الطائر الذي بدد سراديب الصمت / قصة قصيرة / قلولي بن ساعد *
بواسطة مسارب بتاريخ 10 يناير, 2014 في 08:28 مساء | مصنفة في متعة النص | 4 تعليقات عدد المشاهدات : 3160.

 

 

 

طيلة السنوات الأخيرة لم يتغير شيء في المدينة الناس “ألهاهم التكاثر”…أجساد تدنوا وأخرى تجيء من كل زوجين إثنين جمع الله بينهما بالمودة والرحمة وبذلك الشيء الجميل الذي لا يقال عادة في الهزيع الأخير من الليل أو في الصباحات الباردة قبيل صلاة الفجر في لحظات الشعور بالدفء ونسيان هموم الدنيا إلى حد الإلتحام لطرد ذلك الشعور بالبرد والوحدة وبالجوع والعطش البيولوجي المخبوء في الأفئدة وفي الأنفاس اللاهثة كل يوم تدفع المستشفيات مواليدا جددا إلى المجهول حيث الجوع والمسغبة والإنحراف وتضاعف مشاريع الدولة التنموية من دون تخطيط أو انسجام أو خصوصية معمارية …لا زال الفقراء على حالهم فقط من مات منهم هم في الأصل موتى كلهم دون إستثناء سوى أن بعضهم غادر مسرح الدنيا ولم نعد نرى لهم أثرا بالعين المجردة أمام أبواب المساجد والبيوت الواطئة الملتصقة بالأرض أو فوق التلال والهضبات الترابية ينتظرون قدرهم أو يتحدثون عن منسوب مياه المطر وصلاة الأستسقاء وأسعارالقمح والماشية والبن والسكروالزيت بالرغم من سقوط دول وزوال رجال شحنوا الدنيا جورا وطغيانا وصخبا وعنفا أمام أبناء سلالة ” ياجوج وماجوج ” الذين لا يعرف لهم نسب أو تاريخ وقد أبادوا جحافل الهنود الحمر عن آخرها وإستولوا على أراضيهم وأقاموا فيها إمبراطوريتهم العظمى بعد صمت أو إنسحاب من الدب الأبيض فاسحا المجال لهم للعبث بمصائرالناس وآفاقهم هنا وهناك على طول المعمورة وعرضها دون حسيب أو رقيب أو رادع أو وازع يثنيهم عن حماقاتهم أو يتصدى لهم وحده” قدور بومحيزمة ” الذي لا زال كعادته يذرع شوارع المدينة وساحاتها العمومية طولا وعرضا ..يصدح بصوته الذي بح من الكلام مستنهضا الهمم ملقيا باللوم كعادته على المتسببين في أخطاء الماضي وعدم أخذ العبرة منه والإستفادة من دروسه الكثيرة …لكن لا أحد أيضا يلقي له بالا أو يعير لكلامه أهمية تذكر عدا بعض الأطفال والشباب والمراهقين الذين يدفعهم الفضول لإثارته ودفعه إلى المزيد من البوح وإخراج ما في صدره من أخبار وسير لحوادث ووقائع من النوع التي يحب ترديدها وكلها تعود إلى سنوات الثورة وإرهاصات الإستقلال وبدايات الفتنة و الصراع على السلطة ….لست أدري لماذا ألصق بإسمه الناس صفةبومحيزمةهل سبب ذلك الحزام الشبيه بالأحزمة العسكرية الذي يشد به جلمود” وسطه ليعدل من هيئته حين يود الإنصراف والتوجه نحو حمام بن قويدر الذي يأوي إليه آخر الليل .. و يتخذ من غرفة مستقلة فيه مأوى له لا أدري على وجه التحديد … غموض كبير لازال يلف حياته ومسيرته ….ولا أحد أيضا إلى الآن يعرف أصله وفصله وجذوره القبلية ولا من أين جاء أو مساره المهني أو النضالي أو ماهي صلته بأعظم ثورة في القرن العشرين وإن كان من المساهمين فيها أو هو مجرد شاهد على بعض مراحلها لكن هوسه بها وبالرموز الثورية المعروفة على أوسع نطاق الأحياء منهم والأموات وببعض وقائعها المجهولة ودهاليزها الخفية يدهشك بالتفاصيل الحية التي يسردها بروح الملم بحيثياتها وأبعادها …يحدثك بمشاعره النابضة دون أن يتوقف أو يتعب من الكلام وعندما يصل إلى المحطة التي يحددها بنفسه لأسباب لا يعلمها إلا الله يغرق في شرود طويل يلازمه بكاءه المتقطع وصوت أنينه المفجع كطفل أفتكت منه لعبته الأثيرة أو جزءا من وجدانه ربما حسرة على مامضى وعلى ما نحن عليه ثم سرعان ما يعود إلى شهوة الحكي وسحره وعيناه تتطلعان إلى وجوه المارة والفضوليين المستسلمين لأقدارهم المنصرفين للبحث عن ما يرضي فضولهم وشقاء أنفسهم الباحثة عن فرحة ممكنة أو وجبة تسد الرمق وتطفىء صهيل الجوع القائم في النبض وفي الأفئدة الكثيرة ..تنهمر المعلومات الدقيقة من لسانه وبين أسنانه التي بدأت تتآكل بسبب تقدمه في السن فيبلع ريقه لإستعادة أصوات من قضوا نحبهم من الشهداء يحدثك عنهم وعن جذورهم القبلية ومساراتهم الحياتية لا تخطئه شاردة أو واردة حتى أولئك الذين ذهبوا للقتال في حرب الرمال أو الذين زج بهم في الصفوف الأمامية في حروب العرب مع إسرائيل يعرف عنهم أدق التفاصيل والجزئيات لم أره يوما واحدا يشتم أحدا أو يرد بعنف ووحشية على تعليقات الساخرين به رغم أنه فاقد لقدراته العقلية على ما يبدوا سوى أنه يردد بين الحين والآخر عبارة الجرذانولست أدري من يقصد بها …هي العبارة التي سمعتها منه قبل أن أسمع أنها تتردد أيضا على لسان قائد عربي وصف بها شعبه حين أراد الأنقلاب عليه وقد هده الوهم والخبل قبيل سقوطه مضرجا بدمه في ساحات القتال على أيدي فتية أوهمهم أبناء سلالة ” يا جوج وماجوج” النتنة المزهوة بعنجهيتها وكبريائها بالحرية والعدالة الاجتماعية والتداول السلمي على السلطة وبالكرامة الإنسانية …كان قدور بومحيزمة من طينة خاصة من الرجال هي في طريقها إلى الزوال والإندثار ..هو لا يحقد على أحد ولا يحمل أخبار الضغينة أو سوء الطالع يكفي أنه يحدثك بصدق وأن الألم يعصر قلبه الهش عصرا حين لا يقوى على الكلام أو يصيبه مس من أوجاع الماضي وبئس الحاضر والمصير ففي ما مضى وقبل أن أقترب منه ويقودني الفضول إليه لم أكن أصدق أبدا ما كنت أعتبره ترهات رجل مريض أشرف على الجنون …الآن لقد بدد بما سمعته منه كل متاهات الشك والتناسل التي ظلت عالقة بذهني …كلامه تحول فصار له طعم الرصاص كأني أختبره لأول مرة لأتخطى شللي وعجزي عن إكتشافي له المتأخر مثل كتاب ممنوع أو محاصر طالته يد الرقابة لتلقي به في درج النسيان أو كالعنقاء أو كطائر الفينيق الذي إنبعث من رماد السنوات في سماء مدينتنا …لقد وقفت على تفاصيل مهمة في مسارات حركة التاريخ وصلت إلي صافية لاشية فيها كنبع شلال من الماء الزلال وكنت عندما أعود إلى البيت أسرد على جدي ما سمعته منه فيؤكد ذلك وهو الشيخ الطاعن في السن الخبير بالحياة ويقسم بالله العلي العظيم وكتبه ورسله واليوم الآخر وبجده سيدي نائل أن هذا الرجل الأبله هو أعقل الناس جميعا ربما يكون قد تعرض لمؤامرة أو مكيدة بعد وقف إطلاق النار وأنه ينام الآن على مادة دسمة لقول كل الحقائق المرة التي ميزت مساراتنا منذ فجر الثورة والإعداد لها من دون مساحيق النفاق الإجتماعي السائدة بجزائر اليوم وكلما غاب عن المدينة أو خلت الساحات والشوارع منه ينتابني شعور بضياع جزء من التاريخ والريبة من الآتي ومنذ أن وثقت به إلى الآن بدأت أضيق ذرعا بكتب التاريخ الرسمية ..الكتب التي لا تحدثك سوى عن الأمجاد والبطولات التي لا شك فيها لكنها تتحاشى قول الحقيقة كل الحقيقة وذكر الإخفاقات والعثرات الكثيرة المتداخلة وردود الأفعال العنيفة وتصفية الحسابات الوحشية وما أكثرها

 

*قلولي بن ساعد ( قاص وناقد من الجزائر)

 

 

.

 

التعليقات: 4 تعليقات
قل كلمتك
  1. محمد الصغير داسه قال:

    نص ممتع وجميل شاخص بالحقائق والرمزية…دام ابداعك وتألقك..ونحن سعداء بقراءة نصوصك الماتعة بحق..التحية وعظيم التقدير..م.ص.داسه

  2. قدور بومحيزمة.. هذا الشخص المتفرد في المجتمع.. المجنون في نظر الناس.. الحكيم في نظر جد الراوي.. الذي يجول في شوارع المدينة طولا وعرضا.. يقول كلاما، لا يفهمه غير الذين خبروا الحياة، وذاقوا طعم المرارة والخيبات…”بومحيزمة” مع أن الراوي ” الكاتب” يعترف بجهله سبب هذه التسمية.. ونحن القراء، من جهتنا نتساءل لم استعمل التصغير “بومحيزمة”، ولم يستعمل ” بوحزام”. ويبقى للرمز دوره وحلاوته في ذلك “بومحيزمة” تحيل إلى كثير من التأويلات .. فقد يقول البعض: للمرتبة الاجتماعية للبطل دور في ذلك.. وقد يكون التصغير من قبيل التحقير ـ في نظر العامة ـ وقد يكون من قبيل التعظيم ـ لدى من يعرفون الرجل حق المعرفة ـ
    يبقى أن نعترف أن الأستاذ بن ساعد، استطاع بفضل قدرته على التكيف، وقول الكثير في قليل من اللفظ، أن يختزل المجتمع ـ أو قد أجرؤ وأقول العالم ـ في نص قصير.. يحمل في نفس الوقت أوزار الماضي، وهموم الحاضر، وضبابية النافذة المفتوحة على المستقبل..
    النص ذو بطل وحيد.. ولكنه ليس وحيد العضوية.. وعليه، فهو مادة خام لنص روائي… لو أراد له الكاتب ذلك..
    الرمز الدافق في التعبير: ” الجرذان” مع أن الحاكم العربي أطلقها على أهله من قبيل التحقير والتصغير.. إلا أن اللفظة شائعة ـ حسب اعتقادي ـ في المخيال الشعبي.. إذ يستعملها العامة في التشنيع بأعمال الدسائس، نظر لأثرها الخطير، في تشتيت الوحدات، كما تشتت الجرذان الورق والقماش..
    لم يحتج الكاتب إلى لف ودوران ، لكي يبني نصه، بسرد سلس، ولغة مفهومة، خالية من التكلف.
    والعنوان؟؟ هذا العنوان، في كلمة واحدة، ولكنها محيرة لمن لا يقدر على التعمق في شخصية البطل ” قدور بومحيزمة” ، وسبر أغواره.. هذه الشخصية التي تشبه في عمقها ذاكرة التاريخ، التي لا تسمح بالعبث واللعب ، وهو يوجه كلامه” الجرذان” ، في وجه أولئك الذين يتطاولون على صروح الحقائق التاريخية، ويؤممونها لصالحهم، لأهداف ضيقة..

  3. الأستاذ محمد الصغير داسة شكرا جزيلا على كرم القراءة أنت قاص ولا شك تعرف حدود اللعبة السردية إني هنا بعد كتابة هذا النص ونشره أستمع وفقط

  4. الأستاذ محمد بوحبيب ككل مرة تفاجئني بقدرتك على الغوص في أعماق النص الإبداعي وتفكيك بنياته وهذا لا يتأتي طبعا إلا لمن يملك ذائقة إبداعية وثقافة سردية لا غبار عليها شكرا عاليا على هذا التفاعل المثمر منك مع هذا النص القصصي

اترك تعليقا