حيـاكة ثـوب …بقلم سناء سليمان سعيد*
بواسطة مسارب بتاريخ 8 يناير, 2014 في 06:38 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1376.

 

بيكــاسو

 

هكذا بدأت فى الشرود ، وهى حاضنة لحفيدها الأول ، وتتذكر كل آهات الزمن القاسية ،والموجعة، والمؤلمة ، حقاً إنها مؤلمة ، سنينها كلها مؤلمة وحزينة .وفجأة سمعت صراخ يأتى على مقربة منها ، هو حفيدها الصغير الجميل الذى يحمل لها كل معانى السعادة، وجاء صوته كأنه ايقظها من نوم عميق ، جوعان ، يريد أن يرضع ، تنادى على أمه ؛ لكى تأتى تأخذه ، وترضعه حتى يشبع ، وتقوم بالتوصية المعتادة ، ارضعيه حتى الشبع ،واجلسى معه حتى ينام ، وكأنها تتذكرنفسها حين كانت صغيرة ، ماذا كانت تفعل مع أبيه ؟!كيف كانت تتعامل معه وهو صغير؟.
كانت ترضعه ،أم كانت تتركه للجيران والأقارب ، وتذهب هى للعمل مع أبيه فى محل صغير ، نعم عملت معه ، ووقفت معه ، وتعبت كثيراً وتحملت الأكثر ، لكى تربى أولادها ، وتراهما يكبرا أمامها ، وتحافظ عليهما من أى شىء حتى لو بسيط ، أهانها كثيرا ً واستحملت أكثر ، إلى أن جاءت لحظة النهاية وهى اللحظة الحاسمة ، والتى مثلت بالنسبة لها لحظة الحياة ، إنها تقوى وتصمد وتستطيع أن تفعلها …نعم تستطيع أن تتجرأ وتقولها ، ياااااااااااه أخيراً طلبت أقل حقوقها ، طلبت الطلاق ؛ لكى تبعد عن كل هذا الأذى وتتركه بما فيه هو وزوجها ، الرجل الأنانى ،الخائن ، الكاذب ، المزيف ، الهمجى، التافه،والذى يتلاعب بها ويخدعها فى اليوم كل ساعة بل كل ثانية .
انتبهت على صوت ينادى ماما….ماما …الأكل جاهز تعالى ياست الكل ، ماما مالك يا حبيبتى ، أنت تعبانه ، ولا سرحانه ، ولا  فيه ايه يا حبيبتى. .
ماما …ماما فيه إيه ، هكذا قالها المهندس:-

 وهو الابن الأصغر لها ، فجأة انتبهت من شرودها الذى  سافر بها بعيداً فى زمن الثوانى والدقائق والساعات والأيام والشهور والسنين الصعبة المؤلمة التى قتلتها.
وقالت:-

 لا يا حبيبى لا مفيش ، المهم أنتَ عامل إيه ، وأخبارك إيه ، أنتَ كويس ، يلا بأه يا باشمهندس عايزين نفرح بيك ، أنا بتمنى هذا  اليوم يأتى  بفارغ الصبر ، وبعدما فرحت بأخيك الأكبر، ورأيت ابنه ، وسعدت به أيما سعادة ، عايزه أطمأن عليك أنتَ كمان ، علشان أموت مرتاحة وأحس إنى عملت كل  اللى عليه .
ماما بعد الشر عنك ، ليه بتقولى كده ، لا قومى يا ست الكل إن شاء الله هتفرحى وربنا هيعوضك خير عن كل اللى فات ، إيه ده . ماما أنت لسه بتحبى الخياطة ، شردت مرة أخرى وتذكرت يوم فراقها وعودة الحياة لها لخروجها من هذا المنزل.
عندما شاء الله و شاءت الأقدار فأتى هو ، وردها إلى بيت أبيها بنفسه.

 ( بيت أبيها فترة الحياة المرحة والجميلة، وريعان الشباب،وترك الهموم ،أيام تجمع الأخوة والأخوات،واللعب ، والضحك، والبراءة التى لا حدود لها ولا تعرف طريق الخبث ولا الكراهية والحقد ،وأيام تحضير الطعام،والمنافسة فى المذاكرة،هكذا تذكرت نفسها أيام الطفولة والشباب).
وهكذا فعلها ظناً منه إنه نجح فى الاستهزاء بمشاعرها،ومشاعر أهلها ،ولكن وأاسفاه كل ما فعله انقلب عليه ،تركته ، نعم تركته وقررت أخيراً النجاة بعمرها وبفلذة كبدها ، بالطبع سوف تأخذ وقت لتقف على قد ميها ، ولكنها سوف تعوضه بطريقتها الإيمانية الصحيحة التى تربت عليها ، وسلوكها الذى يزينه الصبر كعادتها، وحكمتها فى تدبر الأمور ،وأخيراً وجدت طوق نجاة من كل هذا الظلم والقهر التى عاشته فى حروف هذه الكلمة (الطلاق )،واستطاعت بالفعل أن تنجو ، والحمد لله لقد نجت ونجحت معا، ولكنها لم تنج  من سيل الذكريات الذى يهاجمها دائماً ، وكأنه يقول لها لن أتركك فى حالك (أنا موجود دائماً فى حياتك ومحفور فى ذهنك)، بالفعل أخذ ت أولادها الابن الأكبر أصبح محامياً مشهوراً ، وتزوج وأنجب حفيدها الجميل ،تحبه ، وتسهر معه ، وتلعب معه ،وتخاف عليه . وتطعمه بيدها ، ولولا صغره لأخذته من أمه إلى الأبد . .
أما الابن الثانى فأصبح مهندساً معمارياً يعيش معها أيضاً ، وتسعد أيما سعادة برؤيته ،ورؤية حفيدها عندما يلعب ،أويحاول أن يشاور، أو يلتقط بعض حبات الطعام الصغيرة ، وهى ما تزال جالسة تصلى،وتقرأ القرآن كما اعتادت كل يوم ، وتحاول جاهدة أن تنجز فى حياكة الثوب التى وعد ت به فى عيد ميلاد حفيدها الأول، وفرحتها الكبرى به ، نعم تجلس ماسكة فى يدها قطعة من القماش الملون بألوان جميلة جداً وأفضلها الأحمر والأبيض والأسود والمطرزة بخزفة رائعة ، وهى ما زالت مصرة أن تحيكه بيدها تعبيراً عن سعادتها بحفيدها ، وكأنها تحيك السعادة معه بأبرتها الصغيرة المدببة ، وخيطها القوى المتين ، ومسكتها المتقنة لها ، وفشلوا فى اقناعها إنه عنده الكثير من الملابس الجاهزة، وأن حياكة الملابس عادة قديمة ، لم يعد مرغوب فيها الآن ، ولكنها أصرت ، وقالت لا ، إنه ابن ابنى الأكبر ، وفرحتى الغالية ، وتعويض زمنى لى ،وحفيدى الأول وهو أعز وأغلى شخص على قلبى ، يجب أن أحيك له هذا الثوب بيدى وبطريقتى وبأسلوبى لأضفى له حبى فيه ، لأن هذا الثوب له قيمته الخاصة ، ورمزيته الفريدة التى اقدرها أنا ، أما أنتم يا من تدعون لكل ما هو جديد وحديث وتنسون الأصل ، ولا تعرفون قيمة الأشياء التى نصنعها بأيدينا ومدى جمالها ، وآصالتها فهذا شأنكم، ولا تنسوا أنى درست الحياكة والتفصيل فى شبابى ، فأنا أهوى هذه المهنة منذ الصغر ، ضحك الابن الأصغر وقال اتركوا أمى ، فأنا أعلم من هى؟ ، وكيف تفكر؟ ،وماذا تفعل؟  لكى  تسعد من تحبهم ، اتركوها فأنا أعلم أنها على الطريق الصحيح ، مهما جاء عليها الزمن وتقلبت بها الخطوب ، وتعرضت للخيانة أو الغدر والظلم والقهر ؛ ولكنها هى أمى القوية ، أمى الشامخة ، أمى العظيمة، التى لا تنحى لأحد إلا الله سبحانه وتعالى ولن تخضع وتركع إلا لله سبحانه وتعالى أيضاً
وطبع على جبينها قبلة عميقة ، وكأنها تخرج من القلب بدون وسيط مباشرة إلى جبين الأم الحبيبة ، وأستأذن ؛ ليذهب للعمل، وهى ما زالت منشغلة ومستمرة فى حياكة الثوب .

 

 

* سناء سليمان سعيد ( قاصة من مصر)

 

 

.

 

 

 

اترك تعليقا