في موسوعة الطير والحيوان في الحديث النبوي حول طبائع الجراد، وأن فيه صفات ” عشرة من جبابرة الحيوان مع ضعفه: وجه فرس، وعينا فيل، وعنق ثور، وقرنا أيّل، وصدر أسد، وبطن عقرب، وجناحا نسر، وفخذا جمل، ورجلا نعامة، وذنب حية» . وللجرادة ستة أرجل: يدان فى صدرها، وقائمتان فى وسطها، ورجلان فى مؤخرها، وطرفا رجليها منشاران كما يقول الدميرى. والجراد من الحيوان الذى ينقاد لرئيسه فيجتمع كالعسكر، إذا ظعن أوله (سار وطار) تتابع جميعه ظاعنا، وإذا نزل أوله نزل جميعه، ولعابه سم ناقع للنبات لا يقع على شىء منه إلا أهلكه! ، بل كانت في مجالس الصحابة والتابعين وخلال جلوسهم حول موائد الطعام أحاديث لطيفة تدور حول عالم الجراد ، وما كان يشكله من أهمية بالغة الخطورة في نجاح أو فشل المواسم الزراعية فقد جاء في الديباج للختلي :عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:كُنَّا جُلُوسًا عَلَى مَائِدَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ محمد بن الْحَنَفِيَّةِ، إِذْ أَقْبَلَتْ جرادةٌ ضخمةٌ، حَتَّى وَقَعَتْ عَلَى الْمَائِدَةِ.قَالَ عِكْرِمَةُ: فَأَخَذْتُهَا وَهِيَ تَضْطَرِبُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا هَذَا؟ قُلْنَا: جرادةٌ عظيمةٌ وَقَعَتْ عَلَى الْمَائِدَةِ.قَالَ: بِيَدِ مَنْ هِيَ؟ قَالَ عِكْرِمَةُ: [بِيَدِي]. قَالَ: يَا عِكْرِمَةُ، انْشُرْ جَنَاحَيْهَا، وَانْظُرْ مَا تَرَى فِي بَطْنِهَا. قَالَ: فَفَعَلْتُ، فَقُلْتُ: أَرَى نُقَطًا سُودًا فِي الْجَنَاحَيْنِ. قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِ مُحَمَّدِ بن الحنفية، فقال: يا ابن أَخِي، عِنْدَكَ فِي هَذَا مِنَ الْعِلْمِ شيءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((إِنَّ هَذَا الَّذِي تَحْتَ الْجَنَاحَيْنِ مكتوبٌ بِالسُّرْيَانِيَّةِ مَقْطَعٌ: إِنِّي أَنَا اللَّهُ إِلَهُ الْعَالَمِينَ، قَاصِمُ الْجَبَّارِينَ، خَلَقْتُ الْجَرَادَ وَجَعَلْتُهُ جُنْدًا مِنْ جُنُودِي، أُهْلِكُ بِهِ [مَنْ] شِئْتُ مِنْ خَلْقِي)).فَتَبَسَّمَ ابْنُ عَبَّاسٍ، ثم قال: يا ابن أخي، ضُمَّ هَذَا -أَوْ ضُمَّ هَذَا الْحَدِيثَ- فَإِنَّهُ والله بعينه. وكان الجراد أحيانا يمثل حلاًّ غذائيا لمن يروق له ذلك فقد جاء في المعجم الأوسط تحت رقم 2198 – عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، نَأْكُلُ الْجَرَادَ» . وكان صلى الله عليه وسلم يدرك خطورته على الحياة الاقتصادية فكان صلى الله عليه وسلم ” إِذَا دَعَا عَلَى الْجَرَادِ قَالَ: «اللَّهُمَّ اقْتُلْ كِبَارَهُ، وَأَهْلِكْ صِغَارَهُ، وَأَفْسِدْ بَيْضَهُ، وَاقْطَعْ نَسْلَهُ» لَا يُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الْجَرَادِ حَدِيثٌ غَيْرُ هَذَا، تَفَرَّدَ بِهِ: ابْنُ عُلَاثَةَ ” . وجاء في المعجم الكبير للطبراني تحت رقم 7631 – “عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: ” أَنَّ مَرْيَمَ سَأَلَتْ رَبَّهَا لَحْمًا لَا دَمَ فِيهِ، فَأَطْعَمَهَا الْجَرَادَ، فَقَالَتْ: اللهُمَّ أَحْيِهِ بِغَيْرِ رَضَاعٍ، وَتَابِعْ بَيْنَهُ بِغَيْرِ شِبَاعٍ ” .وجاء أيضا في المعجم الكبير للطبراني ، تحت رقم 757 – عَنْ أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا تَقْتُلُوا الْجَرَادَ فَإِنَّهُ جُنْدُ اللهِ الْأَعْظَمِ» ولكن جاء في شعب الإيمان ” وَهَذَا إِنْ صَحَّ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ , وَاللهُ أَعْلَمُ إِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِفْسَادِ الْمَزَارِعِ , فَإِذَا تَعَرَّضَ لَهُ جَازَ دَفْعُهُ بِمَا يَقَعُ بِهِ الدَّفْعُ مِنَ الْقِتَالِ وَالْقَتْلِ , أَوْ أَرَادَ بِهِ تُعَذُّرُ مُقَاوَمَتِهِ بِالْقِتَالِ وَالْقَتْلِ ” ولا زال الفلاحون في توات يعملون كل ما بوسعهم لمقاومة أسراب الجراد ، نظرا لما يشكله من خطر جسيم على مزروعاتهم وإنتاجهم الفلاحي ، وطبعا هذا تماشيا مع قانون الأخذ بالأسباب ، وحسن التوكل على الله تعالى ، وعدم الركون إلى الاستسلام ، والانهزام ، وبذلك استطاع الانسان في صراعه الطويل مع قوى الطبيعة سواء في منطقة توات أو غيرها أن يطوّع كثيرا مما كان يشكل عقبة خطيرة في وجه الإنسان الأول .لذلك كان لأهل الصحراء أدعية وقصائد يتلونها عند قدوم الجراد ، وتهديده لمزارعهم ، حيث يجأرون إلى الله تعالى متوسلين ، أن يصرف عنهم ما يضرهم ، حيث لا يكشف الضر إلا هو سبحانه ، ويشارك في هذه الأدعية صغار طلبة القرآن الكريم متضرعين ومستغيثين ، وهذا يدل على مدى تمسكهم بعادات الأجداد في التعامل مع هذه الظواهر المفاجئة . ويحضر الجراد في أبواب من الحديث الشريف كباب: أَمَارَاتِ السَّاعَةِ ، فقد جاء في المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي تحت رقم 1875 – عَنْ جَابِرِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَلَّ الْجَرَادُ فِي سَنَةٍ مِنْ سِنِيِّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّتِي وَلِيَ فِيهَا فَسَأَلَ عَنْهَا فَلَمْ يُجَبْ بِشَيْءٍ فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ. فَأَرْسَلَ رَاكِبًا فَضَرَبَ إِلَى كَذَا وَآخَرَ إِلَى الشَّامِ وَآخَرَ إِلَى الْعِرَاقِ يَسْأَلُ: هَلْ رُؤِيَ مِنَ الْجَرَادِ شَيْءٌ أَمْ لا؟ قَالَ: فَأَتَاهُ الرَّاكِبُ الَّذِي مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ يَصِيدُ مِنَ الْجَرَادِ فَأَلْقَاهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا رَآهَا كَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَهْلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَلْفَ أُمَّةٍ سِتَّ مِائَةٍ فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعَ مِائَةٍ فِي الْبَرِّ فَأَوَّلُ شَيْءٍ هَلَكَ مِنْ هَذِهِ الأَمَّةِ الْجَرَادُ، فَإِذَا هَلَكَتْ تَتَابَعَتْ مِثْلَ النِّظَامِ إِذَا قُطِعَ سِلْكُهُ» . ونظرا لما يسببه من إزعاج اقتصادي لاسيما بالنسبة للفلاحين فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل الله أن يصرف أضراره عن المسلمين كما جاء في سنن ابن ماجه تحت رقم 3221 – عَنْ جَابِرٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ إِذَا دَعَا عَلَى الْجَرَادِ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَهْلِكْ كِبَارَهُ، وَاقْتُلْ صِغَارَهُ، وَأَفْسِدْ بَيْضَهُ، وَاقْطَعْ دَابِرَهُ، وَخُذْ بِأَفْوَاهِهَا، عَنْ مَعَايِشِنَا وَأَرْزَاقِنَا، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَدْعُو عَلَى جُنْدٍ مِنْ أَجْنَادِ اللَّهِ بِقَطْعِ دَابِرهِ قَالَ: «إِنَّ الْجَرَادَ نَثْرَةُ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ» . كما يحضر الجراد في كتب وموسوعات الأدب العامة ففي حياة الحيوان الكبرى ” أحسن القاضي محيي الدين الشهرزوري في وصف الجراد بذلك في قوله: لها فخذا بكر وساقا نعـــــــــــــــــــــــــــــــــامـــــــة وقادمـــــــــتا نســـــــــر وجؤجؤ ضيغم حبتها أفاعي الأرض بطنا وأنعمت عليها جياد الــــــــخيل بالرأس والفم … وليس في الحيوان أكثر إفسادا لما يقتاته الانسان من الجراد. قال الأصمعي: أتيت البادية، فإذا أعرابي زرع برا له، فلما قام على سوقه وجاد سنبله أتاه رجل جراد فجعل الرجل ينظر إليه ولا يدري كيف الحيلة فيه فأنشأ يقول: مر الجراد على زرعي فقلت له … لا تأكلنّ ولا تشغل بإفساد فقام منهم خطيب فوق سنبلة … أنا على سفر لا بد من زاد وقيل لأعرابي: ألك زرع؟ فقال: نعم. ولكن أتانا رجل من جراد، بمثل مناجل الحصاد، فسبحان من يهلك القوي الأكول بالضعيف المأكول. ونظرا للهاجس الكبير والخطر الجسيم الذي يشكله انتشار أسراب الجراد في المناطق الزراعية ، فقد وصل الأمر ببعض المهتمين بخواص بعض آي الذكر الحكيم مثل الشيخ الدميري ـــ والذي له رواج كبير في مختلف المناطق لاسيما مؤلف (حياة الحيوان) ـــ إلى تقديم وصفات دينية لمجابهة خطر الجراد الداهم حيث ” تكتب هذه الكلمات وتجعل في أنبوبة قصب وتدفن في الزرع أو في الكرم فإنه لا يؤذيه الجراد بإذن الله تعالى وهي بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلي على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد وسلم، اللهم أهلك صغارهم، واقتل كبارهم، وأفسد بيضهم، وخذ بأفواههم عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم. اللهم صلي على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد وسلم، واستجب منا يا أرحم الراحمين. وهو عجيب مجرب. ومما يفعل لطرد الجراد أيضا، وقد جرب وفعل، فصرفه الله به وأخبرني به الشيخ يحيى بن عبد الله القرشي، وأنه فعل ذلك غير مرة، فصرفه الله سبحانه وتعالى عن البلاد التي هو فيها، وكفاهم شره وأن بعض العلماء أفاده ذلك، وقد سماه لي وذهب عني اسمه الآن، انه إذا وقع الجراد بأرض وأردت أن الله سبحانه وتعالى يصرفه، فخذ منه أربع جرادات، واكتب على أجنحتها أربع آيات من كتاب الله تعالى، في جناح كل جرادة آية، ثم توجه بها إلى أي بلد تسميها وتقول لهم: انصرفوا إليها. على الأولى:فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وعلى الثانية وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ وعلى الثالثة ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وعلى الرابعة فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ” ، وهذا اللون من الثقافة كان سائدا ، ولا يزال في بعض المناطق ، على الرغم من التطور العلمي الحاصل ، والتقنيات الحديثة التي بإمكانها التقليل من الأضرار التي يمكن أن تنجم عن هذا الكائن العجيب والخطير . الخاتمة : إن رواية (مملكة الزيوان) رسالة موجهة لكل من يشكك في محدودية موضوعة الصحراء في مقابل موضوعة المدينة ، رمز الاحتيال والاغتيال ورمز الآفات وأمراض العصر . بيد أن حاج أحمد الصديق أعاد صياغة الأمكنة والعالم وفق رؤية اتخذت صورا مثالية وإنسانية ، وتجاوز بها المساحة الجغرافية المجردة للأماكن إلى كونها تشكيلا روحيا ووجدانيا ، يزخر بالحياة والحركة ، فاستنطقها ونقل أحاديثها وتاريخها ، عبر كتاباته ، وكان ذلك تعويضا نفسيا لافتقاده وطنه الروحي ، الضائع في فلوات الفكر ، وهواجس النفس ، ومن ثمّ فإن اهتمام الصديق حاج أحمد بالمكان الحلمي جعله يكتب رواية ” مملكة الزيوان” ، كما فعل بروست من قبله في عمله الشهير A la recherche du temps perdu” . إن أهم ما يعطي للنص الروائي خصوصيته المتميزة هو نبرته الحوارية من خلال أصوات الآخرين ، ولعلّ أهم سمة وعلامة فارقة للجنس الروائي حسب ميخائيل باختين هي مظهر تعدد الأصوات حيث ” كانت الأنواع القصصية السابقة للرواية قائمة على صوت الراوي ( ومن ورائه منشئه) أما الرواية فقد قام عالمها على مجموعة من الشخصيات ذات أصوات متعددة بالضرورة وذلك من خلال ما يُسند إليها من أقوال لا تؤدي ذوقها ورؤيتها وشواغلها فحسب ، وإنما تؤدي أيضا طبيعة ثقافتها بجماع ما يلتقي من نصوص ومرجعيات ” . وقد سارت الدراسة وفق التوجه الباختيني في مفهوم الرواية ، التي مرّت بأطوار ومراحل وحقب تاريخية متتابعة وربطها بتعددية الأصوات ، وتعدد اللغات ، وبمختلف ” الأشكال الاحتفالية ، المهمشة حيث تعبر عن نفسها الضاحكة الكارنافالية وتعددية التنوعات الصوتية للجماعات المرفوضة من طرف المؤسسات ، منذ بداياتها ظهرت الرواية هكذا باعتبارها نقدية اتجاه المعرفة ، والسلطة واللغة الرسمية ذاتها ” . وفي هذا النص الروائي تبنى الصديق حاج أحمد الرؤية من الخلف Vision par derriére في روايته (مملكة الزيوان) للإشارة إلى معرفة الراوي أكثر من الشخصية ، وتنظم الحبكة حسب رغبته دون أن يخطئ منطقه الخاص . إن المبدع الروائي الصديق حاج أحمد كان عفويا ومندمجا تماما في روايته التي نقلتنا إلى عوالم توات الساحرة كما أنه كان أكثر حرية في تعاطيه مع تراث المنطقة ، الشيء الذي لا يكاد يظفر به المتعطش لتراث المنطقة في الدراسات الأكاديمية المتخصصة ، وذلك ــــ واستعارة من مفردات الباحث سعيد يقطين ــــ ” من خلال انتباهه إلى العديد من الحقب التاريخية المهملة ، كما أن الروائي اهتم اهتماما بالغا باليومي ومختلف أنماط الحياة الشعبية ومختلف تجسيداتها ، حيث قدّم لنا بذلك صورا حية عن حياة العربي في مختلف تفاصيلها وجزئياتها ” وأخيرا يمكن القول بأن الصحراء عند حاج أحمد صديق عالم كبير ، الطيور لها لغتها والرمال لها لغتها ، والرياح لها لغتها. واقعية سحرية إذا شئت لكن من منطلق الثقافة العربية ، وإن كان يستمد مفردات عالمه من التراث التواتي المجهول في واقعنا الأدبي ، والذي يحتاج إلى إضاءات مكثّفة ، من الوسائط الإعلامية المتعدّدة ، ومن القائمين على الفعل الثقافي بمختلف تجلياته ومناحيه ، ليصبح هذا التراث جزءاً من الذاكرة الثقافية ، مع تطعيم ذلك كله بتقنية تعدد أصوات الذوات الساّردة في النصوص الروائية ، ما يساعد على إيضاح مكنونات العوالم الروائية التواتية في مسيرتها المستمرة نحو العطاء والتجدد . وهكذا ومن خلال هذا النص الروائي المتميز بثرائه بمختلف العوالم الروائية الخصبة ، استطاع أن يقدّم للقارئ العربي أينما وجد خصوصية العالم الصحراوي التواتي بكل تجلياته ، مؤطرا كل ذلك برؤية فنية جمالية تساعد على اندماج القارئ في عملية القراءة واكتشاف الزوايا الخفية داخل بنية النص الغني بدلالاته وايحاءاته . ونحن إذ نشد من أزر الدكتور والأكاديمي الجامعي المحاضر بجامعة أدرار ونهنئه على هذا المولود البكر في دنيا الإبداع الروائي التواتي ، فإنه لا يسعنا إلا تمنياتنا له بالتوفيق فيما يأتي من أعمال إبداعية لاحقة إن شاء الله .

 

* باحث جامعي وأستاذ النقد بجامعة أدرار

اترك تعليقا