حُلْمُ لريشةٍ لاتنام/ قصة قصيرة / علي قوادري
بواسطة مسارب بتاريخ 14 فبراير, 2014 في 12:19 صباح | مصنفة في متعة النص | 2 تعليقات عدد المشاهدات : 2274.

 

مرارة قهوتي ريشة تتسلق جدار حزني الطفولي..تخربش باقة من تفاصيل الانتظار..أمزجُ أنفاس اللحظة بقوس قزح الأصوات النائمة على الرفوف..أفتشُ عن بداية اللون ..ينعكس السؤال في بحيرة الوجود الراكدة..

مرارة عابره تدق أبواب الحيرة فترتطم بأشواك الدهاليز وخفافيش الخوف من وجه هلامي..يتتسلل الضحك المخبأ في أعماقي..أغنية أخيرة تصافح وجعي..وتنمنم مرارة الهدوء..
هدوء قبل

 

ألوذ بأعقاب سجائري المحروقة  وأهيم مع موسيقى كلاسيكية لا أذكرمؤلفها…
بدا ظلي النحيل كشبح بين الدخان والألوان والورق الأبيض الكبير وأنا أتحَسَّسُ نبض الحرفوأْعلِنُ اعتقال المعنى...توقف القلم..هربَ مِدَادُه بين السطور..في الصفحة الأخيرة ساح الحبر كاتبا:
“ما أكثر مارسمت وكأنك لم تبدع ..”

تلفت فإذا الكتب فوقالرفوف تصفق والعبارات تصطفطرائق قددا..هَمَسَتْ الشمعة الوحيدة للنور غادرْ خيطي اشتقت لبعض الديجور.

 

شاحب لوني ومتعب حد السقوط ..تخامرني هلوسات بين الفينة والفينة فأرى الأشياء تتحرك وتتكلم …

أقرأ لِلصَّمْتِ ولِلَّيْلِ ولِغُرْفتي ولِقَرْيتي كلما غادرتها ازددت التصاقا وشوقا إليها..أقرأ وكل فكري يتأمل بياض الورق ..

أول مرة تتمنع لوحة وأول مرة لا أجد تفاحة أغري بها ألواني …أهرب للكتابة مستأنسا بأول هوس لي..أقرأ خربشاتي المسجونة في طيات الكراريس المهملة في صمت ووشوشة اللوحات التي أنهيتها كأنني أخطب لتلك البنايات العتيقة :

 

( أجيء يا بقايا الحكاية..تُعَرِّيني الحيطان القديمة وشوشة العابرين من قدامي..تَحْمِلُني فسحة الأشواق..هنا كان عطر الطفولة ممشايهنا كان بوح الكتاتيب يناديني..

قريتييا لفظ الزمان في الخلاردده الصدى..يا غفلة من ريح حانيةجئتعناقك شوك ووصلك دموع..أين مني مزار الأولين؟وحالة الجذب في حضرةعازف شردته المواويلوعاشق لفَّه وجه صبوح ..

أبحث في جوانحيعن طفل خبأته ..كان هناوكنت أنا هذا المسافر..أعج بتنهيدة ورثتها عن أميووجه ثابت يترحم على والدي..

يا أنتِ ..يا بقايا قريةهل تذكرين ذاك الصبي الشقي؟هل تحسين بوقع الحنين في دمي؟أنا لم أتغير كثيراولم تغيرني البلاد البعيدةمازلت أحب خبز الشعيرو(كسكسى) جدتي و حكاياها في ليل الشتاء الطويل..ما زلت يا بساتين الرمان والتينأحمل طعم اليرابيع البرية...مازلت أصدح ب (ياي ..ياي)*كلما حاصرتني هموميوسيَّجَني قناع غربة الوطن..)

 

تسرقني لحظة نوم مجددا..شهر كامل وأنا هنا ..لم أعتد المكوث أكثر من أسبوع ..كثيرة هي الدعوات وحميم هو الجو الأسري ولكن ما أبقاني إلا تلك الصورة /الرؤيا التي مافتئت تهدهد أحلامي..
ليلة البارحة غافلتني أسبح في غيهب نومي..أجاور حلمي قاب يقظة أو هدهدة , تتعدد الرغبة فوق كفي يلاحقها ودع غجرية شابة..تناديني مبتسمة..
أنت طيف حبيب يهاجر هربا..أنت بقايا حبات رمل أصيلة..تعيد مشاكسة الخطوط المبعثرة على تضاريس راحتي وانأ قافلة تتبع حاديها..أسمع صوتها يلاحقني
يتوسد كهوف ذكرياتي..تصيح بي فأفيق على لوحة ساحرة..سمرة الوجه هذه مألوفة ,كحل العين هذا ,الصوت هذا
………..
-هل يصبح الحلم حقيقة؟هل تتجسد أحلامنا فنلمسها ونحدثها؟

تكلمني مبتسمة:
-أنت بحار مشاكس تركب ناقتك وتقتحم أمواج الوقت..تجذف بعمامتك تبحث عن ثغر طفلة واعدتها على ضفاف النبض واخلفت..
كنت ألاحق خصلات وجدها..تراسلني بسنابل عينيها وتمر على شاطئ وحدتي..

-من أين جاءت؟من أنبتها في حدائق كهولتي؟
تهزني مبتسمة:
-أنت مسكون بسنين تبخرت..أنت مصفد بسلاسل الفاجعة..تسكنك طواحين الهزيمة..أنت بقايا حكاية صامتة..
منذ صمتت شبابيكها وغلَّقت أبوابها وعلقت مشانق الفراق وعطرها يسكنني.. يتنفس هوائي ويتهجى إحساسي..أرحل دوني وهذا الدرب لا ينتهي.
تصرخ مبتسمة:
-عرفت فيك حنيني وقرأت فيك سواحل وطني..أنت الحلم حين يتكور خارطة للأمنيات..أنت مساء الشيح البري..وخيمة في شغاف القلب المقطع
تشابكت الخطوط وتفتحت.. تزقزق أنشودة الكشف.. صحت ألهث وراءها..
-أنت اشراقة من بساتين عمري..أنت نفحة تكتبني..تعيدني لحجر أمي صبيا..لطين المحبة الصافي..
أفيق لأجدني في جب حلمي أناديها..أتحسس برفق هواء غرفتي..أفتش عنها تحت وسادتي..التفت لقطرات مطر تدق زجاج نافدتي..أذوي يغمرني شعاع متعة غريب..أراها تودعني مبتسمة, تقفز على خيوط الفجر البعيد..البعيد..أعود لغفوتي ألاحقها فتتلاشى وخيام الليل الكثيفة..

 

كان عليَّ أن أعود هنا لقريتي والتي أصبحت مدينة وكان علي أن أطوف بذاكرتي وسط الحارة العتيقة وأن أنبش حجر الماضي ..تجربتي تبحث عن نبض جديد ووهج يغير معالم الفن ويرسي من خيوط الذاكرة ألوانا تجذب إليها مريدي اللوحات والمعارض..

مذ عدت وأنا نفسي تغيرت ..عدت طفلا فشابا وقفزت الشقاوة فتهت بين عملي وذاك الحلم المتكرر..لن أنكر أن المكان أوحى لي الكثير من اللوحات الجديدة وألهمني بعدا مختلفا..

أهيئ صفحة اللوحة بدلال وبرقة فائقة ..أمزج الألوان مجددا..تتحول الكلمات ريشة تقفز بمهارة تملأ المساحات البيضاء..يرن هاتفي..يسألني الصوت كل شيء تمام ننتظر لوحاتك الجديدة بشغف ..قبل أن أغلق يضيف الصوت

-سيكون الحضور الإعلامي مكثفا مكتوبا ومسموعا ومرئيا..

-حسنا ……..

أخاطبه وأنا أمرر ريشتي على آخر اللمسات…أستلقي على الأريكة متأملا الصورة معيدا رسم الحلم..هل تكلمني من جديد؟؟؟؟؟

يعود المطر متساقطا بغزارة..المدينة تنام .. يعاندني النوم تاركا جسدي متعبا..أفتح جهازي المحمول, أقرأ بعض التعاليق حول معرضي الأخير..يتوقف المطر وأتوقف عن الرد فاسحا كياني لنوم عميق يقطعه أذان الإمام سي علي حمامة المسجد كما نسميه ..أوضب أشيائي المبعثرة ..أصلي الفجر وأنتظر وصول من سيقلني لقاعة العرض..أحمل كل لوحاتي إلا ذاك الحلم…

* قاص وشاعر من الجزائر

التعليقات: 2 تعليقات
قل كلمتك
  1. ٍِ{-عرفت فيك حنيني وقرأت فيك سواحل وطني..أنت الحلم حين يتكور خارطة للأمنيات..أنت مساء الشيح البري..
    وخيمة في شغاف القلب }النــص.

    أخي وصديقي الأستــاد علي قوادري..
    يــاه!..كــم يــفعل الزمن فينا فــعلته.. والوجوه التي نحب ،والقلوب التي أصيبت بــخسارة الفقد،
    والناس الطيبين، والأرض الحبيبة الــعدراء ورائحتها الزكية و الحبــبية الــضائة..الــمسافرة في تخوم الداكرة!..
    كم اشتــهيت النــص المضمخ برائــحة التربة والشــيح وأريج الــحبيبة .
    على رغم الفراق..والفقد العسير، جاء الــسرد يشفي الغليــل ،يوقع القارئ في ضمــة نستــالجيا
    الــمكان المودود.
    أحييك على هدا النص الفنــي حيث الــريشة تشــكل ما في الرأس والقلب. إنـه الطواف بالداكرة
    المسكونة بــالزمن الجميل،والأمكنة الديانة.
    الألم يصنع منــا فنانا صادقا ..يــحترق لكــنه يــضيء ويمتــع غيره.

    لا انقطع شلاللا قــلمك المورق بالفن.
    مودتـــي وتــقديري.

  2. علي قوادري قال:

    الديب الراقي سعيد
    تمر هنا ربيعا يوشح بستان النص بزهور تلامس المعنى وترسل نايت الحنين تماما كما فعل بطلنا هنا ..
    للمكان جرس وقبة تنفتح كلما عادت بنا الذاكرة فنتمنى أن نكون ذاك الطفل ونتمنى أن نتسكع كما كنا ..
    تقبل سواحل شكري ومحبتي ..
    تقديري.

اترك تعليقا