الأسلوبية هي الوريث المباشر للبلاغة: يحددها بهذا التعريف، أول وروود للمصطلح، عند نوفاليس Novalis. مر المصطلح خلال القرن التاسع عشر، من الألمانية إلى لغات أوروبية أخرى، بالتحديد إلى الانجليزية والفرنسية: تسجيل ولادة النظرية في نهاية القرن التاسع عشر بانسحاب البلاغة، حتى وإن كانت الأسلوبية تتضمن بعض مظاهرها، بالخصوص تحليل الصور والمجازات. لا يجب أن نستنتج من هذا أن مفهوم الأسلوب كان غائبا في التحليل البلاغي: هكذا يندرج التمييز بين الأسلوب البسيط والأسلوب المتوسط، والأسلوب النبيل ضمن التصنيفات التقليدية للبلاغة.
أسلوبية اللغة والأسلوبية الأدبي:
تبلورت الأسلوبية منذ نشأتها بحسب اتجاهين، اعتبرا غالبا متعاكسين:
أـ أسلوبية اللغة,أي وجود وجرد مجموع العلامات المتغيرة (تقابل العلامات الإجبارية للقانون) الخاصة بلغة معطاة: هكذا نتكلم عن أسلوبية فرنسية ألمانية انجليزية, إلخ. منذ 1873, ينطلق ولهالم فكرناكل Wilhelm Wackrnagel من تميز المظهر الذاتي (الفردي) والمظهر الموضوعي (الاجتماعي) للأسلوب, ويقترح تخصيص مصطلح »الأسلوبية« لدراسة ظواهر النوع الثاني, لأنها قابلة لأن تستجيب – كماً- للقوانين العامة. وتندرج معالجة الأسلوبية الفرنسية لشارل بالي(1909) في هذا الإطار: يريد بالي إقامة أسلوبية الكلام بصفة عامة, وليس أسلوبية الآثار الأدبية. منطلقا من فكرة أن اللغة تعبر عن الفكرة والأحاسيس, يعتبر أن تعبير الأحاسيس هو الموضوع الخاص للأسلوبية. يميز بالي بين نوعين من العلاقات يسميها الأحداث الطبيعية والأحداث عن طريق الاستحضار: الوقائع الأولى تخبر عن الأحاسيس التي يثيرها المتكلم، والثانية عن وسطه اللساني. هذه الوقائع نحصل عليها عبر اختيار صائب من بين العلامات المتغيرة للسان, خاصة في المعجم, وبدرجة أقل في التركيب: يتوفر الاثنان على عدد من الإشكاليات المتطابقة لتعبير الفكر, لكن بحمولة عاطفية مختلفة في العقل ذاته, وفيما بعد عالمان أسلوبيان آخران ( مارسو,كريسو.MAROUZEAU, CRESSOT) يصفان كل الأصوات نسقيا: أجزاء الخطاب, البنيات التركيبية والمعجم, مرتبطين كل مرة بما هو خارجي عن المحتوى المفهومي.
ب- الأسلوبية الأدبية:
أي تحليل المصادر الأسلوبية المفترضة الخاصة بالتطبيقات الأدبية.عكس أسلوبية الفنون التي تهتم بالأسلوب الجمعي أكثر مما هو فردي، فإن الأسلوبية الأدبية قد مجدت في كل الأزمنة الآثار-أو على الأقل الكتاب- في فرديتها. بفضل هذا الجزء المأخوذ, و في الوقت الذي تفضل فيه الأسلوبية مفهوم اختيار الأسلوبية, قد واصلت الأسلوبية الأدبية لأن تكون أسلوبية الانزياح ,بما أن الأسلوب الأدبي مدرك كفردية مقابلة للمعايير الجماعية. في هذه الصياغات الأولى نفسية. بما أن القيمة التعبيرية للأسلوب تعود عموما لنفسية الكاتب. وهكذا بالنسبة إلى كارل فوسلرKarl vossler : ” الأسلوب هو الاستعمال اللساني الفردي في مقابل الاستعمال الجماعي”. وعلى الأسلوبية أن تجعل ” الجسمية الروحية للفرد” فوسلر 1904 ص16.40). هذا الطرح النفسي كان ممثلا في فرنسا من قبل موريس غرمون Maurice Grammont , و خاصة هنري موريي Henri morier , الذي يشدد في”علم نفس الأسلوب” بأن “يجب إيجاد رمز الأنا في كل واحد من تمظهراته” وأن يوجد “قانون وئام بين الروح وكاتب الأسلوب” ليوسبتزرleo spitzer تلميذ كارل فوسلر, يعتبر بصفة عامة كممثل قريب لهذه الأسلوبية الأدبية التعبيرية والنفسية. هذا التأويل يريد بالفعل لأعماله الأولى حيث يربط بين الخاصيات الأسلوبية ونفسية كتابها. في منشوراته الأخيرة, غير ليوسبتزر اتجاه هذه الأعمال: مسلما بأن مسلمة التعبيرية الذاتية لم تكن لها قيمة إلا داخل إطار تاريخي محدد جيدا (الآداب الغربية العصرية في مرحلة “الفردانية” عامة) ولا يمكنه أن يستخدم هكذا كتعريف للأسلوب. وقد تخلى عن البحوث السببية، وشدد أكثر على تحليل نسق الإجراءات اللسانية المحايثة للنصوص مبلورا “المنهجية البنيوية التي تبحث عن وحدة الآثار دون اللجوء إلى شخصية الكاتب” بالمقابل لم يغادر أبدا مفهوم الأسلوب كانزياح. وهكذا يظهر من منهجية أنه بقي هو ذاته من بداية حتى نهاية مسيرته: يتعلق الأمر دائما بالبحث عن الوقائع اللسانية البارزة، إما بفعل تكرارها الكثير, وإما بعكس فعل نذرتها، أو أيضا من جراء تأكيدها …الخ. صحيح أن سبيتزر عكس كثير من الأسلوبين, لا يعير الانزياح كثير الأهمية مقارنة باللغة غير الأدبية. وأيضا بالنسبة إلى السياق المحايث للأثر: من ذلك يذيع إدراكه بالتحديد الأسلوبية البنيوية التي يمارسها ريفاتير.
هكذا نقلت من قبل التقليدين المذكورين آنفا, فالتعارض بين أسلوبية اللغة والأسلوبية الأدبية لا يمكن أن يعتبر نهائيا. فهي في الواقع تغطي وتخلط عدة تمييزات تحيل على مشاكل مختلفة:
أــ الأسلوبية الجماعية والأسلوبية الفردية:
بقدر ما تدعي الأسلوبية الأدبية اقتصارها على تحليل الآثار في تفردها الفردي, فإنها في الواقع تتعلق بالأسلوبية الفردية: ليست المنفعة الحصرية المحمولة للأثر الفردي إذن, معزة لبعض الخصوصيات التي لا تختزل لموضوع الأسلوبية الأدبية؛ بل تنجم من اختيار منهجي, عقلاني تماما وبلا شك, لكنها لن تدع تحديد حقل الأسلوبية الأدبية بهذا الشكل. عندما نؤكد على أن خصوصية الأسلوب الأدبي تكمن في الانزياح الفردي, هذا يعني ببساطة أننا نفضل في التحليل الأسلوبي الأثر الفردي وبداخل هذا الأثر الوقائع الفعلية التفاضلية لوجهة النظر الفردية, بدلا من مجموعة الآثار أو بداخل الأثر الفردي, السمات لها قيمة تفاضلية جماعية, مثلا نوعية, نسبية لمرحلة تاريخية, , نسبية لمرحلة تاريخية, إلخ. بطبيعة الحال, في الأسلوبية غير الأدبية يمكننا مع ذلك أن نركز على الانزياحات الفردية ــ التعابير الاصطلاحيةــ في ملفوظات فرد. الفكرة التي يحددها الانزياح الفردي فإن الأسلوب الأدبي قلما يكون له معنى, ما دام كل نشاط خطابي متماسك تكرارا وانزياحا (راستيي 1994): هذه الثنائية تحدد طبيعة الرسالة اللسانية التي لن تستخدم سمة مميزة للأسلوب الأدبي, حتى ولو تكون عبثية في رفض جني بعض الكتاب بمعرفة فن الانزياح الأسلوبي بالنسبة إلى لغة محلية أو بالنسبة إلى التعبير الاصطلاح الأدبي المهيمن في الوقت الذي يكتبون فيه.
ب ــ الأسلوبية النظرية والنقد الأسلوبي:
تندرج أسلوبية اللغة في الإطار الأكثر شساعة لمؤسسة أسلوبية نظرية تدرك كجزء متمم للسانيات (بالي). بالعكس, بالقدر الذي تدعي فيه الأسلوبية الأدبية اقتصارها على صنع الخصوصية التي لا تختزل لأسلوب أدبي فردي, فإن أفقها ليس نظري لكنه نقدي: فهي ترتبط بتحقيق الرسالة الفردية بدلا من الإمكانيات الأسلوبية المنضوية في القانون. هذا مذكور, الطريقتان ليست بلا ارتباط. هكذا, عندما ندرس الخصوصيات الأسلوبية للغة ما, أو تحت نسق هذه اللغة, لا يجب علينا أبدا أن نتكئ على النصوص أو الخطابات الملموسة التي توضحها: نمر إذن, عبر تحليل الرسائل الفردية, وبالنقد الأسلوبي (تودوروف 1972). عندما درس بالي الأسلوبية الفرنسية, ادعى أنه يرتكز على نصوص وملفوظات شفهية التي يمكن أن تعالج جيدا في منظور تحليل السمات المميزة لنص ما أو لخطاب شفهي في فرديته. بالعكس, عندما نبرهن عن تفاعل بعض الأصناف لنحدث الفردية الأسلوبية لنص ما ــ عندما نقوم بالنقد الأسلوبي ــ فإننا نعير هذه الأصناف للسانيات, وللبلاغة, وللسيميوطيقا, إلخ. أي حين نفترض ضمنيا النموذج النظري الأكثر عمومية الذي يحيل إلى نسق اللغة, وإلى القانون. هكذا مولينيي (1968), في تقديمه للأدوات ومستويات تحليل الأسلوبية الأدبية, هل التجأ إلى أصناف لسانية (بالتحديد معجمية ونحوية), وسيميوطيقية (مثلا التحليل العاملي) وبلاغية (صور ومجازات), وشعرية (بالتحديد نظرية الأجناس والأصناف السردية). نرى جيدا بأن أدوات البحث هذه تتماشى ليس فقط مع نقد الآثار في فرديتها لكن بالقدر نفسه مع التحليل العام لبيانات أسلوبيات ــ أدبية أو غير أدبية ــ اللغة. حتى عندما نزعم حصر الأسلوبية في دراسة تفرد الأثر الفردي (جيني 1992), فإننا نجد أنفسنا مسلمين ب »عندما نعتقد أننا سمينا هذه الأشكال لتفردها, بهذه التسمية ذاتها فإننا بالعكس نبرز ما لهذا الكلام من نمذجة. «, أي أننا دائما نقترح ضمنيا نموذجا نظريا لوقائع البنية اللسانية الملائمة على مستوى التحليل الأسلوبي.
ج ــ الأسلوبية العامة والأسلوبية الأدبية:
التمييز الثالث الذي يميل التعارض بين أسلوبية اللغة والأسلوبية الأدبية إلى خلطه هو التمييز بين الأسلوبية العامة والأسلوبيات الخاصة لبعض السجلات أو لأنواع خطابية وظيفية. إذا سلمنا بأنه في كل ملفوظ لساني تُلاحظ بعض الأعداد من الوقائع التي لا يمكن أن نفسرها بميكانيزم اللغة لكن فقط بميكانيزم الخطاب في خصوصيته الوظيفية, نطرح بالحدة نفسها أهمية تحليل عام للخطاب (الذي يتعلق بالذرائعية اللسانية). لهذه النظرية تفريعات »عمودية«, مثل الشعرية, التي تنشغل بنوع واحد من الخطاب: الأدبي؛ فهي لها تفريعات أيضا »أفقية«, مثل الأسلوبية التي موضوعها غير مكون من كل المشاكل الخاصة بكل الخطابات (تودوروف 1972)؛ أخيرا، فإن لها تفريعات »متقاطعة« تنشأ من التقاء تفريع أفقي وتفريع عمودي: هكذا تنشأ الأسلوبية الأدبية من تقاطع الشعرية والأسلوبية العامة, إذا أردنا أن نسلم بأن موضوع الأسلوبية الأدبية الخاص يكمن في دراسة الخصوصيات الخطابية الملائمة من وجهة نظر الوظيفة الجمالية, أو الوظيفة الشعرية بالمعني الجاكبسوني. هكذا تغطي الأسلوبية العامة تقريبا مجال الأسلوب القديم elocutio ما عدا المشاكل المطروحة من قبل المظهر الموضوعي للخطابات أو لتنظيمها فوق الجملية (تودوروف). وفيما يخص الأسلوبية الأدبية فإن خصوصيتها تكمن في الفعل الذي تحلله الملائمة الجمالية للوقائع الأسلوبية بدلا من وظائفها الانفعالية والإقناعية أو وظائف أخرى.
أسلوبية الانزياح, أسلوبية التغير
إن أغلب الأسلوبيات الأدبية لا تعرف كوقائع أسلوبيات الملائمة، إلا بالسمات اللغوية المسجلة, أي أنها مبتعدة عن معيار أو حالة محايدة مفترضة. هذا التعريف للأسلوب الأدبي مفروض أن يفسر قابليته للإدراك, هو شرط أول لعمله الجمالي. مع ذلك فإن مفهوم الانزياح قد حلل بصفته إشكالية. بداية هناك صعوبة بل استحالة تحديد قاعدة محايدة, غير مسجلة. هذه الاستحالة راجعة لأسباب عديدة. أولا, لتحديد مثل هذه القاعدة المحايدة, يجب امتلاك وصف كامل للغة على المستوى المعجمي والنحوي والدلالي, إلخ. والحالة هذه, إلى هذا اليوم لم يتحقق أي وصف كامل للغة, وحتى فكرة وصف كامل فهي ربما خرافة, نظرا للخاصيات البنيوية اللغوية المفتوحة دائما (ليش وشورت 1981, ص. 44). يتعلق واحد من بين المشاكل الأكثر حدة الذي تصادفه الأسلوبية الإحصائية (أنظر دوليزيل وبالي 1969) بهذه الصعوبة الممارسة لبلورة وصف كامل للاغة على القاعدة التي يمكننا أن نكوِّن عليها اشتغال نموذج احتماليا: هذا لا يعني عدم الملائمة لتحديد الكمية الإحصائية في الأسلوبية لكنه يعني أن هذه النتائج يجب أن تعالج بحيطة كبيرة (ليش وشورت, ص 66 ــ 68). ثم, كيف نحدد قاعدة محايدة؟ إن اللغة المحلية (إذا كان صحيحا أن نحدد سجلا خاصا الذي سيكون سجلا للغة المحلية) لن تملأ هذه الوظيفة: زد على ذلك أننا بهذا الفعل نقارن (إذا وضعنا بين قوسين مجال الأدب الشفهي) غير القابل للمقارنة, أي الشفهي مع الكتابي, إن مفاهيم التحادث اليومي بعيدة عن أن تكون محايدة, فهي دائما مسجلة بقوة (نبرات, تكوينات, سجلات معجمية, إلخ.) في الوقت نفسه أما من جهة سياقها الوضعي, ومراعاة لوظائفها (زعم, اقناعات, تعابير, إلخ.). إن اختيار ملفوظ إخباري محض مكتوب كدرجة حيادية ليس بديهيا إطلاقا, لأنه حتى في اللغة المكتوبة, فإن ندرة الملفوظات الإخبارية الخالصة فهي شبيهة بتكوينها في الحقيقة وقائع مسجلة في غاية الجودة: إن العناية التي تولى لبناء خطاب »محرر« من كل إيحاء (مثلا إيحاء عاطفي) تنتج إيحاء من الدرجة الثانية مستقرأة من قبل الأسلوبية الصوتية «Stylemes» (مولينو 1986) خاصة. في الواقع, لن نبن أسلوبية أدبية في استنادنا على مفهوم الانزياح بين المعيار الخارجي والوقع الخطابي المسجل, ما دام كل وقع خطابي بإمكانه أن يكون مسجلا, إذن, يمكنها الاشتغال كتوجيه أسلوبية: إذا أدخلت القطيعة تسجيلا فإن النسقية وراء بعض الحدود تقوم بالشيء نفسه (مولينو 1968).
إن بمحاولة تعريف التسجيل بالنسبة إلى معيار خارج نصي ليس بديهيا على الإطلاق، لكنه ممكن بالنسبة إلى السياق الملازم للأثر: هذا الفهم, الذي يبقى مرتبطا باسم ريفاتير Riffaterre (1969), قد شُكِّل منذ الثلاثينيات من قبل موكاروفسكي Mokarovsky بفضل مفهوم foregrounding (موكاروفسكي 1964), (التوضيح), فهو الذي قاد الدراسات المتأخرة لسبيتزر Spitzer. إن هذا المفهوم يفلت من صعوبة وجوب تعريف معيار خارجي، مفروض أن يعمل كقاعدة محايدة, لكنه يصادف مشاكل أخرى, فهو في الواقع مجبر على أن يميز حتى بداخل النص, بين العناصر المسجلة وبين نوع من القواعد غير المسجلة: في حين, أن مثل هذه القاعدة المحايدة مشكوك في وجودها. فضلا عن ذلك, فهو لا ينفلت من حدين آخرين ملازمين لكل أسلوبية معيار. من ناحية, حتى بفعل تعريف حدث الأسلوبية الذي يقترحه, فإنها تبقى ملازمة لعلم الجمال التصنعي. (ميشونيك 1970). وبالطريقة نفسها, فإنه غير مسلح بما فيه الكفاية لتحليل الأساليب أقل تفاخرية. ويليك Wellek (in sebeok 1960) كان قد سجل من قبل أن أي أسلوبية انزياح ليس بإمكانها أن تبلغ إلا لأنواع مضادة للنحو, في حين أن, »أغلب العناصر اللسانية المشتركة أكثر والعادية أكثر هي المكونة للبنية الأدبية«. ومن ناحية أخرى, فإن نظرية الانزياح ــ ونظرية الانزياح الداخلي أكثر من نظرية الانزياح الخارجي ــ تستلزم دائما الإدراك الانقطاعي, »الذري« (وليك) للأسلوب, الذي بحسبه يكون نص ما وحدة مكونة من وحدات لسانية »محايدة« ووحدات لها »أسلوب«. والحال أن هذا الإدراك الذري للأسلوب هو من أكثر الإشكاليات.
يظهر مفهومي اختيار وتنوع الأسلوبية اللذان يلعبان دورا مهما في الأسلوبية العامة, حيث يستعملان بالتحديد لدراسة مختلف المستويات والسجلات الخطابية الحاضرة في لغة معطاة, إنهما واعدان أكثر في مفهوم الانزياح, ولن يكونا هكذا لأنهما يعالجان مفاضلات الأسلوبيات كأبعاد ملازمة للنشاط الخطابي بدلا من كونها كعناصر مضافة لقاعدة محايدة. غالبا ما تحاول نظريات الاختيار للأسلوبية أن تفسر التنوع برده لمفهوم الترادف (هكذا أولمان Ullmann 1957. أ. د. هيرش E. D. Hirsch 1975): حسب هذه النظرية فإن تعبيرين معطيين هما تنوعين لأسلوبيتين في النطاق الذي يكونان فيه قابلين للاستناد إلى الدلالة نفسها. إن وجود الترادف غالبا ما كان محل معارضة (هوي Hough 1969), ولا بلا شك لا يوجد إلا مترادفات دقيقة. ويمكننا حينها أن ندافع عن مفهوم ضعيف جدا من ناحية الترادف: هكذا ليتش Leech (1974) يعتبر أن الترادف لا يعني معادلة عامة للدلالة, لكنه يتقلص إلى معادلة للدلالة المفاهيمية؛ أما فيما يخص التنوعات الأسلوبية ستكون واحدة من بين عناصر الدلالة الارتباطية, الملازمة للدلالة التامة للمفاهيم. في كل الحالات فإن مفهوم اختيار الأسلوبية هو فكرة تنوع الأسلوبية, فهو يتدخل بطريقة حاسمة في تقديرنا لسمات الأسلوبية لآثر ما وبطريقة أوسع لسمات مفهوم. إن الاختيار الذي هو موضع تساؤل ليس واع ولا يكمن في الاختيار بين مفهوم محايد مفهوم مسجل, لكنه يكمن في الاختيار بين عدد من المفاهيم التي هي دائما مسجلة تفاضليا: إن التنوع اللساني يوجد في قلب النسق اللساني ذاته (مولينو 1994).
الأسلوبية كتحليل للوقائع التمثيل الشفهي
عكس أسلوبية الانزياح التي ترد الوقائع لأسلوب نص ما إلى تجميع سمات متقطعة تستخلص من مجموعة شفهية غير مسجلة, يرى مفهوم اختار الأسلوبية خاصية مستمرة للأفعال الشفهية: إن كل اختيار لساني دال وبالتالي يكون على الأقل كمونا, وأسلوبيا ملائما (هاليداي Halliday 1970). ينتج عنه أنه بالعكس حكم مسبق رائج, لن توجد نصوص بأسلوب ونصوص بلا أسلوب: إن كل نص يمتلك بعدا أسلوبيا (ليتش وشورت Short 1981, جنيت Genette 1991). السؤال الملائم الذي يجب على الأسلوبية أن تواجهه ليس هو سؤال التمييز بين الأسلوب ولا أسلوب, لكن التمييز بين مختلف الأساليب وبين مختلف الوظائف الأسلوبية.
إن التمييز بين الدلالة المفاهيمية والدلالة الارتباطية يستفيد مع ذلك أن يكون معدلا. يظهر أن سيميوطيقا الفن المقترحة من قبل جودمان Goodman (1968) تعين طريقا واعدا. يميز جودمان محورين أساسيين في الاشتغال الإحالي للعلامات اللسانية, محور التقرير, أي العلاقة بين العلامة وما تحيل إليه, ومحور التمثيل, أي الحمولة السيميوطيقية للخاصيات الممتلكة من قبل العلامة. إن هاتين العلاقتين مستقلتين الواحدة عن الأخرى: إذا كانت الصفة »موجز« تسجل الإيجاز في الوقت نفسه الذي تمثلها فيه, فإن الصفة »طويل« بالمقابل, تسجل الطول, لكنها تمثل الإيجاز. يمكن أن يكون التمثيل حرفيا (»موجز« تمثل حرفيا الإيجاز) أو استعاريا, ومصورا بدقة كبيرة (»ليل« يمثل استعاريا الوضوح): في هذه الحالة الأخيرة نتحدث عن التعبير. والحالة هذه, تظهر الظواهر الأسلوبية أنها متعلقة بهذه الوظيفة التمثيلية للخطاب, أي أنها تصبح سيميوطيقيا ملائمة بما أنها عناصر ممثلة, بما أنها عناصر ممثلة, إما حرفيا أو استعاريا (جودمان 1978): أي نص يمثل حرفيا بنية جملية خارج نصية، لكن هذه البنية بإمكانها في الوقت نفسه أن تمثل استعاريا, إذن فهي تعبر عن انفصال ذهني. إن المستويين ملائمين في نظر التحليل الأسلوبي, بما أن مفهوم التمثيل الحرفي يصلح غالبا كسند للتمثيلات التعبيرية.
إن اقتراحات جودمان قد طورت من قبل جنيت (1991) الذي يقترح إعادة صياغة لمفهوم الأسلوب, مؤسسة على تمييز دقيق جدا لمختلف مستويات العلامة اللسانية حيث يمكن لتمثيل الأسلوبية أن يتخل. فضلا عن ذلك, فهي تتطرق لقضية القانون التواصلي للعلاقة التمثيلية ووقائع الأسلوبية.لنسلم كليا بأن وجود السمات الأسلوبية القصدية, يعتبر جنيت أن المهم هو أن يكون فعل الأسلوب الأدبي متعلقا بانتباه المرسل إليه, بطريقة أخري فإن الأسلوبية متعلقة بعلم جمال انتباهي أكثر منه قصدي. هذا لا يعني أن وقائع الأسلوبية لا توجد إلا في وعي الذي يقرأ النص: إن الأمر يتعلق بالخاصيات الخطابية الممثلة من قبل النص وكل نص لا يمثل الخاصيات ذاتها, لأن كل نص لا يملك الخاصيات ذاتها. الأبسط سيكون بلا شك التمييز بين مظهريين للأسلوب: المظهر القصدي, قابل لأن يستند إلى تمثيل الأسلوبية الطبيعي المنتمي إلى البنية القصدية (هذا لا يعني: أنه مبرمج) للنص, والمظهر الانتباهي, وأن يكون قابلا لأن يستند على تمثيل الأسلوبية الذي يوافق عليه النص تبعا إعادة تحيينه التاريخي. في الواقع, إن التمثيل وتعبيرية الأسلوبية خاضعين لانحرافات أثر لا تزامن بين العالم اللساني للمؤلف وعوالم أجيال القراء المتتابعة. إن الوهم »الذري« بلا شك مرتبط بهذه التنوعية لتعبير الأسلوبية, التي بمقتضاها يقحم نقد الأسلوبية دائما انتقاء بعض السمات التمثيلية ــ تلك الدالة (هيريش) في عين وعي لسانيات النقد ــ من بين مجموع الخاصيات الممتلكة من قبل نص معطى والتي تحدد »طريقة عمله« (جيرو Guiraud). إن قضية معرفة أي طريقة تلاءم التبني, هل هي طريقة الأسلوبية القصدية أم طريقة الأسلوبية الانتباهية لا تقبل جوابا مشاركا. فهي تعلق بالمشروع الادراكي الذي يجد فيه تحليل الأسلوبية مكانه: إذا أردنا أن نفهم اشتغال الأسلوبية الحالي لمسرحية راسين, أي قابلية إدراك الأسلوبية لمتحدث حالي, لن تجد شيئا محاولة إعادة بناء أفق الأسلوبية الذي يمكن أن يكون هو أفق جمهور العصر الكلاسيكي. بالعكس, إذا أردنا أن نفهم بأنها قد استطاعت أن تكون ملائمة أسلوبية لغة راسين, إذن ما هو الأسلوب الطبيعي لهذه النصوص, سيكون من العبث الانطلاق من أسلوبه كما يمكنه أن يشتغل في السياق الأدبي واللغوي لأيامنا هذه.
———————————
- [1] OSWALD DUCROT . JEAN- MARIE SCHAEFFER. ED SEUIL.PARIS 1972/2005. P181/192.
*عبد الرحمان مزيان ( كاتب ومترجم جزائري)
.




