بين السّرير و السّندان / قصة قصيرة / عفيفة أم الشيماء *
لا فرق بين الأمس و اليوم.. أنهضُ ككلّ صباح .. أصلّي صلاتي أختمها بمجموعة دعوات أحفظها عن ظهر قلب،و نادرا ما لا أفعل.. أرتشف قهوتي على عجل و أنا أراقب الوقت على جدار المطبخ.. أجتهد في الحركة دون إحداث ضجّة ، لئلاّ أوقظ أمّي.. أحاول التسلّل لكنّ أطيط الباب يَشي بي عند مَسْمعها.. فتنادي : رافقتكَ السّلامة! اعتنِ بنفسك!، مِن خلف باب غرفتِنا الوحيدة.. لستُ أدري لماذا لا أتذكّر تشحيم مِفصل البّاب إلاّ عندما أهُمّ بالخروج؟.. مع أنّي أعتزم ذلك كلّ مرّة.. أسَمّ الله و أتوكّل عليه..و أمضيى.. السّماء صفراء.. قرص الشّمس يلامس خط الأفق.. بعض شباب الحيّ متناثرون على حافتيّ الطّريق.. عجوزان شقيقان في طريق العودة إلى البيت، أخبرتني جارتنا الجزيرة أنّهما ملتزمان بأذكار الصّباح في المسجد.. الجزيرة كُنْيتها منذ ظهور القنوات الفضائيّة.. شابٌ يتطوّع لتنظيف ساحة المسجد.. امرأة كأنّي على موعد معها؛ كلّما دنوْت من بيتها خرجتْ منه.. ما رأيتها إلاّ و عليها سوادا، لا تُـلقِ التحيّة و لا تردّها.. سيارة محرّكها يدور، تستعدّ للمسير، تنْفث سمّها في نقاوة هواء حيّنا، عين عجوز ترقبني من خلال فتحة على الباب، لم تُخْلف الموعد مرّة.. أنظر بألم إلى طّريق حديث انْتَهكَ عذريّة حقل كان ذا خضرة.. أنْصِتُ إلى صدى طقطقة الأقدام على رصيف من الإسمنت المسلّح ، وحش يغتصب الطّبيعة بلا منازع.. كلّما أسرعتُ شعرتُ بحرّ أكثر، حتّى أبلغ موقف الحافلة، قلّما أجد أحدا سبقني إليه من دُفعة ما بعد الشروق، ما وقفتُ به إلا و استحضرْت بعض ذكريات الطفولة.. تتقاذفني موجات أفكاري المتناغمة مع نبضات الانتظار.. تفتّش عيناي بين المركبات القادمة عن التي تعنيني.. ملامحُ وجوه اعتدتُ تَكَرّرها و لم أُحبّها.. عيون نِصفُ مُـغلقة مُـتورّمة.. خُـدود تدلّت ما زالت تحتفظ بأثر الوسادة، و أخرى امتصّها العبوس.. شِفاه بَرزت.. أجْبُن مقطّبة.. لا فرق بين الشُّقر و السُّمر، يشتركون ذات الـمَـسحة.. أليس من بينها وجه سعيد؟.. ربّما كان للوجوه السّعيدة موعدا آخر مع الطّريق لم أزامنه.. أعُدّ قديم السّيارات و حديثها.. واحدة قديمة من بين عشرة تعتمد التكنولوجيا.. امرأة تسوق من بين أربعة سائقين.. الفضّيّ فالأبيض، فالأسود، ألوان تحتل الرّيّادة على الطّريق.. ربما مرّت الحافلة و الحافلتان، أو أكثر و لا أظفر منها بمقعد أستوي عليه.. و إذا استوَيْتُ أراقب الشّمس من خلال النّافذة تُطلّ و تتحجّب بين الأشجار، و معالم المدينة.. أشرد؛ لا أنتبه لمحطّتي، أستدرك أصيح يا هذا! توقّف! .. تكون الشّمس قد ارتفعتْ قَدر شبر.. أسِير سير المطمئنّ الفرِح و قد وصلتُ إلى السّوق قبل الجميع. أكشف وجه عربتي الصّغيرة… أضع عُكّازَيّا جانبا، و ألُفّ ساقيّا الهزيلتين بخرقة بالية، و أباشر خَصْف الأحذية و طَرْقها سعيدا حتّى إذا مالت الشّمس إلى الغياب أستعجل العودة مُشتاقا إلى وجه أمّي.
* قاصة من الجزائر




