تنزروفت…هكذا أراد الروائي ضيف الله عنونة روايته لترتسم كوشم بالذاكرة،مشيرا لمكان قد لا يسكن ذاكرتنا ولا نملك له صورا فيها لنحاول البحث عن سر هذا الاسم وسر اختيار الراوي لهذه المنطقة دون غيرها،تنزروفت.. أرض ربما لا يعرفها الكثير منا،يرسم لنا الراوي معالمها من خلال أبطالها …أحداثها،فيلف القارئ مجموعة من الأسئلة حول الاسم: مابها تنزروفت؟ كيف هي؟ ولماذا هي بالتحديد؟ ثم أردفه الراوي بعنوان فرعي أسفل العنوان الرئيسي” بحثا عن الظل” فترتسم بأذهاننا مباشرة صحراء تنزروفت وحرها القائظ الذي يدفع عابرها إلى البحث عن الظل لاتقاء ذاك الحر والعطش،عنوان أراده الراوي بداية لسر نفتش عنه بين تلك الأحداث التي تقلبنا على نار الدهشة والحيرة مثلما تقلب بطلها بوتخيل تحت ذلك السقف الذي جمعه بصديقيه النوار و مشري في أيام الحر كلما حاول النوم ساعات الهجير والقبلي يلفح وجوههم ليتصبب عرق الغربة ألما،زادت آسيا وجعه بفراقها لبوتخيل ثم حولته حمام نار بخيانتها مع الضابط بحري.
منذ الوهلة الأولى يلفت انتباهنا الإهداء باقتضابه الشديد وربما بغموضه أيضا،إهداء جاء في شبه جملة موجزة اختصرت كل الكلام بينما فتحت مجالا أكبر لكل احتمالات الكلام “إليك”…فيغرق القارئ في بحر التأويلات من المقصود أو المقصودة بإليك؟ أتراه اختصر حبه لحبيبته في حبه لوطنه فجعل إهداءه على هاته الشاكلة من جملة واحدة لا تزيد على كونها جارا ومجرورا كأن المقصود بها قد جر كل تلك الأحلام ،هل صار الكلام كله لأجل هذه المرأة الوطن التي أتعبها الكبر و أعياها استنزاف مشاعرها وعطفها على أبناء أساؤوا فهمها وراحوا يوزعون حقدهم على أراضيها وفقرائها متمادين في ذلك،أم يقصد بـــــ”إليك” ذلك القارئ الذي حمل الرواية بين يديه باحثا عن حلم ما،أم هو شخص يسكن الراوي ويرفض الإفصاح عنه مكتفيا بالإشارة اليه ب” إليك”.
ونحن نقف عند أولى صفحات الرواية نستغرب الفصل صفر وقد كنا نتوقع أن نجد الفصل الأول كما جرت العادة في معظم الروايات لكن الراوي كان منذ البدء يحاول لفت انتباهنا إلى شيء ما غير طبيعي وغير صحيح،إلى علاقة غير سوية أو الأصح إلى خلل وعطب موجود يستوجب علينا استدراكه،مفتتحا بلغة شعبية تمهدنا للاستماع وهي تدل على بداية حوار طويل “باش مانفوتكش بالحديث يا سيدتي”كأنما يعدّنا بذلك لجلسة طويلة تتوجب علينا التتبع والانتباه كي لا ينفلت منا خيط الحديث ولربما أراد الراوي أن ينبهنا بأن هناك رقما أسبق من الواحد أولى بأن تفتتح به الأرقام ،ولعله بذلك يحاول تذكيرنا أن ذلك الفصل يختصر كل الفصول التي تليه أو يحتويها في الفصل صفر
والمعروف عن العدد “صفر” هو أنه عدد ماص، إذ أن كل عدد مضروب في صفر يساوي صفر،وكأن الراوي أراد أن يلفت انتباهنا بأن كل الفصول تصب في الفصل صفر لنكتشف بعد قراءتنا للرواية أن كل تلك الأحداث إنما رويت على طاولة موعد حضرها الراوي بوتخيل وشاركته في ذلك آسيا وهي بارتباكها تشعل لفافة تبغ معلنة في وجه بوتخيل بأن علاقتها به قد انتهت ولكن يستمر الحوار بينهما والذي نسج في نهاية المطاف أحداث هذه الرواية.
ونحن نقف على نهاية الرواية نكتشف أن النهاية هي بداية الرواية في الأصل…لعبة جميلة فاجأنا بها الراوي لنجد أنفسنا نعود في نهاية المطاف إلى نقطة البداية حيث كان يفترض أن نبدأ منها لنستل رأس الخيط،وهي تقنية جعلتنا مشدودي الأعصاب عائدين بعد إنهاء الرواية إلى الصفحة الأولى لنتنفس الصعداء بعد أن نربط الفقرة الأخيرة من الصفحة الأخيرة للرواية المكتوبة بخط سميك ببداية الرواية فنكتشف أن كل تلك الأحداث والحكايات إنما رويت في مقهى ناريمان وأن بداية الرواية إنما هي نهايتها التي توهنا بها الراوي.
تختلف الشخصيات في الرواية باختلاف ولاياتهم ومشاكلهم،وهم لا يتشابهون سوى في كونهم يقصدون ذلك المكان لاحتساء القهوة أو الشاي رفقة أحلامهم ومخططاتهم،أرضية انبنت عليها الرواية من أولها إلى آخرها رغم انتقال الراوي لمناطق عدة من أدرار إلى التل ومن الطفولة للشباب ثم العودة مرة أخرى للطفولة في كسر لبق للتسلسل الزمني وحركة دائرية مابين بوتخيل وأسيا ، وحتى حينما يتحدث مشري عن حياته أو النوار أو جمال العنابي وغيرهم فإنما كان ذلك عن طريق بوتخيل الذي كان يتحدث بلسانهم وهو جالس على طاولته يطير بنا من مكان لمكان.
يتواصل السرد الذي الذي ارتبط ارتباطا وثيقا بتلك المنطقة منعكسا بوضوح على مفردات الراوي بكل حمولتها التاريخية والاجتماعية ،من خلال حديثه عن يهود تمنطيط،عن الأولياء الصالحين وزوايا أدرار ، بل وحتى عن السحر الذي انتشر بين الفئة الجاهلة واصفا إياها مبينا لنا بعضا منه.
وإذا تأملنا المكان الذي رويت فيه كل هذه الأحداث، نجد أنه لا يعدو كونه مقهى حديث النشأة باسم جديد من الأسماء العصرية، يجعلنا نتساءل عن سر اختيار الراوي لمكان عام وطاولة تختلف مواعيدها من شخص لآخر،كأنما أراد أن ينبهنا لحقيقة أن لا شيء ثابت في هذا الوطن الذي يتغير حكامه مثلما يتغير الزائرون على تلك الطاولة، وقد اختار الراوي تلك الأرضية التي قد لا تحمل بالضرورة موعدا طاهرا أو بريئا ليبني عليها روايته مضيفا في قوله :” آه آسيا ،تركت كل شيء إلا صوتك الذي رحل مع الولي الأخير محمد بن عبد الكبير الذي صادف رحيله لقائي بك في هذه البيتزيريا”[i] واختياره لهذا اليوم بالتحديد دلالة على أن عالم الطهر وعالم النقاء قد رحل مع الولي محمد بن عبد الكبير وما اختيار الروائي لهذا اليوم بالذات إلا لتعزيز فكرة تبدل أحوال الدنيا إلى الأسوأ ودخول الوطن في دوامة من الحقد والكراهية التي سممت أفكار أبنائه للتفكير في الهروب إلى ما وراء البحر كحلّ لكل مشاكلهم التي كبلت حياتهم وجعلتها غير طبيعية مثلما حدث للنوار الذي لاقى حتفه وهو في طريقه إلى الهجرة الغير شرعية التي سكنت عقله وجعلته يحلم بمستقبل أجمل على الضفة الأخرى ليعود في آخر المطاف إلى الأرض التي هرب منها وقد أكل الحوت عينيه كأنه يعاقبه على ما فعل.
أثر البيئة الصحراوية في رواية تنزروفت:
بجمالية فنية نسج الروائي نصه بدقة متفانية متسربا من رمل العرق تارة وعابرا لفقارات المنطقة تارة أخرى ،يحكي عن بعض الأحداث التي جرت في التل ليعود في نهاية المطاف إلى أرض الصحراء موغلا في الظمأ حتى تتبدا لنا تنزروفت بكل ألمها وهي تتزين بكلمات الروائي الذي لم يكن يغيب عنها في نصه إلا ليعود إليها من جديد، مستعينا ببناياتها الطينية ليأخذ فترة قيلولة مارا إلى مقهى الريح الذي نثر أحلامه و أصدقاءه، عابرا جسد الحقيقة المرة التي تشبه جسد جوع وعطش لا يمكن أن يسكن إلا في تنزروفت بكل أبعادها التي رسمها لها الروائي عبد القادر.
اختار الروائي مكانا يقع في الصحراء القاحلة معترفا منذ البداية بأن نتزروفت هي أرض الوأد والعطش في قوله:”أتحدى كل العالم الذي سكن مراكز الأشياء الجميلة ورماني إلى محيط تنزروفت”[ii]، هذا المكان الذي يعتبر لغة بحد ذاته محاولا من خلاله إيصال أفكار معينة لم يجد لها أنسب من هذا الاسم ليعنون به رواية بأكملها،وما اختياره لها إلا ليعكس مدى الجوع والعطش الذي يسكن هذا الوطن المليء بالتناقضات وبرغبات أبنائه التي جففها العطش وقتلها جوع الحقد وعبث المسؤولين حتى كلّ ساعده.
يتضح تأثر الكاتب بالبيئة الصحراوية من خلال توظيفه لكلمات مرتبطة ارتباطا كبيرا بالمنطقة بلغة هادئة كتلك الصحراء ،يقول:”أدور في مكاني متحاشيا أن يبصروك معلقة كعرجون تمر على نخل حدقاتي”[iii] مشبها حبيبته بالتمر الذي لا يوجد إلا في الصحراء كي ينضج على حرارة شمسها الحارقة ناعتا حدقتا عينيه بنخل لا يولد إلا على أرض مرتوية بمياه الفقارات التي حفرها سكان المنطقة الصحراوية،كان يستطيع الشاعر أن يشبه محبوبته بأية ثمرة كانت تنبت في منطقة لا تشبه الصحراء في شيء ولكن هذه الأخيرة جعلته بشعور أو بدونه يتأثر بالمكان الذي تكثر به واحات النخيل بإغراءاتها لريح القبلي و تعطشها لمياه السواقي والفقارات فنسج لغته مستوحيا عناصرها من البيئة الصحراوية التي ولدت فيه كل ذلك الشعور و جعلته يستقي كلماته منها ليزين بها نصه الروائي “تنزروفت”.وفي موضع آخر يقول في وصف جمال العنابي :”قالها ثم صر على أسنانه جارطا ريقه الجاف”[iv]،فجفاف الريق أمر طبيعي حينما يشعر الإنسان بالعطش ،ولأن تلك المنطقة حارقة بحرارتها المرتفعة ،اختار الروائي وصفا دقيقا للعطش الذي يجعل الانسان والحيوان على حد سواء جاف الريق في معظم الأوقات وهو أمر لا يمكن حدوثه كثيرا في مناطق باردة مثلا،ويضيف الروائي في تعزيز فكرة العطش الذي تلده الصحاري حين يعيد علينا أغنية المطر:
“صبي يا النو،حتى يجي خويا حمو”
في مشهد طفولي جميل،أين يحمل الأطفال أعلاما خضراء كأنهم يتمنون أن تتحول الأرض خضراء كتلك الأعلام، مرددين تلك الأهزوجة التي كانت أشبه باستعطاف للسماء التي لم تكن تمطر إلا قليلا، وإلا ما كانوا ليشتاقوا للمطر بتلك اللهفة وذاك الحنين.ويقول في موضع آخر :”أبصر في وجوه أهل البارود المتربة جراء عاصفة القبلي التي هجمت على الساحة . فأحس بوجعي يحاكي وجع آبائهم الذين حفروا فقارات توات ورياح السافي تذروا عالى رؤوسهم”[v]،صورة جميلة حين يبصر الراوي وجوه أهل البارود و عاصفة القبلي تملأ وجوههم بالأتربة فيتذكر وجعه الذي يحاكي وجع آبائهم وهم يحفرون فقارات توات ووجوههم مثل أهل البارود تذروها رياح السافي التي كانت تجتاحهم لحظتها.ويضيف في موضع آخر:”لم يبق لي شيء بعد رحيل الرفاق سوى استجداء السكينة والغور في فقارة ذاكرتي “،[vi]مشبها ذاكرته بقفارة غائرة مستعينا بظلمتها ليصور لنا حالة تلك الذاكرة في صمتها وظلمتها.واضح هو أثر المنطقة على النص ،كيف لا والراوي لا يتحدث إلا وهو يستعير لنا من الرمل الذي تناثر على وجوههم ومن مياه الفقارات التي كان يتفانى سكان المنطقة في حفرها ، بل ويرسم وجعه ممزوجا بتلك الصور ليفهمنا في الأخير أنه ورغم غربته ينتمي لتلك البقعة من الأرض التي أوجدت فيه كل تلك المشاعر المتناقضة الموجعة ، ورغم ذلك عاش فيها رفقة أصدقائه “النوار،مشري،بحوص ،العربي وغيرهم ذكريات ارتبطت بذلك المكان الرهيب الذي يولد في الراوي شعورا غريبا يدفعه للكتابة والبوح ويدفعنا نحن القراء للبحث عن فرص زيارته.
يتحدث الراوي عن بيئة صحراوية تسكنها العادات و التقاليد التي تورث أبا عن جد والتي تمثلث في الحفاظ على زيارة أضرحة الأولياء الصالحين في مواقيت محددة في حين تكره الغرباء الذين غيروا قداستها وحاولوا تحويلها الى مدينة لا تشبهها،مثلما جاء في إحدى صفحات الرواية:”أدرار تلعننا نحن الغرباء الذين غيروا وجهها لتصبح بوجه المدن العاهرة التي لا تستحي من رهبة الأولياء”[vii]،هؤلاء الغرباء الذين اضطرتهم الظروف للهرب نحو صحاري الجنوب بحثا عن لحظة أمن ولقمة عيش وجدوها في أدرار منهم مشري الذي لجأ إليها بعدما فقد كامل أسرته التي اغتيلت على يد الإرهاب الذين كنّاهم الروائي بأصحاب اللحى الزرق، وبحوص أستاذ اللغة الانجليزية والنوار والعربي جابر وغيرهم كثير ممن كانوا يهربون من القتل الجماعي في الشمال بحثا عن سكينة نفس ولقمة عيش،فقوله:”كان المطعم القبائلي في اتجاهنا يحدق”[viii] إنما دلالة على وجود الغرباء بتلك المنطقة و ممارستهم لنشاطات مختلفة.
هكذا كانت البيئة الصحراوية حاضرة في رواية تنزروفت تجلت في لغة الروائي من خلال تأثره بالمنطقة بكل أبعادها،فرسم لنا أفقا جديدا عن منطقة قديمة قدم سكانها،عريقة لا تكشف كامل أسرارها بنص واحد بل تحتاج دراية وتنقيبا وبحثا مستمرا جادا.
الهوامش:





روعة شكرا لك
..أ تحياّتي .. ين أجد الرّواية ؟