حب لمجهول على ضفاف بارانا / فصل من رواية / فاطمة بن شعلال *
بواسطة مسارب بتاريخ 11 أبريل, 2014 في 05:19 صباح | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1686.

“حتى وإن تناءت أجسادنا ، ستبقى نافذة بقلبي تطل عليك .. ومنها أمطرك بالرسائل الصامتة تماما كما يفعل القمر”.

جلال الدين الرومي

 

كانت ليلة من ليالي  شهر ديسمبر الماطرة  الباردة الموحشة الحزينة.

لا تدري  “وحيدة”  كيف علقت روحها “بخيوط العنكبوت”، لتجد نفسها  في لمح البصر، تعبر شمال افريقيا لتحط  الرحال بأمريكا الجنوبية، على ضفاف نهر بارانا.

لم تكن زوادتها غير رزمة أحزان وجرح نازف وبقايا كبرياء ..

ولم تكن تحتاج لأكثر من لون عينيها الخضراوين تأشيرة للعبور.

- صحيح أن عيونك ملونه ؟ خضراء يعني ؟

-  يعني أنت اخترتني لأجل لون عينيّ ؟

قال لها بلهجته المصرية:

- يمكن النصيب، ولون العيون ده خلاني أصر على الاتصال بيكي.

جاءها رده صاعقا.

فهي لا تتصور كيف يمكن لرجل  قال إنه يبحث عن شريكة حياته ، أن يكون معيار اختياره لها هو لون عينيها، هي التي لم تعر الشكل الظاهري اهتماما أبدا في كل علاقاتها التي أضحت رمادا منثورا.

في البداية، لم تأخذ “وحيدة”  ذلك الاتصال على محمل الجد، لكنها لم تر مانعا من الاحتفاظ به على سبيل الأنس في ليالي وحدتها الطويلة  الكئيبة.

- طالما لم يتجاوز  حدود الأدب والتعارف، لا ضير في “أن ندردش ” سويا ،، قالت في نفسها ودعت بالصحة والخير  لمخترع “النت” ،الشبكة العنكبوتية..

لأيام متتالية، واظبت “وحيدة” على موعد لقائهما عبر السكايب، وكانت يوما بعد يوم تشعر بالانسجام  معه، وتتوق إلى حديثه  الذي لم يكن يتجاوز حدود الدردشة الكتابية،حيث أنها رفضت أن يتم استعمال  المكرفون أوالكاميرا  في تواصلهما.

وذات يوم، ولم تكن قد مرت فترة طويلة على تعارفهما، فاجأها قائلا:

- أصْلي ببقى سونتيمونتال شويه لما بكون أكلمك، ده أنت حاجه خاصه جدا.

كانت المفاجأة كبيرة، فهي لم تكن أبدا في تواصلها معه تشعر أنها أنثى تتواصل مع ذكر، ولم تبد له إغراء أو إغواء أو تلميحا ما..

كانت كل سعادتها أنه كان هنا ، يؤنس وحدتها ويرافق أرقها فينسيها لبعض  الوقت حزنها وجرحها.

صحيح أنها ارتاحت لحديثه  وخفة دمه  وسعة صدره ، كما أعجبها تميزه حد التفرد ، فحتى اسمه كان متميزا  ، لكنها لم تكن تأمل أكثر من تلك اللحظات الجميلة التي كان يمنحها إياها كل ليلة، فأصمّتْ أذنيها حيال اعترافه، لاسيما أنه رجل مصري.

- المصريون والمشارقة عموما يجيدون فن معاكسة البنات بالكلام الحلو.. خليني أطنش ، على حد تعبيرهم.

و”طنشتْ” فعلا.

يوما فيوما، أصبحت تتعود عليه وتستعجل موعد لقائهما، فكانت تعود من العمل إلى بيتها مسرعة ، وكانت  تفتح  حاسوبها بمجرد ما تلج البيت، قبل حتى أن تغير ملابسها وتعد قهوة تزيح عنها بعض صداع نهار لا شيء يميزه سوى الضجر والخواء والابتذال والتعب.

ويا ويله إذا لم تجده متصلا على النت، فقد كانت تكيل له في قرارة نفسها ، كل الشتائم والسباب الذي تعلمته ، بل اخترعت لأجله مصطلحات جديدة حد البذاءة .

وكم كانت فرحتها لا تسع صدرها عندما تجده متصلا ،  ويبادرها قائلا:

- أنا منتظرك  يا”إيناس”. والله وحشتيني

فكانت ترد عليه ممازحة :

- لحقت أوحشك ؟

وذات مرة، سألها ، وهو يقصد متى يسمع صوتها:

- إمتى هتسمعي صوتي ؟

- مش عايزه، يمكن يطلع وحش

- صوتي أحسن شويه من صوت الحصان، يعني مش وحش  زي صوت الحمار..

- والله أنت مجنون يا دكتور.

- كل الناس مجانين ، بس بدرجات مختلفه وفي أوقات مختلفه كمان.

- معك حق.

قالتها وهي تقصد جنونها هي الأخرى، فليس معقولا  أن تشعر بكل تلك اللهفة  والاشتياق للقاء شخص لم تره ولم تسمعه  ولا تدري من يكون،  ولا يجمعهما سوى شاشة حاسوب، يتبادلان من خلالها كتابة رسائل، الله وحده يعلم صدق فحواها من عدمه..

أجل، لقد كان الموضوع كله ضربا من الجنون .

جنون ظل يتزايد بسرعة فائقة حد الدوار، استسلمت له عن طيب خاطر.

راقها  أنه طبيب جرّاح، واعتقدت أن القدر ابتسم لها هذه المرة :

- لا يمكن أن يكون ذلك من باب الصدفة أبدا.. فالقدر دون شك ، أرسل إليّ هذا الطبيب الجرّاح ليضمّد جرحي ويستئصل ورم اليأس الخبيث الذي  جثم على قلبي وشرع ينتشر في الروح رويدا رويدا.

صنعت  “وحيدة”  لنفسها طائرة  أحلام ورقية، كتلك التي كانت تصنعها وهي طفلة، ثم تبكي عندما يتعذر عليها ركوبها.

سمعتْ صوتا داخلها  يقول في إصرار:

- لكنني هذه المرة سأركبها حتى ولو كان  مصيري كمصير عباس بن فرناس.

بقدر ما كان الشوق يكبر، والتعلق بشاشة الحاسوب يتزايد، بقدر ما كان القلق ينمو بشأن تلك العلاقة الغريبة المنسوجة على مغزل المستحيل.

ساءها أنه لم يطرح عليها أي سؤال من أي نوع كان، ولو على سبيل الفضول.

- أنت لا تسألني عن أي شيء يتعلق بي، وعدم السؤال مرادف لعدم الاهتمام صح؟

وهكذا بدأ يسألها ويتعرف على واقعها. وكانت يوما بعد يوم، تخبره تفاصيل من حياتها و منها أنها زارت  بلده  الأصلي مصر.

- أنا زرت القاهرة والإسكندرية والمنصورة وركبت فيها التكتك.

- أنا من المنصورة يا “إيناس” وخريج كلية طب الإسكندرية. ما هذه الصدفة ؟

انتشت لفكرة أنها   زارت الأرض التي ولد عليها  واستظلت بسمائها  وتنفست الهواء الذي تنفّسه، وكذا  المدينة التي قضى فيها أجمل سنوات عمره وهو طالب جامعي، يمتطي صهوة الطموح  ويرنو لغد من أمل.

- أنت إيه اللي خلاك تهاجر من مصر إلى أمريكا الجنوبية ؟

- أنا لم أهاجر يا “إيناس” . أنا لم أخرج من مصر،  أنا بس عايش في أمريكا الجنوبية.

كان رده عميقا لدرجة أنها تمنت أن تحضنه.

سألته عن برجه، فقال إنه من برج الدلو.

لم يرقها ذلك كثيرا، وهمهمتْ :

- الدلو صعب المراس.. إنه عنيد وقاس ومتجبر.

أوحت له بمخاوفها، فرد مطمئنا إياها:

- كذب المنجمون ولو صدقوا.

لكن إجابته لم تطمئنها كثيرا، ف”وحيدة”  تميل إلى تصديق  أن كل واحد منا ولد تحت برج معين وهو يحمل من صفاته الكثير، فراحت تطلع على صفات برج الدلو وأضحت يوميا تقرأ برجه وبرجها متوجسة.

سألها ذات مرة:

- أحسن كتاب قريتيه وأثر فيكي ؟

- أوووووه، قريت كثير وحبيت كتب كثيرة مما قريت، ولكن أحبها إليّ  روايات   ألبرتو مورافيا ، ومن أهمها عندي روايتا السأم و الاحتقار.

- ألبرتو مورافيا، دي أكلة شعبية فالجزاير ؟ الجهل نور.

ابتسمت لعفويته وصراحته ، وراحت تعرّفه على الروائي الايطالي المشهور،فقالت إنه اشتغل كثيرا على  عمق النفس واعتمد التحليل النفسي في كتاباته وإن رواياته ترجمت إلى عدة لغات ومنها العربية، كما حوّل العديد منها إلى أفلام سينما.

قال لها:

- أنا  قريت كتاب وحيد بس.

- وهو ؟

- عبقرية خالد بن الوليد للأستاذ عباس محمود العقاد، أما غير ذلك من الكتب،فكلها تنصب في اختصاصي كطبيب.

أما أهم كتاب في حياتي، فهو كتاب ستّي – جدتي-  الله يرحمها ويدشدش الطوبه اللي تحت راسها، وهو كتاب شفوي ، يتضمن كل حكم الحياة في مختلف مجالاتها.

 ارتسمت على محياها تكشيرة إذ ساءها أنه ليس من هواة المطالعة، وهي التي  كانت تلتهم الكتب بشراهة وكانت تتمنى أن يتناقشا في كتاب قرأه كلاهما ،  لكنه سرعان ما أعاد لوجهها ابتسامة الرضا وفرحت كثيرا لما أخبرها:

-”إيناس” ، أنا بحب الشعر.

خفق قلبها بسرعة:

- بجد يا دكتور ؟

-  آه ، بجد

من حيث لا يدري، ومن غير قصد منه، عزف على وترها الحساس ووضع أصبعه تماما على نقطة ضعفها..

كيف لا وهي شاعرة ؟

تذكرت أن  الشعر هو الذي كان تأشيرتها إلى مصر  وكان الجواد الذي حملها لتزور بلده، الذي ازدادت حبا له  فقط لأنه منه.

- دكتور، هقولك سر

-  سرك في بير ومحدش هيعرفه.. قولي يا “إيناس”، أنت يعني بتكتبي شعر ؟

أعجبها ذكاؤه.

- نعم يا دكتور ، وأنا خبيت عنك  اسمي الحقيقي لأني معرفكش ، أنا اسمي “وحيدة” مش “إيناس” .

- وأنا هقولك سر كمان ردا على سرك .

- تفضل

- أنا حاسس أني بحبك ومش مهم إن كنت بتخبي، ده طبيعي.

أنا أخويا الكبير اسمه امرؤ القيس، زي الشاعر العربي،  وأنا أخو الشاعر خلي بالك.

هكذا كانت روحه خفيفة لا تخلو من النكتة أبدا ، وكم كانت هي بحاجة إلى أنيس لا يعرف النكد .

- “وحيدة”،  أنت  إيه اللي خلاك تقولي اسمك الحقيقي الليله دي ؟

- عشان أنا عايزه أبعثلك قصيدة منشورة على النت وعليها اسمي الحقيقي.

وأرسلت له رابطا لإحدى قصائدها، وقبل أن  تودعه على أمل لقاء جديد، قال لها ما يشبه الصاعقة:

- أنا كنت بحلم أنك هتيجي تعيشي معايا هنا. قولي إنك هتيجي، مش مهم اكذبي بس قولي آه.

أرادت أن تجد مخرجا من تلك الورطة، فكلامه ذاك  شوّش عليها كل أحاسيسها،فقالت:

-  يعني على رأي نزار قباني: قل لي ولو كذبا كلاما ناعما.

ظل ينتظر رأيها فيما قال، فردت:

- يا دكتور، الكلام عن هذا الموضوع الآن سابق لأوانه في رأيي ، دع الأمر لربك هو يعرف الخير فين.

- معك حق، ونعم بالله. أعرف أنها أضغاث أحلام يا “وحيدة”.

- ليتني لن أستفيق منها يا دكتور،، ردت في نفسها.

في اليوم الموالي، سافرت “وحيدة” في مهمة إعلامية إلى إحدى المحافظات. ورغم أن عملها حرمها من ليالي الوصل الجميل ، إلا أنها شكرت الله الذي  قدّر ذلك الابتعاد، عساه يكون فرصة لمراجعة نفسها، فتصحو من سكرها.

حاولت أن تعود إلى رشدها:

- هذا الذي يحدث محض جنون،، مغامرة نحو المجهول.

تذكرت أنه لا يمكن لمن كبلت جناحاه أن يطير ، وكان جناحاها مكبلين .

انتبهت متأسفة  إلى أنه لم يلاحظ غيابها عن موعدهما الليلي  لمدة أسبوع تقريبا،فتعكر مزاجها.

- لو كان فعلا يحبني كما يدّعي، كان احتار لغيابي عن النت  طول هذه المدة ودون سابق إنذار وكان كلف نفسه مشقة اتصال هاتفي ليسأل عن حالي.

أجل، لقد أعطاها رقمه الهاتفي منذ الأيام الأولى لتعارفهما، فاغتنمت ليلة رأس السنة الميلادية الجديدة لتتصل به على رقمه وتهنئه، وقد  كانا معا على اتصال بواسطة النت، يصف لها أجواء الحفلة التي أقامها في بيته في تلك المناسبة ويحدثها عن ضيوفه  وهم أبناؤه وجملة من أصدقائه.

تناهت إلى سمعها أصوات ضيوفه ينادونه ليلتحق بهم.

- يا دكتور، أنت دعوت الناس إلى بيتك لتحتفلوا سويا، ليس من اللائق أن تتركهم وحدهم وتبقى أنت في غرفتك معلقا معي،  تحدثني بواسطة  مكرفون  الحاسوب  وتقرأ رسائلي المكتوبة.

روح شوف ضيوفك ونلتقي غدا.

- أنا أحتفل بك أنت يا “وحيدة”. بجد أنت حفلتي وأنت أجمل هدية رأس السنة ليا.

في الحقيقة قالت له ما قالت من باب الأدب واللباقة ، فهي في أعماقها تمنت أن يظل معها ولا يفارقها  ولو لحظة في تلك الليلة التي عادة يجتمع فيها الأحبة حول الفرح والأمنيات السعيدة.

فقد كانت “وحيدة” في تلك الليلة الشتوية بامتياز، وحدها في البيت، وكان صوته يبعث في روحها أنسا جميلا ودفئا حنونا، خفف من برد الطقس ووحشة المطر وصفير الرياح.

كان وقع مكالمتها الهاتفية له مهنئة إياه بالعام الجديد، كبيرا وجميلا.. شكرها كثيرا  وأخبرها بفرحته إذ أصبح الآن يملك رقمها الهاتفي  من خلال مكالمتها تلك..

- لقد أصبح يملك رقم هاتفي، لمَ  لم يتصل ويسأل عن سبب غيابي ؟

راودتها أفكار وظنون كثيرة.

- لا شكّ أنه وجد امرأة أخرى ترافق لياليه عبر النت، وبالصوت والصورة، وربما قدمت له ما لم أتمكن أنا من منحه، فنسيني  وطوى صفحتي أو مزقها، من يدري؟

أحست  بالغيرة تنخرها.

- هو الآن أكيد يعيد عليها نفس الجمل والنكت والضحكات التي متعني بها.

تبا له.

ما إن دخلت إلى البيت عائدة من مهمتها الإعلامية  حتى هرعت إلى حاسوبها متجاهلة تعب السفر.

فتحت النت، وعلى غير كل توقعاتها، وجدت  حيرته بسبب غيابها، منتشرة في رسائله الكثيرة لها عبر كل جهات  تواصلها..

أجل،، لقد احتار إذن  واستبد به الشوق إلى محادثتها ولقاها.

وجدته متصلا، فبادرته بالتحية.

ردّ عليها بلهفة لم تكن تتوقعها:

- كنت فين يا بنت الحلال ؟ أنت عايزه تموتيني ؟

حتى هاتفك كان مغلقا. حاولت الاتصال بك مرارا ولم أفلح. خفت بجد يكون العصفور طار وسابني.

صدقت كلامه، فقد أخبرها أهلها بصعوبة الاتصال بها هاتفيا خلال سفرها. لقد كانت في منطقة نائية وكانت شبكة الاتصال متذبذبة.

لم تخبره بعذابها بعيدا عن مواعيدهما اليومية، واعتذرت له في قرارة نفسها عن سوء ظنها به..

فالرجل كان يتعذب في غيابها مثلها تماما.

بادرها ذات مرة :

- “وحيدة” ، أنا مليش عربيه ( سيارة).

أزعجها كلامه ذاك ووجدته سخيفا للغاية  وفكرت بشأنه :

- كأنّ هذا الرجل سخيف فعلا. في البداية كان تركيزه ، كل تركيزه على لون عينيّ وبشرتي  وطولي ووزني، وها هو الآن يحدثني من منطلق مادي مبتذل..

ألم يفهم بعد فلسفتي في الحياة وزهدي في مادياتها ؟  ألم يستوعب طريقة تفكيري ؟ ألم يكتشف اختلافي عن السائد ؟ ألم تصله أحاسيسي بعد ؟

- وما مناسبة هذا الكلام ؟  قصدي أين المشكلة يا دكتور ؟

- المشكلة يا “وحيدة” أني أعاني من رهاب سياقة السيارة.

ابتسمت إذ اكتشفت أن هذه النقطة تمثل تقاطعا بينهما.

- وهل ينفع أن تقود طائرة ؟ قالت له ممازحة، ثم أردفت :

- أنا كذلك عندي رهاب السياقة، رغم أنني دائما أحلم بأن أقود سيارة.

وذات مرة أيضا أخبرها أنه يكره غسل أواني المطبخ. ضحكت وقالت في سرّها:

 - تصور لو يجمعنا بيت واحد ذات يوم، من سيغسل الأواني طالما أنا أيضا أمقت هذه ” المهمة الصعبة” ؟

هو إذن يشبهها.

اطمأنت كثيرا إلى تلك التقاطعات  وأخرى كثيرة اكتشفتها على مرور الأيام.

في إحدى الليالي، وعلى حين غرّة، قال لها :

- “وحيدة”، أنا حاسس أني بحبك.

- أنت قلتهالي قبل كده يا دكتور وأنا طنشت.

- بس المشكلة يا “وحيدة” أني في أمر الحب ده  “فيرجن”  ( من العذرية).

- يعني لم يسبق لك أنك وقعت في الحب  وقد وصلت للسن ده ؟

- أنا بحب مامتي وأولادي  وشغلي ، وبحب الحمام كمان.. آه بحب الحمام، وأنا بربيه من وأنا صغير، ده أنا كنت بتحايل على مامتي لآخذ منها قرشين أشتري بيهم حمام، مقابل أني أساعدها في شغل البيت. والله مش بضحك عليكي.

قهقهت من كل أعماقها لكلامه الذي اعتبرته “مزحة مصرية” وقالت في نفسها العبارة الجزائرية التي  نرددها عندما نعتقد أن أحدا يستخف بعقلنا بأكذوبة مفضوحة:

- واش بيه جاي يقلي عليّ السردين ؟

أيعتقد أني ساذجة لدرجة أني  سوف أصدق ترهاته هاته ؟

إنه يزعم أني حبه الأول وهو في الستين من العمر. هاهاهاهاهاها، مسكين.

تذكرت مقولة قرأتها في مكان ما، تلخص معنى الحب في هذا الزمن الأغبر:

 الحاء حمار يتكلم والباء بقرة تصدّق.

اكتفت بأن ردت عليه:

- أما أنا يا صديقي فقد “غلب حماري” في الحب ، حبيت كثير وتعبت من الحب..

أعجبتها عبارة “غلب حماري” التي كان يستعملها بكثرة في حديثه معها،فاستعارتها منه.

- يعني مش هتحبيني يا “وحيدة” ؟

- أنا يا دكتور ، مثل السمكة، هي خارج الماء تموت، وأنا خارج الحب أموت.

- مش فاهم ؟

- أنا شاعرة يا دكتور،  ومعرفش أعيش من غير حب. الحب هو البنزين بتاعي.

وأنت؟  يعني خلال كل هذا العمر لم يخفق قلبك ولو مرة ؟

- آه، بس ده الوقت خفق، خفق ليكي أنت والله.

- ليس لهذه الدرجة. أنت أصلا لا تعرفني.

قالتها من غير اقتناع، فهي أيضا لا تعرفه، لكنها تعرف أن شذى عطره بدأ يفوح من مسامات روحها كلها..

هل هو الفراغ ؟

هل هو الانتقام لكبريائها الذي طعن ؟

هل هو مجرد تعوّد فحسب ؟

لا تدري..

ولم تكن ترغب في معرفة الإجابة على تساؤلاتها التي باتت تؤرقها.

أجل،، كانت كلما آوت إلى فراشها البارد الحزين، تتساءل عن جدوى تلك العلاقة الافتراضية ، وعن مداها ومنتهاها.

وكانت تردد أغنية فيروز : “سألتك حبيبي لوين رايحين” ؟

لكنها كانت في الوقت نفسه ، تصمّ آذان قلبها عن معرفة الإجابة.

فقد كان ذلك الوضع يريحها ويجلب لها الكثير من الفرح والهناء.

كانت لياليها تكتسي  شالا حريريا من الأنس والمتعة والطيبة.

ساعدها في ارتياحها لرفقته، كونه لم يتكلم  عن موضوع الجنس إطلاقا ولو تلميحا، كعادة رواد المواقع الاجتماعية على النت، الذين لا يحرجهم أبدا الدخول في هذا الموضوع من أول جملة تعارف ، وبطريقة مبتذلة، فكان جزاؤهم في كل مرة كبسة منها على زر “بلوك”.

تذكرت أنه كان يردد على مسامعها في كل مرة :

- اثقل عالرز يستوي.

وكانت ترد في أعماقها:

- الرز احترق يا هذا.

كان بارعا جدا في معرفة  ولوج قلبها، وبحدسه ربما، علم أن طريق الجنس إليها مسدود، فاختار أن يرافقها في أزقة النقاش حول الأدب والفكر والسياسة والاقتصاد والحياة. لكنه لم يكن يغفل أبدا عن تذكيرها بحبه لها وأمنيته أن تعيش معه.

وكانت هي يوما فيوما ، تقع في شباكه أكثر فأكثر.

كانت معجبة جدا بتحضره،  وأدبه، وأسلوب مناقشته، وطريقة تفكيره، وفطنته ودقة ملاحظته.

لم يكن يفوته أي تفصيل مهما كان بسيطا.

فحتى  طريقة نطقها لحرف الرّاء، والتي كانت مميّزة، التقطها وهو يستمع إلى إحدى قصائدها المسجّلة في إحدى الأمسيات الشعرية.

ولم يفته أن يلاحظ من خلال صورها، ميل شفتيها جهة الشمال عند ابتسامها.

كان يستشفّ حالتها النفسية  دون أن يسمع  نبرات صوتها، بل  فقط من خلال ردودها الكتابية.

ولما اطلع على قصيدتها التي أرسلتها له ، راح يحللها كلمة كلمة، بل حرفا حرفا،كأنه طبيب نفساني أو ناقد أدبي ماهر.

كان يشرّح روحها  وهو الطبيب الجراح، كأنه يعرفها منذ طفولتها، وكان يفهمها من كلمة تكتبها له مهما تعمدت غموضها.

لم تكن تحتاج إلى كثير من الثرثرة  حتى يلتقط  ما تفكر فيه أو ما تريده.

كان حضوره كاسحا رهيبا، يحاصرها من كل الجهات.

وهكذا امتلأت به  ولم تعد تستغني عن محادثته..

فكثيرا ما كانت  تستعجل العودة إلى البيت فتفتح النت بلهفة  لتلقاه. كانت لياليها معه موعدا مع الجنة في الأرض.

وكانت حين تشتاق إليه بالنهار، تكلمه  عبر الهاتف لتسمع صوته، فيتلوّن نهارها بألوان قوس قزح.

وكان هو يتصل بهاتفها، فتأتي كلماته ملفوفة باللهفة والإحساس.

إنه يحبها.

إنها تحبه.

أعادتها تلك العلاقة الخارقة الغريبة إلى مرحلة مراهقتها،  وهي التي دخلت الكهولة بخطى واثقة. فكل تصرفاتها حياله، كانت تضاهي تصرفات فتاة في السادسة عشر ، تحبّ لأول مرة.

ولكم كرّر على مسامعها ممازحا:

- اتلمي يا بت يا مراهقه.

لكنه كان مثلها مراهقا وهو يشرف على الستين من العمر.

كطفل متمسك بلعبته لا يريد أن يطالها أحد، حرصت أن يبقى حبها ذلك سرها الخاص جدا، فلم تخبر به حتى أقرب الناس إليها..

ربما خافت من الحسد فتذهب فرحتها هباء منثورا.

أما هو ، وقد بدأ التساؤل حول  منتهى علاقتهما يدور في خلده، وبدأ يشعر أنه يريد المزيد،  إذ لم تعد مجرد رسائل مكتوبة على الشاشة أو بعض المكالمات الهاتفية الخاطفة  تسد رمق جوعه إليها، فقد لجأ إلى طبيبة أطفال ، هي زميلته بالمستشفى وصديقة العائلة من سنين، وباح لها  بوجعه.

سعدتْ صديقته  لخبر وقوعه في الحب وسألته على الفور:

- متى تذهب إلى الجزائر  لتلقاها فتحضرها ؟

صعقه كلامها:

- لكنها مرتبطة يا صديقتي.

- مرتبطة ؟ ألم تقل لي قبل لحظات إنها منفصلة عن زوجها ؟

- هي منفصلة واقعيا، لكنها لا تزال على ذمته ، فانفصالهما لم ينته بطلاق.

كان انفصالها عن زوجها يقارب السنة، وكانت  من حين إلى حين، وقبل حتى أن تتعرف على الدكتور، تفتح معه موضوع فسخ الميثاق الغليظ الذي يربطهما، لكنه كان في كل مرّة، يجنح للتريّث، عسى أن تعود مياههما إلى مجراها.

فالأمر بينهما معقد جدا.  فهو يحبها وهي أيضا تحبه، فلا أحد منهما استطاع أن يتخلص من حب الثاني بسهولة، إلا أنها، ورغم جبنها حيال فراقه، لم تستطع أن تغفر له  طعنة خنجره الذي غرزه في صميمها.

وها هو الأمر يزيد تعقيدا ، وقد دخل الدكتور على الخط.

” ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه”  قال الله تعالى.

لقد سمعتْ في هذه الدنيا عن إنسان يولد برأسين، بعدة أذرع أو أرجل، لكنها لم تسمع قط بإنسان ولد بقلبين.

فهل يكون الله قد خلقها هي بالذات بقلبين ؟

وإلا كيف لها أن تحب رجلين معا ؟

فكرت أن تزور طبيب القلب ليفحصها.

لفترة طويلة من الجفاف والوحدة والحرمان وانكسار قلبها، لم يخطر على بالها أبدا أن ترتبط  برجل آخر  بأية طريقة كانت، وهي على ذمة رجل تحبه كثيرا وفكرة فراقه تهدّ روحها.

وفي  تلك الليلة  سوّلتْ لها نفسها الأمارة بالتطفل أنْ تدخل موقعا معينا على النت.

دخلته باسم “إيناس” المستعار وألقت نظرة خاطفة، وإذا  بالرسائل تنهال عليها من طرف رجال من مختلف الأعمار والأمصار.

كانت تبتسم ساخرة ، لأنها لم تدخل الموقع لهدف محدد و لم تكن تؤمن بتاتا بعلاقة بين رجل وامرأة  تنسج  عن طريق الشبكة العنكبوتية.

قالت في نفسها:

- الواحد منا يتعرف على شخص عن كثب  ويعاشره على أرض الواقع لسنوات طويلة، فيعتقد أنه يعرفه حق المعرفة، ومع  ذلك، سرعان ما يبدو لنا شخصا غريبا عنا، شخصا جديدا، كأننا ما عرفناه يوما.

فما بالك بشخص افتراضي ، لا نعرف عنه شيئا.

اتصل بها أحدهم و أمام إلحاحه، قبلت دعوته.

فكان الدكتور “العرباوي” ، المصري الذي يعيش على ضفاف نهر “بارانا”.

قالت له تمازحه:

-  العرباوي هو اسمك الحقيقي ؟ إنه اسم نادر.

- أيوه، ستّي هي اللي  كانت بتناديني كده لأن  الاسم اللي أبويا اختارهولي معجبهاش.

وجدت اسمه مميزا، وقد أخبرته فيما بعد:

- كل شيء فيك مميز ، بدء باسمك.

أجل ، لقد كان الدكتور العرباوي مميزا في كل شيء : في ذكائه، في  رقة مشاعره،في حبه، في حديثه، في ضحكته، في حكمته، في أدبه، في حنانه ولكن أيضا في دهائه و عناده وقسوته.

كان إنسانا عفويا جدا، يتحدث عن نفسه  وعن أهله وبلده دون عقد. فلم يكن يخجل  من ذكر المساوئ والنقائص، ولم يكن يدّعي ما ليس فيه.

والأجمل من هذا كله،  أنه لم يحاول أبدا أن يغريها  بجاه أو مال أو أصل أو فصل. كان فقط يردد عليها من باب الملاطفة والمزاح:

- أنا بعرف أطبخ كويس  وبرقص كويس وعيوني حلوه  وهعجبك.

وأنا عفريت جدا يا “وحيدة” ، خلي بالك.

كانت ترد في قرارة نفسها :

- آه  لو تعلم يا العرباوي ، أنت أعجبتني  وكان الذي كان.

أما عن قوله إنه عفريت، فقد كان عفريتا فعلا، ينخرط جدا فيما تحب ويتجنب ما تكره ويسايرها كثيرا، فهي لم تسمع منه قط كلمة “لا”  التي كانت هي ترددها  وترفعها في وجهه  بكل اللغات التي تعرفها ، إلى درجة أنه قال لها ذات ليلة متذمرا:

- لا، نو،، نو، لا ،، هذا  كل اللي أنت شاطره فيه.

لم تكن تخبره بما تحس نحوه، فوضعها كامرأة  متزوجة وإن غدا زواجها  مع وقف التنفيذ، لم يكن يسمح بأن تشجعه  على المزيد من  الانخراط في العلاقة. بل لم تكن حتى تتجرأ على مناداته باسمه. كانت تكتفي بعبارة “دكتور”، لتترك بعض المسافة بينهما.

وكان هو في كل مرة ، يناشدها  نطق اسمه ولو كتابة، فهي لم تكن تكلمه بالمكرفون كما كان هو يفعل، بل كانت تكتفي بالدردشة كتابيا.

- ممكن أسمع اسمي على لسانك ؟

- الدكتور العرباوي.

- كنت بتمنى أسمع منك  اسمي من غير “دكتور” ، بس معلش، نص العمى ولا العمى كلّه.

أنا فرحان بيكي أوي يا “وحيدة” وشرف أمّي.

ردت عليه ضاحكة:

- وأنا فرحانه بيك كمان يا صديقي، وشرف أبويا.

- “وحيدة”، أنا مش صديقك. أنا بحبك.

- يعني الأصدقاء يكرهون بعضهم ؟

- يعني أنا بديت أحس بيكي أكثر.

- إوع  يا دكتور.. في التأني السلامة كما يقول المثل.

- وأنا بقولك الصبر مفتاح الفرج، والمهم أني هعيش الدور، زيك لما تعيشي كلماتك اللي بتكتبيها في أشعارك.

- يا دكتور العرباوي ، خلينا نعرف نفرح بصداقتنا وسيبك من ده  اللي اسمه حب. أصلا مبجيش من وراه غير المصايب، وكمان أنا مبحبش أبيع آمال كاذبه.

- وأنا مصري عربي، بحب المصايب.

قالها وضحكا معا.

- دكتور العرباوي

- يا عيون العرباوي

- تسلم عيونك.. هو الاسلام حلل للرجل أربع زوجات ، صح ؟

- أيوه صح.

- لكننا لم نسمع بعد عن فتوى تحلل للمرأة تعدد الأزواج، ولا حتى عن صدور قانون بذلك، صح ؟

كانت تريد لفت انتباهه إلى أنها امرأة لا تزال على ذمة رجل آخر، عله يتذكر ذلك فيرعوي ويخف عذابها.

- بس ايه مناسبة الكلام ده يا “وحيدة” ؟

- هشرحلك يا دكتور، أنا قلتلك إيه في بداية تعارفنا ؟ 

- مش فاكر والله.

- هفكرك. أنا منفصلة ولست مطلقة، والأمر يختلف كثيرا. فأنا مازلت على ذمة زوجي، ولهذا أرجوك  خلينا نحافظ على صداقتنا، علما أن الصداقة شعور جميل ومتين وليس هينا إطلاقا.

- يا لهوي، ده أنا فين ؟

قالها بنبرة من وقع عليه “جلمود صخر حطّه السيل من عل”..

ولم يكن يدري أن  نفس الصخرة قسمت روحها شطرين:  شطرا لايزال متمسكا بزوجها الذي في لحظة أنانية، سعى إلى غيرها وصدّ في وجهها باب قلبه بكل قسوة، وشطرا خطفه منها هذا الغريب الذي لم تره ولم تلتق به ولا تعرف عنه سوى ما قاله لها عبر النت، لكنه مع ذلك ، تغلغل في أعماقها وغرّد في روحها.

دخلت متاهة لم تعد تعرف  كيف تخرج منها، وبدأت  مقاومتها لإحساسها نحوه  تفتر شيئا فشيئا.

تذكرت قوله:

- هو دخول الحمام زي خروجه ؟

كانت تفضل لو توقف الأمر عند حدود الصداقة ، وأن تظل مجهولة لديه، لا يعرف من تكون حقا، فتتمكن بذلك من البوح بأوجاعها والكشف على جراحها وتسمعه آهاتها وأنين روحها المتعبة الجريحة. فقد كانت بحاجة إلى غريب مجهول،يساعدها على وضع  ذلك الحمل الذي أثقل روحها. كانت بحاجة إلى صوت آخر غير صوت عقلها وقلبها، ينصحها و يرشدها فيحلّ عقدتها.

كانت تأمل أن يداويها.. أليس طبيبا ؟

لكنها وجدت نفسها في وضع غريق يستنجد بغريق. فحاله لم يكن أفضل من حالها، والأمر أخذ مجرى آخر، وتسارعت الأحداث بشكل مذهل، لتجد نفسها حبيسة شرنقة حبه.

كان صوت المغني المغربي عبد الوهاب الدكالي، يقرع في خلجات نفسها تماما كما تقرع  أجراس الكنيسة.

“ماأنا إلاّ بشر //  عندي قلب ونظر”

وهي واحدة من البشر.

أجل، إنها تحبه.

لقد وقعت في ورطة حقيقية.

خاطبت نفسها قائلة:

- ها أنا أقف عند مفترق الطرق، كطفل مذعور، لا يعرف أية وجهة هي الأصوب،أية وجهة هي التي ستوصله إلى بر الأمان، وأيها ستلقي به في فم الغول!
أقف كطفل ترتعش فرائسه ، لا هو يستطيع الرجوع إلى الخلف، ولا هو متمكن من السير إلى الأمام.
طفل تعبت قدماه الواهيتان، و الخوف يقتات من قلبه الصغير، فيغمض عينيه ويسلم نفسه لحضن في الخيال.

بات الدكتور العرباوي حلمها الشهي القصي العصيّ.

في أحد الأيام،  وفي سياق  إخباره بتفاصيل يومها ذاك، كما جرت العادة بينهما كل ليلة، أخبرته أنها التقت أحد أصدقائها.

- اعملي معروف، أنا مش عايز أعرف الكلام ده تاني.

- والمقصود ؟

- مش ضروري تخبريني أنك بتشوفي صديقك، هذا كل الموضوع.

هالها ردّ فعله الذي كان قاسيا جدا.

هل هي غيرة ذكر شرقي، لم تغيره حياته في الغرب لأكثر من ربع قرن ؟

ألم يكن يذكّرها  بمناسبة ودون مناسبة، أنه رجل واثق من نفسه ولا تعرف الغيرة إلى قلبه سبيلا؟

فما الذي جرى ليلتها ؟

بل كيف سمح لنفسه أن يطعن في كرامتها بكل وقاحة ؟

لم تستسغ نفسها  ذلك الموقف المهين، فخاصمته وامتنعت عن الحديث معه لثلاثة أيام متتالية، قضتها كمن يشوى على نار هادئة.

وها هو يفاجئها بعدها “بعفرتته”  ودهائه المعهودين  إذ كتب لها:

- حرم على المسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاثة أيام، وأفضلهما الذي يبدأ بالصلح.

لم يكن من الصلح بدّ .. فغيابه خلّف في روحها وحشة قاتمة وفراغا رهيبا، وكانت طول الوقت تسترجع نبرات صوته الفرحة أحيانا والحزينة أحيانا أخرى، وتسمع صدى ضحكاته الطفولية الجميلة التي كانت تأتيها عبر جهاز حاسوبها،  منتشرة في أركان البيت.

كان طفلا في فرحه وغضبه وحزنه.

قال لها بعد أن تصالحا:

- والله وحشتيني أوي. أنا بحبك ، أعمل إيه ؟

أما هي فقد فهمتْ  يومها أنه سكن أعماقها ولم يعد ممكنا مطالبته بالإخلاء  وقد  أصبح لديه عقد  ملكية.

كيف لا وهو الذي أغرقها بحنان لم تعرفه، وكان يهتم بأدق التفاصيل التي تخصها، كأنْ ينبهها مثلا:

- حبيبتي، أنت بتدخني كثير، حطي كوباية حليب قدامك، ومن حين لآخر خذي لك بؤ، كده تتخلصي من الحموضه.

- عيوني، الطقس برد عندكو، دفّي نفسك كويس.

- “وحيدة”، أنت ليكي كم ساعة تكلميني هنا ومأكلتيش حاجه. حرام، روحي اتعشي.

- حبيبتي، أنا اليوم جبت ورد وحطيته فالفازه زي ما أنت طلبت مني.

- حبيبتي صوتك اليوم في التلفون معجبنيش خالص، مالك ؟

لم تتعوّد على التدلل والاهتمام، فقد كانت هي التي تهتم وتدلل وتسأل وتغطي وتمنح بغير مقابل ، وكان ذلك يسعدها.

لكنها معه، اكتشفت أنها هي أيضا تحتاج لأحد يهتم بها  ويعاملها بحنان ويخاف عليها من نسمة برد.

كانت سعيدة به جدا وكان سعيدا بها جدا، الأمر الذي  عبّر عنه يوما، فقال:

- مش محتاج الواحد يموت عشان يعرف الجنّه. الجنّه موجودة على الأرض أَهُو.

كان محقّا، فقد كانت تعيش  جنتها معه.

كانت تقاسمه كل تفاصيل حياته، وذلك عبر الصوت بواسطة الحاسوب، وإن كانت ترفض بإصرار أن تضع كاميرا، الأمر الذي كان سبب خلافهما مرات عديدة.

فكانت تسمع كل ما يدور  بالمستشفى الذي يشتغل فيه، ولو أنها لم تكن تفهم سوى بضعة كلمات تشبه في نطقها  مرادفات لها في اللغة الفرنسية التي تجيدها. فاللغة المتداولة في بلد إقامته هي اللغة الإسبانية التي لا تعرفها، وهي أيضا اللغة التي يتكلمها هو في حياته اليومية ، مع أبنائه وأصدقائه وجيرانه وزملائه.

أما العربية، فلم يكن يستعملها إلا نادرا، وجاءت “وحيدة” لتربطه من جديد بلغته الأصلية.

أخبرها بشأن هذا الأمر قائلا:

- “وحيدة”، أنت خلتيني أعيش روح مفردات اللغة العربية.

كانت تتابع حديثه مع زملائه، وكانت ترافقه حتى إلى مطعم المستشفى وقت تناوله وجبة الغداء بصحبتهم، فتعرف طبيعة أكله.

حتى في أوقات مداومته الطبية الليلية، لم يكن يفارقها، بل حدث كثيرا أن كانت معه وهو داخل سيارة إسعاف يسعف مريضا، وكانت تكتفي بسماع منبّه السيارة وتدعو الله أن ينقذ المريض من سوء العاقبة.

كان يكلمها ويصف لها الشوارع التي يمر بها وهو  يركب الحافلة في طريق العودة، هكذا إلى أن يصل إلى بيته، فتسمع صوت المفتاح في الباب.

كم كانت تتقطع رغبة في أن يجدها  هناك في البيت بانتظاره ، فتركض نحو الباب وتلفه بذراعين ملهوفتين، وتضع على جبينه قبلة تمسح عنه تعب يومه، ثم تعدّ قهوة و”شيشة” يتقاسمانهما على أريكة الشوق.

وفي أيام العطل الأسبوعية، كانت ترافقه افتراضيا إلى محله الذي سماه “مصر” على اسم بلده، يبيع فيه أشياء محلية تقليدية ، فكانت تتابع أحيانا  استقباله للزبائن، كما كانت حاضرة معه بالسوق وهو يقتني حاجته من الخضر والفواكه فتعرف منه ما ابتاعه نوعا وكمية.

أما عندما يدخل بيته، فكانت تبدأ بينهما حياة أخرى بكل تفاصيلها.

كان راويا دقيقا بارعا، يصف لها كل ركن بالبيت ويخبرها بكل حركاته التي كانت تعرفها وتعرف كل جزئياتها من كلامه ومن الأصوات.

استغربت كيف أنه لم يكن كاتبا روائيا وهو الذي يملك خيالا واسعا جدا ونفسا طويلا في السرد وأسلوبا مبهرا في نقل الوقائع بأدق التفاصيل.

كانت معه بالمطبخ  وكان يخبرها عن نوع الطبخة التي يعدها ، فتتابع معه كل مراحلها إلى غاية استوائها، ثم تجلس معه إلى طاولة عشائه.

و كانت تلج معه الغرفة وهو يكوي ملابسه ، فتعرف منه نوع الثياب التي يكويها و كذا لونها.

وكانت تعرف حتى  نوع  ولون اللباس الذي يرتديه كل صباح.

كانت تتحسر على بعد المسافات  الذي حال دون شوقها إلى مساعدته.

لم يكن يغفل عنها حتى وهو يقوم بتنظيف البيت وغسيل الثياب، عطلة آخر الأسبوع. بل كانت معه حتى عندما يدخل كلبته “جالا” ليلا ويغلق باب المنزل الخارجي.

صارت جزء  مهما من حياته، إلى درجة أنه كان يفكر بصوت عال في حضورها. وصار جزء مهما من حياتها، بحيث أن أية لحظة كانت تمر من دون أن يكونا معا،كانت بالنسبة إليها ” متنحسبشي من عمري” على حد غناء أم كلثوم.

فقد كانت روحاهما تسبّحان معا بآيات الحب والمودة لدرجة التخاطر. فكم مرة تفوّها معا بالكلمة ذاتها وفي اللحظة نفسها. وكم  مرة تصادف أنهما يستمعان إلى الأغنية نفسها، دون أن يتفقا على ذلك مسبقا.

كانت طوال سهرتهما ، تستمتع  بالصوت الذي تحدثه الشيشة أو النرجيلة وهو يسحب منها نفسا تلو الآخر. صوت كان يتخلله  في غياهب تلك الليالي،نباح “جالا” وهديل الحمام الذي يحب تربيته.

كان حديثه يحملها على بساط أزرق ويطير بها في الفضاء البعيد الهادئ ، تحت رذاذ  الشوق، فيحط بها على ضفاف نهر “بارانا” ، وكم كانت تتمنى أن تجلس  في حجره على ضفة ذلك النهر، رأسها موغلة في صدره،يرتشفان معا فنجان السعادة.

كلمها عن طفولته وشبابه وكهولته، وأخبرها عن تجربته المجنونة – وهو طبيب شاب تخرج من فترة قصيرة – في هجرته رفقة صديق له ، طبيب عظام، إلى إيطاليا ومنها إلى أمريكا الجنوبية ، فيما بعد:

- كنت زي محمد الفلاّح في بلاد السياح.

قالها وأرسل ضحكاته العذبة  التي  تجعلها تود لو تحضنه بشدة، كلما سمعتها.

عرفت منه مع مرور الأيام، أن طليقته ، أم أولاده الثلاثة : إحسان، أمير وعثمان،أصلها من أمريكا الجنوبية، وأنه تزوج  بعدها ثلاث نساء أخريات- لم تكن بينهن واحدة عربية كما قال – انتهت علاقته بهن جميعا بالطلاق.

لم تسأله عن سبب طلاقه بعد كل زيجة حتى لا تحشر نفسها في حياته الخاصة الماضية، فتوقظ  بذلك أحزانه، لكن الأمر أزعجها كثيرا وزرع في أعماقها خوفا رهيبا ، لم تعرف له مبررا.

ربما كانت تفكر في عقلها الباطني في الارتباط به، وراعها أن يكون مصيرها الصدّ و الهجر ، مثل سابقاتها.

- إنه رجل مزواج مطلاق،، علّقت في نفسها وأردفت:

- أو كما نقول في بلدي، عشّاق ملّال.

خاطبته قائلة:

- جميل أن تكون أسماء جميع أولادك عربية .أكيد أن الأمر لم يكن سهلا بالنسبة لوضعك.

- وتلك حكايه طويله عريضه.

- كيف ذلك ؟

- أوّلا، يجب أن تعلمي أن أولادي كلهم مسلمون متدينون، وهذا لم يكن  سهلا  أبدا هنا. فمدينتي لا يوجد بها حتى مسجد للصلاة.

ثانيا، كنت أضطر عند كل  ميلاد طفل لديّ، أن أرفع دعوى قضائية على مصلحة الحالة المدنية بالبلدية، حيث أنهم كانوا يرفضون تسجيل الطفل بالاسم الذي أختاره له، لا لشيء سوى لأن تلك الأسماء لم تكن واردة في قائمة الأسماء المحددة لديهم.

لقد أسميت ابني الأكبر “إحسان” على اسم والدتي رحمها الله، وأسميت الثاني “أمير”، تيمنا بأمير المؤمنين، والثالث “عثمان”  على اسم الخليفة الراشد عثمان بن عفان.

أحبتْ أبناءه دون أن تعرفهم أو تكلمهم، فقط لأنه كان يتحدث عنهم بحب شديد.

تتذكر كم كان حزينا قلقا ومزاجه عكرا يوم سافر ابنه الأكبر إلى مصر عند أهله بصدد البحث عن شريكة حياته.

- الليلة  أحتاج إليك يا “وحيدة” أكثر  من أي وقت مضى. موضوع سفر “إحسان” عمل لي قلق كبير ووجعني.

راقها كثيرا أنه في لحظة حزنه، التجأ إلى حضنها هي، فحاولت بكل ما في وسعها أن تحتوي قلقه وحزنه، وتمنت لو أنها معه ، تضمّه إليها، وتضع رأسه على صدرها ، مثلما تفعل الأمّ مع طفلها،فتغني له وتهدهده بصوتها إلى أن ينام.

تماما كما كان هو يفعل، عندما يحس أن مزاجها سيء وأن نفسها متعبة، فيكفّ عن الكلام ويضع أغنية يسمعانها معا.

كم كانت تحب صوته وهو يدندن مصاحبا الأغنية. فقد كان يصلها منكسرا مفعما بالحنان، فيغمر روحها بالسكينة ويكثف شوقها إلى لقياه.

وكانت أهم أغنية يستمعان إليها باستمرار، أغنية وردة الجزائرية “على عيني” حيث تقول:

على عيني يا حبة عيني

جايالك هوى

افرش لي الرموش دفيني

من نسمة هوا

على عيني

لو بينك بحور وبيني

هنعدي سوا

- دي الأغنية بتاعتي يا “وحيدة” ،، قال لها في إحدى سهراتهما وهما يستمعان إليها معا.

سعدتْ بكلامه كثيرا، فالأغنية  هي التي أرسلتها إليه محمّلة برسائل الشوق والرغبة في الانصهار فيه، وقد أحبها لأجل ذلك.

كان في كل لقاء جديد يدهشها أكثر.

فذات ليلة، قال لها إنه  من شدة حبّه لها، يتمنى لو يستطيع أن يعيد عقارب ساعة الزمن إلى الوراء، فيحبّها وهما طفلان.

  أمسكها من يدها، وسافرا معا عبر الزمن ليحطا رحالهما عند محطة الطفولة.

تخيلها تلميذة صغيرة ، ترتدي ملابس المدرسة، و هو تلميذ معجب بها.

بادرها:

- أنت بتحبي حد ؟

- آه

- مين ؟

- معلّمي بالمدرسة

كانت تعيش معه خياله، لكنها أسقطت عليه شيئا من واقع طفولتها، فقد كانت فعلا تحبّ مدرّس اللغة العربية الذي كان شاعر المدرسة الوحيد، فكانت تعرض عليه محاولاتها الأولى في كتابة الشعر، ظنا منها أن الشعر سيقربها منه.

- أنت اسمك ايه ؟

- وحيده

- بتحبي الشكولاطه ؟

- آه

- إديلي بوسه وكل بوسه بحتة شكولاطه. بس أنا معايا خمس حتت بس.

- إديهالي كلها وخذ بوسه وحده بس.

- تعالي نروح سلّم العماره يا وحيده، أحسن حد يشوفنا

- لاء، ربنا هيشوفنا وياخذنا عالنار

- قربي مني شويه

- لاء، مينفعش. إديلي الشكولاطه وسيبني أمشي، ماما مستنياني

- خلاص، خذي الشكولاطه، أنت الخسرانه.

- بشكرك، بكرة هعطيها لمدرّس اللغة العربيه علشان ياكلها.

كان للدكتور العرباوي خيال واسع ومدهش، وكان في كل مرّة يدعوها إلى ركوب خياله، فيصحبها إلى عوالم جميلة شفيفة، يعيشان فيها معا لحظات  تودّ ألاّ تستفيق منها، فتخال نفسها أليسْ في بلاد العجائب.

فمرّة، شاهد صورة لها وهي تركب “الحنطور” بالإسكندرية، فقال لها:

- الإسكندرية دي مدينتي اللي أنا قريت فيها جامعه، وبحبها أوي.

احمدي ربك أني مكنتش فيها  وأنت هناك وإلا كنت خطفتك.

سكت برهة، ثم بادرها:

- ما رأيك آخذك في نزهة إلى بحر الإسكندرية ؟

- يا ريت

قالتها من كل جوارحها، فهي تتمنى أن تكون معه بغض النظر عن المكان والزمان.

فاجأها بسرد جميل  ووصف دقيق للمكان حتى شعرت فعلا أنهما معا على شط الإسكندرية.

وحتى يقرّب لها المشهد  فتحسّ به أكثر، راح  يقلد صوت الموج والريح، ونقل إليها عبر الحاسوب بالصوت،وضعيتهما وهما جالسان معا قبالة الأزرق العميق،وهي تسند رأسها على كتفه، وهو يربتّ عليها بحنان ويكلمها بهمس كأنه حفيف أوراق الشجر في موسم الخريف.

شعرت بالنعاس يتسرب إلى جفنيها فيثقلهما، وبنسمة برد تسري في أوصالها.

ودون أن تعي، قالت له وهي منصهرة تماما في الدور الذي رسمه لها:

- الجو برد، أرجوك احملني  إلى الداخل وحطني على السرير.. أنا عايزه اتدفى وأنام.

حملها ووضعها على السرير كما طلبت وقال لها:

- تصبحين على خير يا حبيبتي. أنا هنا، لو احتجت أي حاجه اندهيلي.

 وهمّ بغلق باب غرفتها.

في غمرة نشوتها، نادته من أعماق روحها، إذ كانت كل جوارحها تنبض برغبة الحلول فيه وإلى الأبد:

-  العرباوي، أنا بحبك ومن حقي. لا تتركني وحدي أرجوك.. خليك معايا.

واستسلمت له ليلتها.

فكما أن الطلاق هو أبغض الحلال إلى الله، كان حبها له هو أحب الحرام إليها.

للمرة الأولى منذ أن تعارفا، سمع منها كلمة “بحبك”.

توقف كثيرا عند قولها: “أنا بحبك ومن حقي”..

- “وحيدة”، أنت قلت كلمتين كبار أوي:

“بحبك”

“ومن حقي”

أنت عارفه قلت إيه ؟

تفطنت إلى أنها وقعت في  مصيدة البوح والاعتراف. لكنها لم تشعر بالندم لحظتها.

كان كل ذلك في العالم الافتراضي، لكنها عاشته بمتعة وسعادة لا نظير لهما.

ومن يومها، أصبح يطالبها بالمزيد وهي تمتنع، وإن كانت في حقيقة الأمر تود هي الأخرى مزيدا من الانخراط والانصهار والحلول. فقد كان جوعها إليه يزيد يوما بعد يوم ، لكن وضعها المعقد حال دون انصياعها لرغبتهما.

فصوت العقل كان دوما هو الغالب عندها، وكان وخز الضمير يقض مضجعها.

إنها امرأة متزوجة .

ومن ذلك اليوم أيضا، بدأت خلافاتهما تزداد وتكبر وتتحول إلى خصام.

- أنا بقدر وضعك يا “وحيدة”،بس كمان أنا عايز حل للموضوع، أنا بحبك وعايزك تكوني  ليا ومعايا. فأنا مش عارف أعيش معاكي لا في الحلال ولا في الحرام ولا نص نص. الوضع ده متعبني يا حبيبتي.

ظلا على تلك الحال لأيام، ثم اقترح عليها أن ينفصلا لفترة، يفكر فيها كل واحد منهما في علاقتهما، ما الذي يرجوه منها وما مداها وما منتهاها.

وقع اقتراحه على نفسها كالصاعقة، لكنها لم تجد بدّا من الانصياع لرغبته.

ودّعها تلك الليلة  والسهرة لم تكد تبدأ بعد.

آلمها ذلك حدّ الجرح، فعلقت في نفسها:

- كم هو قاس ومجرم وأناني. كان بإمكانه أن يظل معي الليلة، فقد تكون ليلتنا الأخيرة. فلماذا اختار لحبنا هذه النهاية الجارحة  التعيسة البائسة ؟

من شدة ألمها وغضبها،  وككل مرة  كانا يتخاصمان فيها، حذفت صورته من سطح حاسوبها ومزقت وردتين كانتا بمزهرية على مكتبها، فقد تعودت أن تجلب وردتين باستمرار، واحدة وردية اللون رمزا لصداقتهما، والأخرى حمراء رمزا لحبهما.

لم تتحمل شعور الفقد، وحنّتْ إلى كل تفاصيله وغلبها شوقها إلى سماع صوته الذي باتت تعشقه ، فاتصلت بهاتفه في اليوم الموالي.

جاءها صوته حازما شبه رسمي، جعلها تندم للحظات على أنها كلمته. أرادت أن تغلق السماعة في وجهه بعد أن تقول له: “إلى الجحيم”، لكن اشتياقها لسماعه فاق استياءها إزاء موقفه ذلك.

-  هذا الحب ابن كلب،، قالت في نفسها، وتذكرت بيتا للمتنبي حيث يقول:

من يهن يسهل الهوان عليه         ما لجرح بميّت إيلام

حزّ في نفسها كثيرا ما آلت إليه، وهي المعروفة بإبائها وعزتها.

حاولت أن تلطف الجو، فقالت والدمعة تخنق صوتها:

- وددت فقط أن أذوق  طبق الملوخية الذي أعددته أمس. هل تستقبلني ؟

لم تجد  في صوته فرحته بسماعها ولهفته للحديث معها كما كان سابقا.

انسحبت  منكسرة الخاطر وهي تقول في سرّها:

- عندما تحط على حديقة كعصفور ثم يشرعون  في نتف ريش جناحيك ، فمهما أنست لمنظرها ومهما أغواك دفؤها، لا تفكّر كثيرا، بل طر بعيدا بعيدا في الفضاء.
فأنْ تترك بعض ريشك وترحل ولو نحو الصقيع، أهون لك من أن تظل متمسكا بدفء قد يفقدك جناحيك، فتعجز عن الطيران .

كانت  عيناها وهما متخاصمان، معلقتين على اسمه في قائمة أصدقائها على السكايب، ترقبان مواعيد ظهوره متصلا. فوجوده متصلا كان يمنحها بعض الدفء،ولكن ظنونها كانت تعذبها كثيرا وتوسوس لها:

- ليس مستبعدا أن يكون في هذه اللحظات، متواصلا مع امرأة أخرى، يستمتعان بالحديث ويتبادلان سور الشوق وآيات الحنين، بينما أنا هنا كالحمقاء،أغالب النعاس وأجهد عينيّ وأعذب نفسي بالجلوس على الكرسي لساعات طويلة، أنتظر ظهوره فاغرة شوقي إليه.

منذ تعرفت عليه، اشتاقت عيناها للاكتحال بالنوم.

فإن تصالحا، تسهر رفقته للصباح، تغتنم هناء كانت تعرف مسبقا أنه لن يلبث أن يزول.

وإن تخاصما، يهجرها النوم بسبب فقده وظنونها ووساوسها، فتسهر على أمل أنه قد يحدثها من لحظة إلى أخرى.

عادا إلى بعضهما بعد أيام قلائل، أحست أنها تساوي دهرا بأكمله.

أسعدها أنه عاش هو أيضا لوعة الغياب نفسها.

- لا أنا ولا أنت هنقدر نهرب من بعض ده الوقت يا حبيبتي. الدور لسّه مخلصش والقدر لسّه ماسك فينا احنا لتنين، واحد باليد اليمين والثاني باليد الشمال.

بحبك يا “وحيدة”.

- الدور لسّه مخلصش؟ هو إحنا على خشبة المسرح يا العرباوي؟

رد ببرودة قاصمة:

- أصل الحياة  كلها مسرح كبير وكل واحد فينا بمثل دوره فيها بشكل أو بآخر.

انتبهت إلى أنه قال لها :

- بحبك يا “وحيدة”.

طار قلبها فرحا لسماع تلك الجملة السحرية التي كانت مفتاح سعادتها، فهي على مذهب الشاعر أبي نواس حين قال:

اسقني خمرا وقل لي هي الخمر.

لم يكن أبو نواس ضريرا، وكان بإمكانه أن يكتفي برؤية الخمرة  منسابة في قدحه، لكنه كان يصرّ على  امتاع حاسّة سمعه  ليحتفي بكأسه أكثر.

وهكذا كانت هي أيضا، فرغم أنها تعرف يقينا أنه يحبها، أو هكذا كان يوهمها، إلاّ أنها كانت تصرّ على سماعه وهو يهمس لها كل مرة:

- بحبك يا “وحيدة”.

 فالحب عندها ليس مجرد إحساس، بل هو حوّاس  أيضا، ومنها حاسّة السمع.

فقد كانت تودّ أن تنخرط بكل حواسها في ذلك الحب الذي خلق غريبا رهيبا، لكن ظرفها لم يكن يسمح بغير حاسة السمع، وكان ذلك يكفيها ولو إلى حين.

لم يعد سماع تلك الجملة بلهجته المصرية وباللغتين الانجليزية والإسبانية ، يروي ظمأها، فغدا يرددها عليها بالقبائلية،وهي لغتها الأم، بعد أن حفظها منها، علّها تحس بها أكثر:

- حملغكم أطاس يا “وحيده”.

ولأنه كان يعرف حجم حاجتها لسماع تلك الكلمة كل ليلة قبل أن يودعا بعضهما،كان يعاقبها  بالإحجام عن قولها كلما اختلفا قليلا أو كثيرا..

فكانت تستسلم للنوم ودمعتها لم تكن قد جفت بعد.

في الفترة الأخيرة التي سبقت قراره الأحادي القاتل، بدأت تشعر بفتور لهفته وقلة اهتمامه، وأضحى يتحاشى  محادثتها على النت، متحججا  تارة بتواصله مع ابنه في مصر، وتارة أخرى بتعب عينيه من قراءة رسائلها عبر شاشة الحاسوب،معاتبا إياها على عدم استعمال المكرفون في تواصلهما طوال كل تلك المدة. فقد كانت تكتفي بسماعه وبالرد عليه كتابة.

انعدمت مكالماته الهاتفية التي كان يفاجئها بها والتي كانت تصنع لها جناحين ورديين، يحملانها فوق السحاب محلقة في دنيا السكينة والفرح.

لم تعد تجد تلك الرسائل الرقيقة الجميلة والتي كان يتركها لها وكانت حين تقرأها تفتح شهيتها للحياة.

كان يقول لها باستمرار:

- إحساسك هو ذكاؤك.

وإحساسها  هذه المرة، دلّها على أن النهاية وشيكة.

كانت كل المؤشرات تقول ذلك بصراخ عال، لكن قلبها الذي خفق بأحرف اسمه،أبى أن يسمعها.

إنها تحبه. والحب لم يكن أعمى  -كما قيل عنه منذ الأزل-  فحسب، بل اكتشفت أن الحب أصمّ أيضا.

أجل، الحب معاق ومعتوه. هكذا بدا لها.

وحتى تتأكد من صحة إحساسها، دخلت  إلى  ذلك الموقع الذي كان  له الفضل في تعارفهما، فوجدته متصلا.

- هكذا إذن، إنه منشغل عني برحلة البحث عن أخرى.

كان اكتشافها ذلك طعنة خنجر زادت جرحها القديم الذي لم يكن قد اندمل بعد،اتساعا وعمقا.

لم تواجهه،  لم تعاتبه ولم تحاول الاتصال به، بل فضلت أن تكتم غصّتها.

فهي  بطبعها إنسان كتوم، تلوك جراحها في زاوية مظلمة، ولا تحبّ أن يسمع أنينها أحد.

استحضرتْ روح أبوقراط في يمينه الطبّي، وهي مستغربة كيف هان على  الدكتور العرباوي الحنث بقسمه، وهو الطبيب، وقد أضحى  سبب علّّتها بدل أن يداويها.

وهي على تلك الحال، تلقتْ  منه رسالة  على الدردشة  الفورية. كتب يقول:

- أنت دخلت  ذلك الموقع  قبل شويه ليه ؟ والله بموت علشان أتصل بيكي ، بس بين نارين.

-  وأنت دخلته ليه ؟

- مش مهم أنا دخلته ليه، أنا يا “وحيدة” عايش هنا لوحدي ومقطوع من شجرة.

- لكنك الآن لم تعد وحيدا كما يبدو.

-  لاء، مفيش حد. أنا كنت مشغول مع ابني في مصر.

لم تصدقه وأرادت أن تصرخ في وجهه :

- كفايه كده، أنا متعبه  يا العرباوي.. أنا مخنوقه.

 لكنها لم تقو حتى على  رفض دعوته للسهر تلك الليلة.

- لمَ تذكّرني الليلة ؟

لا شكّ أنه وحيد لسبب ما، فلم ير مانعا في أن يدعوني لتأثيث فراغه.

لاحظ   ليلتها بعض الفتور في لهجتها، فهي لم تكن مبتهجة به كما اعتادت، ولم  تمطره بوابل الشوق واللهفة، ليس لأن إحساسها نحوه قد خبا،وإنما جرحها طغى.

سألها ما الأمر؟

- قلبي مغلق للصيانة.

- طيب، وقلبي كمان.

علّقتْ في نفسها:

- ما أبرد دمه وما أفظعه.

مرّت تلك الليلة بسلام لم تكن تتوقعه.

وفي ظهيرة اليوم الموالي، وجدته متصلا على النت فبادرته بالتحية.

بادلها التحية  على عجل وأخبرها أنه  مشغول في المستشفى ، ووعدها بأن يكلمها لاحقا.

كانت على يقين أنه  تحجج بالعمل ليصرفها عنه، هو الذي كان لا يغفل ولا يستغني عنها لحظة حيثما كان متواجدا.

وكانت تعلم جيدا أنه لن يكلمها لاحقا كما وعد.

لم يخيّب ظنها، فقد راسلها عند المساء على الدردشة الفورية:

- ابني أخبرني أن أخاه الموجود بمصر لديه مشاكل.

أنا هبقى مشغول مع مصر.

كان هذا كل فحوى رسالته إليها.

 لم يسلّم، لم يعتذر، لم يتأسف، لم يقل لها يا حبيبتي ولا حتى تصبحين على خير.

قهقهت في ألم وأحجمت عن الرد ، وهي تخاطبه في نفسها:

- صحيح أنني أحب المسرح، لكنني أحب المسرحيات الجيدة التي يظهر فيها جهد المخرج  واجتهاده واشتغاله. وأنت يا سيدي مخرج بائس.

مرّت بضعة أيام دون أن يبادر أحدهما بالحديث مع الآخر. ولما استبد بها الشوق،راحت تكاتبه  من حين لآخر، لكنه ظل أصمّ  كصخرة حيال رسائلها.

هاتفته ولم يرد.

ويوم ردّ عليها، كتب لها:

- يا “وحيده” حرام عليكي، سيبيني ، خلص الكلام وانتهى الدور.

أنا بحبك آه بس ده مش كافي لأعيش.

أنا قضيت معاكي وقت وإحساس جديد.

سلامي وكمان حبي ليكي. خلي بالك من نفسك. كل واحد في طريقه.

ها هو يتحدث عن “الدور” من جديد..

لكن هذه المرة بشكل مختلف وبوقع صادم.

 لقد قال لها إن الدور انتهى.

أحسّت بدوار وزلزال هزّ روحها بدرجة قوية على سلم الخيبة والحسرة.

- كيف سمح لنفسه أن يقرر بمفرده إنهاء  دوري بهذا الشكل المبتور وبكل هذه القسوة ؟ من خوّله أمر إغلاق المسرح بكل تلك الغطرسة واللامبالاة ؟

لقد كان ديكتاتوريا في قراره.

تذكرت تصريحا سخيفا لإحدى الممثلات العربيات، كانت قد قرأته في مكان ما: “أفهم ديكتاتورية المخرج، لأنه يرى الصالح العام للفيلم”.

تركها تتخبط وسط فراغ مريع، تلوك طول الليل تحت وقع أغنية “جبار” لعبد الحليم حافظ، أبياتا قالها أحد أصدقائها الشعراء:

أرحم الرصاصات

هي ذات ليل بين حلم ووهم

وليت الطلقة كانت من قلب عفيف

ولما انبلج الصبح، آوت إلى فراشها وهي تردد:

- أشعر أن الأرض لم تعد تسعني..

مشغولة أنا بالبحث عن رقعة تحت جناحك يا الله.

ثم استسلمت للنوم، تحمل بين ضلوعها  قلبا لا يزال منقسما إلى شطرين وقد غدا ينخره بدل الجرح جرحان.

 

 

 

 

*شاعرة من الجزائر

اترك تعليقا