ظلال محمود درويش .. جبر شعث*
بواسطة مسارب بتاريخ 24 مارس, 2014 في 12:05 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1430.

 


في البدء لابد لي من الاعتراف ، بأنني ومنذ ما يزيد عن سنة ونصف لم أقرأ ديوان شعر حديث أو حداثي أو ما بعد حداثي أو ما بعد ما بعد حداثي ( مع تحفظنا الراسخ على هذه التسميات أو التوصيفات أو الصرعات ) . وكنت إذا اشتاقت ذائقتي إلى قراءة الشعر أوجهها نحو ينابيعه السرمدية ؛ الشعر ” الجاهلي ” ولا سيما معلقاته السبع أو العشر ، وإلى الصعاليك وشعراء القرامطة ( ابن لنكك و الخبز رزي …) وإلى الحاذق الماكر( أبي تمام ) والحكيم الطامح ( المتنبي ) والفيلسوف السابق المتفرد ( المعري ) . وانشغلت ، شغل الملتزم المهموم ، في تلك البرهة الزمنية  عن قراءة الشعر الراهن بقراءة أو إعادة قراءة ، كتب الفلسفة منذ هيروقلطس وحتى جورج باتاي ، وبكتب النقد والفكر منذ قدامة بن جعفر والجرجاني والآمدي وحتى أدونيس والغذامي والمغربي عبد الفتاح كيليطو و عز الدين المناصرة . ولكني قبل تلك الفترة التي ألزمت عقلي بها ، كنت أقرأ كل ما يقع في يدي أو ما أعثر عليه عبر (الشبكة العنكبوتية) من دواوين الشعر الراهنة ،قراءة نقدية تذوقية مجردة محايدة . والحق أنني في معظم تلك الدواوين الفلسطينية والعربية ، كنت أجد كثيراً من الزيت لأسرجتي ، وفيضاً من الماء العذب لذائقتي الصعبة المتطلبة . وقد خرجت من تلك القراءات باكتشافات مذهلة مرضية ، كان أكثرها إذهالاً وإرضاءً ذلك الشعر الجزائري الراهن المغيب عن المشهد الشعري العربي الراهن ، بفعل الجغرافيا أو بفعل عقدة المشرقي المتعالية ، أو ربما بفعل بعض الساسة في تلك الدولة العظيمة أرضاً وشعباً وتاريخاً ، الذين يجهدون ، بل ويتنافسون في حرف الفلك عن مداره الحيوي ، ليدور في مدار الثقافة الفرنكوفونية . ورغم أنني لا أحبذ ذكر الأسماء خشية النسيان ومنعاً للعتب واللوم ، إلا أنني أجد نفسي ملزماً بذكر من يحضرني منهم الآن : الطيب لسلوس ، ميلود خيزار ، بوزيد حرزالله ، خالد بن صالح ، حليمة قطاي ، لميس سعيدي ، سمية محنش ، محمد جلول وغيرهم .

وحتى لا يستغرقني الاستطراد والاستدراك عن موضوع هذه المقالة وهو  ” تظلل أولئك الشعراء بظلال ادونيس ودرويش وسعدي يوسف ” ( وسأهمل هنا قصداً الظلال الغربية ، الفرنسية على وجه التحديد ، وإهمالها لا يعني إنكاري لوجودها في الشعر العربي الراهن  ) . ففي كل ما قرأت وهو كثير جداً ، وجدت تلك الظلال الممتدة في مجاميع الشعراء

مع إقراري بأنها لم تكن ذات سطوة  مانعة للتفرد ، أو استغراق مستلِبٍللتجربة ، ولكنها كانت ضمن التأثر والإفادة والإعجاب البعيد عن التماثل والتقليد ، إلا فيما ندر . ولا أريد أن أتورط ، هنا ، بمبدأ المفاضلة ” الذي أرفضه ” بين الشعراء الكبار الثلاثة،  كون كل منهم له تجربته الشعرية الفذة المتفردة ،ورؤياه الفلسفية التي تتقاطع بينهم ، غالباً ، وتفترق نادراً . ولكن لابد من طغيان شيء على شيء ، وسبق أثر لآخر ، وهذا طبيعي ولا تزيُّد فيه ولا هوى .  وعلى هذا ، فقد وجدت خلال قراءاتي الشعرية  للشعراء المنحازين لكتابة قصيدة النثر ، كخيار تعبيري وجمالي ورؤيوي لهم ، وللآخرين ، وهم قلة ، الذين مازالوا يتدفئون  بعباءة شعر التفعيلة ، أن ظلال محمود درويش كانت الأكثر حضوراً وامتداداً . ولا عجب في ذلك ولا نقيصة، فدرويش بما يمثله من حالة شعرية إنسانية كونية ، لا يستطيع الشاعر الراهن أن ينأى عن ظلاله ،أو يفلت من سطوته الناعمة ، وإن حاول ، فدرويش نفسه لم يستطع النأي عن ظلال المتنبيأو يفلت من سطوة لوركا أو ” نشيد الإنشاد ” .

 

غزة 21مارس 2014

 

 

 

* شاعر وناقد من فلسطين

 

 

 

َ

اترك تعليقا