مساكين المعرفة / جمال بوزيان
بواسطة مسارب بتاريخ 9 فبراير, 2014 في 08:12 صباح | مصنفة في جدل ثقافي | 2 تعليقات عدد المشاهدات : 3723.

قلتُ في قرارة نفسي: لن أشتري هذا الصّباح صحيفة ولا أقرأ عناوين مزعجة ولا معجزة ! لا أتصفّح الأحداث؛ ولا أفحص الحروف كعادتي، كنتُ أتابعُ خبرا عاجلا عبر قناة فضائيّة؛ وفجأةً تدفّـق حِـبْـرُ قلمي على مسودّة؛ فسألتني زوجتي: عمّاذا تكتبالآن؟ قلتُ لها: عن الخبز لا الزّيت؛ خبز ليس كالخبز ! أثناء المساء؛ استوقفني جار لي؛  يبدو أنه جادٌّ وقال بالحرف: لقد سمعتُ رفقة زملائي صريرَ قلمك من بعيد؛ لكننا لا نفقه كتاباتك؛ نحن لا نقرأ ولا نكتب ! تَلوْتُ عنهم بيانا دون بيان؛ وقلتُ: تابعوا اليوم وكلّ يوم؛ ركّـزوا جيّدا: أنتم تعرفون أنّي أخاطبكم؛ تفهمون لساني؛ مفرداتي ليست مُعجميّة؛ أفكاري ليست غامضة؛ هذه شفافيّة تعلّمتها منكم؛ نَعم منكم وأنتم لا تشعرون ! أخاطبكم بهدوء يا من لا تقرأون ولا تكتبون؛ أهمس في آذانكم: أنتم لا ترون ولا تسمعون ولا تتكلّمون؛ عوالـم شتّى بعيدة عنكم؛ وهي قريبة منكم ! نَعم قريبة منكم جدّا؛ تـمرّون كلّ لحظة أمامها ولا تدرون؛  تـبًّا لِـمَن صنع بِكم هذا؛ تـبًّا لمن أبعدكم عنها !  أنا لا ألومكم؛ ألوم من احتكر خبزكم؛ رغيفكم؛ غذاءكم !  وكان جَشِعًا معكم بدرجة امتياز ! إنّي أرى جوع المعرفة قد نَخَـرَ عقولكم وخرّبها؛ وبطونكم مليئة حتّى التّخمة بما لـذّ وطاب من طعام وشـراب؛ اتّبعتم شهواتكم؛ فأنْـسَـتكم من أنتم ؟ ! وقلوبكم صَـدِئة بـعُـقَـدٍ وأمراض نفسيّة؛ وبصائركم بها عَـمًى؛ وضمائركم ميِّـتة ولكنّها مُحنّطة ! الطّعام والشّراب يُميت أرواحكم؛الجهل يُضعِف أجسامكم؛  أنتم موتى لا روح لكم؛ لكم شهادات وفاة أرواحكم لا أجسامكم؛ سَـلُوا الحارس المدوّن لِيدلّكم عن القبور؛ عقولكم أصابها صدأ وقد يليه جنون ! لقد أقفلتم على عقولكم حتّى صَـدِئت؛ وسُمع صدى نحيـبها؛  أنتم تُعادون عقولكم؛كأنّها وحوش ضارية…أفكار عقولنا حيّة نَشِطة خالدة؛ وأطعمة بطونكم ميِّـتة جامدة فانية؛لا نقول لكم: نحن نأكل بعقولنا؛ وأنتم تأكلون ببطونكم وكفى !  نحن ندعوكم الآن: هيّا؛ اسْـرِعوا وسارعوا إلى إصلاح عقولكم؛ مالي أراكم أعجـزَ من عجوز رغم شبابكم ! أفيقوا من سباتكم أيّها النّيام؛ أفيقوا من غفلتكم؛ انهضوا وانفضوا غبار السّـنين على عقولكم قبل أجسامكم ! أنتم موتَى والموتُ أنتم؛ كَـذَبتم حين قلتم: نحن أحياء ! شَـغِّـلوا عقولكم -لو سمحتم- قبل بطونكم… يا بني جلدتي؛من شَبِـع عقله لا يجوع بطنه؛ اطعِموا عقولكم قبل بطونكم؛ترون ببصائركم لا بأبصاركم؛ جَـرِّبوا مرّة واحدة؛ أرجوكم لا تتردّدوا؛ العمليّة سهلة جدّا وتعرفون حقيقة الحقائق؛حينئذ تنعمون بنشوة المعرفة؛ من لا عقل له لا معرفة له، عِـلَلٌ تُصيب كلّ مجتمع وتدمّره بداية من العقل؛ من لا يقرأ ولا يكتب هو مسكين؛ نَعم مسكينُ معرفة ! وانصرفتُ بلطف؛ بعد ما خُـيِّـل لي أنّـني كنتُ أحلمُ ! معذرة قـرَّائي: لقد تكلّمتُ عن الخبزِ ونسيتُ الخبرَ ! .

 


 * قاص وصحفي من الجزائر 

التعليقات: 2 تعليقات
قل كلمتك
  1. مساكين المعرفة.. نص للأستاذ جمال بوزيان..
    في الحقيقة، يصعب على المرء أن يعلق على الكلام بكلمة.. تبعا لمقولة:” الكلام على الكلام صعب.” أقول هذا نظرا لكون النص يعني الخاصة من الناس؛
    وإن اعترف الكاتب أنه وجه الكلام لمجموعة من جيرانه، ما يعني أنهم يمثلون العامة.. ومضمون النص يبين أن فهمه يحتاج إلى إعمال العقل، والقراءة بين السطور ـ كما يقال ـ
    يلوم الكاتب أولئك الذين جاعوا في بطونهم، وملأوها خبزا، وغفلوا عن خبز
    العقل.. وهو أمر خطير.. يريدهم أن ينفضوا غبار الجمود عن عقولهم، لا جوع الخبز عن بطونهم ـ ولعمري ـ ملء البطون من سمات الأعاجم ” الحيوانات”.
    وقد برر لومه ـ وهو محق ـ بقوله:” من لا عقل له لا معرفة له”.

  2. تحيّاتي عشّاق مسارب… سرّني تعليقك أستاذ محمّد؛ تعابيرك تسابيح أخرى لمدادي؛ حروفك وسام أتوشّح به؛ قلمك طارق مثل طارق لمن غفل… رغم ما يحدث؛ نبقى نهمس “اقرأ وافهم واعمل”… إنّ لأيقونة “من لا عقل له لا معرفة له” توأم هو “مَن ينلِ المعارف ينلِ المشارف”… شكرا أستاذ محمّد؛ تظلّ حبيبنا… عين الله ترعاك.

اترك تعليقا