تعتبر رواية “الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي” آخر رواية في الألفية الثانية وهي تجربة جديدة كتبها الروائي “الطاهر وطار” في وقت قياسي جدا، لأن التجربة كانت ناضجة في رأس صاحبها منذ سنوات عديدة، حيث يقول عنها في حوار معه للخليج الثقافي: “كتبتها خلال عشرين يوما في منطقة “شنوة” الجبلية المطلة على البحر غرب الجزائر العاصمة، في أشرس سنوات التقتيل الجماعي”1
تعالج الرواية إمكانية العودة إلى الماضي بطلها هو “الولي الطاهر” الذي يبحث عن قصره الذي أضاعه الخلفاء المسلمون، الذين ولت معهم الحضارة الإسلامية، وهو في تلوناته المتعددة، فيصوره لنا مرة صوفي، ومرة أخرى إنسان مسلم تائه، ومرة ثالثة حاكم متسلط، وما هاته التحولات إلا دلالة يجسد فيها الروائي ضياع الانسان في عالم تشابكت فيه كل الأشياء فلا يمكنه العودة إلى ماضيه ولا هو مواكب للعصر الحاضر، عصر التقدم العلمي القاهر، فصار في عالم معقد متشابك لا هو منه ولا إليه.
وقد جاءت الرواية حافلة بالتداخلات النصية بدء بالعنوان الموسوم بـ “الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي” حيث استدعى نصوصا دينية وأخرى خيالية غائبة ما جعل القارئ يطرح أسئلة عديدة:
أين كانت رحلة الولي الطاهر؟ وما نوع تلك الرحلة التي قام بها؟ وهل وصل الولي إلى مبتغاه، أي إلى المقام الذي كان يقصده أم لا؟
كل هذه التساؤلات وغيرها تستحضر لنا مناصات فكلمة “الولي” في تراثنا الإسلامي تعني ذلك الانسان الذي يفني حياته في خدمة دينه حتى يصل به الحال إلى درجة الزهد والتصوف.
أما كلمة “الطاهر” فهو ذلك التقي الصالح وقد يحيلنا أيضا إلى اسم المؤلف أما “المقام الزكي” فهو دلالة على المكان المقدس، الذي لا يدخله إلا المطهرون.
و يصور المؤلف شخصية “الولي الطاهر” في رحلته الخيالية التي جالت بذاكرته إضافة إلى الرحلة الصوفية الوجدانية، فاستعاد عبرها البطل صورا وأخيلة عن أحداث ووقائع مضت.
ومن خلال العنوان الذي يعتبر عتبة النص الروائي ينكشف البعد الجمالي والتركيبي والتعبيري عبر المناصات التراثية الدينية الإسلامية والفكرية.
التناص القرآني:
لقد حفل النص الروائي بمناصات دينية منها قول الروائي: “أينما تولوا فثمة وجه الله”2 تعالق هذا المقطع السردي مع الآية الكريمة دلاليا في قوله تعالى:” ولله المَشْرقُ والمَغربُ فأينمَا تولُوا فثمَّ وجْهُ الله”3
نلاحظ أن الروائي استحضر الملفوظ بطريقة اجترارية لفظا ودلالة ليعزز كلامه ويقويه، يقول في موضع آخر:” الذين يصلون النار الكبرى”4 ، استحضر قوله عز وجل: ” ويتَجَّنبُهَا الأشقى الذِي يصْلَى النار الكُبرى”5 ، تعالق المناص والآية القرآنية بنيويا ودلاليا إلا أن الروائي قام بعملية الامتصاص ثم التحويل من صيغة المفرد إلى الجمع، ويقول في مقطع سردي آخر:”زوجوهم الطيبات للطيبين، لينكح كل ذكر منهم أنثاه، الطيبات للطيبين”6 يتعالق هذا المناص والآية الكريمة في قوله عز وجل: الطيبَاتُ للطيبينَ والطيبُونَ للطيبَاتِ”7،استنص الروائي الملفوظ الأول من الآية الكريمة وقام بتحويره فيما يتناسب ومقتضى السياق، نجده في موضع آخر يقوم باستحضار آية قرأنية إلا أنه يغير من دلالتها يقول: : “يا إلاهي لقد اختفت صوامع بيوت أذنت أن ترفع ويذكر فيها اسمه”8 استحضر قوله عز وجل: “في بيوتٍ أذِنَ الله أنْ ترفعَ ويذكرَ فيهَا اسمُهُ يُسَبِّحُ لَه فيهَا بالغُدوِّ والآصَال”9 حيث قام بتحوير الآية التي تخص الناس الأتقياء الذين يخشون ربهم في حين أن الروائي أحضر هذا المقطع ليخبرنا عند ديار هجرت المساجد وذكر الله وعبر المقطع والآية الكريمة تظهر المفارقة والتباين بين الدلالتين.
ويقول في عبارة أخرى:”فظهر أولياء طهّر آخرون عمّروا هذا الفيف الرهيب، ليعلو ذكر الله، آناء الليل وأطراف النهار”10 يستدعي هذا المناص قوله عز وجل: “فاصْبرْ علَى مَا يقولُونَ وسبّحْ بحمْدِ ربكَ قبلَ طلوعِ الشمْسِ وقبلَ غُروبهَا، ومن آناءِ الليلِ فسبّحْ وأطرافَ النّهَارِ لعلّكَ ترضى”11، وظف الروائي ألفاظ القرآن في نصه هذا ليضفي على النص قوة وفصاحة حيث استنصص لفظه ومعناه دونما تحوير له ليحافظ على قداسة النص.
نستنج من خلال ما سبق أن الروائي اعتمد في روايته على خلفية دينية ولا غرابة في ذلك كون الروائي متمسك بدينه ما جعل القارئ يرتاح أثناء قراءته للنص الروائي.
التناص التاريخي:
استلهم الروائي التاريخ وجعله نقطة بدايته إذ انطلق من الماضي ليعود بنا إلى الحاضر وما يقع فيه، فالتاريخ يعيد نفسه، والجانب التاريخي في الحادثة هو مقتل الشاعر الصحابي “مالك بن نويرة” إذ يبدو في قتله لدى التاريخ العربي وجهات وفتاوي متعددة، فالتاريخ كان مقياسا تقاس به مجريات أحداث الجزائر في واقعها المتخيل على لسان “الولي الطاهر” والذي يبدأ صراعه منذ إفلات الحضارة الإسلامية وضياعها مع الخلفاء الراشدين، إنه الشرخ الفكري الذي يشكو منه المجتمع الإسلامي.
هذا الصراع الذي تبدأ منه وإليه الأحداث يظهر في قوله: “لتكون المناحة التي نقيمها على روح “مالك بن نويرة” في مستوى الحزن الذي كان يجب أن يصيب قلب زوجته”12، فالنص يعرض أحداثا تاريخية تبدأ من مقتل “مالك بن نويرة” إلى العشرية الأخيرة التي عاشتها الجزائر، فيقدم لنا تاريخ الأمة الإسلامية من بدايته إلى يومنا هذا جامعا أثناء هذه الفترة بين الولي الطاهر كصوت والمجتمع والطبقة الحاكمة كصدى.
و نجد النص مناصا تاريخيا من خلال الأحداث التاريخية الماضية وعبر الشخصيات التاريخية الدينية “عمر بن الخطاب، مالك بن نويرة…” وعليه فإن الكاتب أورد فضاءات فنية تكشف عن البطل وتركيبته الفكرية.
التناص الشعبي:
كان التراث الشعبي وما يزال مصدرا يستمد منه الروائي أدواته الفنية والإجرائية إذ هو منبع استلهامه سواء على مستوى اللغة أم على مستوى الخيال ولحضور النص الشعبي في العمل السردي أثر بليغ في عملية الاتصال والتواصل بين الكاتب والقارئ ، فهو تعبير عن واقع الشعب وهمومه ومشاكله وكذا أفكاره ، وقد جاءت الرواية محملة بالتراث الشعبي ومن بين المقاطع السردية الدالة على ذلك قول الروائي:”إنهم يغنون، يزفون عروسا، الطبول والدفوف تزأر، المزامير الزرنات تصدح الزغاريد، تلتهب رانة”13 إذ يبين هذا المقطع حفل زفاف قليدي وهو من الطقوس الشعبية، فنجد الروائي يدقق في وصفه أكثر حينما قال: “القاهرة وماحوت، تحولت إلى فسطاط كبير، ازدان بالورود والبالونات أقيم سرادف على الطرف المقابل، اعتلته فرقة موسيقية، يرتدي أفرادها بدلات افرنجية سوداء، وقمصانا بيضاء…..”14 ، فنجده وعلى الرغم من استعماله لغة بسيطة، إلا أنها تحمل أبعادا دلالية موحية، فلا أحد ينكر معرفة: “الدفة، المزامير، الغناء، الطبول،….” فنجده قد استعمل التراث الشعبي الشفوي والممثل في الغناء مثلا في قوله: “أنا منزلي النجف، الله، الله، لك ولنا الله يا نجف
وما نادمي إلا الفتى القصف…يا رح يا عين يا قصف”15
ونجده يغني مقطعا كبيرا ثم يقول في آخره:”والعيش غص ومنزلي خصيب، لم تغذني شقوة، ولا عنف، يا سلام سلم”16، فنجد مقطع “يا سلام سلم” هو لا زمة لدى المصريين في أعراسهم، إذ يبدأون بها غناءهم، ويتخللها أيضا مواويل موظفة بالعامية، لنشعر أكثر بواقعية الشخصية وأحداثها التي تسير على نمطها.
وعليه فإن التراث الشعبي حقل واسع يتعامل معه جميع أفراد المجتمع، وهو مجال خصب للذاكرة الشعبية بحفظ تجاربها ولقد كان لهذا الزخم الأدبي الشعبي حضورا واسعا في النص الروائي ليثري فضاءه وهذه وسيلة فنية مفضلة في التعبير عن المواقف والأحداث.
التناص السياسي:
يعدّ “الطاهر وطار” رائد الرواية السياسية حيث يصور لنا بعض المشاهد التي تعبر عن العشرية السوداء التي عاشتها الجزائر، ليكشف عن الملابسات و الوضع السياسي يقول: “أخرجوا الجميع، نساء ورجالا إلى الشوارع، الذكور ينبطحون على بطونهم، أما الصبايا، فعلى ظهورهن”17، ويردف قائلا: “تحت المائدة، غطاء أصفر، يتخفى طفل في السابعة من عمره…ارتفعت صرخة أميّ، أبي، أمي، هوى الفأس على المائدة ومن تحتها…”18 ،هكذا كان المناص السياسي حاضرا بكل واقعيته فالأزمة أزمة شعب ككل، ولا تختص بفئة معينة، لذا حاول الكاتب نزع الستار عن الجو السياسي والطغيان والاستبداد، والعبث بأرواح أبرياء بين القتل العمدي والتعسفي، وتهميش طاقات الشعب الجزائري وهويته الوطنية والعربية الإسلامية.
التناص الأدبي:
الرواية عمل فني لها بناؤها الخاص المتميز عن النصوص الأخرىوالتي يمكنه أن يتناص معها وقد وظف “الطاهر وطار” في نصه الروائي العديد من الأسماء لكتاب وفلاسفة وشعراء من العرب والغرب يقول: “رأيتني ممزقا بين أنا وبين آخر غيري… وبابن العربي والمتنبي والجاحظ والشنفرى، وامرئ القيس وزهير بن أبي سلمى، ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني، ونصفي الآخر ممتلئ بماركس وأنجليز ولينين وسارتر وغوركي وهمنغواي، وهيغل ودانتي”19.
كما أن للرواية عبارات مناصية مع روايات أخرى سواء للمؤلف نفسه أو لآخرين، كـرواية “الشمعة والدهاليز” ، و “الحوات والقصر” لـ: “الطاهر وطار”، ورواية “الجازية والدراويش لـ: “ابن هدوقة” ، ورواية “مرايا متشظية”لـ: “عبد المالك مرتاض”.
إذ يقول “الطاهر وطار”: “حاولت الإجابة قدر الإمكان عن أسئلة طرحتها الشمعة والدهاليز”20، فالفكرة التي جاءت بها “الشمعة والدهاليز” هي نقد الفترة السياسية التي جاءت موالية لفترة الرئيس “هواري بومدين” والتي قامت على تأريخ مأزق السلطة في زمن التفكك، وما يحدث في الجزائر له طابع تمرد اجتماعي وسياسي، يرفض هيمنة ثقافة الآخر على حياته ومؤسساته، وهو ناتج عن شرخ غائر في الذات الجزائرية تطرقت إليه في روايتي الشمعة والدهاليز21، فالمتتبع لإبداعت “الطاهر وطار” يشعر بأن هناك خيطا رقيقا جدا يجمع بين كل أعماله، هذا الخيط هو الذي يجعل نصوصه تتعالق وتتداخل فيما بينها عبر التناص.
علاوة على ما ذكر يمكن القول إن النص الروائي ” الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي ” لكاتبه “الطاهر وطار” جاء محملا ومثقلا بتراث ضخم كان هذا التراث ديني أم تاريخي أم شعبي أم أدبي أم سياسي ، ما أضفى على النص جمالا فنيا وفتحع على قراءات تأويلية متعددة.
الهوامش:
1. يحياوي عياش، حوار مع الروائي الطاهر وطار، مجلة التبيين عن الجاحظية، الجزائر، العدد 15 2000 ص: 85.
2. الرواية ص: 12.
3. سورة البقرة الآية (115)
4. الرواية ص: 12.
5. سورة الأعلى الآيتين (11-12).
6. الرواية ص: 15.
7. سورة النور الآية (26)
8. الرواية ص: 63.
9. سورة النور الآية (36)
10.الرواية ص: 13.
11.سورة طه الآية (130).
12.الرواية ص: 50.
13.الرواية ص: 52.
14.الرواية ص: 53.
15.الرواية ص: 58.
16.الرواية ص: 50.
17.الرواية ص: 40.
18. الرواية ص: 101.
19. الرواية ص: 56-57.
20. سنقوفة علال: المتخيل والسلطة، ص: 145.
*باحثة وأكاديمية من الجزائر




