كيف يكون الوفاء لروح أبي القاسم سعدالله ؟ … البروفسور رابح لونيسي*
بواسطة مسارب بتاريخ 26 ديسمبر, 2013 في 07:24 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1924.

 

المؤرّخ الراحل أبو القاسم سعدالله — البروفسور رابح لونيسي*

 

 

شاء القدر أن يرحل عنا شيخ المؤرخين أبوالقاسم سعدالله، ويوارى التراب في نفس يوم دفن مانديلا، فإذا جمع مانديلا العالم حوله لأخلاقه ومواقفه، فإن سعدالله يجمع حوله كل المثقفين -خاصة الجزائريين- لعلميته وأخلاقه العالية جدا، وسبق أن كتبنا عن ذلك من قبل عندما تأسفنا لعدم خوضه في تاريخ الثورة بسبب خشيته من تغلب الذاتية عليه بفعل مشاركته فيها فيقول “أعتقد أن مؤرخي الثورة سيتأثرون بدورهم فيها وحدود مشاركتهم ومسؤوليتهم”، وعلقنا على ذلك بالقول “كم كنا نتمنى أن يكتب فيها، لأنه من المؤرخين القلائل الذين جمعوا بين الكفاءة العلمية والأخلاق، وأننا نعلم أن أخلاقه العالية جدا وصدقه ستجعل من كتابته في هذا التاريخ أكثر قربا إلى الموضوعية، وأننا نعلم إن كانت فيه بعض الذاتية فإن ذلك دون تعمد منه “.

فكما يستلهم العالم من روح مانديلا في بناء دولة ديمقراطية خالية من التمييز والعنصرية، فعلى مؤرخينا وطلبة سعدالله- وأنا أحدهم- الإستلهام من سلوكاته.

فليس من الوفاء لسعدالله ترديد مقولاته وطروحاته دون نقد وإعادة نظر، لأنه مناقض لمنهجه، حيث كان يترك لطالبه حرية الطرح، فعندما أشرف علي في رسالة حول الفكر القومي العربي، لم يمنعني من نقد هذا الفكر الذي رأيت فيه خطرا على وحدة أقطارنا-خاصة المغاربية منها- بعد غوصي العميق في مختلف توجهاته، لكنه أشترط علي فقط القدرة على الدفاع عن طروحاتي بالرغم من أنه كان متعاطفا مع هذه الأفكار التي تراجع عنها فيما بعد.

يكمن الوفاء لروح سعدالله في إحترام حريات طلبتنا في الطرح والإكتفاء فقط بتوجيههم علميا ومنهجيا، وأيضا بإستلهام أخلاقه العالية، خاصة تواضعه، حيث فضل البقاء مع طلبته في مدرجات الجامعة على تولى المناصب، وعاني كثيرا برفضه الوزارة في حكومة غزالي، والذي فهم أنه موقف سياسي، فقد ترفع على المناصب مهما كان علوها، فماذا نقول في المتصارعين اليوم على مناصب إدارية في الجامعة !

لايمكن لنا الوفاء لسعدالله إلا بمواصلة طريقه في بعث تاريخنا، خاصة المهمل  والمسكوت عنه كما فعل هو عندما حرص على البحث في ما خفي من تاريخ الجزائر بتفضيله تغطية فترة)1900-1930( كموضوع لأطروحة دكتوراه دولة في الولايات المتحدة،  والتي لم يقترب منها أحد، ويقول أنها “تكاد تكون مجهولة” أنذاك طبعا، وكان بمقدوره إختيار موضوعا سهلا يكفيه عناء البحث كما يفعل البعض اليوم.

وكان يشعر بمهمة ملقاة على عاتقه وهي تغطية تاريخ الجزائر كله بكل جوانبه، ويظهر ذلك من خلال مجلداته العشر حول “تاريخ الجزائر الثقافي” في العهدين العثماني والإستعماري، التي تحولت دليلا في هذا المجال أمام الباحثين الذي لم يبق لهم إلا التعمق في مواضيعه بالتوسع والنقد والتحليل،  ويعود تركيزه على الجانب الثقافي إلى شعوره بأن هناك فراغا في هذا المجال وإقتناعه بأهمية الثقافة في عملية بناء الأمم.

يكمن وفاءنا لسعدالله في مواصلة العمل في مختلف ورشات البحث التي فتحها، فسيكون راضيا بطلبته إذا واصلوا عمله الضخم “تاريخ الجزائر الثقافي” الذي أعترف ضمنيا بأنه في الحقيقة كتب شذرات فقط منه، وفتح مدخلا للغوص فيه، ويجب الإعتراف أنها ليست كل تاريخ هذه الثقافة، لأنه ركز فقط على جانبها المكتوب، خاصة بالعربية، ويعود ذلك إلى ضخامة المشروع وضيق الوقت وفقدانه لحقيبته التي كانت تحوي العديد من المخطوطات والوثائق في مطار هيثرو بلندن، والتي تألم لها أشد الألم، وكم كان يتمنى إعادة النظر في الكثير مما ورد في جزئه العاشر الذي تم تحت ضغوط شتى.

ويعد سعدالله من أشد العارفين أن ثقافة الأمة الجزائرية أشمل من ذلك بكثير، فهي ليست فقط المكتوبة منها، بل هناك الثقافة الشفوية والشعبية التي تمثل بحق روح الأمم الحقيقية حسب الألماني هردر، فهل أولينا أهمية أكثر لهذا الجزء الهام من ثقافتنا، وهناك أيضا ثقافة معبر عنها باللاتينية في القديم وبالفرنسية اليوم، لكن بروح جزائرية، ومنهم آبولي وفرنتون والديب ومعمري وياسين وآخرين، أفلم يقل مولود فرعون”أكتب بالفرنسية لأقول للإستعمارأني جزائري”؟.

وهناك أيضا ثقافة أمازيغية بمختلف لهجاتها يجب علينا جمعها وترويجها، ولا يخفى علينا أن سعدالله كان قوميا عربيا في الستينيات قبل أن يتراجع عنها في التسعينيات، فأصبح ينظر بعين موضوعية إلى بعض القضايا المطروحة في بلادنا، فتخلى عن تلك التهمة الجاهزة التي روجها البعض من القوميين العرب، والقائلة أن فرنسا وراء محاولة إحياء هذه الثقافة، والتي هي جزء لا يتجزأ من ثقافتنا، فقد سعى بدوره في التسعينيات إلى بعث هذا التراث مثل إحيائه كتاب “الحوض” لمحمد بن علي بن إبراهيم السوسي التلمساني في الفقه، والمكتوب بالأمازيغية بحروف عربية، وأعترف أن الأمازيغية لغة، وليست لهجة، كما كان يشاع من قبل، وكتب بها أجدادنا بعد إعتناقهم الإسلام بحروف عربية، ولا تختلف في ذلك عن لغات الشعوب الإسلامية الأخرى غير العربية، ودعا إلى الاهتمام بالتراث المكتوب بالأمازيغية، وبحث في العلاقة بين الأمازيغية والحميرية التي هي أصل العربية، فهاجسه في ذلك كله القضاء على التفرقة التي زرعتها كل من فرنسا والبعض من القوميين العرب، فقد أرقته في التسعينات مسألة الحفاظ على وحدة الأمة الجزائرية برأب الصدع بين مختلف مكوناتها الثقافية دون أي إقصاء لأي منها .

لايمكن لنا الوفاء لسعدالله إذا لم نلتزم بنصحه طلبته بكثرة الكتابة، فهو يحب كثيرا “القلم السيال”، فليس الوفاء لسعدالله بترديد أفكاره وطروحاته، بل بالأخذ بأخلاقه وتواضعه وأساليب عمله وإلتزامه الأكاديمي والجد والإنضباط والصرامة في العمل والقبول بالرأي الآخر حتى ولو جاء من طلبتنا، ورفضه حضورالملتقيات الفلكلورية التي تتخذ من العلم والتاريخ غطاء للزردات وتبذير المال العام، نم هنيئا قرير العين ياشيخنا، فإن هناك الكثير من طلبتك سيواصلون روح رسالتك العلمية، فالعلماء خالدون على عكس اللاهثون وراء المناصب والمغانم.

*البروفسور رابح لونيسي – جامعة وهران-

lounici.rabah2008@yahoo.fr 

 

.

 

اترك تعليقا