” لن ألد مجددا…”/ قصة قصيرة / فضيلة بهيليل
بواسطة مسارب بتاريخ 4 فبراير, 2014 في 06:04 صباح | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1767.

 

على صفحات رمل تخط معالمه الرياح كلما قدم الربيع، وبين أشجار الصنوبر  وحكايات الحجل الذي غالبا ما يعانق غروب “العين” ليرتاح عند آخر شجيرات ” الدزيرة”، عابثا بريشه، متطاولا بغروره المرتجل…بدأت رحلتي وسقط عصر التخلف  - كما يزعمون –لتصير العصرنة والتقدم  هما الخلف، في ضيق الساعات  وعصر الولادات القيصرية التي طبعت مشهد بلدتنا هذه الأيام ، حتى صارت موضة العصر ، ربما هي طريقة جديدة سبقنا فيها الصين في تحديد النسل ، وبدل أن تُفرض عقوبات مادية على كثير الولادات صارت تُفرض جسدية ، فيجعلون من يشاءون بلا أرحام و الباقيات ولادة قيصرية كل ثلاثة أو أربعة أعوام.

      جلست أحلم كما الأمهات،كان طفلي جميلا جدا وهو بعد لم ير النور ، كنت أحسه يزداد وزنا داخل بطني فيشوهه يوما بعد يوم، وكان زوجي يضحك ملء سعادته كلما أبصرني أتدحرج عبر السلالم  تسبقني كرة بطني مثلما كان يحلو له أن يقول، عجيبة هي الدنيا،كنت أنا أيضا ذات يوم بحجم ريشة و ها أنا أحمل اليوم طفلا بحجم ريشة…

        مضت الأشهر والأيام تدفع بعضها نحو المستقبل دفعا، وكبر الحلم داخلي بحجم مدينة تنتظر رئيسا جديدا سيقلب حياتها رأسا على عقب ، رئيس يحلم به الشعب ليمحي مخلفات سابقه السيئة. وكم كانت تزداد فرحتي كلما تأملت ملابسه الصغيرة جدا بحجم لا يزيد على كفي إلا شبرا،و بألوان أسعدتني رؤيتها و استبشرت بها خيرا…

         ومثلما جرت عادة الحوامل أن تقمن بإتمام الفحوصات والإجراءات الخاصة، فقد حرصت كل الحرص على أن أتم كل الفحوصات لتكون ولادتي طبيعية ، فهذه الأيام نادرة جدا هي الولادات الطبيعية وتبقى الأسباب مجهولة،ربما تحولت مثل هذه العمليات إلى صفقات تجارية هي الأخرى.ولم لا مادامت حتى العلاقات الاجتماعية بين الأفراد تبنى على التجارة و المصلحة  ولا شيء غير ذلك.

       الشهر التاسع قد أطل، فرحة ترتسم لاستقبال هذا المولود وقلق بسبب الولادة ومدى نجاحها.كنت أعلم أن لحظة الولادة كلحظة خروج الروح، وأنه لن يكون سهلا أبدا أمرها، وكنت أعلم أيضا أن زوجي كان سندا لي دوما  ورفع من معنوياتي الكثير باعتبار أنه إنسان مثقف و يقدر الموقف، كما أنه كان دائم الدعاء من أجلي لذلك اطمأن بالي وهدأت نفسي و بقيت أنتظر طفلي بفرحة لم تسعها الأرض، خصوصا و أني عشت مع طفلي وعاش معي تسعة أشهر بكاملها.

      وجاء اليوم الموعود،أفقت على الثالثة صباحا و وخز الألم يتسلل إلى جسدي، أهز كتف زوجي ليستفيق على عجل، بسرعة استفاق كأنه كان منذ مدة يتأهب لهذه اللحظة وينتظر…دقائق قليلة مضت ليتغير المشهد كليا:جدران ضاربة إلى الخضرة، نساء مثلي منتفخات البطون، وممرضون لا يأبهون،تراهم يتجولون بين الغرف ، منهم الغارق في مكالماته الهاتفية، ومنه من يضحك ملء شدقيه مع رفيقته،وقليلون يلبون نداءات المرضى التي تراكمت من كل الجهات…

          كانت أحشائي تتمزق، ولم أكن أهتم لشخص آخر سوى بطني المحدب الذي يوشك أن يسقط على قدمي، حتى زوجي المسكين لم يفهم شيئا ، ظل هو ووالدته يبحثان عمن يغيثني و أنا أتقطع ألما،أجول ببصري علّني أقع على ممرضة أتعلق بها مثلما يتعلق الغريق بآخر فرصة للنجاة فلم أجد سوى يد زوجي أمسكت بها بينما كان هو يحاول التخفيف عني بكل ما حفظه من كلام للصبر ومن أقوال تتلى في مثل هذا العسر.

        جلست في غرفة منفردة بعد أن أشارت علي إحدى الممرضات أن أنتظر هنا، وفاجأني أن الغرفة لم تكن غرفة ولادة:لا طاولة توليد،لا أدوات طبية،لا ستائر…كانت فارغة من كل ما يمكنه لأن يوحي لي بأنها خاصة بالتوليد ، وبالفعل حين نظرت للأعلى مستغيثة بالأعلى قرأت على الباب ” قاعة الانتظار ” فتوترتُ أكثر…

       مضت ربع ساعة كل ثانية تساوي سنة، أمسكني زوجي المسكين و ضمني إليه كأنما يحاول أن ينسيني الألم مثلما نفعل أيام الرخاء وهو بعد لم يفهم شيئا لأنه يرى المشهد لأول مرة ، أما والدته فقد حاولت أن تجلسني بطريقة سليمة تساعد على الولادة إن حدث و جرت في مكان كهذا، وهي تدعو الله و تستحضر رجاله الصالحين ، وحين ضاقت ذرعا ذهبت مهرولة بحثا عن ممرضة تهتم بنا وفاجأها أن الممرضة صرخت في وجهها قائلة:” لدي عشرات النساء على وشك الولادة ، لتنتظر دورها”، وما هي إلا لحظات حتى شب النزاع بينهما و أسرع زوجي مهرولا ليفجر هو الآخر غضبه المكبوت، خصوصا بعدما رأى آلامي و توسلاتي، حينها شعرت باحتقان في وجهي وبضربات متسارعة تخترق قلبي، وبكيت كما لم أبك من قبل.لم يكن بكائي من الألم فحسب و إنما من قلة الاهتمام أيضا حتى خّيل إلي أنني سألد هنا وسيشرف زوجي ووالدته على توليدي في حجرة حارة لا تصلح إلا لأخذ حمام تدليك ساخن ، في فصل ساخن.

     اشتد الشجار والطفل ملّ من الاضطراب و الانتظار فكاد يسقط ثائرا و معارضا، المسكين يسقط على رأسه دون أن يجد من يتلقفه، ليحمل عاهته طوال عمره،وليشهد ذلك على رداءة وبلادة عصره…

  جاء بقية الفريق الطبي أخيرا بعد أن علت الأصوات، وأُخذت إلى غرفة التوليد مشيا على الآلام، ولم أخف على شيء كخوفي على أن يموت ابني قبل أن يملأ رئتيه هواء الدنيا و يستنشق نسيم الحياة…، وصلت للغرفة بعد أن شعرت أنني مشيت ساعات، فحصتني القابلة ليزداد الأمر سوءا وحالتي تدهورا عندما سمعتها تصرخ في وجه الممرضات قائلة أن ضغطي مرتفع ،آمرة أن يوضع جهاز مراقبة يكشف درجة الضغط . و لغباء الممرضات أو ربما لعدم اهتمامهن فقد وضعن الجهاز مقابلا لنظري فزاد ذلك من خوفي و توتري ، كنت أنظر إلى الجهاز  و أخشى أن يرتفع أكثر فأُحال إلى غرفة العمليات ، لحظتها تمنيت لو أني كنت امرأة أميّة  لا تعرف القراءة ولا الكتابة ، ولعنت تعليمي في تلك اللحظة  فكرهت عالم الأرقام والحسابات…، ورغم تركيزي على الجهاز لم يمنعني ذلك من سماع صراخ المرأة التي كانت بجانبي، كانت تتألم و تستنجد أسماء كثيرة لم أذكرها، وفي لحظة من لحظات الولادة تلك سقطت قطرة دم مارده على  حذاء القابلة فازدادت الأخيرة غضبا و صفعتها شاتمة إياها:” لماذا تتزوجن صغيرات مادمتن غير قادرات على الولادة ؟”…أفزعني المنظر ورفع ضغطي، ولم أعرف أكانت تلك الصفعة حقدا من الممرضة ، أم أنها توهّمتها قطة تلد ثلاث و أربع دفعة واحدة .

       انفجر الكيس المائي و انتفضت له كامل أعضاء جسمي ، وكدت أفقد الوعي بينما الأطباء يشهدون ارتفاع ضغطي فيدركون صعوبة الموقف لكن لا يتداركونه بحكم اعتيادهم على مثل هذه الحالة، فالولادة القيصرية صارت موضة العصر ، وقد أكون حالة ناذرة فعلا لو ولدت طبيعيا، وأنا بين الحياة والموت أسمع السباب و اللعنات و قد ولدت أولانا  بعد سيل من اللعنات ختمتها الممرضة بأن مزقت عباءتها لتصنع منها لفائف للرضيع عقابا لها كونها لم تحضر معها لوازم الطفل…وعندما أدركت عسر حالتي  وحرجها استسلمت لخالقي ورحت ألقن نفسي الشهادة و أنا يائسة من نجاتي إلا بمعجزة ، بينما كانت والدة زوجي تدلك ظهري بزيت الزيتون ليخف الألم كما جرت العادة عند الحوامل.

       لم أعرف كم من الوقت قد مضى حتى وجدتني ممددة على سرير  معلق بمصل من العيار الثقيل ، ونفس العيون ترمقني بشفقة وحب ، كنت و أنا أنظر إلى عيون زوجي المحب- الذي تمنى لو استطاع أن يحمل الألم بدلا عني – أشفق على حالتي، كانت عيناه ترثيان لي طفلي ووالدته تقبل جبيني قائلة :” حمدا لله على سلامتك يا ابنتي” ولم تردف” مبروك عليك الضيف”، فأدركت أن  فاجعتي كانت فاجعتين و ألمي ألمين، ولم أُعقب…

     في حياتي لم أتخيل يوما أن الولادة صعبة هكذا مثلما لم أتوقع أن تنقلب ملائكة الرحمة إلى شياطين القسوة ، نظرت لحالتي :” ضعيف هو الانسان حين يمرض، وضعيف أكثر حين يلتجئ إلى أشخاص يتوسم فيهم الرحمة فلا يجدها، ولولا حب زوجي و خوف أهلي علي لكنت دعوت الله أن يأخذ روحي حتى لا تعذب بتلك الطريقة .كان موضع الجراحة يثير نرفزتي و قلقي بينما زوجي لم يجد ما يفعله لأجلي سوى المكوث معي لساعات طوال و إحضار كل أنواع الأطعمة المغذية طمعا في شفائي بأقرب وقت ممكن …لقد رأى مالم يره أو يتخيله من قبل،كان يسمع بلحظات الميلاد تلك، وكيف ينتشي  الآباء لسماع أول صرخة لأبنائهم ، وأول شخص يزف إليه البشرى قائلا : “مبروك…صرت أبا لطفل يشبه القمر”، المسكين لم يحض بكل هذا الفرح و هاته السعادة ، بل على العكس لقد رأى زوجته تتألم أمامه ، تكابد عناء الولادة بأدق تفاصيلها و أصغر لحظاتها لتلد في النهاية طفلا موؤودا كان يقول لها الأطباء بأنه سليم فتجده قتيل ،كذلك الجبل الذي تمخض فولد فأرا…

       مضت سنتان كانت الأيام فيها كفيلة بأن تعيد لي صحتي ، رافقني فيها زوجي بالرعاية والدعاء، فتخطيت تلك الأزمة بعد أن قضيت فترة النفاس بلا طفل جالسة كما العروس أستقبل الضيوف الذين بدلا من أن يحضروا هدايا طفلي كانوا يحضرون أدعيتهم لي بالصبر و الشفاء .وضعت في كفي الحناء فقط كي أحترم التقاليد ،تلك التقاليد التي لم تكن تحترم مشاعري فتزينت لأجلها و أنا أستعد للحزن على مولودي الموؤود…

                                                          ………………………….

    

 

 قبل أن يجلس بجانبي على كرسي الشرفة بانتظار القمر،قلت :” لقد فكرت كثيرا قبل أن أستشيرك في أمر هام “، عدّل من جلسته  بقربي ليحضن شوقي بعد يوم كامل من العمل المتواصل ،قال بعد أن أمسك يدي يتفقدها و يسبح بعينيه في محيط تلك السماء التي بزغ قمرها فغطى نور الكواكب و النجوم : ” تفضلي أميرتي ،كلي آذان صاغية “.

  قلتُ في صوت خالطه التردد و الارتباك :” ألا تعتقد أننا بحاجة إلى طفل يملأ حياتنا ؟ طفل يكبر بيننا و معه تكبر أحلامنا ؟ أنا أفكر في الإنجاب  مجددا فما رأيك يا…”

    ولم أكد أكمل كلامي حتى احتقن وجهه وفاض غضبا و غيضا ،قام من مكانه و هو يصيح بصوت أفسد جمال تلك الليلة : ” قلت لك ألف مرة لم أعد أرغب بالأطفال ،لا أريده مادام يساوي حياتك ، ألم تفهمي بعد ؟ أنسيت ما حدث لك بسببه ؟ أنسيت المعاناة ؟ أنسيت الألم ؟ تريدين الموت ؟…إذا ذكرت هذا الموضوع مجددا فلن أكلمك ما حييت “…وواصل سيل غضبه مزيحا يدي عن كفه في حركة عدوانية صفق الباب خلفه و اختفى…

       نظرتُ إلى القمر وقد غطته بعض السحب الرمادية فتذكرت تفاصيل الولادة …آلام المخاض…سباب الممرضات…إهمال الأطباء …عيون زوجي التي كانت تنشدني للبقاء …ارتعدت فرائسي و تسللت تلك الصور

 

لذاكرتي فقلت  أعدُ نفسي وشفتاي ترتجفان :” لـــــــن ألد مجددا…” .

      هذا ما كتبته فاطمة في دفتر يومياتها قبل قبل وفاتها وهي تضع مولودها الأول والأخير”عماد”.

  

                                                                                         

 * باحثة وقاصة من الجزائر

 

 

 

    

اترك تعليقا