البعد الصوفي في رواية “عائلة من فخار” (مسار المتقاعد صاحب الخيزرانة) لـ : محمد مفلاح/ سماحية خضّـار *
بواسطة مسارب بتاريخ 5 مايو, 2014 في 12:43 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 5753.

  تحتل ظاهرة التصوف أهمية كبرى في الحياة الفكرية العربية عامـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة و الجزائرية خاصة ، حيث تعد قضية من القضايا الشائكة البالغة التعقيد في التاريخ الثقافي و الديني الجزائـــــــــــــــــــــري ؛ أسالت الكثير من الحبر بين من يعلي و من يحط من قيمتها كظاهرة دينية . و لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن ننكر أو نتجاهــل التصوف و المتصوفة في المجتمع الجزائري فهو واقع بيّن ظاهر للعيـــــــــــــــان ، يرجع انتشاره إلى أسباب فكرية ، و سياسية ، و اجتماعية وطدت علاقته مع الفرد الجزائري فتأثر بها سلبا و إيجابا . فنحن نجد في كل مدينة زاوية أو أكثر لمتصوف تحظى بالتقديس و الاحترام من طرف أبناء المدينة ، كما لا يمكننا أن نغض الطرف عن الطرق الصوفية الموجودة في الجزائــــــــــــــــر و التي من أبرزها الطريقة القادرية ، و التيجانية ، و الشاذلية ؛ بروادها ، و مريديها ، و أتباعها من كل الأطياف ؛ تقام لها الاحتفالات ، و حلقات الذكر ، و تؤثر بشكل واضح في المجتمـــع الجزائري ، و في فــــــــــكر الفرد و الجماعة . و بهذا كان تجليهــــا في الأدب واضحــــا بعدِّ الأدب يعبر عن المجتمع ، يصف اهتماماته ، و يصور آماله و آلامه .

و تجدر بنا الإشارة هنا إلى الفرق بين الخطـــــــــــــــــاب الصوفي الذي يتخذه المتصوفة تعبيرا ، و بين البعد الصوفي في الخطاب الأدبي .

فلغة الخطاب الصوفي ذات خصوصية واضحة ، هي لغة رمزية ، مجازية ، يحمِّلها المتصوف دلالات متعددة قابلة لتعدد التأويلات ، بل و تعصى عن التأويل في كثير من الأحايين و إذا اضطر الصوفي أن يعبر عن ما يخالجه لم يعبــر عنه إلا رمزا يقول الغزالي في هذا السياق : ” … أما علم المكاشفــــــة فلم يتكلموا فيه إلا بالرمز و الإيماء ،على سبيل التمثيل و الإجمــال …”[1] ؛ فلغة المتصوف تتميز بالتخيـــــــــل و التمثيل و التشبيه ؛ و إذا كانت اللغة نظاما من الإشارات تعبر عن الأفكار فإن المتصوفة استخدمـــــــــــــوا في لغتهم و استعاراتهم إشارات و دلالات تختلف عن استعارات و دلالات الأدب بل و حتى عن الفلسفة ؛ يقول الفنّاد ، و هو من صوفية القرنين الثالث و الرابع : ” إذا نطقوا أعجزك مرمى رموزهـــم ، و إن سكتوا هيهات منك اتصّاله ” [2] ، و بالتالي فلا يمكن دراسة هذه اللغة إلا بعد الرجوع إلى جوهر التجربة الصوفية المكونة لها .

و أما تجليات البعد الصوفي في الخطاب الأدبي فهي تلك الإشارات و التلميحات التصريحية و الضمنية التي يعتمدهــــــــــــــا المبـــــدع ليرسم صورة الصوفــــــــي في ذهن المتلقــــي من خلال وصف الشخصيـة الوصف الخارجي و الوجداني ، و إظهار سلوكها المختلف في محيطها .

هذا الشكل هو ما نحن بصدد إظهاره في الرواية لنبين من خلاله البعد الصوفي فيها .

 

تجليات البعد الصوفي في الرواية :

             تعكس روايات محمد مفلاح اهتمامه البالغ بالموروث الثقافي و التاريخي الجزائري و بمدينته غليزان بشكل أخص و أوضح ، و ذلك من خلال وصفه للمجتمع الجزائري العميق و مرد ذلك يرجع ربما إلى انصهار شخصيته في بوتقة الهم الاجتماعي في كل أطوار حياته و بالتالي يصبح التعبير عن الواقع الاجتماعي من أهم دوافع الكتابة لديه” حيث الكشف عن خفايا تجربته التي تعتبر إسهاما في تحريـــــك فعالية المنجز الرّوائي الجزائري ، و إضافة مفاهيميــة إلى خارطة سبر حركة المجتمع الجزائري عبر مراحل تطوّره ، و تلك هي أهمية الرواية ، حيث تعتبر تأريخا و توثيقا للواقع من منظور فني.”[3]

               صوّر محمد مفلاح شخصيتـه ذات البعد الصوفـي بعيدا عن الغيبيــــــــــات التي تلغي العقل و تعتمد على الحواس ، فالمتصوف في الرواية يعايش الحياة اليومية و لا يبتعد عنها و إن زهد فيها ، و لم يصوره في صورة المتصوف الغامض الذي يلغي العقل و يلغي الكلمات و لعل هذا ما يميز كل كتاباته حيت يعتمد مفلاح لغـــــة بسيطـــــــــــــــــــــة سلسة و ذلك ليوسع دائــــــــرة التلقي لأعماله لأنه يجعل من الطبقــــــــــــــــة العظمى في المجتمع مصدرا لإنتاجه الأدبي و لتلقيـه في نفس الآن حيث” تحتـم قراءة محمـد مفـــــلاح الــوقوف عند السلاسة الحكائية ، و تواردها عبر نسق يستمد جذوره من تأثر واضح بالاتجاه الواقعي ، و أيضا من الفضاء و الحدث الاجتماعيين اللذين يتخلقان لديه من رحم حركة اليومي البسيطة و تسجيل العادي بمنظار الفني و الرّوائي”[4]

و سنتتبع في الرواية الرموز و المقاطع السردية التي تبرز البعد الصوفي للشخصية و لعل أول ما نبدأ به عنوان الرواية .

1- العنوان :

هناك إشارة واضحة مقصودة من الروائي دلت عليها لفظتان اثنتان واحدة في العنوان الرئيسي و الأخرى في العنوان الثانوي .

فكلمة ” فخار” ترمز إلى الهشاشة و الضعف و سهولة الكسر و لتكثيف الدلالة جعلها مفلاح لقبا للعائلة المقصودة في الرواية ” ولد الفخار” عائلة لم تتحمل تقلبات الحياة و متاعبها و مشاقها التي دفعت كل فرد في العائلة إلى البحث عن  مخرج و مهرب منها و لقد اتخذ الأب لخضر طريق التصوف و الزهد هربـــــــــــا من واقعه المتعب .

و أما كلمة” خيزرانة ” و هي عصا الخيزران التي جعلها الأب رفيقتـــــــه ترمز إلى الزهد و التمثل بشيـــــــــــــــوخ الطرق الصوفية فقد تعدت وظيفتها الطبيعية و هي الاتكــــــــاء و الاستعانة على المشي إلى دلالــــــــــــة أخرى إيحائية فالخيزرانة ترمز في الموروث الشعبي الجزائري إلى الزهد و البساطــــــــــة و العودة إلى الأصالة بل و ربما إلى أبعد من ذلك لتدل على التشبه بالأنبياء و الرسل . قال تعالى في سورة طه ” و ما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها و أهش بها على غنمي و لي فيها مآرب أخرى “[5]( الآية 17  18 سورة طه )

2- الوصف الخارجي للشخصية :

             لم يأت الروائي على الوصف الجسدي للشخصية لأنه لا يراه مهما في الدلالة التي يهــــــــــــيم بإيصالها إلى القارئ إذ لا حاجة له بالملامح الجسدية في وصف إنسان زاهد متصوف ، بل ركز علــــــــــــى وصف هيئته الخارجية فالثياب جزء من مظهر الإنسان إن لم تكن الأهم ، و مع أنها ليست من الجســـــــــد فهي تلتصق به ، لا يُرى عادة إلا بها ، و من خلالها ، بل و تتأتى أهميتها في الحكم على الناس الذين نراهم للمرة الأولى ، حيث يتكون الانطباع الأول من خلال الهيئة الخارجية أو الثياب الملبوسة ، لأننا لا نعرف بعد سلوكهم و لا أخلاقهم ، و على ما يرتدون نقدرهم فنرفعهم أو نستهين بهم مجبرين لأنه الحكم الوحيد لدينا عليهم .

و للزهـاد و المتصوفـــــة لباس خاص يختلف نوعـا ما عن غيرهـم ، يرتدونــه بسيط للدلالة على قناعتهــــــــــــم و رضاهم فالملابس الفاخرة نوع من أنواع الترف و البدخ في الحياة ، و اللباس البسيط ليس إلا دليــــــــــلا على مجاهدة النفس لمباهج الحياة و زخرفها ، و به يعرفون و يتميزون .

يقول :” لقد تخلى والدها عن ارتداء بدلاته الأنيقة و ربطات العنق الحريرية ، و عوضها بالسراويل العربية و بخاصة “الشرقي” و العباءات الفضفاضة البيضاء ، و العمامة الصفراء أو “الكمبوش”الأبيض كما استعان بخيزرانة أهداها إليه والده “سي العيد” قبل وفاته بسنة واحدة فقط “[6].

و في وصفه هذا تتسلل فكرة التحول من حال إلى حال فالشخصية  لم تكن زاهدة من قبلُ بل اتخـــــذت الزهد منهجا و اتصفت به كرد فعل عما ألَّم بها و جنته تكاليف الحياة عليها ، و هذا الاختيـــــار فــرض عليها أن تتخلى عن كل ما اقتنته قبل هذا الطريق بما فيه البدلات الأنيقة و ربطات العنق الحريريـــــــــــــة .

كما يستطيع القارئ أن يتلمس نية الكاتب في إبراز شكل من أشكال التقاليد في الملبس للمدينـــــــة فضاء الرواية ، من خلال الألفاظ التي وظفها ” السراويــــــــــــــــــــل العربية و بخاصة الشرقي” ، ” العمامــة الصفراء” ، “الكمبوش الأبيض” و هو شال تقليدي يوضع على الرأس و الكتفين.

و سواء فكرة التحول أو فكرة إبراز التقاليد فهما تصبان كلتيهما في الدلالة الكبرى التي يسعى إليها الروائي و هي رسم صورة الزهد و التصوف التي تتسم بها شخصيته الروائية في ذهن القارئ دون عناء التأويل .

 3- السلوك العام للشخصية : 

               إنه ليس من قبيل المبالغة أن يقال أن التصوف ثورة ؛ إنه ثورة الأعماق على الأسطح ، ثورة الأصيل على المبتذل المتلون ، ثورة الجوهر العميق على المادي البشع ، ثورة القناعة على الجشع . فالصوفية هي رد فعل الذات على مجتمعات أصابتها التخمة فما عادت تصلح لاستضافة الروح . ففــــــي الوقت الذي يتكالب فيه الناس على الثروات و إشباع الغرائز تكالبا ينتقص من إنسانيتهم و يحيلهـــــــم إلى عبيد ، يعتكف المتصوفة في الزوايا و المساجد و البيوت متواريـــــــــــــــــن عن مباهج الدنيا زاهدين فيها و قـــد عرّف بعض المتصوفة الزهد بأنه : ” ترك لذائذ الدنيا الفانية-المشروعة و غير المشروعة- طمعا بلذائذ الآخرة لذا كان الزهد عند بعضهم أفضل من الفقر ، لأنه فقر و زيادة ، و لأن الفقير عادم للشيء اضطرارا ، و الزاهد تارك للشيء اختيارا[7]

هذا الرفض الوجداني لكل ما يعقد الحياة ينعكس بالضرورة على سلوك المتصوف العام فيغدو مختلفا عن سلوكات عامة الناس ، سلوك يظهر جليا في روح تتعشــق العزلة ، و تتجافـــــــى عن المخالطة و تعـــــــــــــيش الرحلة الوجدانية في عمق الوحدة .

و في وصف محمد مفلاح لسلوك شخصية الأب – في مواضع عدة من الرواية – إحالة ظاهرة على ذلك يقول و مشى بين قضبان السكة الحديدية بخطى هادئة ، كان يجد متعة كبيرة حين يتلـــــو آيات القرآن الكريم أو يردد المدائح الدينية أو يسبح بالذكر و ورد الطريقة الصوفية “ [8]

ففي وحدته هذه كان يجد متعته ، حين يتلــــو القرآن ، و يردد المدائـــح و الورد الصوفي ؛ هذه هي لغته ، و هذه هي رحلته الوجدانية التي لا يفهمها إلا من ذاق نعيمها و خبر تفاصيلها .

عزلة تمكنه من اكتشاف كوامن نفسه ، و الرجوع إلى فطرته التي غالبا ما تعكرها الحياة ، كما تمكنه من عيش تجربته الفردية في معرفة ربه . يقول :أمسك بالوسادة و وضعها بينه و بين الجدار ثم أسند إليها ظهره ، استغفر الله و نظر إلى النجوم التي كانت تزين السماء ، و بدأ تلاوة سورة القارعة ” [9]

ثم يضيف في موضع آخر :

” انهمك ‘ لخضر ولد الفخار’ في مطالعة كتاب قديم غلفه بقطعة قماش ، لقد ازداد الرجل اهتماما بسير مشايخ التصوف و الأولياء الصالحين ، شغف بسيرة الولي الصالح سيدي محمد بن عودة ” [10]

يصر الكاتب – من خلال إبراز سلوك شخصية “لخضر ولد الفخار” في مواضع عدة من الرواية – على رسم شخصيته المتصوفة الزاهدة في روايتـــــــه بإتقان حتى لا يمكن للقارئ إلا أن يتقبلها و يسقطها عــــلــــــى نماذج غير قليلة في المجتمع ، فالكاتب يصف مجتمعا جزائريا أصيلا و شخصية مكررة موجودة فيه لا يمكن إنكارها أو تجاهلها بأي حال من الأحوال و هو بهذا يسلط الضوء على هذا الفصيل من البشر .

كما يجدد نيته في التشبث بإبراز معالم المدينة و ذلك حين يذكر الولي الصالح لمنطقة غليــــــــــــــزان “سيدي محمد بن عودة”

 

4- الصحبة :

               يظهر الاتجاه الصوفي واضحا جليا في الشخصية التي اختارها الكاتب صديقا لـ ” لخضر ولد الفخار” و طبيعــة العلاقة بينهما التي يمكن أن تبلغ حدودها القصوى من الانصياع و الخضــــــــــــــــــــــوع و التسليم ، و التشبه المبالغ فيه في الملبس و المأكل و الكــــــــــلام و حتى في الذكر و التسبيح فشخصيــــــة ” الشيخ المنور” و إن غابت عن تفاصيل الرواية و أحداثهــــــــــا فقد كشفت عنها الرابطة الوثيقة بينها و بين الشخصية محل الدراسة يقول :” وجد لخضر عند الشيخ المنور الراحة التي كان ينشدها “[11]

فالشيخ المنور شكل قشة الغريق التي تشبث بها البطل و انتشلته من الوهم و خففت عنه ما كان به من ألم و وجع الأيام و السنين ” لقد أنقده الشيخ المنور من التيه الذي عاشه بعد تقاعده”[12]

و لا يقتصر دور الشيخ في كونه مثلا احتذت به الشخصية و سارت على دربه بل شارك حتى في تزويده بالكتب التي تعينه على السير الصحيح في منهجه المختار يقول في هذا المقام :  أمسـك بالكتاب الذي استعاره من الشيخ المنور، جمع مؤلف الكتـــاب تراجم عديدة عن رجال التصـوف”[13] ، فقد ظهرت في الرواية ضرورة الشخصية إلى شيخها و الاضطرار إليه ، قال أبو زيد البسطامي : ” من لم يكن له أستـاذ فإمامه الشيطان “[14] فهذا الإمام و المعلم هو الذي يسوق إلى تذوق حلاوة الإيمـــــــان و الإطمئنان إلى قدر الله .

خلاصة:

               لقد أسعفني نص رواية “عائلة من فخار” في استنكاه البعد الصوفي داخلها فالتصوف في المجتمع الجزائري ظاهرة عــــــــــانت الكثير من الإنكار بل و الاضطهــــــاد أيضا و بخاصة عقب العشريـــــــــــة السوداء التي خُلط فيها الدين بالسياسة و خلفت الكثير من السخط على كل سلوك ديني يُخيَّل إلى الناس أنه مبالغ فيه ، لكنه ظل صامدا صمود أهله و خاصته من المتصوفة و الزهاد حتى بات اليوم حقيقة لا يمكن غض الطرف عنها ، و كاتبنا محمد مفلاح أبان عن سلوك المتصوف و نزع عنه غطــاء التجاهل و التغافل فعُدَّ راسم حقيقي لواقع مجتمعه الجزائري العميق عمق تاريخه و ثقافاتــــــــــــــه، الغني بتنوع أطيافه و اتجاهاتهم .

 

 

 ملا حظة لهذا البحث مراجع

*باحثة من جامعة بشار الجزائر


 

 

 

 

 


اترك تعليقا