بعد مرور أكثر من نصف قرن من انتاج فيلم اللص والكلاب “إنتاج 1962″ الا أنه لا يزال يصنف من بين أهم الأفلام المصرية التي حققت العديد من المكاسب الفنية على المستوى العام للفيلم، من ناحية الشكل الذي يعكسه بناء العمل، واهتمامه بالعناصر الضرورية في عمليات التشكيل الفني، إذ كان نسيج الحبكة الجيدة والمتكاملة سببا واضحا في صناعة هذه الفسيفساء الفنية البارزة، وكعادته دائما أظهر الروائي الكبير نجيب محفوظ” 1911ـ2006″، عبقريته من خلال هذه الرواية، التي خلق فيها العديد من بؤر التوتر العالي، المصاحب للبطل سعيد مهران، من بينها خيانة الصديق، والزوجة، وحتى البنت، تنكرت له الدنيا وأظلمت كل الطرق في وجهه، ليصل به خيط الخيانة إلى شخص الصحفي رؤوف علوان، الذي لقنه في يوم ما المبادئ الأولى للصوصية بشكلها المطلق، مبدأ المكيافيلية، أنت جائع فلا حرج في سرقة الرغيف، أنت فقير وفي حاجة لمتطلبات الدنيا، فلا ضير في سرقة أحد حاجيات الأثرياء، المهم أن الغاية تبرر الوسيلة.
وجد المخرج الكبير كمال الشيخ ” 1923ـ 2006″ في رواية اللص والكلاب حاجته الفنية، فكوّن فريقا لتحويل هذا العمل الورقي إلى صورة سينمائية، بعد أن نجح في تلقف عمل محفوظ، واستطاع من خلال “الكاستينغ” أن يختار مجموعة من الممثلين الذين شكلوا فريقا منسجما ومتناسقا، أكمل كل واحد فيهم الآخر، حيث قدم أدوار البطولة لكل من الممثل شكري سرحان “1925ـ 1997″، من أجل أداء دور سعيد مهران، و كان وقتها هذا الممثل في أوج عطائه الفني، أظهر موهبته الفذة في تقمص الشخصيات التي يؤديها، بعد أن مثل في العديد من الأفلام الناجحة، من بينها ” لهاليبو، ابن النيل، طريق المهابيل، شباب امرأة، الطريق المسدود…”.
أما الرهان الثاني فكان على شخص الممثلة شادية”1934ـ”، التي اكتشفها المخرج الكبير أحمد بدرخان “1909ـ1969 ” و قدمها للساحة السينمائية، بعد أن رأى فيها الممثلة الواعدة التي تعكسها قدراتها العالية في التمثيل، ورغبتها الجامحة في السعي لإبراز الموهبة، وقبل أن تصل لها اختيارات كمال الشيخ، لعبت بالعديد من الأفلام، أدت فيها أدوار مختلفة، من بينها فيلم “أزهار وأشواك، العقل في إجازة، الروح والجسد، الزوجة السابعة، صاحبة الملاليم، بنت حواء وليلة العيد…”، أقول بأن كمال الشيخ أسند لها دور مومس اسمها نور، تحب سعيد مهران.
كما كان لإختيار الممثل الكبير كمال الشناوي”1921ـ2011″ الدور الكبير في إنجاح الفيلم، خاصة وأنه دور يعكس بورجوازية نفعية، كان لزاما عليه أن يؤديها باحترافية، لإقناع المشاهد بها وبتناقضاتها وخبثها، بالإضافة إلى الممثلين نظيم الشعرواي”1921ـ2010 “، وفاخر فاخر ” 1912ـ1962″، وعدلي كاسب”1918ـ1978 “، ليكتمل الفريق على وجه مشرف ومتناسق.
نسيج الحبكة المتكامل
تكمُل قوة الفيلم في بساطة القصة وحبكتها ورمزيتها الكبيرة، التي يعكسها سعيد مهران الذي يمتهن السرقة كسبيل عيش واختيار، عكسته البيئة التي عاش فيها، وتشجيع رؤوف علوان، لكن وفي أحد عمليات السرقة يتم الإيقاع به بعد أن وشى به صبيه عليش، فيتم الزج بمهران في غياهب السجن، ويحكم عليه بأربعة سنوات سجن كاملة، وفي أحد زيارات نور له في السجن تخبره هذه الأخيرة بآخر الأحداث والمعطيات الغائبة عنه، من بينها زواج نبوية بعليش، ومن هنا تتأجج مشاعر الانتقام لدى مهران، فيعيش من أجل الانتقام وفقط، أنهى محكوميته وخرج من السجن، ليتجه مباشرة إلى حارته، حيث جمعته جلسة مع عليش وبعض الجيران، طالب من خلاله سعيد بضرورة إعطائه ابنته وماله وكتبه، لكنه لم يفلح واكتفى بأخذ الكتب، ليتجه بعدها إلى الجبل حيث الشيخ، الذي حاول أن يقيم عنده من أجل الانتقام، لكن الشيخ شجعه على التسامح والحب، ليتجه بعدها مباشرة إلى مقر الجريدة التي يعمل بها رؤوف علوان، ومن ثمة إلى منزل هذا الأخير، أين جمعته به جلسة، تجاذبا من خلالها الحديث عن الماضي، بعدها تتصاعد الأحداث تباعا، يقتني من خلالها مهران مسدسا لتنفيذ مخططه الانتقامي، يتوجه بعدها إلى البيت حيث يقيم عليش ونبوية، يقترب من باب البيت ويلمح طيفا، يطلق عليه النار ويفر ظانا بأنه طيف عليش، ومن هنا يبدأ صراع آخر بعد أن تبين بأن الذي مات شخص برئ، تتأجج محاور القصة مرة أخرى، بعد أن تم تضخيمها من طرف الصحفي علوان، حيث جعل من سعيد مهران سفاح، ومادة جاهزة تطلق من خلالها الصحافة أحكامها، في هذا الجزء المشحون يلتجئ مهران إلى صديقته الوفية نور، حيث تأويه بكل حب و حنان، يتواصل تصاعد الأحداث عندها يقرر إحضار بدلة شرطي من أجل التنكر بها، وهكذا تدور الأحداث في هذا المحور، بين الانتقام والقبض على عليش، ليخرج في الأخير المشاهد بنتيجة حاسمة وهي أن سعيد مهران القتيل هو اللص، أما الكلاب فهم عليش ونبوية وعلوان، لتكتمل معادلة الفيلم بين العنوان والمَشاهد لتصبح في الأخير “اللص والكلاب”، يموت اللص لكن نباح الكلاب تزيد وشراستها تكبر وتتسع.
التيمة بين الرواية والفيلم
أنا شخصيا قرأت الرواية أكثر من مرة، وشاهدة الفيلم ثلاث أو أربعة مرات، وخرجت بنتيجة مفادها أن الفكرة الموجودة بين ثنيات النص”كتاب/صورة”، تحمل العديد من الدلالات الفنية والفكرية، التي تدين بشكل أو بآخر نفاق المجتمع وتناقضاته، والأقنعة المتعددة التي يرتديها كل مرة، وأن هناك فئة واسعة من البشر تولد والخيانة مطبوعة فيهم، من أجل ماذا..؟، من أجل منافع ومصالح ضيقة، تبرزها قشور دنيوية، ورغبات شخصية، أقول بأن الفيلم استطاع أن يبرز هذه المفاهيم والتناقضات أكثر من الرواية، رغم أن هذه الأخيرة تضمن تشكيل وجوه وشخصيات معينة في ذهن القرّاء، وتكون بذلك بمثابة المساحة الحرة للتخيل والتشكل الذهني للأشخاص، أما أحداث الفيلم فكانت أكثر شمولية، خاصة وأن صوت الممثلين وأصواتهم وحركاتهم داخل الكادر كانت جسر تواصل بينهم وبين المتلقي، وهي كلها انفعالات عكستها وجوههم وتأثرهم ومعايشتهم لتفاصيل الشخصية، ويعود هذا لتكامل فريق الممثلين والمخرج وقوة القصة، إذ استطاع نجيب محفوظ من خلال روايته هذه أن يجعل المتلقي، قارئ/مشاهد، يخلق تعاطفا شبه كامل وغير مشروط مع سعيد مهران، رغم أن الأخير سارق، وسجين سابق، وقاتل، كما ولّد مساحة احترام كبيرة لنور المومس التي تبيع جسدها وشرفها بالمفهوم الضيق للشرف من وجهة نظر المجتمع، وهنا تكمل البراعة والعبقرية حينما تقنع الآخر بأفكارك وبطرق فهمك للحياة، بكل ما تحمله هذه الكلمة من تجليات لعجلة الزمن والأحداث، بالنسبة لمجتمع متشبث بأسس وعقائد معينة، وديانات مختلفة تدعو فيها إلى قطع يد السارق، وترجم المومس حتى الموت، أي الذهاب إلى النتيجة مباشرة، دون المرور على المعطيات ومسببات الواقعة، بدون البحث عن الظروف التي جعلت من مهران سارقا، ما هي الدوافع التي جعلت من نور بائعة هوى، مع أن العقيدة الدينية تذهب إلى المعطيات لتحقق النتيجة، لفهما العام بأن الكل متكامل ولكل فعل ردة فعل معينة، وهذا ما تعكسه العديد من الأحداث التي مر بها التاريخ الإسلامي، أرجع وأقول بأنه من خلال هذا العمل تم تغيير العديد من المفاهيم والمصطلحات الرنانة، “حول الوفاء، والشرف، والتسامح..”، نور كانت عاهرة لكنها وفية وشريفة “بالمفهوم المطلق للشرف”، نبوية الزوجة التي تعتبر شريكة تحت سماء مؤسسة زوجية تحكمها أسس معينة، لكنها تخون زوجها، عليش الذي فتح له مهران أبواب بيته، وخزانة ملابسه، وأكل من مطبخه، يشي به ويسرق مكانه في الحي والبيت والسرير.
نجيب محفوظ والفئات المقهورة
من هنا يظهر جليا تعاطف نجيب محفوظ مع الفئات المقهورة، وفهمه الجيد لتناقضات المجتمع، الذي يحكم على المظاهر دون الذهاب إلى اللب، ليكون لسان حالهم، يدين وبشدة كل أشكال الأحكام الجاهزة، التي تطلقها مجموعة لا تملك المرجعيات المناسبة، ولا الثقافة المواتية تجيز لها إطلاق الأحكام القاسية، التي تُؤثر بشكل كبير على مصير المحكوم عليهم، وتُدخلهم في شبكة واسعة من الظلم والتهميش، رغم أن واقعهم لا يعكس ولو جزءا بسيطا من هذه الأحداث، التي فُرضت عليهم، من طرف مجتمع وأشخاص وبيئة زمكانية معقدة وغامضة.
أظهر الفيلم/الرواية العديد من الرموز التي تعكسها شخصيات وأحداث العمل، من بينها الشيخ جنيدي الذي يحيل مباشرة إلى المؤسسة الدينية، المحصورة بمفاهيم العفو أشد أنواع الانتقام، والتسامح، وحتمية القضاء والقدر، عليش ونبوية ونور، يعكسون المجتمع وما يحمله من عبثية واختلاف واضح في المفاهيم، وطريقة العيش، وسبله، وانفعالاته، واختلافاته، رؤوف علوان يعكس المؤسسة الرسمية الممثلة في السلطة/ القوة، يميل إلى أي جهة تميل، ويراهن دوما على الحصان الرابح، ويتنصل من الماضي، كي لا يفسد المستقبل، إن كان هذا الماضي مثقلا بالخطايا، كل هذه المعطيات تعكسها شخصية سعيد مهران كمحور أساسي للعمل، ومن خلاله تنطلق الأحداث، وكأن نجيب محفوظ يؤكد على أنها صدرت من بطل يعي ما يفعله جيدا، خاصة وأنه أظهر سعيد كمثقف، يطالع الكتب ويهتم بها، ويعكس هذا الطرح أحد المشاهد التي يطلب فيها سعيد من عليش إرجاع ماله وثيابه ورزم كتبه التي تركها في البيت.
*شاعروناقد سينمائي من الجزائر




