في روايته جلدة الظل، من قال للشمعة أف ؟ عبد الرزاق بوكبة يكتب عن التاريخ المتخيل للمكان – لونيس بن علي / جامعة بجاية.
بواسطة مسارب بتاريخ 31 يناير, 2012 في 10:26 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2591.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في روايته جلدة الظل، من قال للشمعة أف ؟
عبد الرزاق بوكبة يكتب عن التاريخ المتخيل للمكان
لونيس بن علي/ جامعة بجاية.

 

بدأت رواية جلدة الظل للكاتب عبد الرزاق بوكبة بهذا المشهد الحواري بين الراوي و علي بلميلود:
-        جئتُ لأضع بيضتي عندك يا بوكبة.
-        تبيض؟ علي بلميلود يبيض؟
-        أقصد أن أحكي…
-        في وجداني حكاية… لا بد أن أحكيها.
-        عن حياتك التعيسة؟
-        بل تخيلتُ تاريخا لقريتي التي لا تاريخ لها.
-        حاجني يا بلميلود، حاجني.. الرواية، ص 04.
 ما نفهمه عبر هذا الحوار أنّ ما يعطي للرواية مشروعيتها في إنتاج متخيلها السردي هو غياب الحقيقة التاريخية عن المكان. من هنا ينفتح النقاش على السؤال التالي: هل نملك ذاكرة تاريخية عن الأمكنة التي نسكنها؟ أقصد المدن والقرى التي خرجنا منها.
السؤال ضروري جدا، خاصة وأنّ ما نعانيه ثقافيا هو انقطاعنا عن تاريخ الأمكنة التي نقطنها، وهي جزء لا يتجزأ من أزمات الهوية حيث تتحول علاقتنا بالمكان إلى نوع من العمى الحضاري الذي يدفع بنا إلى إنتاج سلوكيات لا حضارية اتجاهها. المدن التي نقطنها هي فضاءات عمرانية مفرغة من الذاكرة، هي أمكنة لا ذاكرة لها، وما تبقى من القرى أصبحت نسيا منسيا، بسبب ظاهرة الهجرة الجماعية إلى المدن، أو بسبب سياسات تمدين الأرياف، وعصرنتها التي تمّت دون التفكير في الحفاظ على ذاكرة تلك الأمكنة، وتدوين تراثها الرمزي على الأقل الذي يحكي قصة نشأتها.
 رواية بوكبة، والتي أصدرها عن منشورات ألفا عام 2008، هي في واقع الأمر تتحرّك في إطار المحافظة على ذاكرة المكان الذي هو قرية أولاد جحيش مسقط رأسه، من خلال استحضار الموروث الحكائي الشعبي، الذي يعتبر مصدرا إلهاميا للكتابة الروائية، خاصة أمام غياب التاريخ الرسمي لتلك القرية المرمية في جبال برج بعريريج. أمام هذا الغياب سيكون للرواية كلّ المجال لتنتج تاريخيتها الخاصة عن المكان المهمّش، علما أن القرية النائية تكاد تكون فضاء مهمّشا في وعينا الجمعي اليوم أمام البريق الوهمي الذي توحي به الحياة في المدن الكبرى.
 هذه التاريخية تعتمد على التخييل، ذلك أنّ الرواية كغيرها من الفنون الأدبية تنسج حكاياتها من مصادر كثيرة لعل أهمها: الأساطير، و الخرافات.. وكلها أشكال تعبير أنتجها العقل الشعبي، طبعا بالإضافة إلى الواقع ذاته، حيث أنّ معايشة المكان من الداخل، وملامسة تفاصيله الصغيرة على مستوى المعيش، كتجربة فيزيائية ستكون مدخلا للولوج إلى جوهر المكان كنظام من القيم، الذي يتجسد في طبيعة تنظيم الحياة والعلاقات بين قاطنيه، وفي الخطابات النفعية والرمزية التي أنتجوها عبر الزمن.
المكان/ الذاكرة:
 إنّ الإشكالية الأساسية التي تطرحها الرواية هي: علاقة الفرد بالمكان، ليس كفضاء فيزيائي بل ككون قيمي، كنظام من العلاقات، كنظام ثقافي أيضا، خاصة إذا ما انتبهنا إلى ما أنتجه الوعي الأنثروبولوجي الحديث الذي درس المجتمعات البدائية القرية نموذج للحياة البدائية غير المركبة فوجد أنّ الحياة فيها قائمة على أنظمة ثقافية جد معقدة، مثل نظام القرابة، ونظام الزواج…إلخ من هنا، يتحوّل المكان إلى فضاء من العلامات والرمزيات التي يتم توارثها عبر الذاكرة الشعبية، والتي يتم تناقلها شفويا، ما يجعل الحكاية الشعبية أكثر الوسائل نجاعة لنقل الموروث جيلا عبر جيل.
في الرواية تتكشّف علاقة دياب بطل الرواية بهذا البعد المخفي للمكان قرية أولاد جحيش فالمكان بالنسبة له لا يمكن له أن يكون مجرد قطعة أرض معلومة الحدود، بل هي أرحب من ذلك، أي على المكان أن يرتبط بمجموعة من القيم كالحرية والانطلاق، فالمكان بهذا المعنى مرهون بالحركة، وإلا صار كتلة جامدة من دون حياة. المكان مرتبط بالحركة، هذا مقاله غاستون باشلار في كتابه شعرية المكان، ودياب الذي رفض أن يقسم على مصحف جده الأول الحسن بن جحيش حتى لا يغادر القرية، كان في واقع الأمر يرفض أن يكون مصيره رهين هذا الفضاء الضيق، المختنق، الذي لا يعيش إلاّ على نمط واحد، وعلى صراع وهمي من أجل البقاء، في حين أن الحياة أوسع وأرحب وأعقد من رقعة جغرافية مغلقة على نفسها. يريد أن يرحل، أن يسافر، أن يكتشف، والحياة بهذا الشكل تكتسب جوهرها باعتبارها مغامرة مستمرة للبحث عن الجديد، لاكتساب معارف جديدة، ثقافات مختلفة، لغات غريبة، وعادات جديدة. بطريقة أو بأخرى استطاع دياب أن يعي أنّ المكان الذي يشكّله سيتحوّل إلى ذاكرة يحملها حيث حلّ وارتحل، وإذا كانت للقرية موقف آخر، فهو موقف قاصر جدا، لأنها تعتقد أنّ الذي يسافر ويغير المكان إنما يغير جلدته مثلما تفعل الأفاعي، وتتملص لهيئتها الأولى.
 الأرض ملك لله، ونحن عباده، ولنا حق فيما يملك، بل لذلك خُلقنا، فلماذا نحرم أنفسنا من أماكن أخرى، يُتاح لنا أن نقيم فيها ؟ الوطن ليس التراب الذي نولد عليه، بل هو ذاكرة التراب التي تُرافقنا، إلى كل مكان نذهب إليه… الرواية 08. تلك الذاكرة هي التي تتجسد عبر الحركة أيضا، أي أنها ليس كيانا ثابتا يسبق وجود الفرد، قد يكون ذلك إلى حدّ معيّن، لكن أليس للفرد القدرة على أن يتعاطى هذه المكتسبات الاجتماعية المتعالية بشيء من التمرّد حتى يبني عبر هذه الحركة هويته كفرد ينتمي إلى كيان إجتماعي. يوضّح الباحث المغربي عبد اللطيف محفوظ أنّ الصراع هو بين عالمين : عالم خارجي وعالم داخلي، ويقول موضّحا : يرتبط العالم الخارجي بكل المعطى المدرك بواسطة المعرفة المسبقة به، وبفضل المعارف المترتبة عن إدراك جزئياته، ويتميّز هذا العالم بكون شكل إدراكه لا يتغيّر إلاّ بفعل جماعي، أما العالم الداخلي فهو مجموع الأحاسيس والمشاعر والتصورات الخاصة بكل ذات حول العالم، وتكمن ميزته من جهة، في ممارسة لضغط خفيف علينا، ومن جهة ثانية، في استطاعتنا تغييره بفضل إمكانية تقويض أو خلق موضوعاته. المرجع : آليات انتاج النص الروائي. نحو تصور سيميائي. منشورات الاختلاف. 2008. ص 166.
 إنّ الهوية الإجتماعية للفرد دياب نموذجا مهما في الرواية هي سيرورة في الزمن، وليست معطى مباشر وثابت ومطلق وكامل، هي انبناء للذات، عبر المكان والزمان. من هنا، تحاول رواية بوكبة أن تفكّك بكثير من الحسّ النقدي هذه العلاقة الإشكالية بين الفرد والمكان والهوية كوسيط بينهما. ما تريد أن تقوله من خلال هذا المصير الدموي لدياب الذي وجد نفسه مربوطا إلى شجرة خروب، أنّ التطرّف الإجتماعي، يولّد كل أشكال العنف، الذي يعمي البصيرة على التبصّر في جوهر الحياة الذي هو تواصل وتعايش، وكأنّ خلف هذه الأحداث نستشف الراهن الذي نعيشه اليوم لا على صعيد المجتمع الجزائري فقط، بل على الصعيد العالمي، حيث الحروب اليوم هي حروب الهوية والإنتماء الجغرافي والقومي والعقائدي، وكلّما ازدادت المجتمعات تمسّكا بهويتها المطلقة كلّما ازدادت تطرفا ونفورا من الآخر.
تزييف ذاكرة المكان:
ما الذي يحدث عندما يتأسس تاريخ مكان ما على كذبة؟ أعتقد أن الخطر لا يكمن فقط في تزييف التاريخ، بل في أن تتحوّل الكذبة مع مرور الوقت إلى حقيقة ثابتة. قرية أعلى الجبل نموذج لتزييف ذاكرة المكان، عندما أدرك مؤسسها واعز بن ساكن أنّ الذي لا مكان له هو الذي لا يملك ذاكرة، وبذلك لا يملك وجودا. كانت تلك حكمته في الحياة: يا سكان أعلى الجبل، تعلمون أنّ أصل اسم قريتنا، يقوم على كذبة، وعلينا أن نذهب بالكذبة بعيدا… ص 32. وذهب فعلا بكذبته بعيدا، عندما أصبح سكان القرية جيلا بعد جيل مؤمنين بأنّ الأرض التي وُلدوا عليها هي أرضهم، وأنّ قبر جدتهم موجود بقرية أولاد جحيش. وهنا حدثت الحروب المتتالية بسبب أنّ سكان أعلى الجبل يُطالبون بحقهم في زيارة قبر جدتهم بأولاد جحيش في حين أنّ ذلك القبر لا وجود له على الإطلاق. التاريخ المزيف هو التاريخ الذي يورث الأحقاد، ويشعل الفتن القاسية،وقد نُسقط هذه الصورة على الكيان الصهيوني في فلسطين الذي أقام دولته على كذبة؟؟

 

اترك تعليقا