” قد تعبر حياتك أرواح تشبه أحجار النّرد … كلّما تقلَّبَت كلّما أعطت رقما مختلفا .. لذا لا يجب أن تشعري بالاستياء … فقط كوني الأقوى واجعلي كفّك هي التّي تُلقي .. وألبسي حياتك بصماتك … لا تعيشي بملامح الآخرين فهي ستسعى لجعلك تتعبين “
هذا ما قالته روح تعلّقتُ بها إلى حدّ الهوس ولم أصدّق أن الموت يمكن أن يخطفها منّي لذا لم أعد قادرة على تحمّل المزيد من الفقد … هذا الذي يعطيك دلائلا ثم يرحل، يمكنك أن تتجاوز الموقف الصّعب بكثير من الصّبر لكنّ الرّوح التّي يخطفها الغياب الأبدي من بين أحضانك سيعذّبك التّفكير المتواصل في أنّها لن تعود … لن تعود … لن تعود
الذهول … هي الكلمة المناسبة التي برزت من بين عيني الممطرتان دمعا .. كم من الوقت بعد سوف أدحرج هذه الغصّة في أعماقي ولا أفصح عنها فهي تزداد كلّ يوم ثقلا فتتقوسّ مشاعري وأصير أقف على أبواب الذّكريات أتسوّل ذلك الحنين ولكنّه بارد .. بارد جدّا …
الوجه الذي كان يبتسم لي أقبِّل صُوره فأجدها باردة … ألوان بلا روح … تُرى لمَ يزورنا الموت فجأة ويترك لنا الفجيعة وكثيرا من جمر الشّوق ؟ … ما كان عليه أن يموت في غيابي .. آخر مرة صافحته فيها كان غائبا عن الوعي فزرعت بين جبينه قبلة وكأنّي أحاول أن أعطيه حياتي … لو رضي كنت منحته كياني وليس كليتي فقط لكنه رضي أن يموت وحده .. وأعيش وحدي بنصف فؤاد .. بنصف عمر
ما أصعب عمرا يختال بين ناظريك .. يغريك بأن تتبعه في دروبه التي يزيّنها لك وأنت لا تريده … تُشيح بوجهك عنه وتلطم شفتين حاولتا الابتسام فجأة .. كانت غرابة قدر أن تبقى فجأة وحيدا تحاول أن تسمع صوتا تعودّته يهتف باسمك .. ثم يترك لك العدم ويريق بدربك سلالات تعاسة تربّيها في قلبك ولا تدري كيف تسمي أجيالها الهجينة.
ياااه .. كيف يجعلنا الموت نشعر أن خسارتنا هي الأكثر فداحة لذا لن نتمكن من مطالعة عناوين العمر القادم لأن أعماقنا أصابها الصدأ فلا ترجع إلى بريقها مهما حاولنا طلاءها بمشاريع أمل يرقص على ايقاعات البديل .. الحياة لا تبدلنا خسائرنا وكثيرا ما تجعلنا نرضى بالتشوه علنا نضفر بنهايات لائقة بالحياة التي تركض من بين أصابع أحبابنا
ما كان عليك أن تنصرف في عز اشتياقي لك .. كنت موجودا وكنت أشتاقك ما الذي سأفعله برصيدك فيَّ ووجودك كان ينسحب على كل ما أشتهيه ؟
الآن أفتش فيّ عن نظرتك الأخيرة .. لا أريد أن أرثك وأنا لا أقوى على النظر إلى وسادتك فقد كنت تردد دوما أنها الوحيدة التي تعرف ثقل تفكيرك حين كنت أستقر فيك فأستغرق كل غلال وقتك وأنبعث في الظلام عنفوانا ينسيك اقتراب الموت.
كنت أكره ذكرك للموت فقد كنت تكفر بابتسامتي وتشيعني فيك في تابوت تحمله أناملك .. كنت لا تقبل بي في أكثر أوقاتك صعوبة أما أنا فكنت أغتنم رفضك لأبكيك وفي صدري أمل خذلني كثيرا، تخيلتك تلوح لي من بين أوراق الورد التي أحملها لك، لطالما غنيت لك ألحانا مرتجفة وأخبرتك أني أكثر من التنهد حتى أستطيع تجاوز غيابك ومع ذلك انصرفت وتركت لي على الشرفة مقعدا خاليا وصحفا تحمل تاريخا مؤلما وكثيرا من الأشياء التي تخصّني لأنها تخصّك.
ها أنت تذهب بعيدا وليس في جوفي سواك وبيني وبينك مواسم حرقة وخطى ضريرة تحاول السير لأعلى حتى لا ترى آثار قدميك على درب الحياة الذي انسحبت منه دوني .. رضيت إذن أن تمشي دوني.
” قد تعبر حياتك أرواح تشبه أحجار النّرد … كلّما تقلَّبَت كلّما أعطت رقما مختلفا .. لذا لا يجب أن تشعري بالاستياء … فقط كوني الأقوى واجعلي كفّك هي التّي تُلقي .. وألبسي حياتك بصماتك … لا تعيشي بملامح الآخرين فهي ستسعى لجعلك تتعبين ” لمَ قلت لي هذا أنسيت أني أحببت تقلباتك وعشت بك وانسحبت لضلوعك لاجئة تبحث عن حماية ؟ ، كنت لي لبرهة حصريا أنبذ استمراري دونك ولكنك قلت لي: ” ألبسي حياتك بصماتك … لا تعيشي بملامح الآخرين فهي ستسعى لجعلك تتعبين ” لا يتعبني أن أعيشك بل يتعبني أن أعيش دونك أتراك تزورني مع موسم نضج الصنوبر فقد غرست لك شجرتين وكلما هبت الريح أركض لأنصت لحفيف أوراقهما فقد كنت تحب ذلك الصوت وقلت أنه يذكرك بطفولتك في الجبل، لا جبال هنا، هناك شجرتان لا تعرفانك وأنا الثالثة بينهما يشردني يتمي بك حين يشتد غيابك سأدع العصافير تطعم صغارها في عش شجرتيك وأدع الشرانق الخضراء تزحف على أريكتك في الشرفة وأتخيل أنك ستعود مع هذا الاخضرار إلى الحياة فإذا ما عدت فأمسك بيدي وخذني معك إلى غيابك.
قاصة وشاعرة من الجزائر *




