السعيد بوطاجبن بين محنة الكتابة الإبداعية وأسئلة الكتابة النقدية / ملف مسارب بالتنسيق مع دار الثقافة لولاية أدرار
بواسطة مسارب بتاريخ 26 ديسمبر, 2013 في 04:29 مساء | مصنفة في حفريات | 3 تعليقات عدد المشاهدات : 9664.

 

 

 

من أين البداية إزاء مبدع وناقد ومترجم بحجم السعيد بوطاجين ماهي أبعاد إبداعيته القصصية والروائية وهو الذي ظل وفيا للقصة القصيرة وأبدع فيها حتى ولو أنه خاض تجربة الكتابة الروائية من خلال نصه الروائي الوحيد ” أعوذ بالله ” وما أهمية هذا الباحث الجامعي والناقد نقديا ضمن خارطة المشهد النقدي العربي ..كيف يمكن تأمل بعض مساهماته النقدية وجهوده المعرفية إنها أسئلة مشروعة وربما تبقى معلقة إثارة لسؤال الكتابة النقدية والإبداعية عند هذا المبدع  نعتقد أنها مشروعة ولذلك كان لا بد أن يحتفى به في أدرار لقراءة مختلف أبعاد منجزه النقدي والإبداعي وكان لا بد أيضا لهذا الملف الذي تعده ” مسارب ” بالتنسيق مع دار الثقافة لولاية أدرار  أن يرى النور ……تابعوا

 

السعيد بوطاجين إكراما / الحبيب السائح*

 

*الروائي حبيب السايح

شكرا للصديق السخي، الأديب عبد الكريم ينينة؛ مدير دار الثقافة لولاية أدرار.
شكرا لأدرار ولأهلها الأجواد.
هنيئا للأصدقاء الكتاب الحاضرين بمناسبة إصداراتهم الإبداعية والفكرية الجديدة.
أما أنت، يا الصديق السعيد بوطاجين، فلك بسمة ماء الفڤارات للضياء وفرح النخيل بطلوعه.
هنيئا لك من قبل ومن بعد.

ما ذا نملك، في هذا العالم الكاذب والشره، غير أن نكتب لمن نحب ونقرأ لأننا نعرف شيئا من جهلنا؟
السعيد بوطاجين، قيمة أكاديمية مؤكدة وقامة معرفية ثابتة وظاهرة قصصية نادرة.
وفوق ذلك، إنسان حلته أخلاق العلماء. إنه عالِم الجزائر السيميائي الحالي.
فلن يؤلم كثيرا أن لا تعرفه الجزائر الآن، فإن الجحود شيمةُ هذا الزمن.
لا أعرف رجلا أنيقا، تزهو على لسانه الكلمات، مثلَ السعيد بوطاجين؛ كاتبا حسّاسا إلى درجة التوهج!
فهو أحد القلائل الذين تدعو أخلاق الكتابة إلى الاستماع لهم حين يتكلمون عن الكتابة.
فإن كان يحظى بهالة من التكريم لدى الذين يحبونه، كما هي هذه المناسبة الكبيرة، فهو في الأوساط الأدبية والفكرية والجامعية، يمتاز بأمانة الأولياء وبِشَميلة النبل في سلوكه مع غيره؛ حتى مع الذين لا يكنون له المودة!
حين يتحدث عن الرواية الجزائرية، تخصيصا، فممّا يشبه الحضرة في مشهد الكتابة: ذلك في منطوق القراءة، يسمى القدرة الاختزالية؛ التي لا تتأتى إلا لصفوة ممن تنتخبهم الطبيعة أو تصطفيهم العناية.
من جلس قبالة السعيد بوطاجين، يستمع له يتحدث في الأدب والفن والفلسفة والجمال ويتكلم عن الله ويحاضر في السيمياء، يشعر بنشوة تنبعث من روح طاهرة من رجس الحسد والحقد.
السعيد بوطاجين إنسان يعطيك من نفَسه كيلا تختنق!
وعليه، يجب أن نتعلم كيف نستمع لرجل مثله حين يتحدث! (من مقالي “استمعوا.. فإن السعيد بوطاجين يتحدث!”)
لم أعرف أديبا وأكاديميا ومترجما جزائريا ولا قرأت له، مثلما كان لي ذلك مع السعيد بوطاجين.
عرفته ينهض، كل مرة، من ضربة قدر؛ يقاوم بإيمانه فداحة الخسائر التي تلحق بعواطفه، متشبثا بشعاع الجدوى من وجوده.
لذلك، عوضته العناية هذا القبس من النور العقلي والروحي.
السعيد بوطاجين إنسان فائق الوعي بالوجود وبمكوناته وبأنه جزء منها، مكمل لوظائفها كلها؛ تتساوى عنده في أمرها الحيوانات والطيور والجمادات والحروف والكلمات؛ فكل شيء عنده يتحرك بروح، وكل شيء عنده يأخذ صفة الحي الذي وجد لسبب ما.
السعيد بوطاجين، أكاديمي ذو عقل مبني على أسس النسبي والاحتمالي والتقديري، رؤية رؤية وسؤالا سؤالا وارتباكا بعده ارتباك في حضرة العارفين والمعرفة والعلم والعلماء وذوي العبقرية الفذة.
بقدر ما يشعرك بأنه أقرب ما يكون إلى الحقيقة الأكاديمية فهو يوحي إليك أن أخلاقه الأكاديمية تنئيه عن وهم امتلاك أي حقيقة؛ لأنه لا يني يهدم كل يقين معرفي اكتسبه فيعاود البحث بدءا من النقطة التي انتهى إليها.
تلك هي إحدى صفات العالم التي تتكرس يوما بعد يوم لشخصه الذي، بانكساره الوادع الجميل، يتآلف في تناغم رائق مع إيقاع حياة لا نحس، بما يكفي، متعتها إلا حين ننظر إليها من أكثر من نافذة مفتوحة على ذاتنا.
وفوق هذا، فهو أحد أكبر المترجمين الجزائريين والعرب. نقل إلى العربية، حتى اليوم، أحد عشر مؤلفا في الفكر والإبداع.
السعيد بوطاجين أديب نبيل سخي زاهد. قرأت له مدونة أدبية متفردة بمعجمها وموضوعها وقيمها وسر المعرفة فيها وجمال لغتها ومتعتها.
فهو يمتلك قدرة فصل رؤاه الإبداعية، التي يجسدها في نصوصه القصصية والروائية، عن لغته الأكاديمية، التي يجعلها تؤدي عملية تبليغ المعرفة واضحة لا تتقاسم فيها المفاهيم حقول بعضها أو غيرها؛ فلكل مفهوم حدوده النهائية، ولكل تعبير مقتضاه الوظيفي.
فبذلك تتشكل نصوصه الإبداعية من هذه اللغة الفائقة الشفافية، المتأرجحة، بشكل مذهل، بين الشعري وبين الفلسفي، مؤسسة فرادتها السردية.
للسعيد بوطاجين، في المشهد القصصي والروائي الجزائري المعاصر، هذه الملَكة على إشعار قارئه بأن طبيعة الأشياء والموجودات والكائنات الحية ليست دائما على ما توهم به مظاهرها؛ نظرا إلى أهليته العجيبة على قلب الجد سخرية والحزن فرحا والقبح جمالا.
أنا سعيد جدا بأن يكون لي صديق قاص وروائي خاصة، مثل السعيد بوطاجين، يكتب كتابة لا تشبه غيرها في الجزائر ولا في العالم العربي؛ نموذجا متفردا بلغته وأسلوبه وبلاغته، نابعا من معرفة متجذرة في تربة الجزائر، مسوَّغا باستقلالية فكرية وروحية نادرة؛ وهي القوة الخفية التي أعطت، في تقديري، سرده هذه الخصوصية الفاتنة. سرد، لا يختلف حوله اثنان إذا تعلق الشأن بقيمته الأدبية وجماليتها.
فهو يكتب مثلما يرسم طفل بشكل عبثي. وهو يدرك أنه يعبث، يلْطِخ اللغة السقيمة العاجزة مستعيضا عنها بالتضاد الذي يولد التطابق: تطابق العبثي مع المأسوي.
إنما أنا، هنا، أؤكد فحسب على أن السعيد بوطاجين مسكون فعلا بحمى الوحدة، حمى وجودية، أعتبرها شخصيا مولدة مشروعه السردي كله.
يقول في تاكسنة «أنا أبحث عن أمر يخصني وحدي». ص 99. (من مقالي “تاكسنة.. بداية الزعتر، آخر الجنة.. لعبثية المذهلة.. الطاقة الإبداعية الهادئة).
إنه ميثاق الكتابة لدى السعيد بوطاجين.

 

 

السرد القصصي والروائي الجزائري في مرآة النقد عند السعيد بوطاجين …” السرد ووهم المرجع نموذجا ” قلولي بن ساعد*

 

*الناقد والقاص قلولي بن ساعد

إذ كان كان الدكتور السعيد بوطاجين يقدم كتابه ” السرد ووهم المرجع ” بوصفه مجرد مقاربات نقدية فإن هذا المنجز النقدي في تصوري يمثل أحد أهم الأعمال النقدية القليلة المهمة  التي تناولت المنجز السردي الجزائري قصة ورواية في تحولاته المتعددة تناولا مختلفا ومنتجا نصيا  نظرا للغياب الفادح الذي يشهده حقل النقد السردي الجزائري مقارنة بالنقد الشعري ولذلك عوامل وملابسات سوسيو تاريخية تحيل في مجملها إلى طبيعة البنية الثقافية العربية التي لازالت ترى في الشعر ديوان العرب الأول وبسبب هذا أهمل النقاد القدامى وأئمة البلاغة العربية تلك النماذج المتنوعة من النثر العربي القديم وأنصبت كل جهودهم النقدية على إشكالية المعنى واللفظ في الشعر العربي واللغة والإعجاز القرآني وعمود الشعر ووضع قواعد الشعرية العربية ومن هنا يكتسي كتاب ” السرد ووهم المرجع ” للدكتور السعيد بوطاجين أهمية خاصة ومميزة في المخيال الثقافي للقراء والدارسين والنخب المعنية برصد تحولات الكتابة السردية في الجزائر والتي عرفت في السنوات الأخيرة تراكما يحتاج إلى مقاربات نقدية متعددة ومتنوعة تنوع أشكال الكتابة السردية ذاتها وهو يشيرفي المقدمة التي وضعها لكتابه  إلى أنه في السنوات الاخيرة أولى إهتماما خاصا بما يكتب في الجزائر بدافع التعريف به في المنابر المحلية والعربية بعد أن لاحظ أن أن السرد الجزائري بدأ ” يستقل شيئا فشيئا عن المفاهيم الغيرية مكونا بذلك عالمه الخاص ” (01) ومعنى ذلك أن السعيد بوطاجين قد أقر أن هناك خصوصية سردية بدأت تميز النص السردي الجزائري عن غيره من النصوص السردية العربية لتفادي الأشكال السردية الوافدة المهيمنة على لاوعي السارد الجزائري التي يرى الناقد أن حضورها ” لم تكن له مبررات وظيفية مقنعة ” (02)  وكعادته بوطاجين لا يعتبر رؤياه النقدية نهائية أو ناجزة فهو ينفي عنها صفة الكمال تاركا إياها لمزيد من الإختبار والمراجعة النقدية وإثارة السؤال الحواري الذي لا بد منه مبتعدا كل الإبتعاد عن الأحكام المطلقة الوثوقية بما يؤسس لرؤياه النقدية إنطلاقا من نسبية منظوراته في النقد والتحليل من زاوية علم السرد أو السرديات كممارسة للتجلي النقدي طالما أنه لا توجد قراءة بريئة وأن ” كل القراءات هي إساءة قراءة ” على رأي ديريدا ففي قراءته لرواية مالك حداد ” الإنطباع الأخير ” يغوص عميقا في المنسي والمغيب الذي أهمله النقد الأدبي الجزائري المكتوب باللغتين العربية والفرنسية ..النقد الذي تناول رواية ” الإنطباع الأخير ” لمالك حداد وفاته أن ينتبه لغياب السرد وهيمنة الحوار لدرجة التواشج الصارخ بين ” وضع العنوان ووضع المقدمة الإفتتاحية ” (03) فيحلل ذلك من منطلق مكاسب السميائية السردية مجال تخصصه الجامعي بالكشف عن البنية السطحية وحركة الذوات الفاعلة بحذر شديد من دون الدخول في إستحضار وجوب ” الكفاءة المفوضة من الذات العليا السارد ” (04) التي تتناسل كثيرا في بحوث غريماس السردية عبر كتابه ” البنيوية الدلالية ” وغياب السرد بهذه الكيفية عند مالك حداد في ” الإنطباع الأخير ” تاركا المجال للحوار أحيانا وأحيانا أخرى على ما يذكر السعيد بوطاجين للتوقف والإنطباع والتأمل لا يعتبره الناقد قصورا من مالك حداد أو أنه يشكل إنكماشا في البنية الروائية بل يراه ” طريقة وغاية جمالية ” (05)وفي نظره أن رواية ” تيميمون ” لرشيد بوجدرة تحتاج إلى مقاربة خاصة  من وجهة علم السرد حتى وإن لم يصرح بذلك ولأجل هذه الغاية بحث فيها عن المستويات السردية كالسرد الآني والسرد التابع والتسريد بما ينطوي عليه من أشكال خطابية كالخطاب المنقول والخطاب الناقل للمادة السردية مستفيدا من مكتسبات مدرسة الشكلايين الروس في هذا السياق التي كانت أول من طرحت مستويات متعددة لمختلف أشكال الخطابات  السردية في أبعادها المختلفة بإعتبار أن رواية ” تيميمون ” تعتمد على بنية سردية الحاضر فيها يحيل لموقع السارد الخارج نصي أي الرواي وهو في صحراء تيميمون يستعيد سنوات الطفولة بقسنطينة يستدعيها السرد التابع الذين يدين لمرجع هو الماضي يستقي منه كل قيمه المرجعية ويلاحظ الناقد حضورا قويا ولا فتا للنظر هو السرد المكرر في هذه الرواية ولإثبات هذه الظاهرة الأسلوبية يقدم الناقد أمثلة عن ذلك من المقاطع السردية التي تتكرر فيها جمل وملفوظات بعينها تخضع أحيانا لبعض التحويرات الطفيفة حيث أنها تقوم كما يرى بوطاجين ” بوظائف تأكيدية لجمل أو مفاتيح قامت عليها الرواية ” (06) وهي ملاحظة  نعتقد أنها في محلها لأن ظاهرة السرد المكرر تكاد تشكل خصوصية أسلوبية عند رشيد بوجدرة في جل أعماله الروائية بدءا من روايته الأولى ” التطليق ” من دون أن يغفل الناقد عن ظواهر أسلوبية أخرى في ” تيميمون ” كالسرعة السردية مثلا التي تتحدد بالعلاقة بين ” مدة هي مدة الحكاية محكومة بالثواني والدقائق والساعات والأيام والشهور وطول هو طول النص مقياسه السطور والصفحات بما يطرأ على نسق السرد وإيقاعه ” (07)الأمر الذي قاده إلى تأمل ذلك بوصفه جزءا من من خطاب سردي كنوع من التسريد أو خطاب  مسرد ” تتحول فيه أقوال الشخصية إلى حدث أو عمل يعرضه الراوي مثل سائر الأحداث والأعمال ” (08) إذ يعتبر بوطاجين رواية ” تيميمون ” إمتدادا لأعمال الكاتب الأخرى الروائية لإعتمادها كما يرى ” على التناص الداخلي بأنواعه وجزئياته ” (09)التناص الذي يتجنب السعيد بوطاجين إستخدامه أو إستثمار أدواته ويوظف بدلا عنه مفاهيما أخرى كالسرد المكرر والتأسلب والتمشهد والتأسرد وغيرها من حيث أنه تناص داخلي ولا يشير إلى تقاطعات مع نصوص أخرى لكتاب آخرين مما يجعل هذا النوع من التناص على ما يرى بوطاجين ” بحاجة إلى مزيد من الدقة لإبراز خصوصيات النص ” (10) الخصوصيات الأسلوبية على وجه التحديد لقد بدا   واضحا أيضا أن تجربة الروائي الحبيب السائح في تحولاته الجديدة قد فرضت نفسها بقوة أيضا  في الفضاء النقدي الجزائري بحكم التجريب اللغوي الذي يمارسه الروائي لعله يرمم بعض ما كسرته الإيديولوجيا والإمتلاء الآخرين الذين تنكروا له بعد صدمة ” زمن النمرود ” أو لغة اللغة وكان لا بد للسعيد بوطاجين أن يتوقف عند هذه التجربة في طبعتها الجديدة وإحتفاءها بالعنصر اللغوي كرافد أساسي ومهم في ” ذاك الحنين ” وفي تماسخت دم النسيان ” وهي تتسم  ” بإزدواجية إنتماءها إنتماء للواقع لأنه مادة السرد وانتماء للغة لأنها تقوم بفعل إبلاغي له مرجعية واقعية أو شبه واقعية ” (11)فيستخلص الناقد إنفتاح ” ذاك الحنين ” على مكونات ثقافية وفكرية متعددة المشارب والمناهل تستقي قيمها المرجعية من ثراء الذاكرة القرائية للروائي يذكر منها  القرآن والكتاب المقدس والشعر العربي القديم والأسطورة والخرافة والشعر الشعبي والبلاغة وفن المقامات والآداب الأجنبية ومعنى هذا أن” ذاك الحنين ” مثلما أشرنا في مناسبة أخرى *  كانت تشكل لحظة القطيعة مع الكتابة الروائية الواقعية المنخرطة في الهم الإيديولوجي الذي كان السائح أحد ممثليه قطيعة تجلت على وجه الخصوص في كثافة لغة السائح الروائية وانفجارها الدلالي والمجازي وانفتاحها على مكونات الحلم والشوق والموت والعوالم الصوفية والغرائبية في بعدها الأنتروبولوجي البحت ” وعليه يؤكد أن السارد ” يمزج بين عناصر مختلفة مشكلا أحداثا وحالات لأن اللغة في تشكلاتها تصبح هي الحدث مقارنة بالاحداث الروائية التي تجئ خافتة وبسيطة ولا تلفت الإنتباه ” (12)ليستخلص  أن هذا ” العدول الأسلوبي ” ” الغاية الأساسية التي توخاها السارد بالنظر إلى كيفية التعامل مع المكونات الأخرى كالزمان والمكان والشخصيات ” (13) والسؤال الذي ينبغي أن يطرح وفقا لهذا المنظور ما معنى أن تلقي اللغة بظلالها على عناصر التشكيل الروائي مجتمعة وهل يمكن لشحنة اللغة ومفعولها السحري أن تعوض وحدها القارئ العادي عن ” المتعة النصوصية ” بتعبير رولان بارت التي يبحث عنها قارئ عادي بين فصوص الرواية ….قارئ لا حول له ولا قوة ولم يمتلئ بعد بمركزية اللغة وبالأسئلة العميقة التي تسكن تجاويفها …هل يمكن القول مثلا أن السائح وفقا لهذا ” العدول الأسلوبي ” بتعبير بوطاجين الذي يتوخاه في تجربة الروائية الجديدة هوروائي  يكتب لقارئ مستقبلي أو أنه يستدعي نوع خاص من القراء هو بصدد التشكل والحلول اللغوي  لا أملك في الواقع أجوبة فالقيم التي يتأسس عليها النقد الأدبي المعاصر كما أعتقد قيم تتجنب الإجابات القطعية إني أثير أسئلة فقط رغبة مني في مزيد من إثارة الأسئلة حول راهن الرواية الجزائرية وا علاقتها باللغة كتجل لساني إلى حد الخروج عن الإملاءات المرجعية أو ” وهم المرجع ” الذي يناهضه السعيد بوطاجين ومن نافلة القول أن السعيد بوطاجين لا يميز أبدا بين روائي من جيل وآخر من الجيل الذي يليه ولا بين روائي يكتب باللغة العربية وآخر يكتب باللغة الفرنسية ولا بين القصة والرواية بالنظر للسلطة الرمزية التي أصبحت تتربع عليها الرواية خلافا للقصة القصيرة  بدليل أنه جمع في كتابه ” السرد ووهم المرجع ” بين مالك حداد ورشيد بوجدرة  وعبد الحميد بن هدوقة والحبيب السائح وعمار بلحسن لقد حاول مرة أخرى البحث عن خصائص ” شعرية السرد في رواية غدا يوم جديد ” لعبد الحميد بن هدوقة وهو بهذا يريد إستكمال إثارة سؤال الكتابة الروائية في ” غدا يوم جديد ” الذي كان قد دشنه بإصداره لكتاب نقدي مهم سماه ” الإشتغال العاملي ..دراسة سيميائية لغدا يوم جديد ” إستثمر فيها بروح علمية بعض مكاسب النظرية السيميائية السردية التي إقترحها غريماس وشكلت ما يشبه الهوية النقدية لنقاد آخرين  على غرار جوزيف كورتيس وجون كلود كوكي وكلود بريمون إستفادوا من الإرث الغريماسي في حقل السيميائيات السردية بصورتها العلمية التقشفية الصارمة في بدايات عطاءاتها وأصبجوا يشكلون فيما بعد ما يعرف بمدرسة باريس للسيميائية مقترحا ملامسة حدود  “الأدوار العاملية ” لبعض الفواعل السردية ولأن السعيد بوطاجين قاص في المقام الأول ويعرف حدود اللعبة السردية أو البرامج السردية المعاشة أو المتخيلة في الرواية وليس مجرد باحث جامعي من أولئك الباحثين الذين يحلوا لهم تقديم تطبيقات نقدية مشوهة يغلب عليها الجانب التقني المتماثل مع ثقافة الإلزام المدرسية التي ينصاع لها الباحث دون فعالية إنتاجية تذكر نتيجة الخلط المفاهيمي المتولد عن غياب الإطار النظري  والسياقات المعرفية كفضاء إبستيمي لنشأة النظرية وتشكلها وكمرحلة أولى إفتتح الدراسة بضرورة التنبيه إلى أنه ” سوف يتفادى التحليلات الآلية المائلة إلى حفظ النظريات ونقدها فوقيا ” (14) لتجاوز ما يسميه ” بالمعيارية الآنية كنتيجة ذات علاقات سببية لبنى معرفية أصلية أسهمت في إنتاجها ” (15) إلى الدرجة التي جعلته يلجأ إلى إختيار بعض الترجمات المصطلحية التي قدر أنها من الدقة بمكان مستعينا ببعض أعمال عبد السلام المسدي وسمير المرزوقي وجميل شاكر وميشال شريم وفي بعض الأحيان يقول ” كنت ألجأ إلى الشرح من خلال إستعمال جمل كاملة تهدف إلى تقريب المعنى من المتلقي ” (16) ومما يمكن التأكيد عليه وهو يستكمل ملف الكتابة الروائية في ” غدا يوم جديد ” في بحثه عن شعرية السرد الإشارة أنه  لا يتوخى من ذلك الحفر في باطن اللغة الشاعرية في معناها السائد والنمطي فما يعنيه بشعرية السرد هو أدبيته أي ما يجعل الأدب أدبا بالمعنى الذي يحدده تودوروف في كتابه ” الشعرية ” فيسائل في هذه الرواية حركة الشخوص والبرامج السردية التي تتجلى عبر مستويات السرد محددا أهم المستويات وأكثر شيوعا كالسرد المكرر والسرد المؤلف والسرد التابع والسرد المتقدم من دون التغاضي عن بعض الفجوات السردية القائمة بفعل إهتمام السارد كما يرى ” بالأنواع الخطابية الناقلة لكيفية تشكل المشهد قصد الإقتصاد السردي أو البحث عن طريقة لتفادي التضخمات النصية ” (17) بالإعتماد على بعض مفاهيم جيرار جينيت في علم السرد من خلال ” المسافة أو المنظور ” بوصفه مبحثا من مباحث الصيغة ” يخص العلاقة بين السرد والحكاية يتم إنطلاقا منه التبئير ” (18) للنظر للعالم الروائي من زوايا عدة  ولم يقتصر جهد الناقد التحليلي على الرواية فقط بل خصص أيضا للقصة الجزائرية المعاصرة نصيبا من تناوله النقدي لقد قدم السعيد بوطاجين مقاربتين الأولى خص بها تجربة عمار بلحسن القصصية عبر مجاميعه الثلاث التي تركها ” حرائق البحر – الأصوات – فوانيس ” والثانية تناول فيها بالنقد والتحليل المجموعة القصصية الأخيرة للروائي المرحوم عبد الحميد بن هدوقة ” ذكريات وجراح ” إذ يفضل الناقد مفهوم الكتابة السردية بدلا من الفصصية وهويحاول إضاءة الجوانب الداجية في المنجز القصصي لعمار بلحسن حيث يضع العنوان التالي ” عمار بلحسن والكتابة السردية ” رغم أنه يعلم مثلما نعرف جميعا أن القاص والسوسيولوجي عمار بلحسن لم يكتب الرواية إطلاقا وظل وفيا على عمره القصير لمحبوبته القصة القصيرة وهذا يعني أن الدكتورالسعيد بوطاجين  يصر إصراره المحموم على الإنتصار لرؤياه في معرفة السرد عموما دون تمييز معياري بين القصة والرواية إنطلاقا من قوانين العرض والطلب والتداول الإعلامي والنقدي السائد أو التكريس لأجناس أدبية محددة دون أخرى معرفة السرد التي أكد عليها في مقدمة كتابه ” السرد ووهم المرجع ” بوصفها المحور العام الذي تأسس عليه الكتابة السردية عموما ومرتكزها الأساسي فيلاحظ إختلافا فارقا بين المجموعات القصصية الثلاث من حيث أدوات المعالجة الفنية والبناء السردي والتصوير الفني ففي الوقت الذي يحاول فيه الكشف على إعتماد حرائق البحر  على سرد” تمثيلي يتميز بغلبة الحوار الناقل  للأحداث اللفظية أو إستحضار بعض أجزاء الخطاب لفظا ومعنى بإتباع الحرفية أو تحيين الأصول عن طريق الإسناد أو التأكيد على التفاوت اللفظي والأسلوبي بين الشخصيات لتجسيد وهم الواقعية ” ( 19 ) أو ” وهم المرجع ” مثلما يسميه ويتحفظ الناقد كثيرا على الجانب السائد الذي درجت عليه القصة الجزائرية المعاصرة وهي تتكئ على محمول إيديولوجي شبه واقعي نقل إلى نصوصنا السردية بحرفية ساذجة على الرغم من أنه لا  لا يخلوا أبدا أي نص من أي ملمح إيديولوجي كيف ما كان شكل هذه الإيديولوجيا كون ” الإيديولوجيا هي المعنى المعاش والإنعكاس الممارس لمختلف العلاقات التي يقيمها الإنسان مع سائر الناس في الأشكال الأدبية أو القانونية والسياسية ” (20)وهي موجودة شئنا أم أبينا ” كممارسة سيميائية مباشرة ومتجلية من خلال سند لساني أو أي سند آخر تسنينا سابقا على التجلي النصي ” (21)وعليه لان  يمكن أن يخلوا أي نص من أي تجل ما قبل نصي أو أدوار عرضية سابقة على النص الإبداعي تعمل على حث القارئ الناقد على ماسميه أمبيرتو إيكو ” التعاضد التأويلي للنصوص ” أي أن يستخرج من النص الإبداعي المضمر فيه والمغيب من أجل قراءة البياض الذي تركه الناص أو مساحات التشفير الرمزي والدلالي في تناصها مع المواقف الإيديولوجية للكاتب في إرتباطها بالمكون الإيديولوجي الذي يؤمن به ومن هذه الزاوية يذكر السعيد بوطاجين القارئ أنه لا يريد ” الإساءة إلى حرائق البحر إنما يقصد إيجاد تعليل يؤطر المنطق السردي للتفريق بين الإلزام والإلتزام بين الموقف الإيديولوجي والشكل الناقل له ” (22) وهو يعتقد أن ” الأشكال التعبيرية بما في ذلك السرد تقوم بوظيفة الإرتقاء بالواقع إلى مستوى الفن ” (23) كي لا تصطدم المغامرة الإبداعية بما تسميه روبين سليمان ” ثأر الكتابة ” نتيجة إمحاء الأثر الجمالي وهيمنة المكون الإيديولوجي كمكون مرجعي على بعض الصيغ والملفوظات الحوارية والسردية والمعجمية والنحوية الناقلة للمادة القصصية ولأن السعيد بوطاجين أبعد ما يكون عن التعميم  فهو يشيد كثيرا ببعض إبداعية عمار بلحسن من جوانب أخرى مثال ذلك ” المقاطع السردية المعتمدة على الوصف أكثر من إعتمادها على الفعل نتيجة طابعها المشهدي الخافت ” (24)الأمرالذي يحيل  في تصوره إلى وجود ” فروقات إبلاغية مدروسة بعناية شديدة ” (25) ولا يتوقف عند هذا الحد بل يسجل بروح الموضوعية التي يتحلى بها إعجابه الشديد بالنضج النسبي للكتابة القصصية عند عمار بلحسن في مجموعته القصصية الثانية ” الأصوات “عندما يعاين ” إدراك القاص للمواد المسرودة وللأشكال الواصفة ” (26) مثلما يرى أن هناك إختلافا جذريا وعميقا بين هاتين المجموعتين القصصيتين ومجموعة القاص الأخيرة ” فوانيس ” على الرغم من القاسم المشترك الذي يوحد بينهم وهو اللغة الشاعرية فيتبين للناقد ” أنها تتعمق أكثر وغالبا ما يكون ضمير الأنا النقطة البؤرية التي تنسج حولها الملفوظات ” (27) ونتيجة لذلك يرصد بوطاجين كيف يتجلى في ” فوانيس ” أكثر مفهوم القصة – القصيدة حيث ” ستتخلى عن عنصري الزمان والمكان لأنها تقترب من الإعترافات ذات المرجعية الواحدة والرؤية الواحدة للمادة المسرودة ” (28) من دون أن يحاول طرحها بديلا أو جنسا جديدا لإختراقها الشكلي الشبه إجناسي أو ” لإعتمادها على التكثيف والوجازة والحجم الزمني وغلبة الطابع السردي ” (29) وفيما أتصور  أن   ماذهب إليه السعيد بوطاجين هو أمروجيه و لا يختلف فيه إثنان إلا اني  أرى أن هناك نصوص قصصية قليلة في ” فوانيس ” لا تتخلى فيها القصة عن عنصرالمكان مثل ” واريس ” و” التنين ” كجزء من البنية الفنية للنص أو كبؤر مركزية أو ” لواحق منظورية ” بتعبير الناقد الأمريكي دافيد هيرش فبعض الفضاءات المكانية على غرار مقهى المنصورة وساحة فرانز فانون وشرفة المقهى الثري تيمقاد وحانة البراستول وحاسي الرمل وأبواب بلاد العطش القاحلة كما جاء في قصة” التنين ” تظل محافظة على هوية النص والمنظور الرؤيوي لكاتبه حرصا من القاص على تقديم نص إبداعي يمثله ويعبر عن خصوصية الفضاء الذي شكل ذاكرته بما تنطوي عليه من دلالات نفسية وسوسيولوجية ورغم أن كتاب ” السرد ووهم المرجع ” هو كتاب في النقد الأدبي النصوصي تناول فيه السعيد بوطاجين كما رأينا عددا متنوعا من النصوص السردية من زاوية علم السرد أو السرديات فإننا نلاحظ في هذا الكتاب إنبثاق مسحة نقدية هي أقرب إلى النقد الثقافي منها إلى النقد الأدبي النصوصي في مقاربته الأخيرة ” الرواية غدا ” رغم أن الناقد لا يصرح بذلك في هذه المقاربة تتجلى بوضوح مسألة ” وهم المرجع ” التي يناهضها السعيد بوطاجين من حيث أنه يركز على نقد مرجعيات الكتابة الروائية ونقد المرجعيات أو النقد المرجعي كما هو معلوم هو فرع من فروع النقد الثقافي ” الذي يتعامل مع النصوص الأدبية في سياقاتها التي أنتجت فيها بمعاملة النص على أنه علامة ثقافية قبل أن يكون مكونا جماليا تتحدد دلالتها أي العلامة الثقافية من خلال سياق المؤلف وسياق القارئ المؤول أو المتلقي لها ” (30) في إطار ” وصل القارئ بالمقروء ” بتعبير الجابري من خلال المرجع الذي تستند إليه الكتابة كبعد سوسيو ثقافي لمساءلة بنيات النص المرجعية وأنظمة تشكل الخطاب الإبداعي لملامسة أنساق مرجعياته وربما هذا ما قاد السعيد بوطاجين إلى نقد مرجعيات الكتابة الروائية والتساؤل عما قدمته من إضافات نوعية للرواية الجزائرية وللسرديات العربية على الرغم من عدم إيمان الناقد بمجايلة حقيقية تستند إلى فروقات معرفية أو حساسية إبداعية أو جمالية أو فلسفية تشكل تيارا أدبيا بالمعنى الجذري  لمفهوم التيار الأدبي له خصوصياته الجمالية والإبداعية التي تتطلب مثل هذه المجايلة على الصعيد المفهومي النظري من حيث أن المرجع الواقعي الذي بنى عليه بعض الروائيين من الجيل الجديد نقدهم  للرواية الجزائرية المكتوبة في فترة السبعينيات من القرن المنصرم الملتبسة بالنضال الإيديولوجي والصراع الطبقي والإمتلاء بالآخرين وهمومهم على صعيد الملفوظ الروائي ومناهضتهم لها ولمساراتها يعاد إنتاجه الآن بكيفية آخرى بوصفه مرجعا أو دالا آخر أصبح يشكل وهما جديدا يعمل  على تقييد أحادية المعنى بما يعني من إنبثاق مركزية أخرى للنص الروائي الجزائري مرجعها الواقع السياسي والإقتصادي والأمني الذي عرفته الجزائربعد أحداث أكتوبر 1988 بفعل وجود عدد محدد من السرود الروائية الصادرة في السنوات الأخيرة لم تستطع التخلص من ” الصناعة الظرفية للمتخيل الروائي ” بتعبير آمنة بالعلى ومن مزالق السقوط في لغة الروبورتاج الصحفي لهيمنة موضوع الأزمة الأمنية والسياسية على حركة الشخوص والتشكيل الروائي وهي ذات الأهداف والمقاصد التي حذر منها السعيد بوطاجين ” للمتخيل في مقاربة  الأزمة إبداعيا ولإمكانية إنبثاق معنى آخر غير المعنى المكدس في   في الطرقات ” (31) لتفادي الخلط المفهومي بين المجتمع التخييلي للرواية وهو مجتمع له شروطه الخاصة  والمجتمع الخارجي الذي يعرفه القراء ولا يحتاج إلى جهد للتعرف عليه  إنها رؤية أو ممارسة نقدية لم يكن يهدف من خلالها السعيد بوطاجين إلى الإنحياز لجهة أو منظور معين بقدر ما كان يريد أن ينتصر لرؤياه النقدية وقناعاته في الكتابة والإبداع ونقد كافة المرجعيات أيا كان شكلها وخلخلته للسائد والنمطي بحثا عن المعنى المتبقي أو المحتجب أو ” المسكوت عنه ” من مراجع الكتابة الروائية ومحمولاتها الأداتية والواقعية  في حدود وسياقات مختلف التجارب الإبداعية السابقة منها أو الراهنة وما أنتجته في زمنها وبيئتها من منظومات إبداعية مختلفة نسبيا عن ما عداها وهذا أمر طبيعي جدا في كل عصر وفي فضاء ثقافي

 

إحالات

01 )السرد ووهم المرجع – السعيد بوطاجين – الطبعة الأولى – ص05 – منشورات الإختلاف – الجزائر 2005

02 )نفس المصدر ص 06

03)نفس المصدر ص 14

04)الخطاب السردي نظرية غريماس – محمد ناصر العجيمي – ص 30 الدار العربية للكتاب تونس 1993

 05 )السرد ووهم المرجع مصدر مذكور ص 22

06) نفس المصدر ص 32

07 )معجم السرديات – إشراف محمد القاضي ص 254 منشورات الرابطة الدولية للناشرين المتحدين – الطبعة الأولى 2010

08) نفس المصدر ص 90  

09) السرد ووهم المرجع مصدر مذكور ص 63

10) نفس المصدر ص 37

11) نفس المصدر ص 43

* نشير هنا إلى مقالنا تيمة الموت في” الموت بالتقسيط ” للحبيب السائح قراءة في” محيط النص ” ملحق اليوم الأدبي جريدة اليوم الصادر يوم 04 – 11- 20013

12)السرد ووهم المرجع مصدر مذكور ص 50

13) نفس  المصدر ص 50

14)  الإشتغال العاملي دراسة سيميائية غدا يوم جديد لإبن هدوقة عينة – ص07 08    منشورات الإحتلاف الجزائر 2000  

15) نفس المصدر ص 08

16) نفس المصدر 09

17)  السرد ووهم المرجع مصدرمذكور ص 134

18)   معجم السرديات مصدر مذكور ص 426

19) السرد ووهم المرجع مصدر مذكور ص 149

20)الأدب والإيديولوجيا – عمار بلحسن – ص 19 20 المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر 1984

21) النص السردي نحو سيميائيات للإيديولوجيا – السعيد بن كراد ص 50- دار الأمان الرباط 1996

22) السرد ووهم المرجع – مصدر مذكور ص 150

23) نفس  المصدر ص 150

24)  نفس المصدر ص 153

25) نفس المصدر  المصدر ص 153

26) نفس المصدر ص 154

27) نفس المصدر  المصدر ص 156

28) نفس المصدر ص 156

29) الكتابة عبر النوعية – مقالات في ظاهرة القصة – القصيدة ونصوص مختارة -  أدوارد الخراط – دار الآداب بيروت 1994 ص 10

30) تعارضات المركز والهامش عبد الله إبراهيم نموذجا – غزلان هاشمي – ص 21 منشورات دار نيبور العراق 2013

31) السرد ووهم المرجع مصدر مذكور ص  184

 

 

حداثة  الكتابة الروائية  في رواية  ” أعوذ بالله ” للسعيد بوطاجين  / بقلم د مخلوف عامر*

 

لا يمكن مقاربة مفهوم الحداثة إلا قياسا على ما مضى مما لا نَعدّه من الحداثة. فإذا تعلق الأمر بالكتابة الروائية تحديدا، فالمقصود مما مضى هو العمود الروائي الكلاسيكي الذي استمر ردحا من الزمن يتأسَّس على قواعد ثابتة تثبِّتُ المتلقي -بدوْره- في التعاطي مع ضرب من الكتابة أَلِفها واستأنس بها، وقد يتوقع ما يجري في وسطها من بدايتها، أو يتوقع نهايتها من وسطها من غير أن يبذل جهدا كبيرا، ثم يغادر المقروءَ ويتركه مُغْلقا دون أن يثير لديْه أسئلة محيِّرة. إنه يؤدي دور المستهلِك وكفى.

*د مخلوف عامر ناقد وأستاذ جامعي

فأما المتلقي أمام رواية تستحق أن توصف بالحداثية فهو مضطر إلى أن يصبح مشاركا في الإنتاج على مستويات، يضطر فيها إلى تجاوز عتبة الفهم التي- بدونها- قد ينفر من العمل الأدبي فلا يقربه أصلا. ويقتضي منه الفهم أن يعيد ترتيب الأثاث الروائي وقد تشوَّش بفعل خلخلة التسلسل الزمني والإيهام المكاني وضرورة فكِّ الشفرات الدالة الفلسفية منها والمجازية. إنه يدخل عالما جديدا أو غريبا أو عجيبا ويسعى إلى اكتشافه. وقد تكون لذّة الاكتشاف حافزا لديه ليواصل القراءة ويعيدها مرات ومرات. ذلك ما حدث معي وأنا أُعيد قراءة “أعوذ بالله”.

الرواية الجزائرية عند نشأتها في سبعينيات القرن الماضي اصطدمت بالتقاطب بيْن المعسكريْن الرأسمالي والاشتراكي. ولما كانت البلاد قد خرجت من حرب وانحازت إلى القطب الاشتراكي كان طبيعيا أن يحتل الخطاب الجديد مركز الصدارة. فاشترك الكاتب والقارئ كلاهما في خطاب سياسي/ أيديولوجي يجعل الأول يدسُّ في عمله رسالة تبليغية والثاني يبحث عن نفسه فيها. وبين هذا وذاك غالبا ما تغيب أدبية الأدب فيسقط في المباشرة والتقريرية، علما بأن خصوصية هذا النشاط الإنساني لم تكن خافية منذ القديم من حيث إن التشويق وتوفير المتعة أمر لا مشاحَّة فيه. فقد أدرك “ابن طفيْل”أن الكتابة الفلسفية جافَّة ومتعبة وقد تكون منفِّرة إذا هو لم يطعِّمْها بما يثير المتلقي ويحمله على متابعة القراءة فصرَّح في نهاية كتابه “حي بن يقظان” قائلا: “وأنا أسأل إخواني الواقفين على هذا الكلام، أن يقبلوا عذري فيما تساهلتُ في تبيينه وتسامحت في تثبيته، فلم أفعل ذلك إلا لأني تسنمت شواهق يزل الطرف عن مرآها. وأردت تقريب الكلام فيها على وجه الترغيب والتشويق في دخول الطريق”.(0)

كانت الذات الكاتبة تختفي خلف صراخ الخطاب، وكثيرا ما كانت الخطابات متشابهة، ثم ما هي إلا فترة وجيزة حتى بدأنا نلحظ نزعة تجديدية في الكتابة، تمنح الذات مركزا محوريا في عملية الكتابة وتنحو إلى انتشال العمل الأدبي من الفجاجة والتقرير. وإن جنح بعضها إلى التسرُّع أو إلى انطوائية يغلِّفها الإبهام.

إنَّ هذه النقلة النوعية قد ارتبطت بالتحولات الجارية في العالم وبما تسرَّب إلينا من المدارس الأدبية المعاصرة مما دعا كثيرين إلى مراجعة مفهوم الأدب وعلاقته بالمجتمع ووظيفته الالتزامية التي سادت في الفترة السابقة.

استمر إلى جانب هذا الميْل ضرب من الكتابة لم يتخلَّص من النظرة الموْروثة، بل عاد بعضهم في تسعينيات القرن الماضي إلى التقريرية والتسطيح، ما أدى إلى ظهور الحديث عن الأدب الاستعجالي. قد يُفسر ذلك بقساوة الفظائع والمشاهد المروِّعة التي عرفتها البلاد مما لا يَقْدر الخيال على تصويره ، كما يمكن ردُّه في كثير من الحالات إلى زمن الهجرة إلى الرواية من حيث هي جنس أدبي يصلح جسرا للعبور إلى شاطئ الشهرة.

ومهما يكن، فقد كان للدراسات النقدية المعاصرة أثرها في تغيير المسار السابق فهما وممارسة، بالنسبة للمؤلف والمتلقي على حد سواء، ولم تقتصر على المتن وحده، بل صارت تولي عناية كبيرة لما يحيط بالمتن، لأنه لم يوضع اعتباطا أو من المفروض ألاَّ يكون كذلك. وفي مقدمتها العنوان الذي يختزل النص وقد يكون مفتاحا له، كلاهما يحيل على الآخر.

«وتكمن أهمية العنوان فيما ينهض به من وظائف وما يؤديه من أدوار في مستوى البناء النصي والتشكيل الجمالي لأنساق الخطاب ودلالاته فهو”النواة المتحركة التي خاط عليها المؤلف نسيجا للنص وهو للقارئ مفتاح تأويلي غنى عنه لفكِّ شفرات النص وفكِّ مغالقه.”(0)

ظاهرة العَنْونة لدى “السعيد بوطاجين” لافتة للانتباه بشكل واضح. قد تؤدي دورا إعلاميا وإشهاريا ولكنها لا تبقى في هذه الحدود. إذ لا يمكن الوقوف على دلالتها إلا من خلال النص. عناوينه المعروفة “حدث لي غدا” أو “اللعنة عليكم جميعا” أو “وفاة الرجل الميت” كل منها يلقي بظلاله على النص، وإن هي بدتْ للقارئ التقليدي عبثا باللغة وخروجا عن منطق القواعد.

روايته”أعوذ بالله”، لا تخرج عن طريقته في خرْق المألوف. على الرغم من أنه عنوان تراثي من صلب التاريخ العربي الإسلامي، بل من أقدس مقدساته. “فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرجيم”(0). و«إذا أكلتَ فسمِّ بالله”.

لكنه لا يورد العبارة كاملة”أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”، وإنما يكتفي بالقسم الأول منها. لأن الباقي معروف متداول، “ثم ما لا تراه لا يعني أنه لا يوجد. الموجود بالغياب أيضا”. وهو لا يدَّعي أنك أمام نص مقدس بمستوى القرآن، بل يلتقط اللحظة التي يتلفَّظ فيها المرء بهذه العبارة في حياته اليومية حين تأتي مقرونة بما يدعو إلى الرفض والنفور، مما يدخل في باب الشر والشيْطنة، ولا يملك حينها إلا أن يستجير بالله ويحتمي به.

فهناك فريق يعوذ بالله ويلجأ إليه، وفريق- بالمقابل- نقيض يُستعاذ منه. تُبْنـى الرواية على هذيْن النقيضيْن، فَيَقْبضان على مفاصلها من البداية إلى النهاية.

 


 

يرحل بنا الكاتب إلى عمق الصحراء، إلى الفضاء الأرحب حيث السكينة والهدوء، أيْن يمكن للإنسان أن يخلو فيه إلى ذاته أو إلى خالقه، إلى حيث يستطيع أن يتأمل الكوْن ويتدبَّر عواقب الأمور، وكأنه جبل “ابن خفاجة”:

وقور على ظهر الفلاة كأنه طوال الليالي مفكر بالعواقب

فهو لم يعد يطيق دياثة الشمال، ولا يريد أن يبقى في موقع حَلَّ فيه السياسي المتهوِّر محل الكاتب الأنيق، “هل هذه سياسة؟ اللعنة… اللعنة… اللعنة…. ها قد حل السياسي المتهوِّر محل الكاتب الأنيق. ساستنا أكياس من الزبل. أما الكاتب أنا، فلا علاقة لي بأكياس الزبل لأني لا أعرف إلا الاستعارات الحية التي غمرت شرفتي بالبهجة. أنا حفيد البلاغة، لذا يمَّمتُ شطر الصحراء”. الرواية، ص:12.

كانوا أربعة وخامسهم دليلهم، هي شخصيات الرواية تصحبه، يوزع جسمه في جسومها، بل روحه في أرواحها، فيصبح مفردا بصيغة الجمع أو جمعا بصيغة المفرد، وكأنه يجسد قصة العصفورة. “مرة قالت عصفورة لابنتها: كم نحن؟ فقالت: اثنتان، جاء النسر وأكل الاثنتيْن فأصبح الثلاثة واحدا والواحد ثلاثة”.(0)

وهو لا يخفي ما أصابه في الشمال الذي لم يعد موطنا للحياة فعزم على الحج إلى مكان أصفى وأنقى.

«يا سادتي قصدت المقام حاجا. اهترأت عظامي في شمالهم وشمالكم. وددتُ معرفة الأرض كما ولدت. من يومها الأول إلى يومها السادس. ليس هذا فقط نذرت على نفسي البحث عن مكان يشبه طوري الأول، عندما كنت بدائيا، أنتقل من كهف إلى كهف وأغني بعفوية، أقفز من حجر إلى حجر ممتلئا بالحياة قانعا بقدري”(0)

فالصحراء المكان، هي اللّامكان في آن، إذ المكان الحقيقي إنما هو في الذهن وفي القلب، إنه المخيِّلة التي لا تَحدُّها حدود. يختار من الصحراء على شساعتها منطقة

“عين” وكأنه يتجاوز العقل إلى العين البصيرة. لأن العقل وحده لا يجيب عن كل الأسئلة المُحيِّرة. ولا نكتشف إلا في الأسطر الأخيرة من الرواية، أنه إنما كان في المشفى، في حالة غيبوبة، حالة الكتابة عندما تلعب المخيلة لعبتها فيهجر بيت اللحم الذي لوَّثتْه أَدْران الواقع الشمالي المزيَّف ويخترق جدران المشفى ليرحل بعيدا يبحث عن النقاوة والصفاء.

تشير الأرقام- أدناه- إلى التسلسل في الرواية بينما تشير الحروف إلى تسلسلها الزمني. إذ من المفروض أن مرحلة الطفولة التي يروي شطرا منها سابقة عن دخوله المشفى. وهذا التنافر الزمني أصبح من سمات الكتابة الروائية الجديدة، ومن شأنه أن يُشوِّش ذهن المتلقي ويقطع عليه حبل التسلسل ما يضطرّه إلى إعادة ترتيب الأحداث، ويعني في المحصِّلة أن الرواية الحداثية تشترط قارئا حداثيا أيضا.

اجتهاد المتلقي في إعادة الترتيب، وتركيزه من أجل فكّ الشفرات المغلقة، نزوعه إلى التأويلات المحتملة مما يجعله منتجا لا متلقّيا سلبيا، لكن ذلك لا يتحقّق إلا إذا كانت طبيعة النص مؤهَّلة لإثارة هذا التفاعل. وإنها ميزة النص المنفتح الذي ينطلق من زمان ومكان ليسبح في كل زمان ومكان. وهي حال”أعوذ باللهّ”. كما أفهمها.

 


لم تكن رحلته إلى الصحراء من أجل السياحة فهو قد ذهب صحبة شخصياته الروائية، بعض منها

يستحق أن يُدرج في الرواية وبعضها الآخر يطرده لأنه بصدد الكتابة التي لا تخلو من صنعة وترتيب وإعادة ترتيب. يطرد السائق لأنه مهذار، منشطر بين مهنته وولائه لمن يحكمه، وهو يريد أن يقطع كل صلة له بالشمال الذي أتعبه. وبما هي رحلة صوفية إبداعية يتعانق فيها المعقول واللامعقول تصبح النخلة لا الزيتونة، هي الشجرة المباركة تتحدث إليه ويحدثها، كما الجمل الذي يستطيع أن يسير أسابيع عديدة دون أكل لأن مخزونه الدهون التي في سنامه. إنه آية في الصبر فإذا أراد الإنسان أن يتشبَّه به، فليكنْ كالكاتب مخزونُه الكُتُب ولتكنْ المعرفة زاده الأبقى، ولا يجدها إلا في مخطوطات العلماء.   يلعب التقابل دورا أساسيا في البناء الروائي سواء بالارتكاز على المكان أو باستحضار طرفيْ الصراع اللذيْن بقدر ما يتداخلان في المتن، بقدر ما يحضران منفصليْن في الذهن.

 الكاتب هو الراوي المحوري ولكنه من حين لآخر يستدعي شخصية من شخصياته فيصبح مرويا له، وقد تختفي الشخصية لتَحُلَّ محلَّها رسالة أو مخطوط. هذا النوع من السرد المُدرج يضفي على الكتابة نوعا من التعقيد يقتضي من القارئ أن يعيد الترتيب ليتمكن من تحريك المتن في رحابة ذهنية.

ثم تأتي المشاهد الغريبة لتزيد الوضع تعقيدا. من الصحراء إلى عين إلى المقبرة إلى نفق الأنفاق إلى محاورة الموتى. هي عملية التجريد التي تقتضيها لحظة الإبداع، الانسلاخ من الجسد للتحليق في عوالم الخيال. يغادر بيت اللحم، ليُحاور الموتى مجرّدين من لحمهم أشباحا وأرواحا، وينتقل من السرد بلسانه أو على لسان الشخصية إلى مَسْرحَة السرد.

وهو نفسه لا يبقى منه إلا ظله، ظلّ يطارد ذبابة ويحرص على ألاَّ يؤذيها ليس لأنه لا يقوى عليها، بل لأنه يُرْفق بأضعف المخلوقات وقد يرى فيها أنيسا لأنه ليس من الجبابرة. يُروى أن الخليفة “المنصور” أزعجته ذبابه فقال: “لماذا خلق الله الذباب؟” وكان في حضرته الإمام “جعفر الصادق” فقـال له: “ليُذلَّ به الجبابرة”.

الغيبوبة هي حلم أو رؤيا ترفعه من الواقع إلى عالم آخر. ولكن هذا الواقع يترك بصماته واضحة. لأن الرواية لا يمكن أن تتنصَّل من محيطها كما الذات الكاتبة لا تستطيع أن تتخلَّص من آثاره. فالكاتب وهو يوهمنا بتجريد الحيز المكاني ويتجاوز ما هو وقتي عابر إلى ما هو زماني ممتد من الأزل إلى الأبد، يبثُّ في ثنايا المكتوب ما يحيلنا على واقع لا تخطئ العيْنُ رؤيتَه حين يقول مثلا: “أما سلطنة بني عريان التي شكَّلها الوندال والبربر وبنو هلال والرومان والبيزنطيون والطراطير والفراعنة والانكشاريون والأتراك والفينيقيون واليهود والقراصنة والعرب والمسلمون والمسيحيون والفرنسيون والملاعق والكسكسي فلم تحرِّك ساكنا لما رأت تاريخها مُهرَّبا في السفن عبر ميناء العاصمة -أشكون-”.

لقد أشرتُ سابقا إلى أن الكتابة الروائية في بداياتها وخصوصا في سبعينيات القرن الماضي، كانت تقدم المضمون الإيديلوجي/ السياسي إلى الواجهة بفعل شيوع الأدب الملتزم يومئذ. فهل يعني ذلك أن الكتابات اللاحقة ومنها “أعوذ بالله” تحديدا، تخلو من أي خطاب مماثل؟

إنه إذا كانت الأيديولوجيا في أبسط تعريفاتها تُعدُّ نسقا من الأفكار والتصورات الدينية والأخلاقية والجمالية – بصرف النظر عن طبيعتها – فإنها تشكل رؤيا للعالَم بتعبير “غولدمان”. وهي سابقة عن عملية الإنتاج الأدبي، وقد لا يكون ـ هذا الأخير – نسخة مطابقة للرؤيا بالنظر إلى طبيعة الإبداع. إذ الدلالة الموضوعية ليست فيما ينويه المؤلف الذي لا يستطيع أن يحدد تأويلات المتلقي ولا في قراءة المتلقي الذي لا يستطيع – بدوْره – أن يؤكِّد مقاصد الكاتب.

«إن الأيديولوجيا تغمرنا وتلفُّنا. تعترينا وتسبقنا حيثما سرنا. تعبرنا وتفكر فينا. تفكر بلغتنا أو نفكر بلغتها. تنعكس على أفعالنا وسلوكاتنا وإحساساتنا وكذا أذواقنا ورؤيانا. كما تلون بأصباغها أقوالنا وأعمالنا بما فيها أعمالنا الأدبية عامة والروائية خاصة حتى في حالة كونها ديالوجية. إذن ما هي الديالوجية؟ إنها تداخل اللغات، وبعبارة أدق، إنها حوار اللغات”.

أيديولوجيا، ها أنت تجد في الرواية الصراع بين الشمال والجنوب، شمال يتباهى بتحضُّر مزيَّف، لا يعرف إلا الحواجز الإسمنتية والقتل والنهب، وجنوب نقي بطبيعته، مسالم، يحب العلم ويحتضن العلماء.

جوهر الرؤيا لدى المؤلف هو هذا التناقض الذي يأخذ مداه وامتداده في الممارسة السياسية، عندما يحتل البطن مكان الرأس لدى أولاد الجيب وفلاسفة الجيب “لأن القلابق لا تهمُّهم الرعية حسب الإشاعات. بل إن هناك من يقولون إن القلابق يهتمون ببطونهم وبطون كلابهم وقططهم وفئرانهم وأبنائهم المدلَّلين ولا ينتبهون إلى الهوة التي راحت تُبعدهم عن العلماء والأكواخ التي لم تعدْ قادرة على الابتسام مرة واحدة في الشهر”.

إنه خطاب زيديولوجي سياسي بامتياز، ولكن كما يرى بعض النقاد، “إن أكثر الأعمال أيديولوجية ما كانت أيديولوجيته أخفى”، لأن “السعيد بوطاجين” يدرك بوعي تام أن الخطاب الأدبي قول مغاير متميز، لذلك يؤسس له على ما تقتضيه خصوصياته فينتشله من التقريرية والتسطيح ليحتجب الخطاب المباشر خلف جدارية فسيفسائية تستوقفك مشاهدها العجيبة أحيانا والمحيّرة أحيانا أخرى بحكم ما تنطوي عليه من أسئلة فلسفية واخزة. “لا توجد فاصلة بين الرمل والزمان، الرمل سماء سنجابية والسماء صحراء ضلَّت طريقها وبقيت معلقة هناك بانتظار أمر ما” “الحكيم يرى الأصل والأحمق يكتفي بالفرع، ومن يعلم ما في الأصل لا تغويه الفروع، الفرع الطيب يحنُّ إلى الجوهر وأما العاق فيصعد في الريح، حتى إذا وهن تذكَّر أنه نسي موطنه، نسي من أين كان يقتات سيتذكر حقيقته متأخرا، عندما يغدو حطبا لليالي الشتاء” “الفرد جمع والجمع فرد إذا استدعى المقام. الكبير صغير والصغير كبير أحيانا. النادر واسع إن أردت وضيق إن أردت. الصفة بالموجود وبالمقارنة. إن لم أكن فما معناك أنت؟ أنت ذكي لأني غبي. وأنا ذكي لأن هناك من هو أغبى مني قليلا أو كثيرا. الخيِّر خيِّر لأن هناك شريرا في الكون. الشرير ليس شريرا دائما، قد يكون خيِّرا في جهة ما”… “الرقعة الجرداء ليست جرداء إلا في العين الجرداء. البيت الخالي يبدو كذلك. قد تكون الديار العامرة فارغة والفارغة عامرة. القليل كثير بالقناعة والكثير قليل عندما تغيب، وعندما تنام وحيدا تعتقد أنك وحدك. لا أحد وحده في الأرض. يحدث أن يكون الواحد جمعا والجمع واحدا، أما إذا عبرت بحيز فارغ فلا تنْسَ أن تسلم عليه حتى لا يعتبرك فراغا عابرا”.

ثم تنصبُّ أفكاره المتزاحمة في لغة مألوفة تبدو غير مألوفة، لغة يتداخل فيها السؤال الفلسفي والسخرية اللاذعة.

ثنائية الشمال – جنوب، تمتد إلى اللغة. وكأن الكاتب صورة من النخلة، هذه الشجرة المباركة، التي تَكرَّر ذكرها في القرآن، تضرب بجذورها في أعماق الرمل، تمتصُّ الماء، فتثمر وتنفع.

لغة الكاتب، تنطبع بهذه الثنائية، حيث يشتبك القديم بالحديث. يستعمل أسماء ليست غريبة عندما يتعلق الأمر بأهل الجنوب (إبراهيم، يوسف، أسعد.. إلخ)، بينما يختار لأهل الشمال أسماء غريبة أو منحوتة وتثير السخرية (القلابق، الطراطير، آية الله خبزنجاني..).

يتعانق القديم والحديث في التراكيب على نحو لا هو قديم محض، ولا حديث محض، لغة ثالثة، إنها لغة “السعيد بوطاجين”، يُعرف بها وتُعرف به. وفيما يلي لا يخفى على القارئ ما يستثمره من التراث ومن القرآن تحديدا ليعطينا هذه اللغة المتفرِّدة.

«وقتل دون أن يخرج أثقاله للقبائل” الرواية، ص: 15، “نأى في عليائه حاسبا أن ماله أخلده” ص: 17 “المراهقات اللائي انتبذن مكانا قصيا اتقاء اللفح” ص: 80 “هلّ الماء دردورا فتذكرتها إذ هزت بجذع النخلة” ص: 87 “جمعت ما يكفي لتزويد السلطنة بإحباط عام يجعلك ترى الناس سكارى وما هم بسكارى” ص: 144.

تتجسد الثنائية أيضا، على مستوى آخر، السخرية والنقد، وكأنه يدعو المتلقي إلى أن يضحك ويفكِّر. فلا مانع أن يجمع المرء بين الضحك والتفكير. “كان جسدي نحيلا جدا لا يرقى إلى مستوى الواحد. كنت ربعا أو أقل” الرواية، ص: 58 “سار في المقدمة شيخ (…) كان نصف دائرة تقريبا” ص: 79 “أنا مشروع رجل. ملخَّص. ما يشبه عنوان نص طويل” ص: 194 “كان اسمي عبد القادر (…) أرى أن اسمك رائع. لكن المشكلة فيه تماما. اسم مركب وطويل. الناس لم يجدوا كيف يسمون زرّيعتهم وأنت تبذِّر الحروف التي ليست ملكا لك. اسم “عبد” وكفى “أما القادر فاتركه للآخرين للجيل القادم” ص: 198.

هكذا، من المشفى وعبر الغيبوبة أو الحلم أو الرؤيا، يحج إلى الصحراء رغم قيْظها ولفحها، قد تبدو فراغا وهو يراها ممتلئة، لأنه ممتلئ حبّا وصفاء، وربما يجعلك تراجع ما تعلَّمته في الصِّغر عن العاطفة الصادقة في الأدب “أو كأنه الوجه الآخر لـ “محي الدين بن عربي” حين يقول:

فالحبُّ في رحلتنا مركب من سَطْوةِ الآلامِ يُنجينا

وفي هجيرِ الصيفِ ظلٌّ لنا من قسوةِ الصحراءِ يحمينا

الحبُّ يا روضتَنا منزل عن نزوات الريـحِ يؤوينا

يلتقي سكان “العين” البصيرة، باحثا عن العقل والمعرفة الكلية، يحاور الهياكل العظمية وينقِّب في مخطوطات العلماء، يبحث عن مكوِّنات الرواية فيحملنا الكاتب على أجنحة الخيال إلى عالم أشبه بجزيرة “الواق واق” أو “جزيرة حي بن يقظان” أو “جزيرة تداعي الحيوانات على الإنسان” لإخوان الصفا. فلا فرق ـ إذن – بين المشفى وفعل الكتابة، بل إن الكتابة – ها هنا – هي المشفى ذاته، فسحة للتطهُّر من أدران ما علق به من واقع موبوء، هي طريقته للخلاص عن طريق الحكْي تماما كما شهرزاد التي ينجيها الحكْي من موت محتوم.

ولما تُكمل المخيِّلةُ دورتها وتكون الذاكرة قد أفرزت مخزونها من الواقع وعْيا، ومن التراث لغة وبلاغة، يفتح عينيْه، فإذا بكتاب عنوانه “أعوذ بالله”، عنوان أراده “أسعد” هذا اللغز أو الولي أو النبي أو الإمام أو الكاتب. ليس المهم أن يكون الواحد في الاثنين أو الاثنان في الواحد، بل الأهم أنه بلغ مدرسة نفق الأنفاق وعلَّمته ألاَّ ينطق عن الهوى ليقول: “أعوذ بالله من صندوق الكذب، أعوذ بالله من القلابق، أعوذ بالله من الدايات والباشوات وأنصار الأعداء. أعوذ بالله من الأمعاء التي لا تستحي. أعوذ بالله من الكرش الذي جعل أعلاها سافلها. أعوذ بالله من الرأس إذا أصبح معدة. أعوذ بالله من شمال يأكل الجنوب”، الرواية ص: 226.

لعل الأمر – فيما نسميه حداثة – يعود في الأصل إلى مفهوم المؤلف لطبيعة الأدب بوصفه نشاطا إنسانيا متميزا، أداته اللغة أساسا، لكنه يستعملها بطريقة تبدو غير عادية.

ما يميز “السعيد بوطاجين” أجواؤه ولغته، سخريته الحكيمة وحكمته الساخرة، أنه يعيش الكتابة لحظة تصوُّفية حيث الذاكرة تستدعي مخزونه الغني من الثقافة التراثية والتاريخية والسياسية. إنه ليس من أولئك الذين يسعوْن إلى أن يكتسبوا صفة “روائي” لمجرد أن تُشْهر على صفحة الغلاف، بل هو كاتب يُقدِّر فعل الكتابة حق قدره، لأنه يعي أن الكتابة أثرُه، هيكلُه العظمي أو روحه أو ظله يوم يغيب، لذلك لا يضع كلمة أو جملة إلا إذا كان لها معنى لمن يسعى ـ حقا ـ إلى إدراك المعنى.

 

للموضوع مراجع..

 

 

السعيد بوطاجين والكتابة الصحفية  محمد بن زيان*

*محمد بن زيان – باحث وناقد جزائري

يحضر اسم سعيد بوطاجين مشحونا بكل دلالات التميز والعطاء، في الدراسات الأكاديمية وفي الابداع السردي وفي الترجمة، وباستثمار كل ذلك التنوع يحضر إعلاميا بمتابعات متواصلة، قارئة وملاحظة للمشهد الحياتي عامة والثقافي خاصة.

الكتابة الصحفية لها عوالمها ولها شيفراتها المتعددة بتعدد خيارات واتجاهات كتابها، وبعض الكتابات الصحفية تتاخم وتتبادل الضيافة مع الجمالي والفكري والمعرفي، وتصبح نصوصها مع وظيفتها الصحفية، نصوص “إمتاع ومؤانسة” بتعبير التوحيدي، وقد نستحضر في هذا السياق كتابات صحفية لمبدعين عرفوا بأعمدتهم وزواياهم في الصحف والمجلات كغارسيا ماركيز ومحمد الماغوط ومحمود درويش وأنسي الحاج ورشيد بوجدرة وبلند الحيدري وبنيس منصور ومحمود السعدني وعمار يزلي والصافي سعيد ونوري الجراح وخالد شنقيطي وجيلالي خلاص ومرزاق بقطاش..

والتوقف عند تجربة بوطاجين في الكتابة الصحفية يصلنا بسياق اقترن بتحولات لا زالت متواصلة من ثمانينيات القرن الماضي، تحولات أثرت على المخيال وعلى تمثلات الذاكرة والتاريخ والراهن، تمثلات الهوياتي والديني والمجتمعي والسياسي والتنموي… وسعيد الذي عايش ما كانت تعرفه الجامعة والوسط الثقافي والأدبي من تفاعلات، تمكن باقتدار من تصريف مفردات التجربة، تصريفا ضمته كتاباته الصحفية.

تجربة سعيد، تجربة ترحال متعدد، ترحال في تضاريس الأمكنة وفي مدارات المعرفة وفي فيوضات الجمال. والترحال هو خاصية المبدع والمثقف المسكون بقلق الانوجاد، قلق يؤجج حرقة الأسئلة ـ بتعبير اللعبي ـ حرقة بروح برومثيوسية تصارع لثقف المعرفة، معرفة مطبوعة بالمحبة، بالأنسنة، بالعلامة المشعة، العلامة التي تهدي إلى رشاد الوجود المشحون ببهجة الجمال وجلال المعرفة.

حضر توقيع كتابة بوطاجين في منابر مختلفة، وكان لحضوره خصوصيته كمبدع وأكاديمي درس العلامات والدلالات على يد أعلامها المكرسين في المحافل العلمية العالمية… وميزة سعيد أنه من الذين تجاوزوا الانحصار داخل الدوائر الأكاديمية المغلقة وبلوروا أداء المثقف كفاعل حاضر بإبداع القيمة والعلامة، إبداعا ينحت من المتحول ومن المتداول، إبداعا يفهم ويفكر الراهن، تفكيرا يحرر من وطأة العابر، تحريرا يحول العابر إلى عبور نحو ما يحقق إمكان الصيرورة الذي يظل محوريا لتحقق الأنسنة فالإنساني صيرورة بتعبير علي شريعتي.

الكتابة في الصحف اقترنت بتيارات أدبية وفكرية وثقافية، كتابة قدمت خدمة متعددة، خدمة للصحف بشحن حمولتها وتعميق نوعية عطائها، وخدمة لمتلقي قد تغرقه تفاصيل الأخبار في المتاهات ففي التفاصيل يقطن الشيطان، كما يقول المثل، ومع الطفرة التي تعرفها وسائط الاتصال والاعلام تدفقت التفاصيل بكيفية تزيح المعنى وتعمم مع التدفق العمى، عمى لن يزاح إلا بما يحقق الإبصار والبصيرة، وذلك اشتغال الكتابة المتأملة العارفة المفكرة والمذكرة، الكتابة التي تخترق العابر لتعبر نحو المعنى. وقدمت خدمة للمعرفي والفكري والأدبي بتوسيع تداولية المفهوم والدال وبتفكيك المبهمات التي تلتبس بالمفهوم. وفي الكتابة الصحفية للمبدع والباحث تحقيقا لحضوره كمثقف، باعتبار الأخير فاعلية ودور أو هو بعبارة بيار بورديو: “منتج الرأسمال الرمزي”.

عندما نفتح أرشيفنا الثقافي والفكري، نرصد التحولات فيما احتوته المنابر الصحفية من نقاشات وسجالات بين المثقفين حول مختلف القضايا والاشكالات، من نقاشات لشرف وحربي وبودية والهاشمي التيجاني ومالك بن نبي عقب الاستقلال إلى نقاشات الثمانينيات حول الهوية واللغة والتاريخ والثقافة مرورا بنقاشات كالتي أثارها شريط ردا على لشرف حول التعريب والمدرسة.. وكان لتلك الكتابات والنقاشات في الصحف أهميتها، مع اعتبارنا لسياقاتها. وسعيد الدارس للعلامات، يفقه العلامة ويموضعها في مواقعها، ويشرك المتلقي المتعدد في ما يرصده وفي ما يقرأه ويتدبره.. ذلك هو الحاضر في كتاباته التي تناولت قضايا مختلفة وتوقفت عند مسائل متنوعة. كتابات متصلة بسعيد المبدع سرديا وبسعيد الدارس للسيميائيات، وبسعيد الناقد المتمرس، وبسعيد المترجم.. كتابات سعيد مزيج تهجيني بين كل تجلياته المذكورة وهبات منه للمتلقي، هبة إشراك قارئه في أسفاره المعرفية وفي رحلاته المتأملة والراصدة.

ومن هبات سعيد أنه يكافح من أجل إزاحة الأوهام والترسيخ لأخلاقيات المعرفة والإبداع بتوقفه المتواصل عند تجارب مبدعين أو بتعريته لبعض ما حجب ويحجب عن تمثل المنطلقات والمقومات المتعلقة بالإبداعي والثقافي أو برحلاته التي يشركنا فيها بوصلنا عبر النص بمحطاتها.

وسعيد من أهم أسمائنا التي تميزت بالكتابة الساخرة في نصوصه السردية، واستثمر ذلك في كتابات صحفية له، وتحقق التقاطع بين سردياته وبعض كتاباته الصحفية في طابع السخرية وفي الهم المحرك للكتابة.

ولا نبالغ إذا نوهنا بسخاء بوطاجين، سخاء حضوره في الصحف كاتبا رغم كثرة انشغالاته كأستاذ جامعي وباحث وناقد ومترجم.. وسخاء توقفه عند كل تجربة إبداعية بعيدا عن الحكام المسبقة أو النزعة الاستبعادية أو الرابطة العصبوية الزبائنية.. سخاء التثمين لكل جهد والاعتراف بالفضل لأهله.. كتب في الأثر مثلا عن أسماء ظلت تشتغل بصمت كمحمد مفلاح ومخلوف عامر وعبد الحميد شكيل..

وأهمية بوطاجين أنه من الجامعيين والمبدعين الذين أدركوا حبكة الكتابة الصحفية ومقتضياتها ومتطلباتها فحققوا مقتضى البلاغة في ما أنجزوه.

 

 

المألوف واللامألوف قراءة في التركيب الساخر في ” وفاة الرجل الميت للسعيد بوطاجين /حفيظة طعام الشامخة*

 

*حفيظة طعام الشامخة – قاصة وباحثة جامعية من الجزائر

تحاول هذه القراءة ,بداية من المنطلق السابق أن ترصد أهم المرتكزات التي أسس عليها الكاتب نصوصه ومنحت الحكي سحرا متفردا وطبعت الكتابة بطابع مختلف فتظهر من خلالها قدرة المبدع على التعبير عن الأشياء البسيطة بتراكيب غير مألوفة  .

1_شعرية السُخرية :

   إن الكتابة بالسخرية من أهم العناصر التي جعلت العديد من النصوص توصف بالتميز والتفرد .فقد رفعت السخرية  في زمت مضى من شأن رواية الدون كيشوت فاستطاعت أن تسجل اسمها ضمن منظمومة أجمل الروايات. واستطاع سرفانتس بفضل الطريقة الساخرة التي انتهجها في الكتابة في إشاعة هذا النوع من الكتابة بين أوساط المبدعين غرضهم من وراء ذلك نقد المجتمع وتحطيم كثير من الأصنام .

ويُعرف جورج لوكاتش السخرية بقوله:”وتدّل السخرية من حيث هي مكون للجنس الأدبي الروائي,على أن الذات المعيارية والمبدعة تنشطر إلى ذاتيتين:إحداهما هي تلك التي تُجابه ,من حيث هي طوية ,القوى المركبة الغريبة عنها ,وتجهد في سبيل جعل محتوياتها نفسها تخيم على عالم غريب ,والأخرى هي التي تكتشف الطابع التجريدي لعالمي الذات والموضوع ,وبالتالي ,طابعها المحدود. 1

   وتتمظهر السخرية في قصص السعيد بوطاجين في مستويات عدة ,كما تنهض على أساس المفارقة الضدّية 2 فكلما ازداد حجم التناقضات في الواقع ازدادت سخرية الكاتب هذا ما يجعله يرحل الى الماضي  ليحتمي به باستحضاره والعيش في ظلال ذكرياته للهروب من الواقع المأساوي الذي يَخنق الذات و يُقوقعها “بين الحلم والذكرى كان الصوت يخترق الذاكرة ليضفي عليها مسحة من الكآبة تجعلني أتشبث بكل شيء ,بالفراغ الممتد حتى الصرخة الأولى حيث بذور الغابة البشرية الآثمة”3

تضيق دائرة الواقع وتتأزم الذات فتصرخ بألم”آه كم أتمنى لو أكون في هذه اللحظة  محموما  في قرية بعيدة/على سرير غريب/وتحت سقف غريب /وامرأة عجوز  لم تقع عيناها علي من قبل /تسألني,وهي تعصر منديلها المبلل فوق جبيني من أي البلاد أنت يا بني ؟فأجيبها والدموع تملأ عيني :/آه يا جدتي ..”4

تطمح هذه المجموعة إلى إضفاء طابع ساخر على الحكاية والمحكي مُوهمة في ظاهرها بأن ما تسرده لا يرقى إلى مجرد قلب في موازين اللغة وقّص غرضه التسلية والضحك ,لكنها على العكس من ذلك تسعى بعمق وذكاء الى توظيف “سياق المفارقة…ليتحول الهزلي عبر قناة القراءة المستمرة والتأويل ,وبعد تفكيك شفرات النص  إلى جاد خالص”5 فالكاتب ينطلق من ذاته ومن واقع مأزوم نخرت قاعدته جهات متعددة برؤوس كثيرة فتحولت الذات إلى لا شيء ويمثل  لها بشخصية عبد الوالو الذي يُنشد الّلانتماء ويعيش في اللّامكان… كل شيء أصبح باهتا ومعدوما حتى المدن أضحت مجرد أجساد تمُارس عليها كل أنواع الرذيلة. يصور عبد الوالو مدينته بقوله:”هذا النعش الفسيح يسمى مدينة” 6 فهي فضاء فارقته الحياة….

وسط هذه الأجواء الموبوءة تشعر الذات بالاختناق فتلوذ بالأحلام كحبل نجاة إلا أن حدّة الأزمة تزيد فتفقد الذات لغتها وطموحها وحتى الكتابة لم تعد تسعفها كطريقة للهروب من عالمها والتعبير عن دواخلها فيصير العالم كتلة من المآسي… يعبر الكاتب عن هذا الموقف ساخرا باكيا:”كل لغات العالم لم تحتوي روحي .وفي هذه الدقيقة تماما اشتقت إلى قلم بأنياب وألفاظ بمخالب حتى أقرض التحيات والأحلام المدسوسة في معطفي ,أصبحت أتوق إلى الكوابيس والمسخ.فماذا لو نهضت من نوم عملاق ووجدت نفسي بأذنين طويلتين وأربع قوائم؟جحشا مهذبا يرعى في التلال والهجرة ,إن جلدي هذا لم يعد يغطي تنهداتي الجاحظة….”7 .

يبدو أن الأزمة بدأت صغيرة ضيقة فردية ثم وطنية لتشمل العروبة كاملة ليجد الفرد نفسه مجرد عربي صُودرت عروبته في غفلة منه فتلاشت الابتسامات كما الأحلام كما الطموحات “فلماذا تريدون مني أن أبتسم في هذا التابوت العربي؟ آسف إني بلا خدود,وهذي الأسنان المبعثرة في فمي لا تصلح إلا للاصطكاك وعصف الريح”8.

إن استراتيجية المفارقة التي اعتمدها الكاتب أضفت على النص مسحة هزلية في ظاهرها جادة في باطنها .والمفارقة هي “استراتيجية الاحباط والّلامبالاة وخيبة الأمل ,ولكنها _في الوقت نفسه_تنطوي على جانب إيجابي ,فقد ننظر إليها على أنها السلاح هو الضحك,الذي يتولد عن التوتر الحاد,والضغط الذي لابد أن ينفجر “9

تشتغل السخرية في هذه النصوص كوسيلة دفاع ومقاومة لكل أشكال الاضطهاد والظلم التي تُمارس ضدّ الشخصية من طرف جهات معنية حكومية وأخرى سلطوية فينتقد الواقع:”في سره لعن الخطب والإذاعات وهيئة الأمم المتفرقة وجمعية الدفاع عن حقوق القراصنة والمقاولين …”10 وهي حال الجامعة التي تعيش نفس العبوس وكل مظاهر الجهل ..”طالبات وطلبة يجرجرون حيواتهم الفتية , أقمار مهملة ماضية الى الوجوم والنواميس والاحتضار المبكر,لاشيء يطعم تلك الخطى المشرفة على السكتات الأدبية المتربصة بالخلايا..” 11 وتلك أيضا حال الأدب والثقافة والنقد ,,,

يبدو أنه لا شيء يدعو إلى الأمل  ويُبشر بغد لعله يكون أفضلا فكل الفضاءات تُعاني البؤس وكل أشكال الاضطهاد والغُبن..هذه المظاهر بدورها استفزت الكاتب فكشف عنها في نصوص ساخرة

تهكمية تحمل بين ثناياها رسائل مشفرة يكشف عنها المتلقي بقراءة واعية فكلما زادت المأساة ازدادت السخرية.

  ويُمكن استخلاص أبعاد السخرية وكيفية تحققها في هذه المجموعة القصصية من خلال المستويات التالية:

أ_حكي ساخر: يلون هذا النوع من الحكي كل المجموعة القصصية ويطبعها فالنصوص مكثفة بالسخرية وأسلوب التهكم الذي يحيل إلى جدية فائقة وإلى حقيقة لا يمكن تغاضيها وتفادي آثارها الوخيمة والموجعة حدّ بكاءِ الضحِك من شدة الوجع ففي قصة (لاشيء) تقريبا تغطي السخرية كل القصة فالشخصية تعيش عبثا رهيبا إلى درجة تفقد فيها القدرة على معرفة ذاتها فجاءت لغتها مبعثرة تعبر عن لاتوارنها أما تراكيبها فمشتة كروحها مُتعبة كجسدها مُنهارة ككيانها …ولعل هذا المقطع يُعبر عن ذلك:”من المرآة المنتصبة أمامي كالخطيئة خرج الصوت وتشكل وجهي ,وجه رجل يحس بعبثية تدوين آرائه,رجل صغير يحاول كتابة فكرة ما عن الحجارة والأجراس المعلقة في الرقبة وعن السفن الثلجية والاكتفاء الخرافي والجري (….) عن التبن وغبار الثقافة يتحدث أنبياء المدن المضحكة ,وباختراعاتهم الذابلة يفتخرون ونحو الأعالي يتسابقون…ومن حيطان غرفتي يتسلل الشيب ,ولا شيء في الشوارع إلا الليل والنقيق والمواء ,وثمة مصابيح ملونة تتدلى على الأعمدة لتنير الشوارع دون النفوس ,النفوس التي خلقت من الحرائق والكآبة والظلام.”12

إن السخرية من خلال هذا المقطع تنبع من واقع الشخصية وما تحكيه بحيث تقوم بفضح واقعها وما يحيط بها من زيف فتواجه القارئ بخطاب حارّ ومفجع فما فائدة أنوار اصطناعية مادام الظلام يسكن كل النفوس؟كأن بالكاتب يريد تبليغ رسالة مفادها أن التغيير يبدأ من الداخل وأن الأقنعة سرعان ما تزول وتسقط .

إن هذا النوع من الحكي الساخر يُقدم صورة حقيقية عن المجتمع وحقيقته الفكرية والاجتماعية كما أنه صانع “لإطار هجين يتدفق بتراكيب مزجية ,ومختلطة ,وملتبسة ,لكنها دّالة”13إلا أن دلالاتها لا تسبح على سطح النص وإنما تحتاج إلى الغوص في أعماقه لبلوغ الحقيقة وفك شفرات الرسالة عندها يقرر القارئ ويُعرب عن شعوره بالضحك أم البكاء؟

ب_شخصية ساخرة:تكمن أهمية الكتابة بالسخرية في المجموعة القصصية في كونها تنطلق من واقع حقيقي مخيل فالحقيقة تشي بمأساوية الواقع المعيش وبواقع مدننا الموبوءة والوطن المغدور .وقد بلغت السخرية ذروتها عندما كشفت حقيقة ما نعيش وما نعانيه وقربت المشهد من القارئ فترفع عن الضحك وشعر بسوداوية الموقف وبحجم الكارثة.

وقد تقاسم حِمل هذه المحنة في المجموعة القصصية شخصيات ساخرة متعبة ومغبونة تجر بثقل أذيال الهزيمة وتتجرع بمرارة خيبات هذا الوطن هذا الفراغ الشاسع الذي يملأه الّلاشيء اللّامعنى العبث اللّالون…كل شيء أصبح معدوما فهذا عبد الوالو”يحاول جاهدا أن ينسى جزئيات الليالي التي لا تشبه شيئا(…)والذات المثقوبة تتسلى بترتيب الأيام التي سقطت من التقويم الزمني ,ويرى نفسه قطعة من رصيف منسي ,رصيف قانط مزروع بالأنين وخلاصة الأيام القاطبة ذات الإيقاع الواحد ثم لا يلبث أن يتذكر بلاد الغربة والكفار التي آوته ولم تقصر…”14 إنها حياة بلا زمن فكل الأزمنة فقدت قيمتها فاتسعت الهوة بين الذات والزمن وذاتيتها فكيف لنا  أن نتخيل ذات مثقوبة ؟ تعيش بلا أماني وأمنيات وتشبه أي جماد تعيش في اغتراب يجعلها تفقد القدرة على نفسها كما تفقد موقعها وقيمتها ضمن العالم وتتيه في متاهة الزمن …

إن وصف الذات بهذا العمق وهذه السخرية الّلاذعة يُبين قدرة الكتابة على استشراف المستقبل وتنبأ ما سيحدث .ووصفها بهذا الذكاء وهذا الأسلوب اللّامألوف أيضا يشرح البعد الفلسفي للكاتب ونظرته للحياة …إنه وصف لا يمكن الاستغناء عنه في مواقف إبداعية كهذه كما لا يمكن اعتباره مجرد آلية من آليات الكتابة , فالكاتب ينطلق في وصفه من حاضر الشخصية ويعود الى ماضيها ليستشرف مستقبلا لن يكون إلا باهتا فالحاضر يحيل بدوره الى المستقبل وهذه الرؤيا لن يمتلكها إلا ذو فراسة وحكمة وذكاء.والواقع يثبت أن الذات تعيش في عصر معقد ومركب فلن يكون وصفها بأسلوب مألوف وعاد أمرا مُستصاغا ولأن الأدب يُساير تفاصيل هذه الذات ويُعبر عن آمالها كما آلامها فعليه أن يواجهها بنفس التعقيد والتركيب بأسلوب لا يكتفي بالسطحي والساذج والظاهر للعيان وإنما يغوص في عمق الحقيقة  ليكشف عنها وتلك أيضا مهمة القارئ الواعي. وكلما كان الكاتب ساخرا كلما كان اسلوبه أكثر دلالة وتعبيرا.

وهي الوازنة عندما تحكي مأساتها وتتحدث عن جرحها  تختصر همّ وطن بأكمله إن لم تكن هي الوطن الذي فقد كل توازنه في رحلة زيف محفوفة بوعود كاذبة ولعل الموقف يعبر عن جزء من حالٍ آلت اليه:”أواه يا وازنة, في كل الخرائط يتشابه الهم والقلق إلا هنا.همك من سلالة البراغيث لابد…” 15.لتواصل رحلتها و”بين الضياع والضياع تتأرجحين,وصوتك الاسير يرن كجرس مبحوح في كنيسة هجرها الخلان.ولا أحد يسمع صمتك…عندما تغني الأموال تسكت الموسيقى ويسكت الشعراء أيضا.”16.إنه عصر المادة  و الضياع  وزمن العبث .والهمّ متنقل في سلالة هذا الوطن بالوراثة.ليموت في الأخير كل الرجال وهُم أحياء ويعلن بوفاتهم جهارا ليعشش الخونة في كل الزوايا والنواحي.ويبقى الحائط القديم كتاب تاريخ يدونون عليه مآسيهم وخيباتهم وأحلامهم …. ويبقى الوطن قصيدة تلحنها كل ذات مقهورة في شوارع المنفى وفي نفسها تعيش أمنية :”ألّا أموت غريبا ميتة الشبح”17

    إن هذه النصوص القصصية الساخرة منحت للشخصية سلطة السرد لتستمع لصوت آهاتها ومعاناتها ولما يحدث في عالمها من تناقضات فتخلق لنفسها لغة خاصة بهذا الانشطار وبفقدان الأحلام وعبث المكان كما الزمان.

2_التركيب اللاّمألوف:

تتصف هذه المجموعة القصصية بكونها قصص لغوية بامتياز .فاللغة فيها تترفع عن مستوى العادية وتتحول إلى مادة أولية تشكل عالم القصص وتطبعه بطابع خاص وجمالية مختلفة.

إن التشكيل اللغوي في هذه المجموعة القصصية .يبتعد كل البعد  عن اللغة الجاهزة والمتواضعة فالنصوص تصاغ  “بلغة معيارية لا في معجمها فقط ,بل في بنيتها التركيبية ,كذلك حيث ينتج النص ,فيما يشبه تولدا ذاتيا ,بواسطة إعادة إنتاج لغة مسكوكة ومقلوبة لا أثر فيها لأي خرق أو إبداع .هنا تكون اللغة تقريرية” 18هدفها تبليغ رسالة فقط لكنك وأنت تقرا أعمال (السعيد بوطاجين) لا تجد هذا النوع من اللغة إلا نادرا وإن صادفته فلا تأمن سذاجته فسرعان ما ينقلك الكاتب إلى أجواء لغوية أخرى  فهو قد تجاوز حُدود العادية  والّلامألوف فجاءت تراكيبه ذات دلالات عميقة ومتناسلة تُكسر أفق التفكير والقراءة عند المتلقي فتنزع الكتابة القصصية عنده “إلى تجريد هذا الواقع ومفارقته,حيث تستغرق أقصى حد في جعل الكلمات تُلمح,لا تصرح(…)فيتحول المؤلف إلى راءِ للأشياء من خلال خلخلة متمادية عارمة للحواس لا بهدف الاقتدار على رؤية الّلامرئي فقط ,بل كذلك بهدف إدراك المرئيات ” 19.

في هذا المستوى الثاني  يخوض بوطاجين تغريبة الكتابة عازما على خرق كل مألوف وتكسير كل نمطي ,مبتدعا علاقات  تركيبية جديدة بدلالات كثيرة ,ناحتا ألفاظا غير مألوفة .عندها ترتقي اللغة ويشعر المتلقي أنه يقرأ لغة أخرى لا تلامس الواقع بل تعرّيه وتشهر به وتفضح خيباته فيدرك  أن هذه اللغة وحدها قادرة على التعبير عن الذات والواقع.

ويظهر هذا الخرق عند الكاتب بداية من عنوان المجموعة (وفاة الرجل الميت) التي يقف المتلقي عندها طويلا وعميقا ,قد يضحك قد ينعت الكاتب بالجنون وقد يطرح الكتاب جانبا ويتخلى عن القراءة …لأنه أدخله في دائرة جنون اللغة وبهتانها واحتيالها وغرابتها كما أنه لم يألف هذا السياق الجديد,فكيف لميت أن يُتوفى ؟لمذا هذا الإشهار بوفاة رجل قد تُوفي؟أم أن الوفاة لا تعني في ُعرف الإبداع الموت؟  لكن إذا علم القارئ أن الأشياء تعرف بأضدادها فإنه سيفهم ربما أن هذا الرجل قتلته المأساة والخيبات وهو حيّ فكأنه حيّ ميت إلى أن أودت بحياته نهائيا فأعلن الكاتب رسميا وفاته  كتابة  بسخرية باكية .فما جدوى حياة رجل كان في الأصل ميت وهو حي؟؟   إذا هذا التعبير غير المألوف هو السبيل الوحيد للتعبير عن واقع مأزوم ولأن حجم الأزمة كبير كان على اللغة أن تكون أكبر لتستوعب حجم المأساة ولن تكون أكبر إلا إذا اخترقت أفق التوقع عند القارئ.

إن صياغة العنوان بهذه التشكيلة الساخرة  والمجنونة وغير المألوفة  تُميز أسلوب الكاتب من جهة كما تصف الواقع بدقة كما أنها أيضا تستفز ذوق القارئ من جهة أخرى وتجعله يتخطى هذه العتبة ليدخل عالم النص ليكتشف إن كان هذا الجنون يُحاصر كل جسد النص أم أن الكاتب سرعان ما ستتعبه مسالك اللغة فيستسلم ويتغير أسلوبه؟

   إن قدرة الكاتب على النحت في التراكيب وخلق تراكيب جديدة من لَدُن الأصل المألوف أنتج تراكيب جديدة لم يألفها القارئ ولم يتعود عليها, وتجلى ذلك في مستويات متمايزة كما تجسد في حقول معرفية كثيرة,مارس فيها الكاتب سلطة التصرف واستنساخ تراكيب جديدة وكائنات لغوية هجينة .وفي المجموعة القصصية موضوع هذه القراءة نماذج كثيرة تمثل  هذا الخرق :

1_من الخطاب القرآني:

قوله مثلا:

_”صدق جدّي العظيم”20

_”كان الفرح فرضا على كل مؤمن ومؤمنة”21

_”إلى ذهنه عادت إرم ذات العماد والأوطان التي تحمي أبنائها…” 22

_”ألم تر السماء كيف ثُقبت والأقلام كيف جُلبت والنفوس كيف غيّرت؟”23

_”وحدث أن طرقت باب كبيرهم الذي علمهم الخُبث”24

إن هذه النماذج المتصرف فيها من طرف الكاتب نجد لها أصلا في القرآن الكريم ولكنه لم يوظفها لغرض الاقتباس كآلية في الكتابة وإنما استحضرها ليقوي فكرته ولتوضيح زوايا معتمة في الواقع فعندما يقول “كبيرهم الذي علمهم الخبث ” فالآية الأصل معروفة بعد قوله تعالى في صورة :”كبيرهم الذي علمهم السحر” يشير إلى أن رأس المحنة في هذا الوطن هم من يعتلون عرشه والخبث حيلة ومظهر خطير أصاب أبناء المجتمع وتسبب في ظهور مظاهر أكثر انحطاطا أثرت بدورها سلبيا على جوانب كثيرة.وعندما يقول :”صدق جدي العظيم”ليوضح فكرة مفادها ان صورة الجد في أذهاننا تتعلق بالقدسية والصدق كما تستحضر هذه الجملة الزمن الماضي عندما “كان الفرح فرضا على كل مؤمن ومؤمنة “كل انسان لديه الحق في الفرح والسعادة .وارتباطه أيضا بمعالم الصدق والجمال والإيمان أما الحاضر فقد ارتبط بالكذب والنفاق والزيف….فكيف لنا أن نتفاءل بالمستقبل في ظل هذه الظروف؟؟؟

2_نماذج أخرى من التراكيب غير المألوفة:

يقول الكاتب:

_”مع الليالي المعتمة وحماقات البشر جاء عبد الوالو شجرة حافية تبحث أرض رؤوف تقيها الجليد والفظاظة …ومع الأيام رأى الوقت يتساقط أمام عينيه وأبصر عمره يسبح في مستنقعات التنظير وعلم الكلام.”25

_”مدن فقدت الحياء وأضحت بلا علامة”26

_”كطقس الخريف أصبحوا وزهقت الكلمة العذبة”27

_”…أجسادهم من الحطب وفي أعماقهم يعوي القمر”28

_” خيالي بؤس وفساد..”29

_”هل وجدت اسمك؟”30.

_”…محاولا فتح أزرار فمك”31.

_”صرصور عربي تعيس”32

_”هناك مهام لا يستطيع أحد القيام بها:التسكع والتثاؤب وتعميم العمش”33

  إن هذه النماذج وغيرها تخترق كل مألوف وتستفز القارئ وتحتال عليه وتوهمه بالضحك  لكنها تشي في عمقها بالتحولات التي أخضعها الكاتب على بنية اللغة فولد منها تراكيب جديدة غير مألوفة لكنها لم تخل بجمال اللغة بل اكسبتها لمحة أكثر جمالا وإشراقا نبع من غموضها  فهو عندما يقول :”هل وجدت اسمك؟”يشعر القارئ مباشرة بأنه سيدخل عالما مختلفا وسيركب قاربا بلا مجدافين, عالم تُزهق فيه الكلمة بدل الروح ويعوي فيه القمر ويصير فيه للفم أزرارا بدل أسنان و من أهم مهام الشخصيات التسكع والتثاؤب ..عندها يشعر القارئ الواعي بأن المصيبة أكبر وأن واقعه هو المعني بهذا الانقلاب وأن الرجل العربي أصبح حقًا “مجرد صرصور بائس “لا يحسن إلا الأنين فــــ”لم كل هذه التمويهات؟”

إن هذه التراكيب وإن كانت بسيطة لكن استعمالها يُربك المتلقي,كما أنها توضح موقف الكاتب الوجودي ورؤيته وعمق أفكاره دون أن يُهمل الجانب الجمالي للتركيب, فهو عندما يوظف الفعل تساقط في السياق التالي:” رأى الوقت يتساقط أمام عينيه”يبهر القارئ فهل يمكن للوقت أن يتساقط وهو شيء حسي لا مادي هكذا عرفه القارئ منذ الأزل ؟يمكنه أن يصدق كل معقول  وأن تتساقط كل الأشياء إلا الوقت لكنه في عُرف السعيد بوطاجين قد تساقط دون أن تسقط جمالية الكلمة بل زادت لمعانا ووزنا وقيمة وشحنة دلالية عميقة…إنه _الكاتب_ باختراقاته هذه حافظ على مرونة الكلمة وفتحها على أفق غير محدود من خلال المعاني المكتسبة الجديدة والمؤول إليها.

   أخيرا ,من خلال هذه القراءة في المجموعة القصصية (وفاة الرجل الميت)للسعيد بوطاجين يظهر أن:الكاتب مهوس بهاجس تجاوز كل مألوف ومُستعملٍ ومبتذلٍ في الّلغة لأنه كناقد  عاشر النصوص  يدرك تماما أن النص الأدبي جَسدٌ مشكل من علاقات إشارية وصور جمالية ذات دلالات رمزية ومعاني بدلالات متناسلة …بهذه التشكيلة المعقدة يستفز ذوق القارئ ويجعله يتسلح بالمرجعية اللغوية والثقافية ليكون بحجم النص لأنه يستدعي كثيرا من التأويل والكشف والاستجلاء حتى وان كان هذا النص ساخرا فإن سخريته لا تُؤتمن وإن كانت الكتابة الإبداعية إبحار في عوالم مختلف,وبحث مستمر عن الحقيقة فإن اللغة أيضا عند السعيد  بحث “عن الطاقة الكامنة في الّلفظ، كما يفعل الشعراء الجادون. هناك دائما إمكانات تعبيرية وشحنات دلالية يمكن استثمارها تأسيسا على الحفريات وتفعيل الطاقة الذهنية. يمكن للسياقات أن تمنح الكلمة قوّة تأثيرية أخرى، معنى آخر. وهناك المفارقات التي اشتغل عليها لتعليق المتلقي بمجانبة أفق الانتظار أو خرقه. أرى ذلك مهمّا وذا قدرة على إثارة أسئلة تجعل النص حيّا، قابلا لمجموعة من القراءات التي تهتم بالمعنى والشكل الناقل له. “34


هكذا جاءت تراكيب الكاتب غير مألوفة مع الاشارة ان هذا الخرق في اللغة لم يدخلها في متاهة التجريد والتكلف في الصنعة اللغوية بغرض التعجيز وإنما تعالت اللغة في نصوصه عم كل مُبتذل ومُجتر ومُكلف… فساهمت بدورها بتمييز أسلوب الكاتب كما رفعت النص إلى مستوى الأدبية وفتحت أفق القراءة عند المتلقي وشرعت أبواب التأويل على مصرعيها وكتبت للنص الخلود.

 

الهوامش:

1_جورج لوكاش,نظرية الرواية ترجمة الحسين سحبان,منشورات التّل,1988,ص,70.

2_محمد العمري ,البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول ,افريقيا الشرق ,الدار البضاء,2005,ص,97.

3_السعيد بوطاجين,وفاة الرجل الميت ,دار الامل للطباعة والنشر والتوزيع ,تيزي وزو ,الجزائر,قصص قصيرة,ط 2. 2005.

4_الرواية,ص,81.

5_ عبد السلام أقلمون ,الرواية والتاريخ,دار الكتاب الجديدة المتحدة,بيروت,ط 1 .2010.ص,199.

6_الرواية ,ص,11.

7_الرواية ,ص,107.

8_الرواية.ص,108.

9_سيزا قاسم,المفارقة في القص العربي,فصوله,م2,ع2, 1982 ,ص, 144.

10_الرواية ,ص,

11_الرواية,ص,185.

12_الرواية ,ص,152.

13_ عبد السلام أقلمون ,الرواية والتاريخ,ص,203.

14_الرواية ,ص,16.

15_الرواية,ص,178

16_الرواية,ص.180

17_الرواية,ص,94

18_رشيد بن حدو,جمالية البين بين في الرواية العربية.منشورات مؤسسة نادي الكتاب بالغرب ,ط 1 .2010 .ص,278.

19_ رشيد بن حدو,جمالية البين بين في الرواية العربية.ص. 279.

20- الرواية.ص, 76.

21_ الرواية,ص, 123.

22_ الرواية,ص, 123.

23_ الرواية,ص, 163.

24_الرواية,ص, 175

25_الرواية.ص,21

26_الرواية,ص,73

27_الرواية ص,73.

28_الرواية ,ص,97.

29_الرواية ,ص,98

30_الرواية ص,101.

31_الرواية,ص,110.

32_الرواية,ص,129.

33_الرواية ص.141.

34_ في حوار أجراه معه : نور الدين برقادي ,جريدة النصر الجزائرية,السبت 5 أكتوبر 2013 الموافق ل 29 ذو القعدة 1434 العدد 14197

 

 

هكذا حدثنا السعيد بوطاجين / محمد الأمين السعيدي*  

 

*محمد الأمين السعيدي – شاعر وناقد جزائري

         منذ وصولي باكرا يوم الخميس إلى مطار السانيا بوهران، كانت الفرحة كبيرة إذ اجتمعت أولا بالصديق المبدع محمد بن زيان، ثم بالدكتور مخلوف عامر، فجلسنا في مقهى المطار ننتظر وصول كل من د. سعيد بوطاجين والروائي البهي الحبيب السائح، حتى أقبلا معا لتكتمل الفرحة وتبدأ رحلتنا إلى أدرار لحضور ملتقى “السرد والصحراء” الذي تنظمه دار الثقافة انطلاقا من يوم أمس الـ 1 ديسمبر، لكن في الحقيقة ما بدأ هو رحلة جميلة لحضور تكريم د. سعيد بوطاجين، وهو المعروف بإسهاماته الإبداعية والأكاديمية، في السرد والرواية، في الترجمة، وأيضا في مجال السيمياء الذي يستعصي على كثرة من الدارسين، لكنه يلين في يد د. سعيد لسعة اطلاعه على هذا العلم في لغته الأصلية وتعرُّفه عليه على يد روّاده من أمثال غريماس وجوليا كريستيفا وغيرهما، وأيضا يلين السيمياء في يده ويطيعها لعمق رؤيته التي تأسَّستْ عبر قراءات طويلة وسبر راسخ للعلامة وما تنتجه من إشارات ودلالات، وللنصوص الإبداعية التي يجمع حين يُعملُ نظره فيها بين روح المبدع فيه أولا، وبين الناقد والأكاديمي والسيميائي معا.

من لا يعرف د. سعيد بوطاجين سيرى في ملامحه أول ما يراه البهاءَ وسيماءَ الطيبين، لكنه سيرى كذلك تواضع أهل العلم ممن تزوّدوا بالمعرفة فعرفوا قيمتها ومسؤولية حملها وتبليغها للمساهمة في تفعيل الثقافة على مستوى الفرد والمجتمع. فتواضعه هنا هو من الرسوخ والعمق والامتلاء، إذ تشعر وأنت تكلمه في موضوع ما بأنك أمام بحر يفيض بمعارف عديدة، وإذا ناقشته في قضية ثقافية أو علمية اكتشفت رجلا سافر كثيرا بين كتب التراث العربي والإنساني فنهل من رؤية القدماء وتفكيراتهم ما يحتاجه كلُّ منتسب إلى الإبداع واللغة من معرفة بتاريخ الأدب، لكنك ستكتشف من جانب آخر إلماما كبيرا ومعرفة راسخة بمنتوج الفكر الغربي ومدارسه، والخلفيات الفلسفية التي انطلق منها أصحاب تلك المدارس. بل ستجد بين ما حمله د. سعيد من التراث والحداثة طريقا جليا لرؤيته الشخصية التي تعرض كثيرا من مسائل الأدب والفكر بوضوح وصفاء، وبلغة تعرف كيف تبني فكرتها مستندة على ما يستدعيه المقام من أساليب إقناع أو شواهد احتجاج وطرائق إيصال.

أتذكر د. سعيد ونحن عائدون من سوق بودة، تماما عند باب توات، وهو يتكلمُ عن القيم والمعاني التي يمكن أن يكتشفها الإنسان في بيئته، في الأشياء القريبة منه، في الذات التي يتغرب عنها بعض الكتاب بدعوى معرفة الآخر فيذوبون في نفي ذي وجهين، عن ذاتهم أولا، وعن ذات الآخر التي يظلون خارجها مهما فعلوا. وقد استدعى هذا الحديث نقاش أثير في شوارع أدرار الحمراء كلون الطين عن الكتابة السردية، وعن أسرار بعض الروايات الأدبية العالمية التي بلغت آفاق الشهرة وهي تنطلق من أشدِّ خصوصيات بلدانها، مستنبطة منها كثيرا من القيم الإنسانية وكثيرا من الدلالات التي تعبِّر مجتمعة عن حقيقة الإنسان. كان د. سعيد يوغل في هذا الموضوع مصحوبا بمناقشات الصديق محمد بن زيان، متمثلا، عند باب توات بالضبط، بأبيات لطاغور اختصر بها كل ما ذكره سابقا، وعبر بواسطتها، بمعانيها أيضا، عن الرؤية التي فصّل فيها حديثه أثناء السير من سوق بودة إلى باب توات. يقول طاغور:

‘‘طوال أعوام عدة

وبثمن باهظ

جُبتُ مختلف البلدان

وذهبت لمشاهدة المحيطات

ولكن لم أفطن

إلى قطرة الندى المتألقة

فوق سنبلة القمح

أمام عتبة بابي”.

لقد آثرتُ ذكر هذا التفصيل هنا، بل ذكر أبيات الحكيم والشاعر الهندي طاغور التي أنشدها الدكتور سعيد عند باب توات، فتلاءم حديثه عن الانتباه، بعد التأمل، إلى خصوصية المكان، مع رمزية الوقوف عند باب توات، آثرتُ ذكرَ كل هذا لأدخل إلى الحديث عن أهميّة هذا التكريم. لأننا تعودنا، للأسف الشديد، في الجزائر أن يكون الاهتمام محصورا على ما يجيء من الخارج، سواء كان ذاك الوافد جيدا أو دون ذلك. وفي الآن نفسه يتناسى الجميع الطاقات الإبداعية والفكرية الرهيبة التي تبذل الجهد هنا، وتقدِّم للإنسان الجزائري، لهذه الأرض، ثمرات طيبة في مجالات مختلفة. ود. سعيد بوطاجين هو من تلك الأسماء التي تستحق منا كل تكريم نظرا لانجازاته في الإبداع قصة ورواية والترجمة والدراسات السيميائية والتدريس الجامعي. بل إن من حقه علينا أن نكرمه تقديرا واعترافا، لأننا بذلك نكرم الثقافة والأدب الجزائريين، ونسجل في الآن نفسه أمام التاريخ موقفا يرسخ لتقليد شريف لعله يستمر ويتواصل فيشمل بقية كتابنا ومبدعينا الذين ساهموا في تشكيل ملامح المشهد الأدبي والثقافي الجزائري عبر مراحله المختلفة. إننا حين لا نكرم علماءنا ومبدعينا، نكون في الحقيقة قد ارتكبنا جناية في حق أنفسنا وثقافتنا، لأن الشعوب التي لا تكرم رجالها في حياتهم متنكرة لهم أو مغفلة لفضلهم، هي في الحقيقة شعوب لا حياة لها لأنها تتنكر لأهم ما يمنحها بقاءها واستمرارها.

يدفعني هذا الكلام إلى عبارة لم يفتأ د. سعيد يكررها في كثير من النقاشات متسائلا: هل عندنا مائة من د. أبو القاسم سعد الله، أو سليمان جوادي، أو الحبيب السائح، أو فلان وفلان وفلان من كتابنا وشعرائنا ومثقفينا. وهو سؤالٌ ينمّ عن محبة أولا وتصالح مع الثقافة الجزائرية ووعي عميق بأن كل واحد قد ساهم في منحاه الإبداعي وشرطه الجمالي. هذا ما عبّر عنه د. سعيد بمصطلح “الحلقية”، فالأدب نتاج لا يصنعه كاتب واحد أو جيل واحد وإنما هو حلقات مرتبطة ببعضها، وفي الآن نفسه مكملة لبعضها فينتج عن ذلك كله الأدب الجزائري الواحد في انتمائه وخصوصيته، والمتعدد في مناحيه الأسلوبية وشروطه الجمالية.

«هل عندنا مائة من د. سعيد بوطاجين؟” الإجابة الأكيدة أن عندنا واحدا فقط، من أجل هذا يكون الاهتمام بمنجزه الأدبي والعلمي نوعا من الاعتراف والنبل تجاه أنفسنا أولا، وتجاه الثقافة الجزائرية ثانيا. إن تكريم الدكتور سعيد هذا العام، وفي أدرار المليئة بطيبة أهلها وبهاء قلوبهم، لهو عرس ثقافي كبير، وخطوة واثقة صوب مشهد أدبي يعترف لمبدعيه بما لهم من فضل إن على مستوى حضورهم المتميز بنصوصهم ومؤلفاتهم، أو من خلال نشاطهم الثقافي والأدبي ومساهمتهم في نشر الثقافة وإضفاء بعض الجمالية على حياة الناس.

أصل هنا إلى الدور الذي يلعبه الصديق المبدع عبد الكريم ينينة مدير دار الثقافة لولاية أدرار، فهو حين ينظم مثل هذه الملتقيات التي يجتمع فيها أهم الكتاب والمبدعين، وحين يكرم د. سعيد بوطاجين، وقبله في السنة الماضية كرم الروائي الحبيب السائح، فهو في الحقيقة يكرم الثقافة الجزائرية، وأحد الوجوه المهمة في مشهدنا الأدبي، وقلما لا يزال ينتج إبداعا وبحثا، ويسهم بعمق ووثوق في تنشيط الساحة الثقافية والإبداعية وإضافة صفحة جديدة في كتاب هو الجزائر بكل ما تحفل به من تعدد واختلاف.

 

 

قراءة في مجموعة السعيد بوطاجين القصصية  أحذيتي وجواربي وأنتم / محمد بلقاسم الشايب*

 

* محمد بلقاسم الشايب – قاص وروائي جزائري

جريا على قول ابن مالك صاحب الألفية “كلامنــا لفظٌ مفيـد كاستقمْ ** واسمٌ ..وفعلٌ.. ثمّ حرف الكَلِم
واحـدُه كَلمـة والقـول عـمْ ** وكِلْمةُ بها كــلام قد يُـؤَمْ
أي أنّ الملفوظ السردي أو الشعري مهما اتسع مضمونه، فستؤمّه كلمة هي ديباجته أو عنوانه أو إمامه. كأنما العنوان هو الإمام، وما بعده من الصفوف هي السطور، وهذه الكِلْمة هي التي تشي بمضمونه ابتداءً، لمن ألقى شاهد العقل ليبعث النّص من جديد، فينقاد إلى فهم محتواه. والكلمة محل القصد هنا هي : “أحذيتي وجواربي وأنتم” .
وكعتبة نصية يجدر الاستشراف منها في تحديد الأثر الأدبي، و قراءته، فهي تدفع القارئ إلى اقتحام النص برؤيا مسبقة، لأنّ القراءة الفاحصة للعنوان يُبنى عليها التوقع الذي يقوده إلى الكشف عن مفاتن النص، ودلالاته الجمالية، معتمدين في ذلك على فواكه اللغة كأساس لتفكيك اللفظ وتبيان مراميه بوصف العنوان كأقصى اقتصاد لغوي في النص الأدبي.
وكذلك بتقليب معناه على أوجهه اليقينية أو الملزمة- فالشك في لعبة اللغة لا وجود له كما هو معلوم- وفي ذلك لا نرجم بالغيب بقدر ما نهدف إلى تفكيك مبناه قبل معناه، ومن ثم نعيد بناءه على النحو الذي يولّده الفهم والتوقع واللسان العربي:
«
فالعنوان عنصر بنيوي يعطي للنص هويته» وعلامة لغوية تواصلية ذات علاقة مؤثرة في النص على الرغم من أنه لم يكن عنوان إحدى القصص المكونة للمتن القصصي . كما أننا نلبي رغبة الإفصاح عن الذوق الذي تمليه السليقة، وعلى مساءلة اللفظ وقلبه كما يقول “سعيد بوطاجين” الناقد حول قصصه :
«
أفرغت على سبيل التمثيل، عدة كلمات من دلالاتها القارة وإحالاتها عن طريق المساءلة والقلب. »
وكذلك على فلسفة اللغة باعتمادنا الملاحظة البسيطة التي تبناها الفيلسوف جون أوستين ” الذي انطلق من ملاحظة مهمة مفادها أن كثيرا من الجمل التي لا يمكن أن نحكم عليها بالصدق والكذب، لا تستعمل لوصف الواقع، بل لتغييره والانتفاضة عليه.
فالعنوان إذن هو :
أحذيتي وجواربي وأنتم” ، والذي يؤمّ عشر قصص ذات ترتيب شعوري، قُصد منه إهمال الزمان كما هو واضح في تذييلاتها الموقعة بجمل كالخواتم، من مثل:
(الساعة الخارجة عن التقويم ، في تلك السنة، وهل هذا مهم ، بتاريخي أنا)
وهو عبارة عن جملة اسمية مكونة من اسمين وضمير منفصل وحرفي عطف ، ومن مقطعين، الأول يتكون من: “حذائي وجواربي” والاسمان من حقل دلالي واحد ،والثاني مُنشأ من الضمير المنفصل أنتم” وألحق بذات الحقل بفعل مقام الخطاب، و بفعل الجمع الذي جمع ما لا يُجمع عادة، فالكلمات كلهن جمع.
وترتيب الكلمات هنا ترتيب أهمية ، غرضه التقديم في اللغة وليس ترتيب رفعة وسمو ؛ بمعنى أنّه ترتيب شعوري له صفته الوصفية، لا القدحية كما يظهر من خلال ظاهر المعنى ابتداءً، وإذا منحنا اللفظ معنًى آخر يجليه السياق أو محمولات اللفظ كما…… فإننا نخلص إلى ثلاثة تراكيب هي كالتالي:
الأوّل:
إذا اعتبرنا الواوين واوَا عطف كما هو ظاهر فالمعنى العام الذي يقترح نفسه بشدة هو: “أحذيتي وجواربي وأنتم سواء”. يقول الجرجاني :
من شروط العطف الاشتراك في الحكم والعلّة“.
والثاني:
إذا أخذنا ما خفي من المعنى كقصد وتقدير يكون المعنى على النحو التالي: “أحذيتي مع جواربي وأنتم” ، مما يفيد أن الواو الأولى واوَ معيّة بحكم التلازم (تلازم الحذاء والجوارب) فالجوارب ملحقة بالأحذية عادةً وواقعا ، وحتى وإن لم نذكر الحذاء صراحةً كما في القول: ” أحذيتي ولواحقها” ، أو أحذيتي وما يلزمها”، فإننا نعني الجوارب حتما، كما أن الحذاء يغني عن الجوارب.
والثالث:
يقترحه وجود الضمير والسياق؛ فوجود الـْ:”أنتم” على مقام واحد مع الحذاء يجعل المعنى يفيض إلى التركيب التالي :” حذائي وجواربي كأنتم” ، وهذا احتمال يفرضه اتساع المعنى وفلسفة اللغة من جهة ، والتمرّد على السلطة الأحادية للكلمة ومحمولات اللفظ الممكنة وكذا القصد من جهة أخرى، وإذا تحدثنا عن القصد أو القصدية فلنضع في الحسبان أنَّ « مقاصدَ المتكلم مؤشراتٌ حاسمةٌ في عملية التأويل، و إلغاءَها إلغاءٌ لجزء معتبر من معمار المعنى النصي إن لم يكن إعداما مطلقا له». لأنّه عند النطق بـ”أنتم” نكون قد وضعنا مباشرةً أمامَه كائنا آخرَ، هو ” أنا “، ويشكل الأوّل الإطار الخارجي المقابل للإطار الداخلي الممثل في ذات المتكلّم ؛ وإذا أظهرنا أداة التشبيه فإنّ وجه الشبه قائمٌ في الحكم والعلة من جهة ، وفي القيمة المتساوية من جهة أخرى.والضمير المنفصل المخاطب الدالّ على الجماعة والذي يوحي بالحضور أي بحضور الـ:”أنتم”، وأن حضور المخاطب (بكسر الطاء) يستوجب حضور المخاطب (بفتح الطاء) على الأغلب كما أن التقدير لدى الإعراب يفيد بوجود اسم الإشارة على اعتبار أن “أحذيتي ” خبر لمبتدإ محذوف تقديره هذه ، ومعلوم ألاّ إشارة إلاّ نحو حاضر على الأغلب كذلك.
هذه معان مقترحة ليست بالضرورة أن يكون الكاتب قد استهدفها، لكن ورودها في ذهن القارئ تجعله يلج إلى النص بتصور مسبق، لأن العنوان- كعتبةٍ نصيّة- هو نصٌّ موازٍ داعمٌ ، فضلا عن كونه عنصرًا بنيويًّا يعطي للنص هويتَه، وليتخطى العتبة الأولى وفي ذهنه حزمة من الأسئلة تجعله يبعث النص فـَ” النص ميت يعيد القارئ بعثه من جديد” على رأي “رولان بارت ” .
إن هذا التقدير اللغوي للمعنى وانطلاقا من أن النص عبارة عن أفعال كلامية منجزة من المؤلف نخلص إلى تبني المشاهد الثلاثة أو اللقطات الثلاث بتعبير أهل الفن السابع في تصورنا وكما يلي:
-
المشهد الأوّل:
شخص ينتعل حذاءً وجواربَ ويخاطب جماعة مع الإشارة إلى الحذاء.
-
المشهد الثاني:
شخص يقف حافيا و يحمل حذاءَه أو أحذيته ويلوح بها أمام جماعة.
-
المشهد الثالث:
شخص يقف حافيا ولا يحمل حذاء أو ينتعله وربما يشير إلى جهة ما..هذا الاحتمال يقويه المثل: ” فقدان الشيء يزيد من قيمته”، وفي كل المشاهد تظهر الإشارة استنادا إلى التقدير الإعرابي وعامل السخرية المبكي.
إن العنوان يتعدى المعاني اللغوية إلى الرمزية فـَ: «الحذاء رمز للمسير والسفر والترحال التي ترمز جميعها إلى الموت، وهذا يفسّر بعض التقاليد الغربية التي تقضي بعرض حذاء الميت بجانب سريره كونه في وضعية الغياب الأبدي. »
وإذا كان “الحذاء” لغة هو النعل كما جاء في معجم لسان العرب أو هو كل ما تتوطنه القدم .فإن له رمزيةً في الثقافة العربية تؤشّر على قلة القيمة من جهة كما في المثل الذي أورده “أبو حيان التوحيدي” في شأن مورد المثل المشهور “رَجَع بخُفيْ حُنيْن” ومن جهة أخرى يقدسونه لأهميته، ومن شدة تمسك العرب بالحذاء وقيمته لديهم، فهم يعتبرونه كقطعة من الجسم.
وعبر التاريخ من “حُنين” إلى “منتصر الزيدي” يعتبر الحذاء عضوا من الجسم للحبيب وأحط عضو برَميه يمكن إيقاع الإهانة الضرورية بمن استحقها بكل جدارة. كما حدث مع “جورج بوش”. وعموما فرمزية الحذاء تختلف باختلاف الأمم والأفراد.
ويرى الدكتور “خريستو نجم” في كتابه ( رمزية الحذاء والقدم في الأدب والفن)أن الأبعاد النفسية للقدم والحذاء في علاقتهما المتعددة والمتنوعة، تختلف باختلاف الأنماط النفسية التي يتصف بها كل فرد .
وهنا تأتي مشروعيّة التساؤل حول “أحذيتي وجواربي وأنتم”.. الذي هو بمثابة القشرة الخارجية التي تحفظ اللبّ، و إجلاؤها يجعلك تتذوقه.
يقول الله – تعالى- مخاطبا موسى -عليه السلام-:
{{
فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى}}
وفي ذلك دلالة على أن الحذاء يُنزع لدى وطء الأمكنة المقدسة لما يلحق به من الشوائب التي تعلق به لدى سير صاحبه ويسري ذلك على المساجد والقباب والكتاتيب والمزارات والأضرحة وأمكنة تعاليم المقدسات كتعاليم البوذية وعلى البيوت كما في شرق آسيا وحتى على أرجاء البيت الذي يخضع لصرامة امرأة جزائرية تعشق النظافة.

لنشير إلى صورة الغلاف لإظهار القدم كهيكل حذاء لدرجة أنك لا تستطيع التفريق بينها وبين الحذاء والتي تعطي انطباعا تعبيريا ملفتا يجسد بعض طبوغرافيا العنوان، ذلك أن القدم تتجاوز اليد في قدرتها على التعبير أحيانا.
والصورة ذات دلالة حقيقية ومجازية ،فالخلفية الخشبية الداكنة ذات دلالة وجدانية مرتبطة بالأماكن الهادئة وغير المضاءة تتماهى ومحتوى التماعات اللون نفسه. ولأنّ كلّ ما يخطر ببالنا من افكار واحاسيس وتساؤلات تصبح اوضح عندما تجسد كتابة او رسما فانها عندما تترجم إلى صورة في وفي السواد فهي ترمز الى الاشباح خصوصا اذا كانت مشوهة كما في الحذاء الرجل الثابت على الارضية السوداء،وهذا يوحي بالخوف، او الرهبة، او التشاؤم، ولا ناتي بالجديد حين نقول الحزن.وقد جاء التشكيل البصري للغلاف ككلٍّ موحيا بالنسيج القصصي لنصوص المبدع ” سعيد بوطاجين ” كما أنّه ذو حمولات رمزية ثقيلة معقدة التوليف ، لما تحمله من تيماتٍ مدمجة مع بعضها البعض ولاسيما رمزية الحذاء” الذي تكرر بكل مفاهيمه في قصة الحذاء التي جمعت خيوط جميع القصص التي جاءت بالصيغة التركيبية التالية:
)
أوجاع الفكرة)،(أحذية الورد والكرز)،(الجورب المبلل)،(مغارة الحمقى بتاريخ الروح المشرئبة)، (حبل لعبد الله في سيارتي)،(مدينة زكريا تامر بتاريخي إنا)، (إرث من الريح في تلك الساعة الخارجة عن التقويم)،(القطب والمسمار)،(المهنة متكئ)،(اغتيال الموتى في تلك السنة وهل هذا مهم).
أخيرا يمكنني الخلوص إلى أنَّ هذا الكاتب يجري عليه ما قال “إدوارد سعيد“:
( لسنا بالمخربشين ولا بصغار الكتبة، بل نحن نضع سطورنا في التاريخ( .



لهذه القراءة هوامش

 

العبثية الواقعية في كتابات السعيد بوطاجين /  عبد الحفيظ بن جلولي.*

 

جذر العبثية الواقعية لدى السّعيد بوطاجين:

*عبد الحفيظ بن جلولي – قاص وناقد جزائري

استلهمت فكرة “العبثية الواقعية” من نص “تاكسنة، بداية الزّعتر آخر الجنة”،هذا النص الذي يمثل الجذور، تماما كما يمثل نص “جذور” لأليكس هالي الدّعامة التثبيتية في الأرض، وكما هي مقولة توني مورسن “الغريب في بيته” حيث تشعر بالغربة في  مدينتها نيويورك.

إنّ نصوص “تاكسنة بداية الزّعتر آخر الجنّة” تحيل على مفهوم العبثية الواقعية، حيث تعود بنا إلى السّعيد بوطاجين ـ اعتبر السّارد هو ذاته الكاتب لإحالة الدّلالة في مفهوم تاكسانة على موطن الكاتب ـ  الطقل الذي نشأ بين الجبال، المكسوّة بالزّعتر في فضاء رحيب يدعى تاكسنة، الزّعتر لم يكن يمثل فقط الملمح الجمالي بل كان عنصرا وظيفيا في حياة السّعيد بوطاجين، هذه العناصر تمثل المرجعية الوجودية المتّكئة على بساطة المنشأ، ثم ما لبث أن وجد نفسه في فضاء يعجّ بالنّفاق والعلاقات الهشّة والأناقات الزّائفة، مما سبّب له استنزافا وجوديا آل به إلى حالة من الإغتراب واجهها بالعبثية الواقعية أي الضحك على دقن العالم الذي وجد فيه نفسه منتزَعا من بساطة المنشأ في فضاء تاكسنة، ولعله تاريخيا أجد أن الدّادائية هي من عبّر بصدق على خواء العالم وابتذال العلاقات فيه وفقدان القيمة والمعنى، فواجهته بابتذال مماثل أو بعبثية مطلقة، فالإسم دادا جاء عفويا ودون تخطيط، حيث اتفقوا على فتح القاموس ويسمون مذهبهم على اول اسم يقع عليه نظرهم  كذلك نجد السعيد بوطاجين واجه هذا العالم إبداعيا بعنونة ونصّية صادمة ولا معقولة.

 

الوظيفة الوجودية للعبثية الواقعية:

 يشتغل المخيال الحكائي في “تاكسانة” من منطلق السّردنة للمكان متّكئا على محاولة تثبيته في الوعي حتى يستمرّ كموضوعة عابرة لمجموع الوعي المصر على استرداد مفقود الوجودية المتحرّكة في الواقع، التي تعاني من استنزافات متعدّدة تؤول بها إلى الاغتراب، ويمثل عنصر المكان واحدا من ضمن الاستنزافات الوجودية للذات العارفة التي تنطلق من ترسّباته المخزَّنة في الذاكرة لتنجز المكان/النص، ورصد المكان من الذاكرة البعيدة كما في نص “تاكسنة”، حيث استرجاعه من الحضور في توثبات الطفولة، يجعل منه ثابتا ثبوت الأشياء المقدّسة، حيث يرى كلود ليفي ـ  شتراوس بأنّ “وجود الأشياء المقدّسة في أماكنها هو ما يجعل منها مقدسة، لأنّها لو انتزعت من أماكنها، حتى لو فكريا، لتدمّر نظام العالم بكامله”.

جاء في نص “تاكسنة..”: (“..لم تعد الإبتسامة ممكنة في تلك الأرض التي زرعها الأجداد بالعلامات”/ص9)،

فالإبتسامة تدل على الفرح والبساطة اللذين كانا سائدين في المكان، الأرض تحيل على تاكسنة، عنصر الأجداد يختزن الدّلالة القويّة على الذاكرة، والعلامات تحيل على ذات الكاتب باعتبار ما آل إليه في حاضره التّكويني العلمي، والوحدة السردية في مجموعها تؤدي معنى العودة إلى الذات لتثبيت عناصر ديمومتها من خلال الذاكرة حتى تضمن استمراريتها في الوعي، ولهذا عندما “.. لم تعد الإبتسامة ممكنة في تلك الأرض..” ينتقل الناص من تاكسنة الواقع إلى تاكسنة الوعي، ويتحول هو أيضا من الواقع إلى الوعي بدلالة مرتبته العلمية. 

 

المقاربة التحليلية/السّيمياء كتعيين:

ما فتئ الدّكتور السّعيد بوطاجين ينتقد المناهج النّقدية بصفتها مناهجا واصفة، وبالتالي تبقى قاصرة عن الوصول إلى أعماق النص الجوهرية، لأنها حينذاك لا تستجيب إلى الخصوصيات المنتجة للنص، وعليه تتوالى مطالباته بإخضاع هذه المناهج للعمليات التوافقية حيت توظّف وفقا للبيئات الحاضنة، وهو ما يتطلّب تجاوزها بعد استيعابها طبعا، ولهذا تأخذ السّيميائية عنده منحى ذو خصوصية، لأنّها تتشكل من نسيج نقدي ذو قاعدة إبداعية، فبوطاجين النّاقد يشتغل على تطويع السّيميائية إبداعيا، وهو ما يمنحها خصوصيتها البوطاجينية.

مقاربة عالم السّعيد بوطاجين تمنح الفرصة لتعيين ثلاث مستويات للقراءة في فكرويته الإنتاجية، أو إنتاجيته السّردية، بمفهوم جوليا كريستيفا، فتعيينه كسيميائي يمنح عدّة تسهيلات لإدراك بعض العلامات الدالة في أدبيته النّقدية أو الإبداعية، حيث ترسم اللغة مناخا لتعطيل البداهة وتحرير المفارقة: “وفاة الرّجل الميت، اللعنة عليكم جميعا، ما حدث لي غدا”، حتى إذا حاولنا استكشاف تأويلٍ ما للتّدليل على مصدر هذه المفارقة، فإنّ ذلك يتطلب تحديد مستوايات الإنوجاد البوطاجيني:

ـ بوطاجين الإنسان.

ـ بوطاجين القاص.

ـ بوطاجين النّاقد.

تتداوبل هذه المستويات الذّات التي تنجز وتتحرّك في الواقع لتمنح البعد الإنساني للرّؤية البوطاجينية، الكامن في البنيات العميقة، كتحديدنا لـ”تاكسنة” العميقة، سواء في رسم حركة بوطاجين العادي أو بوطاجين الماثل بين جدل القص والنّقد.

بوطاجين الإنسان:

لا يمكن أن يختلف إثنان حول إنسانية الكائن البوطاجيني الذي لا يمتثل سوى لإنسانيته الجادّة والمرحة في مقاربتها للعلاقات الإنسانية، فبوطاجين الإنسان ينخلق من هذه العلاقات، لأنّه يربط على الدّوام وجوديته الحاضرة بطفولته الممتدّة بين أحضان العراقة الإنسانية والأصالة الكينوناتية، حيث بساطة البيئة ونقاءها احتضنا ملمح الطفولة البعيد فكرّسا فيه البعد الإحالي على الفترة المنتجة لقيمة المحبّة، والقدرة على ممارستها، فبوطاجين بقدر ما يقترب من الآخر بقدر ما يقترب من ذلك البعد المرجعي الذي يتحدّد بالمكان “تكسانة”، وبالإنسان، ذلك الرّمز الذي يحقّق الشفافية في العلاقات، سواء كان أبا أو جدّا أو شيخا، حيث تتجلى الرّغبة في استعادة النّقاء من خلال سيرورته على الدّوام لرؤية المقامية في حركة الواقع، وما زلت أذكر كلمته حين باركت له بداية الصّوم، فكان ردّه: “لنصم كما أجدادنا المتصوّفة”، فهي إحالات مستمرّة على النّقاء الطفولي الممتد بالكيان إلى الذّاكرة البدئية.

بوطاجين القاص:

تنتظم البنية العنوانية كمعلم محيط، يسوق أمام إدراك المتلقي مُنتظر ما تنغلق عليه البنية النصية، ولهذا نجد أنّ العنوان على الدّوام يحمل في ذهن القارئ ذلك الهاجس الذي يواءم حتما بين البنيتين، إما استمرارا، بحيث يكون النص استمرارا لما يثيره العنوان في ذهن القارئ، أو تفسيرا، حيث يضطلع كليهما بالتّناوب أو بالإحالة في تفسير مضمون أحدهما للآخر، أو الإحالة المضمرة التي يختزنها العنوان ويوجّه بها المتلقي إلى فضاء النص، وهو ما نعثر عليه في البنيات العنوانية للسّعيد بوطاجين، بحيث تكشف عن موقف يتفاعل في كيان الناص ويرسم هذه الإحالة كهاجس في ذهن المتلقي، الذي يحاول جادا البحث عنه في النص، وهو ما يتوفّر لدى السّعيد بوطاجين في توتيره لأفق تلقي القارئ من خلال المستوى التركيبي لبنية العنوان العبثية، حيث قد يستبق القارئ الإحالة المضمرة في العنوان كمحاولة للعثور على النص العبثي، وهنا لا بد أن أبيّن أن النص العبثي يختلف عن النص الساخر، حيث النص الساخر يعتمد على بنية المعنى بينما النص العبثي لدى بوطاجين يتجاوز تلك البنية إلى تراكيب اللغة ذاتها، فالوحدة السّردية ترسم من خلال مستواها التّركيبي بنية للدّلالة لا تنفهم إلا من خلال مبناها، أي مبنى الوحدة السّردية، حيث هذه الأخيرة تُحدث نوعا من الصّدمة تجعل الإحالة على المبنى ضرورة لإكمال المفهوم الدّلالي أو التأويلي للمعنى.

وفي الكشف عن بعض المواقف سوف أعتمد على المناص الخارجي، الذي ليس هو فقط “النص الموازي الذي يكتبه الرّوائي على هامش نصوصه، وبشكل مستقل عنها”، بل يتعدى ذلك إلى الملفوظ احيانا.

الموقف الأوّل:

“اللعنة عليكم جميعا”، حينما نقرأ هذا العنوان يتلعثم التلقي في ترديده، لأن المستوى التّركيبي للوحدة السّردية يكشف عن شكل مميّز صادم، يستدعي المعنى كمحاولة تالية للتّعامل مع المبنى، وهو ما يفتح العنوان على مفهوم العبث، إلا أن العبث ليس ذاك الذي لا تتجلى فيه الرّؤية إلا بمقدار ما تؤدّي إلى اللاشيء والفراغ، أو اللامعنى، لكن ينبني العبث عند بوطاجين على الموقف، من حيث أّنّ المبنى الصّادم للوحدة السّردية أو مقتطف العنوان، يشكل الغطاء السّاتر لموقفٍ اتّجاه عبث الواقع أو الحركة المجتمعية برمّتها، فالخطاب في “اللعنة عليكم جميعا” موجّه إلى مجموعة تعي معنى اللعنة، وهي مجموعة بشرية بالضّرورة، وحركة الخطاب موجّهة إلى الأمام حيث تعزل الأنا السّاردة ذاتها عن فحوى الخطاب في العنوان، وهو ما يرتّب خطابا تاليا يعاكس في الإتّجاه خطاب اللعنة، لكن لا يكون كذلك إلا إذا انخرطت الذّات في فعاليات المحفل المجتمعي النّاقص في كينونته وفاعليته، ولا نكتشف هذا المضمر من الخطاب إلا في سرد المؤلف لواقعة تتعلق بإهدائه الكتاب أحد أصدقاءه، وعند بلوغه بلاده علق الكتاب على صدره ثم راح يسير أدراجه نحو وجهته، إن هذا المتناص الخارجي وإن لم يكن نصا خارجيا للكاتب يتعلق بكتابته، إلا أنّها تعتبر الدّال على موقف مضمر وجد تفسيره في الحركة التالية لكتابة النص القصصي، وحركة حدثية في المتناص الخارجي تثبت عبثية النص، إذ أنّ الصديق استشعر ما أراده الكاتب وفق منطق عبثي يكشف عن الفاصل بين خطابين، الفاصل اللاتمييزي، بل الإنخراطي بدلالة حركة الناص داخل الفضاء الإجتماعي وإنتاجيته الذّهنية فيه، وحركة الفاعل في المتناص الخارجي داخل الوسط الإجتماعي.

الموقف الثاني:

حين يصير الواقع إلى اللاواقع، يصبح التهكّم عليه من ذات أدواته اللاواقعية، أو العبثية، أي اللّعب مع الواقع من منطلق عبثيته، ولعلّ اللعب هنا يأخذ معناه العبثي لكن من منظور نقدي برؤية بارثية، حيث “إعادة القراءة ليست استهلاكا ولكنّها لعب”، فالإمعان في نقد المجتمع ينتج لدى الذّات المتلقّية عنه ـ المجتمع ـ رغبة في إعادة اكتشافه وتتبع حركاته وسكناته، وهو مكمن القراءة النّقدية التي لا تكتفي بالأولى، بل تتطلع دوما إلى الثانية والثالثة…

يتأسّس عنوان “وفاة الرّجل الميت”، عبثيا عند مستواه التّركيبي، ثم يقف الوعي القرائي عند تقرير البداهة، فالمتوفي ميّت بالضّرورة، ومن ثم ينطرح سؤال: ما هذا العبث؟

وحسب رأيي إن طبيعة العبث عند بوطاجين يتشكل مضمارها عند هذه الفلسفية التي تفكك بمعنى تحلل، كما هو معنى التّفكيك عند دريدا. فمنطق العبارة يقود إلى مستويين من الخطاب، مستوى أول تقف دلالته عند حصول الوفاة “وفاة”، ومستوى ثان تقف دلالته عند التّعريف بالمتوفي، كأنْ نقول في خطابنا العادي مثلا، توفي محمد، فمحمد ميّت، إلا أن تأكيد الوفاة يتطلب التّعيين، بمعنى يمكن أن نحذف محمّد ونقول “توفي الميت”، وبالتالي لا يكون العبث في العنوان باللعب على ترتيب التّرادف، إلا ضربا من ضروب الكشف عن العبث المجتمعي الذي بلغ شأوا يستحيل معه أن يتعامل الوعي مع وهم الحركة المجتمعية إلا عن طريق مستويات أشدّ عبثية، ولعل تأويل معنى “الرّجل” وفق المقابلة مع معنى “الأنثى” يعكس غياب معاني الخصب والجمال والقضية.

 

 

.

التعليقات: 3 تعليقات
قل كلمتك
  1. سعيد جدا بهذا الملف … و الآن أشرع في قراءته بتأمل …. و إنما تعجلت التعليق من فرحتي به ، و كان المفروض التعليق بعد القراءة …. شكرا مسارب ….

  2. مسارب قال:

    على الرحب .. سعداء دائماً بخدمتكم

  3. وفاة الرجل الميت قراءة من منظور سيميائية الأهواء
    أ. محمد تحريشي
    أ.عائشة عياشي
    جامعة بشار
    ” وفاة الرجل الميت”ّ ، أحد نصوص المجموعة القصصية للكاتب القاص ” سعيد بوطاجين ّ و الذي أطلقه على المجموعة كاملة . النص قصيدة نثرية تنتحب ، مثقلة بالعتمة و الشجن لدرجة القشعريرة ، فهو ـ أي النص ـ يوجعك، فتعزف عن الولوج إليه ، ثم يوجعك البعد عنه ، فتعيد قراءته عشرات المرات ثم تتمعن التوغل فيه، فتحاصرك جدران دون منفذ تضيق وتضيق و كلما شعرت بالاختناق أحببت التوغل فيه إلى أبعد نقطة؛ إنه هذا الحزن الشديد اللذيذ الذي يشعرك بالتفاهة و العظمة في آن… إنه حزنك أنت.حزن يتحول معه فعل قراءة النص بسلاسة إلى فعل ّ الإحساس بالنص ّ .
    ومتى بدأنا نحس بالكلمات و معاناتها سحبتنا لنتقمص شخصيات النص ، لنتوجع ضمن إطار هذه العلاقات المتنافرة المتشابكة السابحة في فضاء توتري فيما يشبه المشهد السينمائي الذي يحتوي بكل قوة مشاهديه. إن لمن الجميل أن تهتم سيميائية الأهواء بهذا الجانب النفسي من النص ، ويسلط السميائيون الضوء على دواخل الإنسان ودور الإحساس، وتفاعل الشخصيات مع ذاتها ومع محيطها، وإن كانت نظرية سميائية الأهواء لم تتبلور و لم تتخذ شكلها النهائي في الدرس الأدبي ، إلا أن الأبحاث تستمر حثيثة في هذا الصدد من أجل دراسة جادة لجميع الانزياحات الموجودة بين العاطفي و التوتري و مساءلة الخطاب عن أسرار الفعل و الكينونة التي قد يبوح بها هوى ما ،انطلاقا من دراسة ” جريماص و جاك فونتاني (1991) اللذان ركزا على بعض المفاهيم التحليلية بتسليط الضوء على الجانب الشعوري و حالة الذات المنجزة في النص .
    ” وفاة الرجل الميت”ّ للقاص الجزائري سعيد بوطاجين ، نص يلخص مرحلة من الفساد السياسي و الاجتماعي و الثقافي ، شوهت دواخل المحكومين فذلوا، ودواخل الحكام فطغوا يجري هذا في مرحلة زمنية متكررة ، قد تكون حدثت أو ستحدث اليوم أو غدا ربما.
    ” وفاة الرجل الميت”ّ خطاطة سردية يلفها إحساس عميق بالحزن ، حزن سابق ولد خارج حدود النص ، و تطور بعنف خارج البعدين المعرفي و التداولي للنص ، فهو متمرد على الزمن و الأفكار المرتبة ، تترجمه دلالات إيحائية مصدرها الإيماءات و الحركات الجسدية التي تربطها علاقة لصيقة بالحالة النفسية ، فكما هو الشأن ” مع الصوت في الإرساليات اللغوية ، حيث أن رقة الصوت أو خشونته ، الصراخ أو الهمس يدل على حالة نفسية معينة ، فإن الوحدات الإيمائية تولد انطلاقا من طرق تنفيذها أولا ، ثم انطلاقا من نمط تشكلها ثانيا ، تنويعات دلالية ، تعد تنويعات ثقافية نطلق عليها مفهوم ، الدلالات الإيحائية” تتوازى و الكلام ، فكلاهما يعد ترجمانا للأحاسيس و الانفعالات للكشف عن مكنونات السريرة و بناءً عليه ، ونتيجة لمجموع الإيحاءات في النص،فإن علاقة الذات الاستهوائية بمحيطها هي علاقة رفض،صراع وغضب، فإن كانت حركاتها للوهلة الأولى ساكنة،مستسلمة،فذلك لان الجسد في حالة سكون في انتظار الموت .
    إن الغاية المرغوب فيها إظهار السكون في الحركة و الحركة في السكون؛ فحركات الجسد في نص سعيد بوطاجين حركات داخلية،تخيلية فقد اكتفى عبد الرحيم في واقعه على الوقوف لأنه ببساطة مهنته و لأنه حسب اعتقاده ” من لم يقف مرة واحدة خلال حياته ليتفرج على الوجوه مات دون أن يعرف تلك القوة الخفية التي أبدعت الجفاف والمقابر” حتى إذا لما حان الوقت القبض عليه لم يبد ردة فعل واحدة إلى أن أعدم بشكل مبهم و بطريقة مستترة لينتهي كالسراب؛ فها هو النص نراه و نسمعه يجسد حركيا مجمل الأهواء التي تخالجه ” و حتى عندما تعمل الذات الهوية ، فهي تكون موجهة وفق جهة الكينونة ، ولما يضطلع الجسد بالتوسط بين الحالتين (حالة الأشياء و حالة النفس ) فهو يسهم في إحداث نوع من الانسجام بينهما ، ولكن ما قيل بين السطور كان بديلا إيحائيا، لخص مجموع الانفعالات الجسدية و الحالة النفسية المتفجرة لأن السكون في حالة عبد الرحيم طارق أو قيس بن الملوح ـ أو أيا كان ـ هو ” وضع أصلي في الجسد ، إنه الكوة التي تطل منها الذات الفاعلة في السكون على ما سيصدر عنها ….فالسكون في الأصل هو أصل الدلالات المتولدة عن الإيماءات ” فالاستسلام للموت و المضي نحو رغبته هو في الواقع ” حركة ّ شديدة لا يقوم بها إلا أحمق ّ فقد عقله ، أو ّ فيلسوف ” يرى العالم بمنظوره المغاير ، وحين تتبين خيوط النص ، يتضح لنا أن الذات الاستهوائية في حالة سكون “جنون فيلسوف ” يسعى إلى تكسير كل ما هو ثابت بحكم .العادة أو التعود و الاستسلام يحركه في ذلك و يدفعه حزن عميق ينتهي به إلى الموت و تبعا لما سبق لا يمكن تحديد عمق الهوى ، المسيطر على النص إلا بتوافر عدة شركاء هامين كالإيحاءات في الحالة الانفعالية و كذا لغة منتقاة حسب نظرية دلاليه منسجمة .
    تدرج هذا “الهوى” عبر مراحل على الترتيب من مستواه العميق إلى مستوى سطحي؛ و هي الانكشاف الشعوري ، الاستعداد ، المحور الاستهوائي ،العاطفة و التقويم الأخلاقي ، ولا يمكن دراستها إلا إذا أعدنا قراءة عنوان النص، فهو أبدا ليس مجرد جملة اسمية تعطي تصورا عاما لمحتوى الخطاب، بل هو نص في حد ذاته أو هو النص كتب بشكل آخر. لا يجوز التخلي عنه و استبداله. فلقد اختير بدقة و عناية و دهاء فعند مباشرة القراءة يتضح لنا أن العنوان قد اختزل نصف النص ، فهو كنافذة وان كانت ضيقة جدا ، فإنها تطل على الممنوع و المسكوت عنه سياسيا ، ولكل قارئ حسب ثقافته نصيب في تأويل ما توصل إلى تفهمه، إنما يقع الإجماع على أن كل ما تبثه هذه النافدة الضيقة لا يسر أحدا.
    فاختيار العنوان بهده الصورة ، لفتة ذكية ، جعلت المبدع يكسر بعض قواعد البنيوية الهامة التي همشته و منحت القارئ كل الحريات المتاحة في التأويل و القراءة ، بأن تكون له السلطة في تحديد ما يفهمه القارئ و ليس أي قارئ.
    ” وفاة الرجل الميت”ّ نص جرئ تتجلى جرأته فيما لم يكتبه المبدع بل أومأ إليه من خلال العنوان و هو نص فلسفي بامتياز ، تكمن فلسفته في تركيب العنوان من مترادفين متناقضين حين اجتمعا معا أضحى لكل منهما معنى مختلف ؛فالموت في النص يقابله الخنوع و الذلة وطأطأة الرأس ، والمضي ضمن قوافل الصامتين الذين فقدوا الرغبة في الحياة ، و أصبح وجودهم وعدمه سيان و هو مصير حتمي يحدث حين تنفذ الطاقة التي تمنح الفرد الأهلية و القابلية للتعامل مع مستجدات الحياة فيتأثر و يؤثر .
    إن الوفاة هاهنا اختيار فيه الكثير من الشجاعة. فان يغادر الإنسان برغبته ،اعتقادا منه أن الوقت قد حان لمنح حياته البائسة معنى حتى و إن صادف موته زمنا رماديا تولد فيه البطولات من رحم شاخ و فارقته الخصوبة، لعل هذا القرار بالرحيل يتحول إلى أسطورة – في الزمن نفسه- دون أن يكون هناك فيها سبق من حياته سلوكا مبهرا أو عملا بطوليا .
    إن ثنائية “الموت والوفاة” سواء في العنوان أو النص،ثنائية مبتكرة لسعيد بوطاجين ،فهي ملتفة حول نفسها ،لا وجود فيها لمناطق الالتحام ،ككرة يستحيل فكها دون أن تنكسر أو تشوه. و لم يكن وجود هذه الثنائية وجودا عبثيا،بل كانت هي الحافز الذي أشغل فتيل الصراع داخل الفاعل الإستهوائي من أجل تحقيق الإرادة أو الأمر المرغوب فيه والمتمثل في الموت كتصحيح للواقع حسب مفهومه واعتقاده والذي تدرج حسب سلم خطاطي استهوائي رتبة محمد الداهي في “سيميائية الأهواء” من المستوي العميق إلى المستوي السطحي،وسنتبع أطواره لدراسة نص “وفاة الرجل الميت”.
    ا- الانكشاف الشعوري:
    يسبح النص في فضاء توتري يعج بجملة من التمظهرات كالغضب واليأس والإحباط(مشاعر عاشها عبد الرحيم قبل أن يدرك مراده) وكلها سمات توليدية يضمها الهوى “الحزن”،شعور وجداني،عدواني،ران على نفسية_عبد الرحيم_ فأفسد داخله،ولون عالمه الجميل بالون القاتم ونشر حوله الخراب “وثمة قرب رأسه سماء قديمة أصفر وجهها،وشمسها طفلة مشلولة عيناها خضروان وقلبها عانس…” . وبعد اعتقاله أصبح لهوى الحزن مغزى ومبررات،وأصبح بإمكان عبد الرحيم ان”يختار” “أمنيتي الأخيرة يا سيدي هي الموت” . إذن قبل الوصول إلى تحقيق هذه “الإرادة ” أو الرغبة ،مرت الذات الاستهوائية بمرحلة ضبابية لم تستطيع خلالها تحديد أسباب الكآبة والتشوهات الداخلية التي أصابتها جرائها. وعند لحظة القبض عليه توضحت الصورة، وأصبح الموت هو الهدف بعد أن اتيقن أن” لا جدوى” هذه الحياة التي عاشها بتلك الصورة وحتما ستستمر كذلك، و بهذا وضحت الرغبة من الخلال إرادة الفعل في أخر النص.
    ب – الاستعداد:
    إن لحظة القبض على عبد الرحيم هي اللحظة الأهم في النص كله، و قد لا نلحظ توترا جليا يلفها ويميزها عن غيرها من لحظات النص، غير أننا نحسبها اللحظة التي استوعب فيها عبد الرحيم حزنه وحدد مصيرا لحياته.فمشهد القبض عليه إذن هو لحظة ميلاد فعلي لماهية هوى الحزن ومبرراته ،لأنها نهاية رحلة البحث عن اسم ،هوية ووطن بدل العيش خارج نطاق الزمان “هذا اليوم الموبوء، هو اليوم الثامن الشهر الثالث عشر” و هو بداية فعل التحول والتحرك نحو إنجاز ما تصبو إليه الذات الاستهوائية ،التي أضحت ذاتا استفزازية وأصبح لها صوت وقرارات ومن ثم “إرادة” ؛ فاستسلامه للقيد وترحيبه بالموت هما سبب عدم مقاومته،فلقد سئم الحياة في “مدينته التي لم تمنحه سوى الذل” وتمنى الرحيل لعل “دمه المبارك يغور في أرض بكر ويصعد نسغا يروي للشجر قصة تبخره في قبو مظلم وللصخر يحكي الشجر” ، فبعد أن كان عبد الرحيم يمشي عبر شوارع “تضم أناسا لهم أما لا وديعة و بطاقات وطنية جدا، أجسادهم من الحطب وفي أعماقهم يعوى القمر” .قرر أن يجد ذاته، فهو عبد الرحيم طارق لا قيس بن الملوح، هو لا ينتمي إلى هذا العام الرومانسي ” لأني لم أعرف امرأة اسمها ليلى، أنا من عواصم الموتى التي الطرقات للمكفوفين” ؛ و لا مصير له إلا الهلاك والموت تماما مثل هؤلاء الذين لونوا حائط المعتقل ب” رسومات وكتابات وأشكال هندسية غامضة” . هؤلاء الذين تحدث عنهم “همسا” بكل انتماءاتهم وأحلامهم، ومعتقداتهم.
    حيت أصبح الحزن فلسفة و أصبحت الذات الاستهوائية أكثر استسلاما للموت، بل تتوق إليه بمرارة وأضحى الموت أمنية و حلما . أمنيتي الأخيرة يا سيدي هي الموت ” ؛ فالموت لم يعد الذي يخافه عبد الرحيم و يرهبه ، إنه انعطاف و انقلاب للمفاهيم فالانتقال من هذه الحياة بأي شكل من أشكال الموت ، هو الحيات الفعلية لعبد الرحيم حيث سيكون ّ مفردا وحيدا متوحدا يبحث عن أرض خضراء تمنحه الفرح و الأمن في تلك الأرض الخرافية سيعثر عبد الرحيم طارق على الحدائق و طيور بلون القطن” كأن الرغبة الشديدة في الموت هي في حقيقتها رغبة شديدة في الخلاص ” إنه الطوفان الذي يخلف ” الحياة إذ كل ما قيل عن الموت في النص هو أوجاع مخاض لميلاد قد يتحول فيه دمه إذا ما مات إلى نسغ يروي الشجر قصة تبخره في قبو مظلم ، وللصخر يحكي الشجر .
    ج – التقويم الأخلاقي :
    يتمحور النص حول حدث استهوائي يسيطر على وتيرة الأحداث، وهو إلقاء القبض على عبد الرحيم و من ثم موته الذي لم نشهده هل مات صلبا ؟ أم حرقا ؟ أم رميا بالرصاص؟ حيث تجاوز سعيد بوطاجين هذه اللحظة ، وكأنا بعملية القبض عليه أضحت طقسا عبثيا قصد لذاته ، ومن خلاله تجلت لا ديمقراطية العالم العربي و سياسة حكوماته الفاسدة و كذا استسلام شعوبه للقهر والذل ، بحيث أصبحت لا تتقن فنا سوى فن التآكل في المقاهي بحثا عن نهار أصلع ، نفوس غامضة مفصـولة عن الأرض رؤوسـها محشوة بالنجوم البـاردة و الصدأ و أرجلها في الوحـل و الفشـل الفطري ” و كلها أمور صنعت بإحكام حزن عبد الرحيم وصنعت قاموسا خاصا بهذا الحزن و من خلال قاموس السمات التوليدية لحزن عبد الرحيم طارق حيث ندخل في صراعه النفسي و رفضه لاسم ” قيس بن الملوح ” ( أيقونة الحب و الهوى) .
    وتشبه باسم ” عبد الرحيم طارق (جهادي مغربي ، و ضابط مخابرات منشق) لأنه زمن المحققين و البوليس السري و انعدام الخيارات و الحريات لأنه لا ينسجم و هذا الاسم وكما قال ” لا أعرف امرأة اسمها ليلى ، أنا من عواصم الموتى التي تسير الطرقات للمكفوفين” ؛لأنه قرر في لا وعيه أنه لابد من موته وموت غيره في انتظار ميلاد وطن جميل و هذا ما تحقق في آخر النص ّ …منذ ذلك اليوم و الصخب يعظم و يتكاثف كغيمة عاقر غطت كل المسافات . وبناءً عليه تتوضح عدة قيم أخلاقية تتمظهر في عمق هوى الحزن ، حيث تشخص في المرحلة الأخيرة بوصفها تركيبا للجوانب المتوترة الفردية و الجماعية للهوى ” فهي نتيجة للتحول الاستهوائي و هي قابلة التقويم ، ومن بينها تذكر :
    *الحزن إحساس راق يكشف عن نفس حساسة و مهتمة بالآخرين خاصة إذا تمحور حول هم عام أو قضية وطنية كالانتماء…
    *الحزن شعور إنساني تشاركي تخف حدته ضمن الجماعة .
    *قد يتحول الحزن من شعور داخلي إلى موقف حياة يقرره الإنسان و يعيشه ليعبر من خلاله على رفضه لواقع لم يستطع أن يغيره.
    العاطفة : غطى هوى الحزن على نفسية عبد الرحيم و كان المحرك لكل سلوكاته التي اتسمت ظاهريا بالهدوء و السكينة ، في حين لم يكن من علاج لهذا الحزن سوى الموت حسب تفكير الذات الاستهوائية.
    لقد مر الفاعل الاستهوائي بتحولات انفعالية عادية اتصالا وانفصالا مع الموضوع المرغوب فيه كالحرمان الغضب و اليأس و الشعور بالدونية و اللاشيئية ،و توحدت كلها لتنتج في الأخير حزنا جشعا التهمها لتستقر الذات على قرار الموت.

اترك تعليقا