بين لوحتي كسوف وخسوف حُفظت مجموعة ((رقصة الحمأ المسنون)) (1) الشعرية للشاعر والقاص عبد الكريم ينينة فجاءت ملحمة تؤرخ للحب وللحرب في زمن الحداثة …مثقلة بهم شاعر غاضب ورافض وعاشق وكاره…باحث بالكلمات عن معاني الذات التي توارت بين مدّ وجزر….
وإذا كان الإنزياح في لغة الشعر هو البعد عن مطابقة الكلام للواقع فإن القصيدة موضوع هذه القراءة جسدت هذه التقنية في التعبير اللّامألوف بجمالية تدهش القارئ وتدخله في شباك اختراق مشروعٍ لمعاني تمردت على أحادية المعنى وتناسلت من لَدُنها معاني عميقة جعلت النص مفتوحا على أفق غير محدود. وقد تجلى هذا الانزياح بداية من عنوان القصيدة ” أما بعد، فقد ذاب من الرقص البلح” فالشاعر بعد أن حدثنا في قصائد أخرى من المجموعة ها هو الآن يقدم لبداية قصيدة جديدة وأحداث أخرى كأننا به يقول :أما بعد أيها القارئ سأحدثك وأخبرك أن الأحداث لم تستقر بل تطورت فبلغت ذروتها إلى حدّ ذوبان البلح من الرقص، فصياغة العنوان بهذه التشكيلة غير المألوفة يضيف بعدًا دلاليًا عميقًا على النص، ويُتيح للقارئ فرصة التأويل، فالبلح هو نوع من التمور التي لم تنضج كلية، وهي شيء مادي أعقبه الكاتب بفعل الرقص الذي يعني حركة الجسم للتعبير عن شعور معين، فهذا الفعل الدينامي قد تزيد سرعته فيذيب هذا البلح اليابس الذي لم ينضج بعد، فماذا يريد أن يقول الشاعر من خلال هذه الصورة الغامضة، هل بلغ السيل الزبى؟ أم أنه يعبر عن حالة أو ظرف لا يمكن السيطرة عليه؟؟ هذا ما يجعل القارئ يتجاوز هذه العتبة ويدخل عالم النص لعله يجد أجوبة على تساؤلاته.
ولأن النص الأدبي يسعى إلى بسط سلطته من خلال تجاوز كل مـألوف، واختراق كل عادي من خلال الانزياح الذي ” يبتعد بنظام اللغة عن الاستعمال المألوف، وينحرف بأسلوب الخطاب عن السنن الّلغوية الشائعة”(2)فإنه يسعى إلى خلق لغة غير مبتذلة أو متناولة، لا تقدم نفسها للقارئ وإنما تستفزه، وتجعله يتابعها بقراءة جادة تساعده على القبض على المعاني من أجل فهم النص.
وعبد الكريم ينينه واحد من هؤلاء الشعراء الذي حملوا محنة الكتابة بجدّ، ولم يكتفوا بظاهر اللغة بل غاصوا في أعماقها، محاولين الكشف عن جمالها الخفي من خلال اتباعهم استراتيجية الانزياح التي تُورِثُ النص لذة ما بعدها لذة، وتحقق للقارئ فرصة الاشتغال بجدية على النص .
يبدأ الكاتب قصيدته بمدخل ثائر يُمجد فيه ذاته الشاعرة ويُعبر فيه بضمير المتكلم (أنا) يقول في ذلك:
” لي أثقال السحب الثكلى
ولهم ما قد يترسب من برك”(3)
فارتفع بذاته لحدّ السُحب التي توحي بالرفعة والنقاء والطهارة، وحطّ من شأنهم إلى الحضيض الأسفل، حيث البرك والأماكن القذرة. فشتان بين مراتب العليين ومنازل السفلة والخونة الذين لا يجزم لهم بوجود أماكن تحوي قذارتهم فاختار لهم من بقايا الأمكنة ما قد يترسب ويتشكل منها، وقد هنا تفيد الشك لا اليقين.
في هذا المدخل الساخر والشاعري يلتقي القارئ بنماذج كثيرة من الخرق اللغوي الذي لم يألفه سابقا، فقد اجتهد الكاتب في خلق صور رغم سخريتها التي تعبر عن موقف نفسي وآخر اجتماعي متأزم إلا أنها تعبر في نفس الوقت على قدرة الكاتب في ترويض اللغة والسمو بها إلى مرتبة شاعرية تغلف النص برهبة صوفية وتشي بقاموس متفرد للكاتب وبأسلوب خاص به، يجعلنا نفرق كتاباته عن كتابات غيره.
نمثل لذلك بأمثلة من النص صيغت صياغة غير مألوفة. يقول الكاتب في هذا المقطع:
“منذ ولادتي الخجلى
وأنا أتنفس من جرح مبتسم في صدري
وأفتش في رمقي
عن نزقي
كي لا أتدلى! “( 4)
ينزع هذا المقطع إلى تحقيق الاختلاف الكلي إلى ما شاع في التعابير اللغوية العادية، كما يهدف إلى التعالي على مرتكزات التعبير ذو المعاني المحدودة والمتعارف عليها، فيبث الحركة بين ثنايا المفردات والألفاظ عندما يزحزحها عن معانيها التقليدية، ويبيح لها شرعية التوالد والتكاثر من أجل تحقيق الجمالية.
فعندما يحيل فعل التنفس من الجرح المبتسم في الصدر، فهو يستفز ذوق القارئ من خلال هذه الصورة التي تفنن في نسج خيوطها، فيجعله يتابعها من أجل القبض عليها كما يؤول ويقرأ ويقف عند الصورة الواحدة مطولا بدهشة تثير حيرته، فالجرح عادة عندما يكون مفتوحا يكون على شكل ابتسامة تُعرب عن الحياة مادام فيها نفس، كما يعرب عن الألم مادام مفتوحا لم يضمد بعد، فهل يريد الكاتب أن يقول إننا رغم الجراح مازلنا نبتسم، مازلنا واقفين نتنفس الحياة ولو بالتقسيط، فكيف استطاع الكاتب تشكيل هذه الصورة المفارقة؟؟؟. انه انتهاك جميل لحرمة اللغة من أجل الارتقاء بها، لا لقتل النص وإرهاقه بل لجعله ينبض بالحياة. ويضيف الكاتب محاولا جمع شتات هذه الصورة في ذهنه وفي ذهن المتلقي عندما يقول:
“وأفتش في رمقي
عن نزقي
كي لا أتدلى“(5)
لعل القارئ يلاحظ حدّة المفارقات وغلّوها التي تفضح أجواء الكاتب النفسية، وتكسرُ أجواء اللغة النمطية، فقد اضطرب مفهوم فعل التفتيش الذي ارتبط بالأشياء عادة لكنه انزاح عنها نحو الروح بحثا عن الطيش واللامبالاة، تجنبا للتدلي الذي هو صفة تطلق على الأشياء لا على الإنسان. إنه بحث عن الذات وسط ألغام الواقع المرير…
وفي موقف آخر أكثر قوة وصلابة وعمقا، عندما تنساب الكلمات على إيقاع واحد، بمعاني متراكمة فتشعر بها متدفقة كشلال، تخبرك أن الكاتب متمكن جدّا من اللغة كما يمتلك القدرة على توليدها بل وجعلها قادرة على التعبير بصدق ودقة على جلّ المواقف وإن اختلفت، فهو يغرف من نهر لا ينضب
يقول الكاتب:
“وتموت الكلمات من الوجد
على شفتي
كتلاً كتلاَ
ولي الجوع مع الزهد
لي الروع مع الشهد
لي الدمع مع الحمد
لي العرق
ولي الكل وما لا يبلى“(6)
يعبر هذا المقطع الباكي عن محنة نفسية تقاسيها الذات التي وصلت بها شدة الشوق والوجد إلى موت اللغة التي لم تستطع استيعابها، وتتراكم مشكلة تكتلات فقد تعجز الكلمات على التعبير عن بعض المواقف والحالات، لذلك تنتحر وتموت فترتقي الذات إلى درجة المتصوفة راضية بقدرها المحتوم.
إن هذا المقطع يكشف عن تجاوز الكاتب النظرة الأحادية للأشياء وضيق المفاهيم، متخذا من خرق المعاني تقنية فنية لا يهدف من خلالها إلى إرهاق النص أو تعجيز القارئ بقدر ما يهدف إلى دفع المتلقي إلى توقع اللّامنتظر من المنتظر، مما يسهم في خلق نص مشحون بالإيحاءات والرموز، ومكثف بدلالات عميقة لا تسبح على سطح النص وإنما تشكل بنيته التحتية، بحيث لا يتم الكشف عنها إلا بقراءة واعية تعاشر النص لعلها تُزيل عتمته.
كما توجد أمثلة من الخطاب القرآني تمثل خرق الكاتب للغة:
_ وقد غيض الماء.. فلا أحد يملا
_ ويا أيتها الأرض.. ارتشفي ماءك وارتقبي(7)
إن الملاحظ لهاذين البيتين يجد أن فحواهما مستمدة من القرآن الكريم من سورة هود الآية 44 في قوله تعالى: “وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَ يَا سماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ” التي استحضرها الكاتب غيابيا ليبني عليها دلالات أخرى وفق راهن آخر ومعاني جديدة تليق بواقع مرير وحالة بائسة ووضع حزين.
إن هذه العودة للنص القرآني واختراقه لم يكن الغرض منها الاقتباس بقدر ما كان الهدف تقوية المعنى بالانزياح عن المعنى الحقيقي والأصلي وفتح باب التأويل.
لم يمارس الكاتب فعل الخرق وتجاوز كل مألوف على اللغة فقط بل تعداه إلى شكل القصيدة أيضا إذ جعل القصيدة مزيجا بين الشعر الحرّ في جزئها الأول المعنون بــــــ (مدخل) والشعر العمودي في جزئها الثاني المعنون بــــــــ:(مخرج راقص ) وهي تقنية لم نألفها في الكتابة الشعرية وتجريب مختلف في شكل القصيدة لعل ّ الشاعر استمدّه من شكل أداء الغناء الشعبي العاصمي، حيث كما هو معروف يبدأ ذلك باستخبار يؤديه المطرب دون أن تصاحبه آلات سوى آلته الشخصية، ثم ينتقل مع مجموعته إلى أداء القصيدة وعادة ما تكون بريتم ثقيل، ثم في نهاية الأداء ينتقل إلى ريتم خفيف جدا يبعث على الرقص، هكذا هو حال أداء الطابع الشعبي خاصة أثناء الأعراس والأفراح.
الملاحظ على النصف الأخير من القصيدة المعنون بـــــ: “مخرج راقص” أنه جاء هزليا ساخرا سخرية لاذعة توحي بغضب مترسب في ذاكرة الكاتب ويمكن نقل المقطع كاملا باعتباره جاء في أربعة أبيات رغم قلّتها إلا أنها ذات حمولة مكثفة يقول الكاتب:
*مخرج راقص
الشعر أكذب أنباء مـن الصحفِ * يبيعك الحلم والأطياف بالحلفِ
فالحزم ملعبـة والجـد مهزلة * والصدق منخنق ملقى مع الجيفِ
والبرد مجمـرة والقبو منزلة * والشهد حنظلة تدعوك للقرفِ
فإن يصدق شاعـر بقافيــــة * فذاك عين الجنون منتهى الخرفِ(8)
إن أهمية تقنية الانزياح تظهر من خلال هذا المقطع بشكل كبير إذ يولد التباسا إبداعيا وتشويشا معنويا تتغير قابلية فهمه من قارئ إلى آخر فهذا المقطع مجازفة إبداعية جمالية خارقة للعادة اذ يكسر الكاتب النمطية المألوفة فقد قال ابن تمام من قبل:
السيف أصدق أنباء من الكتب في حدّه الحد بين الجدّ واللعب
يخترق الشاعر حدود وشرعية هذا البيت بكل فنية ويبني على أنقاضه بيته الأول بصياغة عصرية موغلة في الرمزية تخترق البنية التحتية للمعنى واللفظ معا فعندما يقول أن:
الشعر أكذب أنباء مـن الصحفِ * يبيعك الحلم والأطياف بالحلفِ
فهو يؤكد المقولة التي تقرّ بأن “أجمل الشعر أكذبه” وأن الأدب لن يكون جميلا إلا إذا انزاح نحو الخيال وطار بك نحو الأحلام الجميلة والطيف المرتجى …وأن المبدع هو الوحيد المشروع له الكذب الجميل الذي يفرق بينه وبين المؤرخ مثلا الذي يلتزم بالرسمية والوثائقية والموضوعية بينما يعبر المبدع من زاوية نظر ذاتية، وما الشعر إلا حالة شعورية كلما انزاحت أكثر كلما اكتسبت اللغة سحرا جماليا ودلاليا مكثفا.
ومن أمثلة انزياح اللغة والتعبير الّلامألوف نذكر:
_ الجـدّ مهزلة
_ الصدق منخنق
_ البرد مجمـرة
_ الشهد حنظلة
إن هذه الأمثلة عبارة عن ثنائيات تجمع بين عالمين مختلفين فالجد انحرف نحو الهزل وأصبح يعنيه ويرمز إليه ..كما انحرفت باقي الألفاظ عن معانيها الأصلية واكتسبت معاني كانت تعكسها وتناقضها …فهل هو عصر المتناقضات والمفارقات؟ التي تفضح بدورها الواقع وتعريه كما تكشف هذه المفارقات عن ميل الكاتب نحو اللاّمالوف الذي يكسب اللغة سحرا آخر يستلذه القارئ رغم أنه يستفزه بكسر النمط المنطقي للمعاني وتجاوزها بدلالات أخرى تجعله يعي ما يجري حوله، فهذه المفارقات أضفت توحدا وتكاملا بين ألفاظ لطالما عرف القارئ أنها لا تجتمع ولا تكتمل بقدر ما تفرق وتشتت، لكنه استنتج أن التعبير عن الواقع المتأزم لن يكون إلا بعقد وفاق بين المتضادات التي وحدها تستطيع فضح أخطاء هذا العالم.
أخيرا من خلال هذه القراءة في قصيدة أما بعد، فقد ذاب من الرقص البلح (من مجموعة رقصة الحمأ المسنون)للشاعر والقاص عبد الكريم ينينة يظهر أن: الكاتب مهووس بهاجس تجاوز كل تعبير عادي ومألوف وجاهز في الّلغة، ولعلّ هذا ما يبرر الغموض الذي يتحسسه القارئ في مواجهته نصا شعريا يتحدّى أيّ منطق ، ويحارب كلّ الثوابت ، أولها وأخطرها النحو ” فهو الركيزة التي تستند إليها الدلالة وبمجرد ما يتحقق الانزياح بدرجة معينة عن قواعد ترتيب الكلمات تذوب الجملة ، تتلاشى قابلية الفهم “(09)
كما لجأ الكاتب في قصيدته هذه إلى الرمز باعتباره أكثر عمقا وخلودا وصالح لكل زمان ومكان كما أنه يشرح ويفسر زاوية رؤيته للحياة والأشخاص والمواقف.
ولأن السخرية مؤلمة في عمقها فقد سلكها الكاتب كتقنية في الكتابة، فغزل نسيج نصه بها عندما اشتغل بانتقاء اللفظ والتركيبة النصية، وترك الدلالة لفهم القارئ، يضحك ويبكي متى وصل إلى نقطةشعر فيها أنه فهم المقصودالفهم، مهما طال به الطريق، في التفسير والتأويل.
إن السخرية في هذا النص لم توظف لأجل إضحاك المتلقي وإنما سمت به إلى درجة يكتشف فيها بنفسه عمق الحقيقة من خلال الرسائل المضمنة التي يتكفل بفك شفراتها.
هكذا جاءت تراكيب الكاتب غير مألوفة غير مُبتذلة ومُجترة ومُكلفة… فساهمت بدورها بتمييز أسلوب الكاتب، كما رفعت النص إلى مستوى الأدبية، وقد أثبت عبد الكريم ينينه من خلال هذه القصيدة أن الشعر شعور صادق ينبع من ذات شاعرة تعي ما يجول حولها، وأن القيمة الأدبية للنص وحدها كفيلة بكتابة تميزه، وأن التعابير المنزاحة مالم ترهق القارئ ستضفي سحرا على اللغة ، وان الكتابة هدم من أجل البناء من جديد، وانزياح عن كل ما هو متداول، هدفه من ذلك إنتاج نص متفرد وقارئ مدرك لما يقرأ، يستفزه تارة ويحتال عليه تارة أخرى ليجعل منه قارئا منتجا لا قارئا مجترا يبحث عن كل جاهز وعادي ومبتذل ومألوف فإذا ما تزحزحت الألفاظ عن معانيها فقد السيطرة واكتفى بقراءة خارج النص لا تمت له بأي صلة.
……….
الهوامش:
_1 المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية 2002
2_ نور الدين السد: الأسلوبية وتحليل الخطاب، ج1، دار هومة، الجزائر، دت،ص186.
3_ ص 57
4_ ص56
5_ ص56
6_ ص59
7_ ص57
8_ ص60
9_ نور الدين السد: الأسلوبية وتحليل الخطاب، ج1 ، 178




