{ومن كل الأوجه التكرار هو الخرق} جيل دولوز -الاختلاف والتكرار
إن تجربة الأمين الزاوي عرفت خطًّا جماليا اعتمد على ميكانيزمات سردية واضحة لتأسيس خط روائي متفردٍّ ، حيث نلاحظ تصالحا تيميا مع المسار العام لتوجه الكاتب؛ وهو توجه بدأه من لحظة بداية فعل الكتابة ومنه مساره السردي، و قد يبدو للبعض أن الزاوي يعتمد دائما الخروج عن المألوف من نتيجة للتحفيز الجنسي ولكنه ليس جنسا منمطا بل يتخذ كل مرة صورة ما فهو وحدات تمثيلية ليس المقصود منها الظاهرة ذاتها و إنما تفتيت الوحدة البنيوية لأشكال التناقض لسردية الحياة ككل .وهو هنا ينطق الواقع و يفضح المسكوت و يحاول أن يجعل من الرواية يلتمارس دورها الحضاري في تطهير المتلقي أو الجمهور ، وبالتالي فضح البنيات التراكيبية بين وحدة الفضيلة التي يدعيها المجتمع ووحدة الممارسة الداخلية للفضيحة باعتبارها نسقا تحتيا ينم عن انشطار داخلي بين الادعاء و الممارسة .
فالجنس في تصوري يكون عند الزاوي ليخترق تيمة الإجتماعي و السياسي و الثقافي من خلال عملية تفجير المكبوت إنه فتح للذرائع القصوي من اجل أن نصل إلى حالة الصراحة المطلقة و لا تكون هذه اللحظة المشهدية إلا بتقديم قربان الاعتراف عن الخطايا الاجتماعية الكبري التي تقود المجتمع إلة مذبحة جماعية يسود فيها الازدواج و تعدد الوجوه و الفساد و انهيار منظومة القيم ، فالرواية إذا تعمل على فضح هذه السلوكيات و النهيارات المضاعفة بين بني داخلية و بني خارجية لا تعكس القناعات الحقيقية لسردية الحياة .
تلح رواية”الأمين الزاوي” على عبور عادات الجسد مرة أخرى وفق تقنية التكرار، الذي يتجاوز العادة والقانون، التي تصغها اللوازم المعروفة في القصيدة الشعرية ،أو ما تخطه عبارة المكرور الصوفي ، أو الحالة الإنشائية لفكرة العود الأبدي ، انها عبارة تعبر جسورا متلاحقة من المختلف ،عبارة عابرة للمعنى ،نحو الفائض المعنمي كل مرة.. عابرة لجسد أبله شكلا لنقد آخر مثقل بأوضاعه وهواجسه اللاهوتية والتباساته الميتافيزيقية حيث يجد الراوي “ايديولوجيا التكرار” ليعبر عنه مضمون شاعري ظاهريا، متهالك داخليا، حيث تتجلى صناعة “السيمولاكر” أو الإيهام القصصي القابع في مخيلة الجماعة عن حوريات الجنّة ؛المصنوعة من عالم لا يفيض منه الحد ،الوجه، والرسم و الاسم الى عالم دنيوي يتسم فيه الحكُي بالتكرار لترتسم معالم الحد والوجه والصفة والنوع واللون حيث الحركة السردية تتجه نحو :
“ثلاث أخوات شقراوات فرنسيات لأم واحدة وأبوين مختلفين يعتنقن الإسلام ويبحثن عن أزواج يرغبن في الاقتران بهم على سنة الله و رسوله محمد صلى الله عليه الصلاة و السلام”
هذه الدرجة الصفر التي يتساوى فيها زمن القصة مع زمن الخطاب،تعبر عن شعرية متفردة متمرسة في صناعة الحكي ، سلك فيها الزاوي طريقا متميزا وفق تصريح هنري ميشنيوك حين يقول (le style est donc un choix individuel ) « page30 »
و جمالية الرواية تكمن في هذه السردية التكرارية لمقطع “ثلاثة أخوات شقراوات فرنسيات لأم واحدة وأبوين مختلفين يعتنقن الإسلام” .
هذا المقطع التكراري شكل إغراء أسلوبيا في نصّ الرواية، و شكل كذلك ملمحا تحفيزيا للحكاية حيث كلما تكرر المقطع يخوض الراوي في الحديث عن قصة جديدة ،وكأن الرواية تمضي في شكل تتابعي مقطعي
- تكرار المقطع =>ثلاثة أخوات شقراوات فرنسيات لأم واحدة وأبوين مختلفين يعتنقن الإسلام .
حكاية -1-
- تكرار المقطع = المقطع نفسه.
حكاية-2-
- تكرار المقطع = المقطع نفسه.
حكاية -3-
- تكرار المقطع
الاسترجاع الكلي للحكاية.
ولو دققنا النظر سنجد أن المقطع التكراري شكل نواة أو وحدة سردية أولى دارت عليها التكرارات المختلفة، و النواة هذه يسميها غريماس بالوحدة النووية للحكي، أما التكرارات فيسميها بالتكرارات أي ‘’ أو “ les sémemiques”وعموما بالمقاطع التكرارية ترد هنا في شكل انحراف تيمي ،حيث كلما تكرر المقطع وجدنا الراوي يحكي قصة مختلفة متعلقة بالأولى عند جهة المعنى لكن الشكل منفصلة تماما على المقطع الأول و الرواية تحمل داخلها غرائبية محتملة على التأويل حيث تتداخل مع طريقة القص التاريخي الذي تزخر به الروايات القديمة، و خصوصا مروايات المجالس التي تتحدث بحماسة زائدة و انبهار مضاعف عن التوبة ،و دخول العشرات من الروم و الفرس في دين الله أفواجا، و هو أدب عرف مع الفتوحات الإسلامية و الحروب الصليبية حيث اتسعت الرقعة الإسلامية و أخذت الشعوب الأجنبية ترد على الدين الحاجة؛ إما لحاجة وجودية وإما لقناعة نفسية ، وهذا مايرسخه السبَّك العام للرواية حيث نجد أن عنوانها يشبه كثيرا السياسة اللغوية القديمة لعصور الضعف التي تعتمد المط والسجع ودليلا على الفصاحة والتمكن “حادي التيوس أو فتنة النفوس لعذارى النصارى والمجوس “.
العنوان بحمله توليفا ايديولوجيا غاية في الإبداعية والتفرد ،فهو يحمله متعاليا نصا ثيوقراطي أساسا للامم التي تزاحمت على الملة الجديدة ،وفي ذات الوقت يحمله ترهينا جديدا لمسألة دخول الأقوام الأخرى في الإسلام من خلال معضد غير لغوي وهو الصورة الممثلة لغلاف الرواية، والتي ظهرت عليها أرجل النساء لكنها أرجل معاصرة وليست قديمة ،مكشوفة وليست متحجوبة ، إنها تمكن للعلاقة الأرضية التي تضربها الأرجل لكونها تقع في مباشرة مهمةمعقيمة الارض دلالة على الانتقالية من أرض النصارى إلى أرض الإسلام ، الأرجل تحيل إلى دلالة جغرافية؛ عن رحلة الحكاية أو عن التثاقف الحاصل بين الأديان، حيث تمثل الرواية من هذا الباب نوعا من التلاقي الحضاري .
وهو تلاقي على مستوى الأشخاص بين المسلم والنصراني،لكن فوق جغرافيا متنقلة، تمثل فقها تقليديا تسميه دار الكفر ودار الإسلام المعروفة أساسا في تراثنا الفقهي التقليدي ،وعنوان الرواية يسبح في شكل يحيلنا الى عنوان لكتاب ابن القيم الجوزي “حادي الارواح الى بلاد الافراح”وعليه فرواية عند البداية تجري الى لعبة معينة ورؤية عميقة للعالم المنظور والذي يشتغل عليها الكاتب أمين الزاوي في طول مشروعه المتميز المتميز، انطلاقا من علاج مسائل الثلاقي الحضاري او التثاقف الذي تروج له رواياته ،وهي موضة مهمة تحاول أن تفك القيود من الخلاف التاريخي للأديان في جنوب حوض البحر المتوسط ،بل ومسألة باتت أكثر من ضرورية في فتح الذرائع الكبرى لسوء الفهم الذي جرته السياسة العالمية في تدجين إنسان جنوب البحر المتوسط بقيم جديدة تخالف تماما أنساق التعايش حفلت بها هذه المنطقة ولعل رواية الاستاذ ” يهودي تمنطيط الأخير”على هذه المسألة بشكل لافت وقوي .
فتح المسائل في تعايش الاديان وحواريتها مسألة مغلوطة أساسا من جهة المبدأ لان الأديان في جغرافيتها كانت متعايشة أصلا لكن تكريس النموذج الأوحد للدين على مستوى المؤسسة الرسمية او السلطة بمفهومها العام همش بعض الثقافات واستبعدها وقام بإزاحة خطيرة تاريخية لها انجر عنها فيما بعد أنها أصبحت ثقافة غير مرغوبة وغير مرحب بها على فضاء جغرافي اتسم بالأحادية والهيمنة المركزية خصوصا مع تنامي المد الاسلاموـفوبيا الذي يتصور كل شيء عدى المركز دينا وحياة مجرد خروج عن الملة.
تلك الفحولة/التيوسية/التي نصبت لها وسائلا دعائية خطيرة عن مفهوم الدين الأمثل والأكمل، وعن الحق المطلق، والحقيقة الكلية ،جعلت كل الثقافات في خانة الإدانة والتجريم وأي محاولة لاعتناق الدين المركزيفي هذه الثقافة سيتم الترويج لها و ابرازه على أنه الصورة الناصعة لهذا التيس الذي يناطح كل التيوس الهزيلة او المريضة على جغرافيا هي أصلا مرتبكة وزلزالية.
ولعل تلك الواجهة الدعائية التي يدعمها التيس/السلطان العربي من خلال “جريدة القروش” والحملة الانتهازية الإعلامية لسلطة ثقافة التيس التي أثارت ضجة عارمة حين أعلنت ثلاثة أخوات شقروات عن اعتناقهن الإسلام ،عن دخولها في ثقافة التيس.
هذه الرمزية شديدة الإلحاح، وقفت على التناقضات الداخلية والخارجية لتلك المشاهد أو الصور التركيبة لثقافة تبتهج كثيرا لمثل هذه النماذج المعزولة عند اعتناق الإسلام، وهو إحساس مرضي جماعي وليس فردي لذلك المنطق الذي يجر انتصارا رمزيا على الآخر في الواقع كله هزيمة وانتكاس مضاعف بل انتكاس متعدد الأبعاد؛ أخلاقيا وحضاريا وثقافيا، إنه إفلاس حقيقي لخطاب يقوم على تراكيب نماذج الانتصار في سياقات تاريخية تبحث عن تعويض جماعي لمخيال تاريخي مشبع بالانتصار.
نحن ها هنا نقف عند أخطر أعضالنا التاريخية، نحن أمة صنعت مخيالا كبيرا مركبا ومعقدا وأقمنا فيه جدران الاعتصام بالثقافة والآخر حطم كل الأصنام والجدران بما فيها ذلك الجدار الذي أراد أن ينقض فقوضوه وبنو بدلا عنه جدارا تاريخيا يتوقت بزمن العلم لا تاريخيا متخيلا من قصص تركيبية عند التيس الأوحد صاحب الحقد والعصمة.
تبدأ الرواية بسرد استباقي عن المكان الذي ستعلن فيه الفتيات إسلامهن، وهو مسجد بمدينة الغزوات الساحلية، ليرو مشهد إعلان التوبة من قبل الفتيات الشقراوات، هذا المسجد الذي يحمل قصة غريبة حيث يحمل اسمين، اسم بالليل واسم بالنهار، وهو تظهير للصراع الأثني الموجود بين العرب وقبائل المنطقة، حيث ربطه الراوي بصراع إيديولوجي دفين، هذا المكان المسجد الذي يشهد ظاهرة حركية وهي إسلام ثلاث أخوات شقراوات، وهنا تعمل الرواية على فك قصة الأخوات الثلاثة والواجهة الخلفية التي تقف وراء إسلامهن فتبدأ الرواية بشخصية:
–مارتين: صفاتها؛ شقراء، جميلة، متخرجة من الجامعة، متخصصة باللغات الأجنبية، تلك الفتاة التي تدخل في صراع نفسي مع أمها، حيث انفصلت أمها عن أبيها وارتبطت بعلاقة مرضية بعشيقها التونسي البدوي “أسعد الحبيب” الراعي صاحب الناي ، والتي أصبحت تزاحم أمها على عشيقها في دخولها بعلاقة مزدوجة شبقية وعقلية، تلك الفتاة التي بدأت تتعرف على أشيائها من خلال حقدها على أمها التي تخلت عن والدهم قالت: “وكنت أرغب أن تسمع أمي صوت الشبق يأتيها من خلف الجدار غير العازل الذي يفصل غرفتها عن الغرفة الملاصقة لها كنت أتمنى لو أنها تستيقظ قبل إيذان موعد الشبق لتجدني على قمة جبل الاولمب المجنون بين ذراعي عشيقها الذي أحضرته بِنَايِه في فمه من جنوب تونس”. (ص 22).
تلك العلاقة تعبر عن تأزم العلاقة النفسية بين الأم وابنتها أدت إلى تأزم ثقافي ناتج عن طلب غريب، حين طلبت مارتين من التونسي “أسعد الحبيب” تعليمها اللغة العربية، وهو تعبير عن التثاقف اللغوي الذي بات مفروضا على الثقافة المستقبلية، والرواية تحاول تعرية الممارسة السلوكية للعربي المهاجر الذي يقع في تناقض رهيب في سلوكه بين الإدعاء والتبني وهذا من خلال شخص أسعد الحبيب الذي :”لم يكن حبيب ليغادر المسجد إلا ليغرق في سرير أمي او ليضيع في لغتها غير المفهومة”. (ص 22).
ذلك العربي الذي ينقل شذوذه وحرارته وتركيبته المعقدة إلى الآخر، حيث بات يعتدي على أم مارتين بالضرب وهو نوع من الاكتساح الايتيقي لعادات الرجل الشرقي في العشرة، عن السيد المطاع، صاحب الزجر، ولقد تناقلت مجتمعاتنا عادات سيئة عن السلوك العدائي في ممارسة الجنس في مجتمعاتنا العربية التي تبدأ أو تنتهي بضرب المرأة، وهو نوع من أنواع استفراغ الفحولة ليبقى جسد المرأة شاهدا على الفحولة صاحب العصمة .
هذا السلوك جعل مارتين تهجر بيت أمها باتجاه والدها الموسيقي، وهذا نوع من الهروب التاريخي والجغرافي من الهمجية إلى الحضارة، من العنف إلى الاستقرار، من التصحير إلى الجمال.
وهنا تلج القصة نقلة جديدة يتدافع فيها السرد باتجاه “عقدة الكترا” لتصف علاقة كاترين بأبيها، وهي علاقة وصفية من جهة الأم التي كانت تعتقد أن هناك علاقة ما بين كاترين وأبيها.
“في قصة انتشائها لم تكن تقرر في التصريح علانية بأن هناك علاقة مشبوهة وسرية تجمع ما بين أبي و أختي، وتؤكد أن زوجها لم يكن ليتردد في احتضان كاترين بطريقة غريبة ومثيرة، وأنها ولمرات كثيرة فاجأتهما متعانقين شبه عاريين في السرير أو فوق أريكة الصالون”. (ص 25)
هي لم تكن علاقة سريرية بقدر ما كانت ابستيمية قطعت من الفضاء الغربي ليصبح الوالد ممثلا سميائيا عن الرجل الغربي الغارق في كنوز الشرق ولكنه غرق إبداعي حيث كان ولدهم رجلا باحثا في الموسيقى العربية القديمة، والراوي المتنكر بأكثر من ضمير / ولكنه ضمير أنثوي يتسربل في أكثر من قناع لوثة البنات مع أبيهم، حيث مارتين وكاترين وغابرييل كلهن ارتبطن بهذا الميراث الشعري والموسيقى للثقافة العربية، وهي موجهات ليحدد من خلاله الراوي عقدة الارتباط المرجعية في رسالة السرد التي عددها في البداية “ثلاثة أخوات شقراوات ….” حيث تشظت العلاقةبين الأب والأم، فالأم ارتبطت بشاب تونسي وهو ارتباط جسدي جغرافي لا أكثر، والأب ارتبط بامرأة مناضلة قيادية من تنظيم الجبهة الوطنية الفرنسية العنصرية المناهضة للعرب والسود واليهود، وهو ما جعل الوالد إرضاء لرغباته عشيقته التخلص لكل ما له صلة بالثقافة العربية الإسلامية من كتب ومخطوطات ولوحات كالغرافية. (29)، تلك العلاقة المعقدة جعلت الأب ينحدر باتجاه مرضي يفقد حيويته وحركيته للحياة، لأن الفضاء سيتنكف عن العزلة ، والراوي يجعل صوت النضال عند العرب صوتا من الناحية المعرفية فيه الكثير من قيم التسامح والتعايش الذي حاول الأب ترسيخها في البنات اللاتي قررن أن يعدن بناء ذلك التاريخ الجميل من وحي إعادة توظيف العلاقة في شكلها المثالي أو الرسمي. هنا بدأ تأنيث التاريخي و الابستيمي من خلال تحمل البنات هذه التركة “وأعدن اللوحات الكاليغرافية إلى دفء الجدران بعد أن مسخن زجاج إطاراتها، وبدلا من أن نغري والدنا إلى كتبة فقد سقطنا نحن الثلاثة في حب هذه الكتب “
الحكاية تمضي من خلال ضمير “أنا” الذي يعطي انطباعا على الامتلاك والاحتواء وعلى تصور دقيق أن ميراث الأب يخص كل فتاة، تلك الأنوثة التي تحاول تعديل الوضعية السردية، من خلال ضمير “أنا” الذي ينتهي إلى توحد شديد ومُحرج يقف عند حدود الدخول في الثقافة العربية على مستوى روحاني، حيث كان في البداية عقليا ،ثم جسديا ،ليصبح فعلا رومانسيا يبقى عند حدود أسئلة الخلاص، وهي ورطة الثقافة ككل، حين نفتقد إلى الأم كونها المانع أو الحاجب عن التمرُّغ في أحضان الثقافة الآسيوية التي لا تملك القوة بما يكفي للحفاظ على الأمومة الطبيعية. حيث تم الانفصال عن الثقافة الأمومية، لتبدأ علاقة مشبوهة / جسدية، وهي علاقة ناتجة عند حاجة جسدية، تلك العلاقة المزدحمة بالصور والنماذج، و الأوجه و الأطياف هذه العلاقة التي تجتمع عند الأب (عقدة الكترا) التي دخلت الغابة معأبيها المتورم، و الالتباس في الرواية معقد من جهة الأم في جميع تفاصيله، حيث أن كاترين ومارتين أختين من “أب” و”أم” غير أن غابرييل أختهم من أبيهم فالالتقاء يكون فقط على مستوى البنية الذكورية المتورمة أساسا تاريخيا وإيديولوجيا، وهي متورمة من جهة الثقافة ومن جهة الجسد، فهي علاقة فاشلة.
- أم البنتين.
- المناضلة في الحزب.
- أم غبرييل / ماري فرانسوازا تُكن بـ “الزا”- اسمها الحركي في التنظيم.
هذه الأخيرة تركته لترتبط بوجه آخر للثقافة، ارتبطت بعشيق بربري وهو السيد “أمقران” وكان مثقفا تروتسكيا متطرفا، يؤمن بقيمها ليتحول فيما بعد إلى متطرف إسلامي، وتحمل هذه الحكاية إدانة حقيقية لإفلاس القيم الاشتراكية في وجهه التروتسكي الذي خاضته الدولة ما بعد الاستقلال إنها إدانة للمسار، وللتحولات التي حصلت داخلها ردا عنيفا على عقدة الاختيار، والرواية ومن خلال شخوصها التي تبدو أنها تاريخية تحمل وعيا عميقا لإشكالية الاختيارات الكبرى لدولة ما بعد الاستقلال التي حملت موقفا يشبه الانتحار، والرواية تحاول أن تُعرِّي تلك القناعة وذلك التنافر بين الثقافة الاشتراكية والدين، وتم في النهاية تعديل الوضعية السردية التي تعبر عن مأزق انطولوجي الحقيقي لنوعية الاختيارات الكبري:
“بعد أن عاد رب المنزل بثلاثة أشهر أو يزيد قليلا، بدأ أمقران يغير من عاداته، قاطع كتب تروتسكي ودخل في تجربة قراءة القرآن كتاب المسلمين”. (ص 46).
وهي علاقة تعبر عن مأزق حقيقي في القناعة، وعن انقلاب خطير في القيم؛ من الدنيوية الى الأخروية ، وتبلغ تلك العلاقة ذروتها الجسدية حينما أدخل أمقران زوجته المتجلببة لتعبر عن الانتقال من النظرية إلى الاعتقاد,
هذه الطبقة الأولى من الحكاية التي تحكي قصة البنات الثلاثة:كاترين، مارتين، غابرييل، وهو مقطع سردي يهيمن عليه الوصف و الايجاز ،ويمكن أن نسميها وظيفة الافتقار حيث تشكوالبنات الثلاثة إلى قيمة أمومية تحافظ على ركوزهم ، ولكنه ولع جنسي فقط و ليس ثقافي ،إنها حالة تعويض عن افتقار لحاجات الجسد و ليس لحاجة ثقافية وهو تعبير عن متخيل أنضجته الموسيقي العربية عن الرجل العربي صاحب الشبق الأعلى .وعليه فالرواية تمضي وفق الخطاطة التالية
ثلاثة أخوات شقراوات يعلن إسلامهن = الحكاية الإطار
حكاية 1= مارتين
حكاية 2= كاترين
حكاية3= غابرييل .
لتتفرع الحكايات الجزئية عن الوحدات الثلاثة الكبري ؛ حكاية الأم إلزا (ماري فرانسواز)ومنه حكاية عشيقها أمقران ، ثم حكاية الأب لتمضي الحكاية بين عقدتي إلكترا و أوديب . هذين العقدتين التين تعبران عن إرادة الفردية الغربية في اختيار أفعلها ومن ثمة تعبر عن عجز الفردية العربية على تحقيق فاعليتها ، لأنها فردية مستلبة من جهة الإسمية ومن جهة إغراقها في التاريخي ، لذلك ما يزال التاريخ العربي غارقا من جهة الإحالة في الأوصاف و الأسماء ، فهو تاريخ مجهض ومعتقل الإرادة .
……….. يتبع
*روائي وأكاديمي من الجزائر




