بنيت القصيدة العربية القديمة على ظاهرة فنية تمثلت في مفهوم المقدمة،وقد اختلفت من شاعر لشاعر ومن عصر لأخر، تعوّد الشعراء على افتتاح قصائدهم بها كحديثهم عن الأطلال مثلا،يقول بن برد في مقدمة قصيدته التي يمدح بها عقبة بن سلم:
يا دار بين الفرع والجناب عفا عليها عُقب الأحقاب
قد ذهبت والعيش للذهاب لما عرفناها على الخراب(1)
فبشار بن برد يحدد موقع هذه الأطلال التي وقف عليها مشيرا للأحقاب التي تعاقبت عليها،وإلى جانب المقدمة الطللية نجد “الغزلية ” التي رجح القدماء فضلها للمهلهل بن ربيعة الذي قال الغزل في أوائل أبياته وأطالها وغير ذلك من المقدمات،غبر أننا نلاحظ أن القصيدة تغيرت في العصر الحديث وصارت أكثر تعقيدا من سابقتها،ففي حين كان يُعبر عن القصيدة القديمة بمصطلحات بدت غير مفهومة عندنا ربما لتباعد العصور ولكن معناها واضح ومحدد،صارت اليوم كلمات القصيدة عادية وبسيطة لكن معقدة في تركيبها، ومعناها يتجه نحو الغموض ويستعصي في بعض الأحيان على المتلقي، وهو تغير فرضته أنماط العيش الحديثة بما اشتملت عليه من تغير البيئة ودخول الشاعر حياة غامضة في ظل التطورات الحديثة،وتجلى التجديد في القصيدة بدءاً بتنوع المواضيع وانتشار استعمال الرمز والغموض الذي أحيانا ينقص من قيمة القصيدة حين يتحول إبهاما لا ينسجم معه المعنى.وغدا الاهتمام بالصورة الشعرية وبالمحتوى أكثر من الجانب البديعي منه.
و الفيروزي…شاعر رسم من الحرف قصرا من المعاني أسكنها ما بثه القلب وروّحت به النفس عن النفس في نسق جميل سلس عذب ينفذ عبر مسامات الروح المحبة، يفتتح ديوانه ” دموع النخلة العاشقة ” بإهداء لتلك المرأة التي ألهمته فرسم لها من الكلمات جنة محبة قائلا:
“ إليك يا امرأة تموت…ليحيا الشعر…فتخلد…فيروز”
هي إذن ” فيروز ” قاهرة الزمن والمكان،الساكنة روح الشاعر الفيروزي حتى أخذت من اسمه نصيب ” الفيروزي” في شكل متناغم غريب قليلا عن الأسماء الأخرى.
و الشاعر ” الأزهر عجيري الفيروزي” من الشعراء الجزائريين المعاصرين الذين أعطوا اهتماما للنص الشعري انطلاقا من الموضوع الذي يتنوع كل مرة وصولا إلى الكلمة المنتقاة بدقة تنعكس إجابا على جمالية النص الذي لا يمكن أن ينسجه إلا شاعر أحب فأخلص فكتب.
باحت فُويزى بسر كنتُ أرقبُــــــــــه والدمع من مقلتي كالنار أسكبه
يهتز بي الشوق والآهات تعصرني بساطها الريح كان الغيث يصحبه
يا بهجة الروح يافرحي ويا حزني هـــــــذا غرامك للأجيال أكتبـــه(2)
في كل قصيدة من الديوان حضور قوي لفيروز بكل الأشكال، بكل الصيغ(فوزى،فويزى،فيروز،فوز…) يستحضرها الشاعر بداية بقصيدة “لحن التصابي ” ثم “بساكرة في هوانا ” كأنما يؤكد لها صدق وعده وبقاءه عليه، بعدها ينفجر الحب صارخا في قصيدة “ثورة الحب” و ” عرش الحب” إلى أن يصل في الأخير إلى إسكات قلبه لائماً إياه في قصيدة “صه يا فؤادي ” وقبلها ” مذنبة” كأنما يقول هي مذنبة فاصمت يا هواي وكفّ عن حبها.
جاء ختم الديوان بتلك القصيدة “صه يا فؤادي” ختم مناسب للديوان،كأنما من بعد طول بوح ورجاء في القصائد السابقة يعاتب فؤاده طالبا منه أن يصمت بعدما أعياه النداء، وبعدما لم يلق من فيروزه سوى الصّد والبعد والجفاء ،فيروز التي بخلت عليه بوصالها يقول لها معاتبا في بيت دقيق الكلمات رقيق العتب:
لأجل رضاك سفكتُ دمائي بخلت عليّ بقطرة ماء(3)60
واضعا مقارنة بين عزيزين “الدم” و”الماء” ، والأعز هو ما جرى بجسم الإنسان ليحييه،فهو ما بخل عليها بدمه الذي هو سبب حياته حتى تبخل هي عليه بشربة ماء تحييه وتطفي عطشه ، وهي موازنة جميلة زادت القصيدة حسّا فنيا باهيا،كما أنه قد سبق وارتوى من ماء حب فيروز ،وهو هاهنا إنما يطلب بعودة ذاك الارتواء الذي حل محله عطش آلم الشاعر وأضناه حتى أعيا قلبه الذي صرخ عطشا فطلب منه الشاعر أن يصمت قائلا “صه” بمعنى “كُف”،ودليل أن فيروز قد سبق وأن كانت يوما قريبة من الشاعر هو قوله من نفس القصيدة “صه يا فؤادي”:
فيا فـــوزُ قولي لعينيك كُفّــــــــي ويا فوز رُدّي إليّ ارتوائـــــي(4)
وفي قصيدة “بساكرة في هوانا” أيضا تذكير بعهد كان من فيروز بالمحبة،يقول:
ودّعتُ قومي إذا ما الشوق داعبــنـي إلى حبيب قديماً كان هاوينـــــــــــــا
مالي وفوزى تداعت بالعدى حججا أين الأماني التي كانت تنادينــــــــــــا؟
أين التسابيح يا وردي لمَ انتفضـــت تحت الضلوع هوىً قد صار يُفنينا؟
أين القوافي التي كنّــا نغــــازلــهـــا أم أنّ شعر الغــــرام لا يوفيـــــــــــــنا؟(5)
أثر البيئة الصحراوية البسكرية على الشاعر:
ما من شك أن الشاعر ابن بيئته،كذا هو الحال مع الفيروزي الذي نراه يستعير من الواحة ماءها ورملها ومن النخلة صبرها وشموخها وتمرها حتى أنه عنون ديوانه بأحد تلك العناصر التي ترمز للصحراء “نخلة” فجاء “دموع النخلة العاشقة “هو اختيار دقيق “نخلة” وهي من الأشجار الوفية التي تمنح لصاحبها حياته إن هو اعتنى بها وأخلص في حبه لها، والفيروزي كأنه نخلة محبة صابرة على العطش مكتفية بالارتواء بدمعها فقط لتحفظ ودّ فيروز البعيدة الحاضرة في كل قصيدة من الديوان وفي كل نفس من الروح.
ينتمي الشاعر لبيئة صحراوية حارة ،يفتش فيها ساكنها عن كل ما يخفف تلك الحرارة،مستعينا بماء زلال بارد وبواحات تمتد ظلال نخيلها جنة،ونجد الفيروزي الذي ينتمي لهذه البيئة لا يجد أبلغ من العطش الذي يصيب الإنسان في بيئة كتلك فيصبح جاف الحلق مشقق الشفة ،باحثا بلهفة عن قطرة ماء تساوي هناك حياة ،فهذه الحالة التي تصيب الإنسان الصحراوي هي ما تجعله يحس بقيمة تلك القطرة التي تعيد إليه الحياة،وحده من يسكن الصحراء يدرك قيمة ذلك،كذا شبّه الراوي حبّه لفيروزه ،فتأثره واضح ببيئته واستعارته من عناصرها يزين قصائده المتنوعة ومن العطش نستحضر مثالا آخر على أثر البيئة الصحراوية في قصيدته “مذنبة” قوله:
سلي من رآني أناشد شايــــي على أن يلذّ لكي أشربــــه(6)
وظف الشاعر كلمة “الشاي” بدل القهوة أو أي مشروب آخر لأن الشاي من مشروبات الصحراء المقدسة ،التي تقام له جلسات خاصة وسهرات لا يمكن أن تحل محله القهوة التي غالبا ماتكون حاضرة بالمناطق الباردة كالشمال عكس الشاي الذي لا يفارق أي جلسة صحراوية مهما كانت،وبهذا اختار الشاعر هذا المشروب دون غيره لأنه هو الطاغي على الجلسات البسكرية الصحراوية وبالتالي البيئة الصحراوية حاضرة من خلال مفردات الشاعر حتى وإن وظفها دون قصد.
ومن الشاي للنخل والرمل و الطين،يقول في قصيدته”بساكرة في هوانا”:
جدّد نداءك للفيروز تأتينا فالنخل باك لها ينعي البساتينا(7)
ويردُ ذكر النخل في موضع آخر من قصيدة “عرش الحب”:
بين الجنان أتيه غير مقلّــــــــد ثمرُ النخيل لكم أحب زُلاله
القرب ضيف لا يطيل مكوثه والبعد ليثٌ لا أطيق نزالــــــــه (8)
ومن الطين والرمل نسج محبة في قوله بقصيدة”ثورة الحب”:
خٌلقنا من الطين الذي يا حبيبتي إليه غداً لما نموت نــــــــؤول
فحضنك طين وحضني مثلـــــــه أودّ..وحضنك عليّ بخيل(9)
وفي قوله أيضا بقصيدة “عاشق نخلة”:
فما للفؤاد من نصيب يُرجّى وهل من تراب غير طين ووحل؟(10)
هكذا رسم الشاعر الفيروزي أبياته،ناحتا من النخل تارة مستمدا منه تمره وجريده وصبره ، خاطاً بقلم المحبة على الرمل ، مشبها حبه بصبر ودمع نخلة صامدة رغم ريح البعد وغدر الزمن، مخاطبا فيروزه بودّ لعل النداء يصل، يخط بدمه قصائد تخلّد قاهرة بذلك الزمن والمكان،هكذا هو الشاعر “الأزهر عجيري الفيروزي” لمن لا يعرفه، شلال حب منسكب بصدق على الكلمات.
الهوامش:
الشعرية العربية، نور الدين السد،ديوان المطبوعات الجامعية،الجزء الثاني،2007،ص:32
ديوان “دموع النخلة العاشقة،الأزهر عجيري الفيروزي،دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع،الطبعة الثانية،2003،ص:09.
الديوان نفسه،ص: 60.
الديوان نفسه،ص: 61.
الديوان نفسه،ص: 12-13.
الديوان نفسه،ص: 59.
الديوان نفسه،ص: 12.
الديوان نفسه،ص: 29.
الديوان نفسه،ص: 28.
الديوان نفسه،ص: 40.
* بهيليل فضيلة) ناقدة وباحثة جامعية من الجزائر)
.




