طبقات الدّرغيني و تاريخ ابن الصّغير، بناءُ المكتبات في تيهرت / عبد القادر رابحي
بواسطة مسارب بتاريخ 12 فبراير, 2014 في 07:58 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1335.

    منذ أن كنت صبيا متسكعا في شوارع تيهرت و أنا أسأل نفسي في ما يشبه حلم اليقظة الدائم عن إمكانية إعادة بناء مكتبة المعصومة التي احترقت بما فيها من كتب ذات”غزوة أكيجانية” على المدينة في القرن..لعلي كنت مهووسا بالكتب، أو لعل شيئا ما من رائحة الصوف المحروقة لتحضير الصمغ في كتاتيب الحي الشعبي الفقير العالق بأعالي المدينة قد علقت بأذني إلى وقت متأخر من الصبا فبقي صداها عابرا لصحارى السنين ومواجع التنقلات، من جرح إلى جرح،      و من مسافة إلى مسافة.

    قلت ريثما يستتب الحرف و تنقشع سماء الفكرة و يجري ماء العود في الورق،أعود إلى فكرتي التي طالما حلمت بها، و هي إعادة بعث مشروع مكتبة المعصومة من رماد عهد غابر لم يبق لنا منه إلا ما ذكره المؤرخون و هم يعددّون مناقب العابرين على الأمكنة كأنهم الطيف في ليلة شتاء تيهرتيّة باردة..لم أسأل نفسي لماذا أحرقت، و كيف أحرقت، و لم أجد ما يحيلني إلى أهمية السؤالين في ما رواه المؤرخون عن تاهرت و هي تقدم وجها ناصعا لفترة من التاريخ لا زال صداها الذي لم أعرفه يتردد في التواءات المرتفعات و منحنياتها عابرا للفصول المترامية، مستوطناً هذا الهاجس الذي سكنني منذ الصّغر، و الذي يحرّضني على الإيمان بفكرة أن ثمة إمكانية في إعادة بناء مكتبة المعصومة ولو بعد حين. ثم هل يعقل أن لا يجد الغاضب على أهل المدينة النازح

إليها من جوف انتماءاته الأيديولوجية إلا حرق مكتبتها ؟..شيء غريب فعلا يحتاج إلى كثير توقف و إمعان. غير أنني لم أكن أولي له أيّ اهتمام من حيث الطرح و التفكير بقدر ما كان يشدني حلم اليقظة الذي سكنني منذ أن كنت صبيا متسكعا في شوارع تيهرت، و هو رؤية مشروع المكتبة يتحقق فعلا على أرض الواقع في وسط المدينة على أرض لا زالت شاغرة إلى الآن و كأنها تنتظر عودة المكتبة المحترقة منذ ما يزيد العشرة قرون كاملة تُزرع فيها، فتصبح حقلا للكتب كما كانت مزروعة إلى وقت قريب بشجر التفّاح، و كما أصبحت تُزرع الآن بنوايا العديد ممن يريدون أن يقتسموا هذا المكان ليقيموا عليه قصورا لأحلامهم المختلفة كثيرا عن أحلامي. و ربما تساءلت في داخلي بشيء من السخرية المترددة: أيهما أحسن..بناءُ مكتبة ضخمة تضاهي مكتبة الإسكندرية التي تعرضت للحرق هي الأخرى..مكتبة بحجم التاريخ الموزع في ثنايا المجلدات المبعثرة في ركام العمر، أم بناء قصور مفروشة بالزلّيج المستورد على عجالة من شبه الجزيرة الأيبيرية؟

-2-

   الأكيد أن تاهرت الحالية ليست تاهرت القديمة.. و الأكيد أن المسافة الفاصلة بينهما ليست بالبعيدة جدا.. فمن باب التوسّع الطبيعي، و من باب كثرة التوالد الذي نباهي به الأمم الأخرى يوم القيامة، قد يكون بوسع المدينة الحالية أن تصل بسرعة إلى مكان المدينة القديمة، و ستلتقي عندئذ مجموع الاختلافات بين المؤرخين حول المكان المحدد للمدينة في مصبّ “وادي مينا” الذي سيعيد،كعادته، تكرير كل مطبّات التاريخ و ثوراته المتعاقبة على المنطقة منذ أن ذكر هيرودوت بعض سكانها المبللين بأزمنة الماء المنهمر من قمة الونشريس، أو من جبل “غْزُولْ”، أو من مرتفعات فرندة، مرورا بما كتبه ابن خلدون في تاريخه، و انتهاء بما تركه  جاك بيرك و هو يحاول أن يعيد بحمولات الكنب و لو نزرا مما أخذ إلى التي علّمته كيف يكون ما آل إليه فيما بعد.

     ثمّ إن هذا الأمر الذي طالما اختلف حوله المؤرخون لا يهمّني كثيرا لأن المؤرخين ذكروا أن للمدينة أبوابا –كعادة الحواضر القديمة- يمرّ منها الدّاخل و الخارج و التي يبدو أنها لم تكن محكمة الإغلاق، أو أن الغول الحارس كان متعبا فلم يحتفظ برموز القنوات المشفرة المؤدية إلى المكتبة مباشرة ليلة الإجهاز على المدينة و حرق مكتبتها خاصةً .. ما يهمّني هو أن تُقام المكتبة ثانيةً في هذا المكان بالذات.. و تخيّلت لو أن سلطة كافية كانت في يدي لقررّت فورا أن أنزع من مخيلة كل من تراوده نفسه على أخذ قطعة من هذه الأرض لبناء قصر أن يبحث له عن قطعة لبنائه في موطنه إسبانيا..أليس هذا من صميم الأوهام كالتي تراودني الآن؟ أليست إسبانيا هي موطن بناء القصور؟ ألم يخلّدها المثل الفرنسي هذه القصور في مثل أصبح مشهورا؟ ألم يبنِ العربُ قصر الحمراء في قرطبة حقيقةً؟ ألم تكن إسبانيا كلّها وهما جميلا عاشه مدة معينة تشبه حلم اليقظة ،ثم عاد إلى وضعيته الأولى..

   على الأقل في إسبانيا.. الزلّيجُ أرخص و أجمل ونوعيته ممتازة، و ربما وفّر مشيّد القصور على نفسه ثمن استيراده بالعملة الصعبة و وفر على نفسه ما ينبع ذلك من طول انتظار وصوله إلى المدينة، خاصة و أن المدينة –أقصد تيهرت- ليس بها إلا ميناء جافّ يتيم مفتوح على تقلّبات الفصول الأربعة، يجد فيه الحالم ما لذّ وطاب من برد المواسم المسعورة بلفحات رياح الونشريس   و زمهرير السهول الشاسعة التي تردّ عليه في سيمفونية شتائية لا يعرف إيقاعاتها إلا بكر بن حماد ،ابن المدينة المشرد، و هو  يحاول أن يبتعد عن هجاء السلاطين نظرا لاشتغاله بتدريس الحديث،    و ينحاز لهجاء بَرْدِها  بنوع من الورع العلمي الصارم.

    أقول الميناء الجاف لأنني أتصور أن “سفن الصحراء” كانت إليه مرهقة بمشيها الوئيد من بغداد لتفرغ حمولتها ممّا حُمّلتْهُ من أسفار، وجاءت بها إلى تاهرت بعد أن قطعت الأصقاع و وصلت سالمة إلى البقاع  تترنّح انتشاء ممّا تعاقب على ظهورها من نِعَمٍ علمية مدسوسة بإحكام في تلافيف شوق الورّاقين و حنين لون الحبر الكحليّ إلى عيون القرّاء الشغوفين لمزيد من الانفتاح على  الذات التي انطوى فيه العالم الأكبر.

   هل يعقل أن تبحث اليوم في مكتبات تيهرت عن “طبقات الدرغيني” فلا تجدها؟ أو عن “تاريخ ابن الصغير” فلا تجده؟ أو عن ” البيان المُغرب” لابن عذارى فلا تجده؟  ثم هل يعقل أن تبحث عن مقدمة ابن خلدون في تيهرت فلا تجدها؟ شيء غريب فعلا.. غريب..غريب..

-3-

    لم أكن أطمع في إعادة بناء مكتبة المعصومة من أجل أن أتولّى منصب إدارتها و من ثمة تحقيق طموحاتِ أفكارٍ ملبّسةٍ بالحلوى الإيديولوجية العتيقة..لأن هاجسي الأول و الأخير، في هذه اللحظة و بعدها، هو بناء المكتبة و إعادة بعثها، و ليس إدارتها لأنني أعرف جيدا أن كل من يدير مكتبة و يحاول أن يصبغ على إدارته نوعا من الشاعرية البريئة في تسييرها، سينتهي لا محالة إلى تحويله من هذا المنصب إلى منصب مُسيّر مزرعةٍ للدجاج في الريف الأرجنتيني الكسيح.. هذا ما حدث فعلا لخورخي لويس بورخس  قبل أن يصيبه العمى بصورة نهائية و تتحوّل بصفة جذرية علاقتُه المتعالية بالكتابة إلى علاقة متعالية بالقرّاء، لا من وجهة نظر الكِبْرِ المشوب بنوع من العُجْبِ كما يحدث للعديد من روائيينا و هم يصبغون على أنفسهم صفة المتنبئين بمجرد نشر رواية خارج حدود الوطن،و لكن من وجهة نظر الارتقاء بالقارئ إلى مصاف المفكر الذكي الذي بإمكانه أن يتجاذب أطراف الحديث معه و يصدق بأن مدينة “Tlon” التي اختلقها بورخس في أحد أعماله الأدبية من العدم الروائي وُجدت فعلا، و أن الذين يقطنون هذه المدينة هم من صنف القراء الممتازين الذين يحرصون على الحفاظ على المكتبة من أي حريق ممكن لأنها أصل العمران و وريده الحساس  و عرقه النابض “الدّساس”.

     ربما لهذا السبب كانت المكتبات خالية من أعواد الكبريت الإنسانية و من كل ما يمكن أن يُشعل الفتنة في أوساط مُسخّنِي الرؤوس و سَاخِنِيهَا القابلين للاشتعال، لأن المكتبات إنما أُسّست أصلا، و على عكس ما يعتقد من يحرقونها، من أجل إطفاء حرائق البيرومانيين و ليس من أجل توفير ما يشعل حرقتها في أنفسهم فيصيرون أكثر استعدادا لاستعمال ما في وسعهم من سلطة من أجل إحراقها.

 

-4-

  كيف يمكنني أن أتصور أن بكر. بن حماد قد كتب مائة بيت من الشعر فقط لا أكثر و لا أقل؟ هل كانت قلة أشعاره من كثرة البرد و قسوته؟  ولماذا لا أفترض أن الكثير من أشعاره ربما أكلت بعضها أو معظمها النيرانُ و هي تلتهم ما طاب لها من وليمة لأفكار الأرض.. سؤالٌ بفلسين في مزاد السوق الحرّة للإبداع.. لأن مِنْ أمثال ابن حماد من الشعراء في وقتنا الحاضر مَنْ له مئات القصائد بمئات الأبيات و لم ينتبه إليه أحد..قد يموت غمًّا في أحد الشوارع، أو قد ينتحر قبل أن يرى طبعة ورقية لمكابداته السريالية تباع في رفوف المكتبات.. كلّ حلمي الواهم هو أن أدخل مكتبة من المكتبات المخصصة للقراءة و أبحث عن كتابي في قائمة الكتب المرتبة حسب المؤلفين في الحرف (أ)..و عندما أجده أعود لأبحث عنه في قائمة الكتب المرتبة حسب العناوين. و أكررّ هذه الزيارة التفتيشية كلّ يوم. حسب المؤلفين..حسب العناوين..حسب المؤلفين..حسب العناوين..حسب المؤلفين..حسب العناوين..

      لا يمكن أن تتصوّر أي نشوة معرفية بإمكاني أن أبلغها و أنا أترك آثاري في مكتبة المدينة التي أسكنها.. أنا لا أدخّن و لا أحمل كبريتا و لست بيرومانيّ النزعة، وعلى محافظ المكتبة- حتى و إن كان غير مبصر كما بورخس- أن يطمئن تمام الاطمئنان لوجودي الدّائم ..{و الله خير حافظا}.. من هذا الجانب أتفهم جيدا ما يمكن أن يحدث لو أن متنوّرا يريد أن يدخل التاريخ بسرعة،        و يبقى فيه إلى الأبد ،جاء و أشعل عود ثقاب في الركن الأقل حماية من المكتبة..تصور فقط..تصوّر..من المفروض أن يضعوا الكتب حسب العناوين في جانب، و يضعوا نسخا أخرى منها حسب المؤلفين في جانب آخر بعيدٍ.. كيف يتمكن الدارسون عند ذلك من إرجاع الكتب إلى أصحابها لو أن جهة واحدة أُحرقت و بقيت الأخرى..

 

  بكر بن حماد، على الأقل، كان حرّا في تصوراته و في تنقلاته..لم يترك كتابا مطبوعا،  و لم يسْعَ أصلا لطباعته، و لم يكن محتاجا إلى فيزا للسفر إلى بغداد.. البؤرة الأشد إضاءة في وقته و الالتقاء بمن شاء من كبار الشعراء في وقته..تصوّر أنك تحاول أن تقوم بما قام به بكر بن حماد في الوقت الحاضر.. تصوّر أنك تريد الذهاب إلى أمريكا من أجل الإطلاع على كتاب ما في مكتبة الكونجرس..

- يا حبيبي… النهاية عرفتها.. دعك من الوهم..من الأحسن لك أن تطبع هنا في وطنك ، لأبناء جلدتك ..قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر..لكلٍّ عصرُه.

   ثم إنه لكي تطبع كتابا أو كتبا، لتضمن الدخول في قائمة ما يضاف إلى المكتبة الكونية التي تستقبل آلاف الكتب الجديدة كلّ يوم – عليك أولا أن تدخل في الصفّ الأعوج و تنتظر طويلا الدور الذي يؤهلك للدخول في قائمة المحظوظين بترخيصِ تكوين جمعية أدبية برأسين، ثمّ تحوّلها بالتقادم إلى دار نشر تُمكّنك من طبع ما تشاء من أفكارك في دارك – ما دامت الدّار دارك- بدعم من مدعّمي الجمعيات ذات الطابع غير التجاري، ثم تبحث فيما بعد عن قرّاء وهميين قد يترجم أحد المهووسٌ منهم بما وجده في كتابك من غرائبيّة إلى لغة مواطينه الميئوس من حالتهم العقلية  الضاربة في الروتين القاتل. 

                                                                                                                                …/…

*شاعر وباحث جامعي من الجزائر

اترك تعليقا