حلم كسير الجناح / قصة قصيرة / عفيفة أم الشيماء *
أنوار تتلألأ، و أخرى تتناوب، لافتات الإشهار تلوك الزّيف في الزّوايا، ذلك الصّوت الأنثويّ النّاعم المنبعث من شتّى الاتّجاهات يزيد المكان أنسا و دفئا، ينبّه المسافرين و يُرشدهم، لا سطوة للّيل على هذه النّقطة من الكون ، الوجوه فيها تحمل رُزمها… للقُربُ هنا حكايا للعاشقين، و للبعد أساطير لـمَدامِعهم، من عشقوا التّراب، و الدّينار، و الكتاب، و الكلاب… عيناه ترقُب الوافدين من مُدرّج الطّائرة القادمة من باريس… يخاطب في سرّه وجه عجوز: أتُراكَ جئتَ تملأ جرّتك أم تُفرغها؟ أم تكسرها؟… زوجان شابّان الفرحُ يرفل حولهما: واضح أنّكما عدتما من المفرّ إلى المقرّ؟… كهلة بزيّ تقليديّ لا تلق للأنظار بالا؛ قصيدة حبّ للوطن… و وجوه أخرى عليها الأفراح كما الهُموم أكْداسا… دقّات قلبه تزداد تسارعا خشية أن لا يأتي….. تراءت له صفحة وجهه من بين الوجوه و لم يكن ليَضِلّ عن ذلك الوجه الذي شهد تبدّلات ملامحه منذ ميلاده إلى غاية عبوره البحر “نَـكِــرَة” منذ عشرة أعوام على متن زورق ليلةَ عيد الفطر و الحرّاس منشغلين بالافطار بدون وثائق و لا تأشيرة سفر كسلعة محرّمة مُهرّبة، و احتمال استحالته إلى طعام للأسماك وارد بقوّة؛ إلاّ أنّ حظّه من نيل المبتغى كان أوفر من خرّيجي الجامعة في عين أهل القرية.
و اجْـتُثّتْ المسافات بينه و بين الفرج في روعه
وهو يراه آت نحوه بالغ في الترحاب به صافحه ،
عانقه، ركبا السّيّارة الصّفراء المهترئة و سار به نحو القرية؛ قرية اشتراكيّة من قرى الثّورة الزّراعيّة من أثر الرّجل هوّاري بومدين توقّفَ فيها الزّمن بُعيدَ الحقبة الاستعماريّة؛ إلاّ تلك الصّحون البيضاء قِشْرٌ ممّا بعد العشريّة السّوداء مُنتصبة فوق الأسطح تكاد تُوقِعها… عند الوصول هَمَّ بوضع شيئ له في كفّه مقابل التّوصيلة، فحلف يمينا أنّه لن يأخذ منه شيئا، و أردفَ: و أين حقّالجيرة؟… و هو يَهمُّ بالتّـرجّل من السّيّارة بادره بحجز أوّل يوم من عطلته قبل انقضاء أيّامها و الدّعوات ما تزال تنتظر التّلبيّة؛ باغته لِـئَلاّ يمنحه الوقت للتفكير، و ربما الرّفض، أو التّأجيل. دعاه إلى مأدبة عشاء في بيته و هو لهُ جار بالجنب؛ ليفاتحه بعد ملء بطنه و توطيد آصرة الـمِلح بينهما في أمر مساعدته لعلاج ابنه خارج الوطن و قد اعتزم ذلك مذ عرف أنّ المرأة التي تزوّجها ممرّضة متقاعدة.
أخرجَ مُدّخراته و لم تفِ، سلّمته زوجُه صُرَيْرَة مدّخراتها من بيع بيض الدّجاج على مضض. ذكّرها يُغريها: … فهذا جارنا قد ساعده العام الماضي في الحصول على وثائق الإقامة و الزّواج من امرأة صديقةٍ لزوجته و الحصول على عمل
ـ قاطعَتْـه: سمعتُ أنها في سنّ أمّه!
ـ و فيما يَضيرُه ذلك؟ ألا ترينَ أنّه بعد عامين؛ ها هو يعود بسيّارة جديدة لم تسع الهدايا التي حملها ليكرِم بها أهله؛ فربطها على أعلاها… درّاجات لأبناء إخوته، و معطف و كرسيّ متحرّك لوالده، و أحذية و قطع قماش حريريّة، و خميليّة، و حقائب مدرسيّة، و كرة قدم حقيقيّة لأخيه الأصغر الذي يحلم بأن يصبح لاعب كرة القدم، و و و… سيساعدُ ابننا على السّفر إلى فرنسا و العلاج هناك و سيبصر النّور كالنّاس، سيلتحق بالمدرسة، سيقرأ، سيكتب بالقلم كما ساعد ابن جارنا.
مُدّتْ المائدة بأصناف الطّعام؛ طبق الكسكس بلحم العجل يتوسّطها، سمك السّلَمن المشوي بالبهارات، لحم طير محمّر ممّا يشتهي الـمَلك، كتف شاة حَـنيذ آذى قُتارها ساكِـنِـي أقصى القرية، سَلطة الأرز بالذّرة و سمك التّونة و المايونيز، خبز بَـيْـتيُّ الصُّنع محسّن بالبيض و الزّيت و الحليب، شربة جَريش القمح بلحم الخروف الفَتِيُّ، و لبن حديث الخَضّ عذبٌ و زبدته البيضاء تطفو على سطحه.ـ. طرقَ المدعو الباب و الكلّ قاعدٌ على موقد من جمر… انتفضوا… نظر إلى عينَـي ولده المشرعتين للظّلام يعتصره الأسى يحرقه قِصرُ يَده: ستُـفْرج قريبا يا ولدي!… هرول نحو الباب ليفتحه. لبّى المهاجر الدّعوة، دخلوا غرفة الضّيوف؛ المدعو، و زوجُها، و ابنها الطّالب بالثّانويّة. استوَوا على فُرشها البالي فيما راحتْ الزّوجة تتنصّتُ، و تراقب من وراء السّتار تُـمسك بذقنها و تُحرّك رأسها المعصوب بخرقة رثّة بحركة شبه دائريّة تتعجّب و تستغرب و تستنكر: أهذا هو “سَــــرَّاق الدّجَاج” الذي كان يتحيّن وقت القيلولة ليتسلّل إلى خِــمَـمَة الجيران لسرقة بيضها؟ و يُبرحه أبوه ضربا بعد أوّل شكوى منهم، ثم يعيد الكَرّة في اليوم الموالي كأن لم يعاقَب قَطّ… أهذا هو الذي كان يعترض طريق بقرة والدي عائدة من المرعى و قد حَشَكَ ضرعها و يَرضَعُه؟ و ها هو يضع قرطا أسودا، و يُـطيل وسط لحيته كفراعنة مصر، و كأنّه ازداد حُـمقا و بَلها بتشقير شَعره و سُـمرة شمس المراعي من عَشيّات الصّيف على وجهه لم تَـمْحها السُّـنون و لا المستحضرات… مازلت أذكر كيف عاد مسرورا يوم عَلِم أنّـه مطرود لرسوبه المتوالي لثلاثة سنوات و ما استطاع تجاوز السّنة الثّانية من التّعليم المتوسّط… و كيف كان ينهال ضربا على أخته التي تكبره بخمس إذ تسترق النّظر إلى الـمّارة بعد صلاة الجمعة من خلال فرجة على الباب و خاصّة إ ن كان بينهم ذلك الذي بَلغهُ أنّ عينُهُ عليها و في النّهاية و رغم ما أدركها من أذى؛ ما تزوّج غيرها، أتساءل كيف يعامل زوجته الآن؟… نظر إلى الأطباق، تفحّصها، تشمّمها، و سأل عن التي لم يعرفها، و ما امتدّتْ يده إليها؛ توجّسوا منه خيفة أن يكون أدرك غايتهم من وراء دعوته، فاعترضَ سبيلها… ما طَعِمَ غير كوب عصير من عرضِ المائدة و طولها، و قام مسرعا يتحجّج بموعد تذكّره لتوّه ادّعى نسيانه تماما قبل تلبية الدّعوة… أمسك بيده عند الباب يُداري رعشته و تَـقَلُّبُ عينيه يفضحه، شحبَ و هو يرى حلمه يجرّ جناحه منسحبا و قال: لم تمسس شيئا! ألم يعجبك طعامنا؟
ـ بالعكس! طعامكم شهيّ، لذيذ، لكنّني لم أعد أتناول مشتقّات الحيوان!
و انصرف “سرّاق الدّجاج” جسداً من هُلام بعد أن عاش بينهم عمرا اسماً من وَحل، و غدا نباتيّا تبعا لزوجته التي تُـحَرّم دخول البروتين الحيواني إلى ثلاّجتها، و ارتحل معه الحلم مُبْـتَـئساَ
*قاصة من الجزائر




