وهاأنا إليك لأرصع جبينك بفيروز الشوق والتطواف في معبد حسنك بسر البقيع وشرفك في العالمين فبما تراه عاد لها هاته الأنثى القصيدة ، الأنثى المرأة ، الأنثى الوطن ، بعد أن حمل عبق الشام هذا الجوهري ؟
و الشام يا شام هل تذكر النسبا؟
يطير بي في المدى شوقي و يحملني
إلى منازل ليلى كي أرى العربا
كما قالها أحد الأخضرين
هل تشذاه الزعتر هناك و الريحان ، و الشام آسرة أخاذة فاتنة ؟ أم تراه أخذ قبضة دحنون ليعود مضمخا بالحب نحو الوطن؟
يأتي عز الدين جوهري و في القلب حنين ليعلن عن ميلاد ديوانه : في شؤون النار و الأهوال ، و الذي سيصدر له قريبا حاملا اثنى عشر وشما لجبين الوطن ،
و تطرقي إلى هاته المجموعة الشعرية لن يصب في خانة النقد أكيد فلا هو بتخصصي و لا أنا بممتلك زمامه ، و لكنها إطلالة انطباعية أمام هاجس و لغة المجموعة ، و التي يستهلها بمناداة إمام الشعر بأن الأرض لن تفلت من قصائده:
رحماك تضمنا إلى جمرتك الأولى و مشاقك الأول عند سجدة الصباح ..فلمن أشكو الوطن للوطن؟
أتراه أتانا يمارس البوح بألم ليتساءل في قصائده: ماذا يحدث للإنسان ؟ أين الرؤية ؟ هل علينا الإنجذاب لداخلنا أم ترانا كذلك من حيث لا ندري و نخالنا توزعنا المدى؟
بصدق صادم يعود للماضي مستحضرا فالحال لا يبارح:
التي من الجدول وشت لي بسر القبائل و الملوك و نوحا
و الطوفان الوشيك.
فهو في قصيده =فلم الولد لا يشبه أباه؟= يغرق في الماضي بينما تتماهى اللغة باحثة لها عن تخريج جديد:
كما الساهر على ارتفاع الجفن ينتظرني
فيما تنظر إليه اليد تحتار
في الشهقة المغروسة في جذر النخل و الطلع النضيد.
فهل ترانا أمام نيرون لكنه الذي يريد تحرير الإنسان من الإنسان؟:
لأعري الجلد من خلاياه المحشوة بالرمل و البارود
و يحلب اللفظ و المعنى من ضرع آخر يتلاعب فيه بالمنادى فيروح ينادي المخاطب بأشيائه التي ترتبط به ، بل تسخير كل منادى لأجلها في استناد جلي للقرآن الكريم ، فيقول في قصيدته=أرض تحلب سماء=:
يا لسريرها تئن ضلوعه
يالي بها أتوكأ عليك
و أهش بك و بي على ملامحي التي زينتها عروسة البحر
يا لعصاك التي قالت لهم:
و لي فيكم و بكم مآرب أخرى.
و هو في أكثر من موضع يستند إلى القرآن الكريم : أم عبست_المؤلفة قلوبهم_القيامة_و كان القميص من دبر_الزرابي المبثوثة_و نفخ في الصور_الثلاثة الذين في الكهف_ثمود و عاد_
مثلما هو عليه الحال في استحضار التاريخ و استثمار شخوصه و أحداثه في القصيد:
كما تأتي الفرنجة على غرناطة و الكوفة و البصرة-كما البريق من أزمنة الزرقاء و حفيداتها-مشين على النمارق-سرقوا النار من نيرون-صك الغفران-
بل يوقظ المتنبي ثم يعرج :
ديكه الجن يناديه فرزدق المعنى
من البعيث جاءته ريحه الصرصر
و يفرد للقدس قصيدا فالقضية تسكنه :
و ما يخرج عن اسمنا الذي مشى على رمشه
أربعين سنة من النوم باتجاه الأقصى المبارك
كما القبة التي تصرخ كلما صاح ديك يافا اهتزت و ربت.
ليلقي باللوم على زمن التخاذل:
يانذرها فيما تباطنا من الخطو تجاهها
….
يطوينا في آنية الحكايا الطويلة البال
فما بالك يا قدس
تكونين صاحبة القيامة و سيدة المجيء.
و قد ربت في أكثر من موضع على أبي الأسود الدؤلي في تسخير النحو لخلق مشاهد متتالية كما في غزالة داسها الظل:
ضرب يداه الحجر الضفة ، النهر يرتفع متر ماء
فجاء الحجر مرفوعا كما في :
الذي أراني كيف أرضا تحلب سماء
ثم أرض تحلب سماء.
لكن عز الدين جوهري و قد أصابه الإحباط كما في قول نزار : لا تسافر بجواز عربي ، سيركل الأشياء و اللاأشياء ، فالكل راكل و مركول أو ليس:
الليل ركلة البياض إلى السواد
النهار رفسة جبل على ظله
….
اركل النبع نحو الجدول الذي باتجاه الضفة الغربية من النهر
فحينما يعيد تشكيل المشهد الذي أصبح فيه شعر الغابة معركشا و أصبحت الغابة العوراء التي بعين واحدة سينتقل بالركل أيضا من قصيده غزالة داسها الظل إلى قصيدته العنوان الوسم للمجموعة ليقول:
بلا قلوب نركل المعنى نحو اللامعنى.
فالزمن أصابه الوباء و الإنسان و الترنيمة لم تعد عذراء:
يتناسلون بلا معنى
الذين ليس منهم يضيء
كما البريق من أزمنة الزرقاء و حفيداتها.
فنحن وباء التاريخ و عاره ، يقول بمرارة البوح:
كما الوباء الذي يجتاح سيرتنا القادمة
…
نحو الخلف الذي لا أمام له سوى الخلف دائما
…
نحن مالا يجر و لا يرفع و مالا يعرب و مالا يبنى.
و هي قمة الإحباط و التبرم من الحال كما في و سقط القمر في الوحل:
و صدر مقصوف بالضحكة الصفراء و جداتها
منذ (عرب الصابون) و الرغوة و الفقاعة.
فهل يكون الجوهري نفسه المخاطب بأمر الإستيقاظ من سبات بعد أن ترك القمح في سنابله لسنوات عجاف و غير عجاف:
يا خطاه التي قالت له:
سر إلي بهم
بهم سر إليك و بك شددت وثاقي
بعروة الوقت و الضحى الذي خطوه كالملاك
في النوم يستفيق الهمس.
فهل تأتى له بالإشتغال على اللغة لتجاوز المألوف أن يسمع المؤلفة قلوبهم نحو الخراب؟
لقد اشتد بالشاعر لهيب الوطن و كان يكفيه التجوال و الترحال في ربوعه و ما أوسعها ، لكن ما أضيق البسيطة على الإنسان و هو يحمل التساؤولات الوجودية ، و قديما قال الشاعر:
إذا وجدت لهيب الحب في كبدي
أقبلت نحو سقاء القوم أبترد
هبني بردت ببرد الماء ظاهره
فمن لنار الأحشاء تتقد؟
*قاص من الجزائر



