تمهيد:
في جانبه النقدي أنه يهيّئ المرء لأن يصبح ناقداً، فمن أراد أن يلتحق بأهل هذه الصناعة وهو لا يعرف الفصاحة ابتداءً، ولا يقدر على الفرق بين جيد الكلام ورديئه –يستطيع أن يكتسب هذه المعرفة وتلك القدرة عند وقوفه على مبادئ هذا العلم ومعاييره، فتكون حال طالب الفصاحة هنا كحال من لا يتكلم اللغة سليقة فيطلب علم النحو ليعرف وجه الصواب من الخطأ، وحال من ليس له ذوق في موسيقى الشعر فيستعين بعلم العروض للتمييز بين الصحيح والمختلّ في أوزان الشعر. على أن القادر على الفرق بين الحسن والقبيح لا يزال هو أيضاً في حاجة إلى علم الفصاحة وإن بدا انه مستغنٍ عنها. هذا الصنف من المتأدّبين يعرف الجيد من الرديء وليس كالطائفة السابقة التي تجهل ذلك، ولهذا فإن وجه انتفاع هذا الصنف بمبادئ الفصاحة يختلف عن وجه انتفاع تلك الطائفة بها. فائدة علم الفصاحة هنا ليست في تربية القدرة على التفريق بين الحسن والقبيح، فهذه القدرة موجودة عند المتعلم أصلاً، ولكنه لا يستطيع تعليل أحكامه فتظل تلك الأحكام مجرد انطباعات لا يقوى على توضيحها، وتكون بمنزلة الدعوى التي لا تستند إلى دليل. هذا المتعلم تكوّن لديه بطول صحبته للنصوص الأدبية ومخالطته أهل الأدب حسٌّ أدبي جعله قادراً على أن يستحسن ويستقبح، ولكن دون أن يرجع في ذلك إلى أصول مقرّرة يعرف معها لِمَ استحسن ما استحسن أو استرذل ما استرذل. وهنا يأتي علم الفصاحة بمبادئه ومعاييره لكي يضع لذلك الحسّ الأدبي إطاراً منهجياً، إذا جاز التعبير، أو أسساً نظرية للاستحسان أو عدمه[1].
ما يقدّمه علم الفصاحة لمن لا يميّز الجيد من الرديء شبيه كما رأينا بما يقدمه علم النحو لمن لا سليقة له، والعروض لمن ليس له ذوق في موسيقى الشعر، وأما من يعرف الحسن من القبيح فإن علم الفصاحة يقوم عنده مقام النحو لصاحب السليقة اللغوية والعروض لمن له ذوق في موسيقى الشعر في أن كل علم منها ليس من غرضه أن يوجد في متعلّمه ما هو موجود فيه قبلاً، بل المراد تمكينه من التعليل والتفسير والاستدلال، وأن ينقل معرفته من كونها مبنيّة على مجرّد الطبع أو الذوق إلى أن تصبح معرفة منهجية اصطلاحية. وقد يحسن بنا أن نورد كلام ابن سنان –على طوله- لما فيه من جدّة وطرافة، يقول:”منزلة هذا الكتاب لمن لا يعرف البلاغة وطلاوة الكلام منزلة العروض لمن لا ذوق له يميّز به بين صحيح النظم وفاسده، والنحو لمن لا يُعرِب طبعاً وعادة، وإنما يتكلّف ويتصنّع… فأما من يفرق بين الكلام المختار وغيره، فإنه –وإن كان غير مفتقر إلى كتابي هذا كافتقار العاري من هذه الصناعة، الراغب في اقتباسها- فهو محتاج إليه من وجه آخر، منزلته أيضاً منزلة العروض والنحو لصاحبي الذوق والطبع؛ لأن العالم بالفصاحة إذا قطع على فصاحة بيت من قصيدة أو فصل من رسالة أو كلمة أو ما أشبه ذلك، وفضّله على غيره، لم يمكنه أن يبيّن من أين حكم،ولا لأيّ وجه فضّل، بل إنما يفزع إلى مجرد دعواه ومحض قوله. فإذا عرف ما بيّنته وفصّلته في هذا الكتاب علّل واستدلّ، وذكر الوجوه والأسباب، كما أن العارف صحيح النظم بذوقه والمُعرِب بطبعه وعادته إذا وقف على علم العروض والنحو علّل في البيت الموزون والكلمة المعربة وقال: هذا إنما كان صحيح الوزن لأنه من الدائرة الفلانية والبحر الفلاني، وضربه كذا، وعروضه كذا، وعدد أجزائه كذا، وذكر ما يحسن فيه من الزحاف ويقبح، وفصّل ما يفصّله العروضيون، وقال في الكلمة المعربة: إنما كانت مثلاً مرفوعة لأنها فاعلة، والفاعل في كلام العرب مرفوع، وما يجري هذا المجرى، وعلى مثل هذا النحو يقول في الفاسد الذي ينفر منه ذوقه أو يكرهه طبعه، ويعلّله على حدّ هذا التعليل الذي ذكرته” [2]
2- أسئلة البلاغة التعليمية:
إن ثمّة سؤالاً لا مفرّ من مواجهته عند الحديث عن الغرض التعليمي (إنشائياً كان أو نقدياً) من علم الفصاحة: هل يمكن تعليم الفصاحة؟ والجواب عن هذا السؤال هو في حد ذاته جواب عن مسألة أخرى وهي جدوى تعليم الفصاحة؛ فالفائدة إنما تكون في تعليم ما يمكن تعلّمه واكتسابه. ولا بدّ لنا من أن نقسم حديثنا هنا قسمين يتناول كل منهما واحداً من غرضي هذا العلم: النقدي والإنشائي. وقد ذكرنا أن ابن سنان خصّ الجانب النقدي بعنايته واهتمامه، وتحدث في شيء من التفصيل عن وجه الفائدة من علم الفصاحة من هذه الناحية. ومن حديثه هذا يمكن استخلاص رأيه في إمكانية تعليم فن النقد، إذ إنه لم يخض في هذه المسألة على نحو مباشر.[3]
ليس في كلام ابن سنان ما يدلّ على أنه يشترط توافر صفات بعينها كالذوق أو الموهبة فيمن أراد أن يكون ناقداً، بل المفهوم من سياق كلامه أن باب النقد مفتوح لكل متأدّب؛ فأيّما امرئ وقف على الأصول والمبادئ التي تضمّنها كتاب “سرّ الفصاحة” وفهمها وأحسن تطبيقها يمكن أن يصبح ناقداً، ولسان حاله يقول(إذا استعرنا ما علّق به أحدهم على كتاب ماثيو آرنولد “مقالات في النقد”): لا عذر لأحد بعد قراءة هذا الكتاب في ألا يكون ناقداً. صناعة النقد إذاً لا تحتاج إلى قدرات خاصة توجد عند بعض الناس دون غيرهم، وإنما هي علم يُكتسب اكتساباً، وهي في متناول الإنسان العادي الذي لديه حظّ مقبول من الذكاء والفطنة، ولديه رغبة في تحصيل هذا العلم، وهمّة تدفعه إلى الوقوف على أسراره ودقائقه.
كلامنا هذا يصدق على نحوٍ لا يُحوج إلى مزيد من الشرح والبيان على الطائفة الأولى من متعلّمي النقد: أولئك الذين يجهلون الفرق بين مختار الكلام ومطّرحه؛ فإن قدرتهم على النقد مكتسبة أولاً وأخيراً من علم الفصاحة الذي استحال به عجزهم إمكاناً ولولاه ما استطاعوا التمييز بين الجيد والرديء. والأمر بالنسبة إلى الصنف الآخر من المتعلمين، أي الذين لديهم ما سميناه حسّاً أدبيّاً في التفريق بين الحسن والقبيح – قد يشكل بعض الإشكال، وبخاصة أن ابن سنان يقيس هؤلاء على أصحاب السليقة اللغوية وعلى من لهم طبع في موسيقى الشعر وأوزانه، مما قد يوحي بقدرة فطرية لا مكتسبة. وحقيقة الأمر أن هذا الحس الأدبي في مذهب ابن سنان يكتسبه صاحبه بالدربة والتعلّم، فهو “إنما حصل له ذلك بالمخالطة والمناشدة وتأمّل الأشعار الكثيرة والكلام المؤلّف على طول الوقت وتراخي الأزمنة” [4] وجدير بالملاحظة ههنا أن ابن سنان –فيما يبدو- يختار ألفاظه بعناية في هذا السياق؛ ففي حين أنه يكرّر الحديث عن المُعرِب “طبعاً” ومن له “ذوق” في موسيقى الشعر، فإنه حريص على الإشارة إلى “العالم بالفصاحة”، و “من له بها معرفة وسابق علم”، أو “له بها دربة“، وكلّها عبارات تدلّ على علم حادث مستأنف لا على صفة فطرية متأصّلة.
هب الحس الأدبي هذا ذوقاً فطرياً، فإن المطلوب من علم الفصاحة عندئذٍ أن يقدّم لمن لديه ذلك الحس معرفة نظرية اصطلاحية لا أن يوجد الحس نفسه، وهذه المعرفة يمكن تحصيلها كسائر العلوم والمعارف، وبذلك يظلّ تعليم صناعة النقد بالقدر الذي يحتاج إليه هذا الصنف من المتعلمين أمراً ممكناً ومجدياً، حتى لو كان هذا الحس الأدبي عائداً إلى الفطرة والطبيعة، وهو عند ابن سنان ليس كذلك. النقد عنده صناعة يتقنها المرء بمعرفته صفات الجودة والرداءة في الكلام، ويأتي ذلك بالخبرة والممارسة، أو بالوقوف على مبادئ علم الفصاحة، أو بهما معاً. فإذا قسنا الأمر على صناعة النجارة مثلاً، كما يفعل ابن سنان وغيره ، قلنا: قد يتعلّم الفتى النجارة بالممارسة وملازمة أهلها، وقد يتعلمها في مدرسة مهنية، وقد يجمع بين الأمرين كليهما بأن يتعلمها بالممارسة ثم ينتظم في مدرسة يتعلم فيها هذه المهنة وأصولها على نحوٍ منهجي.
[1]ابن سنان الخفاجي: ص65.
[2] ابن سنان الخفاجي، ص96،97.
[3]، محمد العمري، البلاغة الجديدة، ص241.
[4]ابن سنان الخفاجي، ص39.
*كاتب وباحث من الجزائر




