“عاصفة الجن” للروائي خليل حشلاف قراءة في العنوان … محمد بلقاسم الشايب*
بواسطة مسارب بتاريخ 31 ديسمبر, 2013 في 12:29 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1444.

تطل بنا رواية عاصفة الجن الصادرة عن “دار طوى اللبنانية لسنة 2013للروائي “خليل حشلاف” على حلم ممزوج برغبة جارفة في التغيير، و تفتح أقواسالفترة زمنية وجيزة، هي الإرهاص الأوّل لإتجاه أحداث التسعينيات ، ولحظةإنفجار هائل تمخّض عن إعتمال الأشياء المتناقضة في الذات، وسط عالم تداعتأركانه وتداخلت طبقاته، كما تقترح علينا_ تلك اللحظة _ صياغة عالم جديد ضمنالمتخيّل والفضاء السّردي ..عالم تتداخل فيه الأشياء لتبرز في خلق جديدقوامه حبّ من نوع آخر، وتسلط على الأخر، كما تكشف النزعة الريبية لدىالكاتب الذي يقابلُ بين مفهومي الحب والتسلط عبر تمثيل العلاقة (الحبوالنفور) وعبر اقتراحين قوامهما أن تعدّد النساء في حياة البشر لا يجعلهبالضرورة من ذوي القلوب الرحيمة، والواسعة للجميع، وأن التسلّط ليس هدفابحدّ ذاته بقدر ما هو صراع بقاء.في عالمه (عاصفة الجن) الذي يستوعب كلالمتغيرات وكفضاء جديد مسكون بالالتباس يمنحنا مساحة ممتلئة بفعل التأويل. إن انشغالنا يتمحور أساسا حول العنوان (عاصفة الجن) كوحدة نصّية دالة، لهاسلطة اللغة، وسلطة الصدارة.ولأن الإحاطة بالبعد الذي يتّخذه العنوان تزيدمن كفاءته في الاستجابة لفعاليات القراءة، وتبين وظيفته الدلالية التيتتمثّل في التّدليل على المحتوى، بوصف العنوان هو “البنية الرّحميَّة للنص،التي تشكّل سلطته وواجهته لما تحمله من وظائف جمالية/تأثيرية/إغرائية/… “لأن القراءة الفاحصة للعنوان يُبنى عليها التوقع الذي يقود القارئ إلىالكشف عن مفاتن النص، ودلالاته الجمالية، وهي التي تقلّص المسافة بينه وبينالمكتوب بالكشف عن علاقته مع مكونات المتن النصي. يقول الدكتور محمد صابرعبيد: “إن العلاقة بين عتبة العنوان ومكونات المتن النصي علاقة تضافريةتوليدية لا يمكن ضبطها وفق سياقات ممنهجة، لأنها إنما تخضع لحالات شعوريةوذهنية وبنائية وتشكيلية تأخذ لدى المبدع صيغاً متنوعةً يجب أن تُقاربدائماً من خلال مجمل المكونات البنائية للنص.” لذا فسنستهدف العنوان (عاصفة الجن ) كوحدة للتحليل اللغوي دون إهمالالعناصر السياقية. مع توظيف أدوات إجرائية تتلاءم مع تحليل عتبة العنوان. معتمدين في ذلك كعادتنا على اللغة كأساس لتفكيك اللفظ ، وتبيان مراميه بوصفالعنوان أنه أقصى اقتصاد لغوي في النص الأدبي. وآخذين بقصدية الكاتب _لافتراضنا سلفا_ أنه قد شيّد العنوان في لحظة واعية. يقول الكاتب عن روايته ” إنها تفتح أقواسا لفترة زمنية وجيزة هي الإرهاصالأول لأحداث التسعينيات إلى العشرية السوداء” وهذا كفيل بأن ينير لناجانبا من القصدية لأننا نضع في الحسبان أنّ ” مقاصدَ المتكلم مؤشراتٌحاسمةٌ في عملية التأويل، و إلغاءَها إلغاءٌ لجزء معتبر من معمار المعنىالنصي إن لم يكن إعداما مطلقا” وهذا الجزء من المعمار يخضع لحالات شعوريةوذهنية وبنائية وتشكيلية تأخذ لدى المبدع صيغاً متنوعةً يجب أن تُقاربدائماً من خلال مجمل المكونات البنائية للنص.” وإذا كان وراء كل كتابة محترمة فلسفة وتخطيط يبيحان لنا محاولة تفكيكالعنوان كوحدة نصية متضمنة في النص،لا تخرج عن إطار هيكلة المتن ،وتنعكسعلى البنية الدلالية العامة في المتن عموماً. تفكيك بنية العتبة الأولى : باعتمادنا على الجملة ( العنوان) كآلية التعيين والتحديد والتصوير، فانهيمكننا أخذ فكرة حول النص، فتثيرنا إغرائية العنوان التي تكمن بدايةً فيالجمع بين (العاصفة والجن)، فالعلاقة بين الجن والعاصفة علاقة مخلوق (جنس) مستتر بظاهرة مرئية، والجمع بالطبيعي بما وراء الطبيعة من جهة، وبالمرئيبغير المرئي من جهة أخرى. يولّد رغبة لدى القارئ للدخول إلى النص والإبحارفي محيطه الفني، واقتحامه برؤية مسبقة قوامها هذا التوليف، فالكلمات كائناتتحمل إلينا المعارف كما تحمل تحولات عميقة، وبقايا من اعتقاد الإنسان ومنخوفه من المجهول والمستتر. فالكلمة الأولى (عاصفة) تحيلنا إلى الطبيعة والغضب، وإلى قيمة سلبية..كماتحيلنا إلى المكان، فهي لا تحدث إلا في مكان جغرافي طبيعي، والثانية (الجن) مخلوق مخيف نجهل شكله وظاهرة، يحيلنا إلى عالم آخر، ويمثل كذلك قيمةسلبية، والمعنى الكلي للفظتين يحيلنا إلى الخروج عن المألوف ممّا قد يولّدالإثارة والدهشة لدى متلقي النص كما يشكل تنبيها يقذف بنا في فضائه. في اللغةعاصفة الجن جملة اسمية، تثير ارتباكا في المعنى نظرا لبنية الإسناد النحوي ،فمن جهة يمكن التعويل على الابتداء في مقابل الإخبار المضمر، وهنا يتّسعالمعنى بتوقّع جملٍ أخرى من قبيل : قادمة … فاتت … مرعبة …الخومن جهة أخرى يمكن التعويل على الإخبار، فيصبح الإسناد متكئا على المحذوفالقبلي ، والذي يفتح التأويل على الضمير، أو الفعل الغائب لاستواء القصدكأن نتوقع : هذه عاصفة….أو حلت عاصفة الجن …، وفي هذا وذاك ينفتحالمعنى على أكثر من قصد ، وإن كانت الجملة الاسمية تحيلنا إلى الثبات، فإنّالسياق يفيد أن العاصفة تتنافى مع الهدوء، فالهدوء يسبقها أو يليها، والجنمخلوق لا يثبت على هيئة، والجملة ابتدائية تتكون من (عاصفة) خبر لمبتدأمحذوف تقديره هذه و( الجن) مضاف إليه والمجموع وحدة نصية ذات سمك دلالي قوييحيلنا إلى شساعة لا متناهية بفعل التأويل . أمّا لفظة عاصفة فتعني ثورة وهياج واضطراب يحدث في البحر أو البر وجمعهاعاصفات وعواصف وهي صيغة المؤنَّث لفاعل عصَفَ . وتؤججها الرياح أو تنسباليها جاء في القرآن الكريموَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ ” الآية 81 منسورة الأنبياء، والعاصفة تحيل إلى الثورة، وإلى عدم الاستقرار والاضطرابالمؤدي إلى الخوف و التدمير، كما تطلق على كل هيجان مادي، أو معنوي ويحدّدمعناها الدقيق ما تضاف إليه (كعاصفة شمسية وعاصفة ثلجية وعاصفة الجنّوعاصفة حبّ). يقول ابو القاسم الشابي: يودُّ الفَتَى لو خاضَ عاصفة َ الرّدى ** وصدَّ الخميسَ المَجْرَ، والأسَدَالوَرْدَاأما الجن لغة فقد جاء في لسان العرب لابن منظور جنّ الشيء ستره، وبه سميالجن لاستتارهم واختفائهم عن الأبصار.لذلك كانت الجنة في اللغة البستانالعظيم الذي يستر ما بداخله، وهي مشتقة من: جنن التي هي بمعنى الستر، ولذلك، سمي الجنين جنيناً لاستتاره في بطن أمه، ومنه جنون الليل أي شدة ظلمتهوستره لما فيه…قال الشاعر: تزوّد من التقوى فإنك لا تدري ** إذا جنّ ليل هل تعيش الى الفجروفي مخيلة الناس على اختلاف مشاربهم، فهو كائن يخترق الزمان والمكان ولايثبت على هيئة. وهو عند البعض كلمة وصفية تخصّ كل شيء صفته الاستتارلكن إضافته إلى العاصفة حدّدت نوع الجن، فأعتي أنواع الجن هو (العفريت) والذي عادة ما يأتي بعاصفة.من دون أن ننسى الإبريق الذي هو مسكنه. ومنهيطفو الانزياح نحو السحر والتعاويذ وبعض البشر ممّن يشكلون وساطتهم،والإضافة نسبة بين شيئين على تقدير حرف جر، والتقدير هنا هو لـ “عاصفة للجنوهو ما يفيد الملكية، أو ربما يفيد التشبيه البعيد “عاصفة كالجن” كماأنها معنوية وليست لفظية.وإذا كان القصد من الجنّ الجنس كما هو ظاهرالكلام، فهذا نوع من التخصيص لأن الجملة ابتدائية. وعامة الجنّي مستقرّ في أذهان البشر جميعا أنه مخلوق قبيح الخِلقة أو مخيفويمتاز بالقدرة على التشكل فإذا تمادى وطغى يسمونه عفريتا. ويحيل إلىالاستتار والخوف والتوجس .كما يرمز في الأساطير والكتب المقدسة إلى الشرالمستتر الذي يخشى. يقول الله عزّ وجلّ في القران الكريم: “قال عفريت من الجن” الآية 39 منسورة النّملوورد في الكتاب المقدس العهد القديم “لا تَلْتَفِتُوا إلى الْجَانِّ وَلاتَطْلُبُوا التَّوَابِعَ فَتَتَنَجَّسُوا بِهِمْومن معتقدات اليابانيين أنهم يظنون الجن تحضر زفاف العروسين لذلك، وخوفا منشرهم يقومون بنثر الأرز والفواكه والنقود من اجل دفع شر هذه الأرواحالشريرة.وقيل أنهم يفعلون ذلك للتفاؤل بالرزق. وفي أمريكا اللاتينية يسترضون الجن للحصاد الوفير. والنوبيون يقدّمونالأضاحي برميها في النيل.أما الدهريون والملحدون فيعتبرونه من عالم ما وراءالطبيعة وأنه ناتج فقط عن “أوهام البشر “( س.فرويد ). كما أن بعضهم لا يرىلهم وجودا حقيقيا والأمر عبارة عن تصور وهمي. و تفصيلنا حول الجن يوضح بعضالمغزى من استعمال الكاتب له وإلحاقه بالعاصفة . العنوان بلاغيا : أما التقدير البلاغي للعنوان كاملا هو: هذه عاصفة الجن،أو هذه عاصفة للجن،فالجملة تشير ابتداء إلى تعريف معين. ومعنى المعنى بالمفهوم الذي أوردهالجرجاني يشي بأنّ الإشارة تستهدف المتن النصي كأنه يقول: هذا المتن الذيبين دفتي الكتاب هو عاصفة الجن.والانزياح يفتح منطلقا لاستدعاء كثير منالمعاني التي لا حصر لها بسبب اختلاف خلفيات القراء المعرفية لكل قارئ . وكأحد هؤلاء القراء تجعلني الإضافة أمرّ إلى التركيبين جنّ العاصفة وعاصفةالجنّ فأخلص إلى تبني المشاهد التالية: – مشهد العاصفة وما تحملهمشهد الجن في صوره التي تقترحها المخيلة البشرية. – مشهد الجن وهو يحدث العاصفة أو يفعلها. – مشهد عام للخوف والتوجس. – مشهد للآثار وما يترتب عن كل المشاهد السابقة . – مشاهد مضمرة كثيرة من بينها غضب الكاتب. هذه المشاهد تجعلنا نقول أن هذا العنوان يستجيب تماما لمقولةِ “التناصِّالذي يُعَدُّ إجراء يظهر مكونات الخطاب الإبداعي، ويظهر العناوين السابقةالمتمفصلة فيهِ، وتجلياتِها بشكلٍ دقيقٍ” (7) خصوصا التناصِّ مع جنسهالأدبي كما هو الحال بالنسبة إلى عناوين الروايات(عاصفة الصمت بيني جوردان ،عاصفة الحب صوفي وستون،عاصفة النار نيلسون ديميل،عاصفة صيف شيرليماتيوز،عاصفة استوائية فلورا كيد، عاصفة في قلب كيد والكر، متاهة الجنللروائي الكردي حسن متّه)، أو مع توصيفات تتعلق بفنون أخرى كـ فلم (عاصفةالصحراء ،وعاصفة الشمس). إننا نفترض سلفا أن الكاتب حين تشييده للعنوان، وفي لحظة واعية يكون قداستدعى كلّ ما يطفو على سطح ذهنه من صور تتعلق بخامه القرائي والتجاربي ممابيرّر لنا الحفر في العنوان عبر تتبّع معنى المعنى. الذي يحيلنا الى السمات التالية: ـ حقق العنوان وظيفة اولية كظاهرة تمزج بين الطبيعي وغير الطبيعي سيتكفلالمتن النصي بالإجابة عنهاـ والعنوان كواجهة تخفي وراءها قصدية الكاتب المحدد لرؤيته داخل النص . ـ حقق وظيفة اللمسة الاولى لتشكيل اللوحة النصية (وظيفة العتبة). ـ اختيار الكلمة التي تعطي مدلولا حسيا (ظاهرا ) وإضافتها إلى كلمة تعطيمدلولا معنويا( مستترا) . ـ التميّز في جمع ما لا يجمع طبيعيا.وهي إحدى الدلالات المؤشرة على مزجالواقع بالمتخيل وإن كان يجري على العنوان ما يجري على النص.فثمة تمازج بينأشياء لا تأتلف في عادتها. لان قيمة العنوان البلاغية ، تضاهي قيمة المتن نفسه كما نشير هنا الى الحذفالذي يظهر على المستوى النحوي، كحذف لام الجر أو بشكل أبينالإضمار،ونتساءل: هل أملته ظروف تدقيق العنوان.كما نطرح أكثر من سؤال حولالأبعاد التي تتوخاها المكونات المتضمنة في العنوان وهي : – المكون الزماني وقت العاصفة الذي له بداية ونهاية وما قبلها هدوء ومابعدها هدوء. – المكان كمكون أساسي فهو الفضاء والمسرح الذي شهد العاصفة أي: مكان حدوثالعاصفةعن تجليات العنوان في الغلافاللوحة من انجاز الفنانة هالة الشاروني ومضمون اللوحة رجل ملامح وجههبرونزية ثابتة، كمعلم في ساحة أو رجل ثلج نبت من محيطه الثلجي، ويمسك ببيضةأو كتلة ثلج ويضعها بحرص في العش توحي بالحنان والرعاية، والإهتمام.. وحالة السَّحَر كما تبديها السماء، التي تشير إلى الهدوء أكثر مما تشير الىالعاصفة مما يجعلنا نتوقع اقتراحا جديدا لمفهوم العاصفة في ثنايا النصتماشيا مع مفاهيم أخرى مقترحة في مجالات أخرى كـ (الثورة الناعمة) و(ثورةالياسمين). وهو ما يحيلنا الىالتساؤل عن إمكانية اختيار الكاتب لصورة الغلاف اعتباطيا أم لحاجة في نفسهام أن الاختيار خرج هن نطاقه . وقد نلحظ تشابها مع الواقع يمر من خلالالتركيب الذي اعتمده الفنانة بين الريشة وبرنامج الرسم لتوحي من خلال انسانوالمكان الى رمزية الحب والحنين. و في الأخير يجدر بنا أن نسال هل هذا العنوان تولى عبء الحمولة الدلاليةللنص؟ ذلك ما سنكتشفه لدى قراءة النص.

 

 

 

* محمد بلقاسم الشايب ( قاص وروائي جزائري)

 

 

.

اترك تعليقا