رشفات / قصة قصيرة / عفيفة أم الشيماء*
بواسطة مسارب بتاريخ 18 مايو, 2014 في 03:59 صباح | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1450.

حملتْ كوب منقوع البردقوش الدّافئ ما إن فرغتْ من الصلاة، صعدتْ به إلى سطح البيت، و اللّيل تجرّه عقاربه إلى المنتصف. إتّكأت على سوره تتأمّل الأضواء المترامية هنا و هناك، و حتّى المتحرّكة على مرآى العين على الطّريق السّيّار. انسابتْ أصابع ريح رقيقة تَحمل خصلات شعرها، تتخلّلُها، تَرفعها ثمّ تعيدها مكانها.. مسحتْ ببصرها المناظر التي يُطلّ عليها السّطح من الجهات الخمس. ما أوسعك أيّها الكون!…أفردتْ ذراعيها… أغمضتْ عينيها.. استنشقتْ الهواء بعمق متزايد… انتفضتْ ؛ ملابسها لم تكن كافية لصدّ دغدغة برد ليالي الرّبيع النّاعم، فصل مولدها… تلملمتْ على بعضها، استيقظت ندوب جراح تنام على حافّة قلبها… ضمّت كوب المنقوع الدّافئ إلى صدرها، مسحتْ عليه بكفّيها مسحا خفيفا، و حبّ البردقوش وليد حُبّ آخر علّمها كيف العودة من حدود الموت. رفعت رأسها تخاطب النّجوم و وجه القمر نصفٌ لم يكتمل… أيّها الفرح لطالما استثنيتني!.. فمرّ بخاطرها محطّات حياتها من ليلة ميلادها كما ردّدتها على مسمعها والدتها مرارا، و تفاصيلها، إلى سقوطها من على شجرة التّين، إلى أوّل يوم في المدرسة، و حين أصابتها حجرة طائشة و هي في جمع من عشرات النّساء، إلى أيام الجامعة الرّائعة، مرورا بأيام النّكبة بعد زواجها، و لحظاتها الأولى بعد أن دخلت عالم الأمومة، إلى اللّيالي الباردة الجّافة، و سنين الجمر، و القحط، و حروبا حامية الوطيس؛ خاضتها لِافْـتِكاك حريّتها من بين مخالب جلاّدها ، وكلّ الوجوه الطّيّبة التي أخذت بيدها، و الأحضان الدّافئة التي ضمّتها، و مشروعها الذي سطّرته، و أيّام جدّتها الأخيرة بين يديها، و اختلاس الوقت لأخذ دروس في الطّب البديل، و أجمل المحطّات، العودة إلى عشقها الأوّل، القلم الذي فارقتْ بينها و بينه ظروف، و أسماء ما كان لها عليها من سلطان غَصْبا، و نِكاية. ابتسمتْ… قطّبت حاجبيها… زمّت شفتيها… عضّت على السفلى منها… ارتسمت الدّهشة، و الاستغراب على ملامحها.. مرّرت أناملها على خدّها تتحسّس مجرى الدّمع عليه، زفرتْ .. تنهّدتْ… ارتشفتْ الرّشفة الأولى من منقوعها الدّافئ… رمت ببصرها بعيدا وراء الأضواء حيث لا سلطة إلاّ للظّلام الزّاحف عبر سَعَة الأفق، سواد حالك يحمل وجه المجهول، و جه الخوف، و الرّعب، و أسئلة لم تحصل على ردّ أبدا.. ـ ما عدتُ صَبيّة طَريّةً أخشاك… أيّها الظّلام! ها أنت هناك، و ها أنا ذي هنا أقفُ، تعلمْت منك ما اتخذتُه تِرسا يردّ قبضتك… مَدّتْ بصرها تلقاء اليمين على مقربة من حيّها حيث بُقعة العتمة تجمّعت على مساحة واسعة يتخلّلها قليل من مصابيح السّكان، أشجار السّرْو التي تحيط ببساتين أشجار الفاكهة و تفصل بينها، كثيرا ما عبرتْ بساتينا كتلك لتصل إلى بستان جدّها.. ـ رحمك الله يا جدّي!.. أنت هناك على حال منذ خمسة و ثلاثين عاما، و أنا هنا مرّتْ بيَ أحوال، و مَرَرْتُ بأحوال، فامتثل طيفه بين يديها، فارع القامة محدودب الظّهر، بقلنسوته البيضاء يبتسم، أخرج ساعتة ثمّ أعادها و سلسلتها الطّويلة المتدلّية من ثقب الزر إلى فتحة جيب صَدريتة.. ـ أتَذْكرُ يا جدّي حين كنتُ أحملُ لك غداءك إلى البستان، و نُمضي القيلولة على العِرزال نراقب الحقول الشّاسعة؟ 
ـ أتذكرُ يا جدّي حين كنتَ تُدْخِلني تحت “قَشّابِيَتك” البيضاء و أطِلُّ بوجهي من فتحتها البَطْنيّة، و نجلس ما بعد الضّحى على الصّخرة الصّفراء بجانب البوّابة نتتبّع جهة الشّمس أيّام فصل الشتاء ؟، كنت أراقبكَ بشغف، و أنت تُـقشّر حبّة البرتقال، أحبّها حين تجعلها ملساء كأنّها أخذتْ حمّاما لتوّها.
ـ أتذكرُ حين كنتَ تطلب منّي أن أناولك إبريق الوضوء؟
ـ أتذكُرُ حين كنتَ تنادي عليّ لأساعدك على رفع ساقيك إلى السّرير حين تتورّمان؟ و لا قدرة لك على ذلك، كم تظاهرتُ أنا بالخوف منك حين كنتَ تتظاهر أنتَ أنّك تهمّ بالوقوف، و تهشّ عليّ بعصاك للنيل منّي حين لا ألبّي لك نداء لانشغالي بدميتي أو بشيء ظننتُه أهمّ من تلبية ندائك!… لا أذكر أّنّي أخبرتك كم أحبّك، لم أكن أُظْهر طاعة أكبر لكنّني أحببتك أكثر. ما زلتُ أذكر ليلة إقامة عزائك كأنّها بالأمس كانت، ليلَتها وجدتني أمّي في ركن المطبخ أبكي و شيء لم أعرف كيف أسمّيه، و لا كيف أصفه، لم أكن قد اختبرته من قبل يضغط على عنقي، و يخنقني، و اكتفيتُ بالردّ عليها حين سألتْني ما بيَ إفصاحا عن رغبتي لحظتها: أريد أن أموت كما مات جدّي، و مددتّ يدي إلى عنقي شددْت عليه أخنقه، و أنا ابنة ثمان، و رصيدي المعرفيّ بالموت صفر، سوى صورة جارنا الشّابّ حين هلكت والدته؛ قاوم حلقة من النّساء و هنّ يحاولن منعه من رؤية الرّجال و هم يخرجون النّعش، ثمّ انفلتَ و انطلق كالسّهم خلف الشّاحنة يُعول بحرقة: لا تتركيني يا أمّي!، تمرّغ في التّراب حين لم يتمكّن من اللّحاق بالنّعش، ثمّ سقط مغشيّا عليه، كانت تلك أوّل مرّة أرى الموت يمرّ بالجوار، و رغم ما مضى من عمري ما زلت أذكر مشيتكَ، و ضحكتك، و صوتك، و غضبتك، و كلّ التّفاصيل التّي أحببتها فيك.. تناولتْ رشفة ثانية من المنقوع الدّافئ. ألقت ببصرها تلقاء اليسار حيث سلسلة من الجبال الممتدّة الحُجور القابعة على خطّ الأفق. ـ كم من العقبات كابدتُ؟ ـ و كم من المنحدرات نزلتُ؟ و ليس النّزول بأسهل من الصّعود الذي يستدعي الصبر و الحذر و إلاّ فسقطة على القفى قد تكون القاضية، أمّا الأوّل فبغياب التّأنّي و المقاربة بين الخطو، لا مناص من كَبّة على الوجه تُفقدُه محاسنه… حتّى أنتِ أيّتها الشّامخة لم تسلمي من نحت الأيّام!، أوقِـنُ أنّك ذاتَ دَهْر كنتِ مُسنّنة القمم، متمنّعة، ها أنت حانِية الأعالي مهذّبة المسالك، و لم تسلم منكِ بقعة.. ارتشفتْ رشفة ثالثة من المنقوع الدّافئ، و هي تستعذب طعم البردقوش لمحتْ سوادا على الطّريق المحاذي للحيّ، امرأة رفقة طفل ما تجاوز طوله كتفها.. ـ أيّ حاجة أخرجتكِ في هذا الوقت يا امرأة؟، كم قصّة وراءك؟، ما بال طفل صغير برفقتك ؟ أين غاب الرّجل الذي يحميك؟، فلو نبح عليكما كلب ضّال

لنال منكما!، أحقّا كنتُ ذات عُمُر أشْبهكِ يا امرأةً؟.. ارتشفتْ رشفة أخرى من منقوعها الدّافئ، عادت إلى غرفتها، أوتْ إلى سريرها النّاعم في انتظار يوم حافل تتوقّع فيه الكثير من المسرّات بعد بزوغ شمس الغد.

 

*قاصة من الجزائر


 

اترك تعليقا