
— “الروايةُ العربية ليستْ إلّا راماتٍ منَ الورقِ الأنيق مشحونةً بِتشوّهاتِ المجتمعاتِ العربية”./ أبوالخير عمّاري –
- التحييز والتزمين والتحديث والتشخيص..تلكَ هي البُنى الأربع للمتتالية السردية المسمّاة”رواية”؛أمّا ما دون ذلك فلا وجود للمعمار الروائي ولا حاجة إذن إلى تبديد الورق في المطابع كي لا يساهم كاتبها في الإضرار بالبيئة الطبيعية دون النفع للبيئة الاجتماعية !! أقول هذا للّذين لا يفرّقون بين السرديات ويجعلون معيارَهم الوحيد عددَ الصفحات التي لوّثوها واعتدوا بها على البيئة مستهلكين من خيراتها ثُمّ هم يقيئون رداءاتِهم على طُهر البيئة. وسواءً في الرواية أو غيرها لا يجب أنْ تكتبَ أيّها الكاتب حتّى تجدَ ما تضيف أوّلاً,وتعرفَ كيف تضيف ثانياً؛بذلكَ تكونُ من المحسنين إلى البيئة والمجتمع. وتقديراً منّي كَقارئ بعيداً عن صفتي النقدية؛فَإنّ ثلاثة أرباع الرواية العربية ساهمت في الإضرار بالبيئة والاقتصاد والمجتمع..أكداسُ من الورق في مكبّات الرداءة لا يقرؤها القارئون؛ولو صرفتْ قبل ذلك في محاربة زحف الرمال لكان خيراً للبيئة والمجتمع !! … إنّ من خيبات السرد العربي الراهن وفشله أمام سرديات الآداب الأخرى يمكن حصرها في المتاهات التالية: 1ـ النزوح الإبداعي؛أو الرحلة من الريف إلى المدينة,أيْ مرور شاعر فاشل وبلا تأشيرة إلى الكون السردي الفسيح المركّب ليس معه إلّا بداوة الشعر. 2ـ عدمية المخيال؛حيثُ يفتقد أكثرهم إلى آلية نسج ما هو كائن إلى ما يجب أنْ يكون ورصد المتوقّع في بنية المتخيّل,فلا يفرّقون بين مُدخلات الحكي ومُخرجات السرد. 3ـ اغتراب البيئة؛كما يفعل بعض روائيينا حين يتماهون بيئةً غيرَ بيئتهم محتشمين من محلّيتهم فيسيحون بالقارئ في عوالمَ لا تمتّ إليه بصلة معتقدين بالعالمية المفقودة !! 4ـ ركوب الموجة؛وهذا تماماً ما حدث عندنا في الجزائر حين فازت “أحلام” بجائزة “نجيب محفوظ” وهي أصلاً نازحة إبداعية من ريف الشعر إلى مدينة السرد,فقام النازحون مثلها بشحن رامات الورق بالخواطر والبوحيات.. والهدف نيل الجائزة!! 5ـ فقدان التمثّل؛فالرواية هي تمثّل اجتماعي إنساني يرتسم على الورق,فكيفَ لمن لا يجد المثول لذاته في ذاته أنْ يتمثّلَ ذوات شخوصه المماهية لذوات الآخرين ؟؟ 6ـ هيمنة الذات؛وأنتَ تقرأ لأحدِهم تجد نفسك في معتقل للخُرس يقودهم ناطق متسلّط ويفعلون ما يُؤمرون..إنّ غياب الموضوعية في تسريد الأحداث وتوصيف الشخوص من عادات الروائيين الفاشلين. … تسعدني كثيرا قراءة”أعمال محمود درويش”؛خاصّةَ الجديدَ منها باحثاً عن “اللغةِ الشعرية”،ولا تعجبني روايات الشعريين؛أولئك المهُوسين بالسرد الشعري ظنّاً منهم في استغواء القرّاء..ويسعدني ذوُو السرد المطْلق بلا توابل شعرية !! وهؤلاء لا يدركون أنّ الشعرَ ينبعث من ملكوت الذات,ذلك الانبعاث يلتحم باللغة المكافئة له فيكون للكلمات سَريانها إلى الذوات المتلقّية فيحدث”التشاعر” أو التواصل الشعري. أمّا السردُ فملكوتُ الآخر خارجَ الذات الشاعرة ,يكونُ باقتفاء شبكةً نسقية من الأفعال المتداعية بين الزمان والمكان منسوبةً إلى فاعليها وفقَ تراتبية تبدأ من الفاعل (1) المحوري إلى الفاعل(0) المحكي ,وبينهما فاعلون تتجاذبهم شبكة مُحكمة من السرد المعقّد؛والسارد فيها مشغول عن ذاته بضبط مُضمرات المسرودين,بلغة موضوعية ناقلة وليستْ منقولة. واللغة السردية تنبعث من مستويات ناطقيها بدءاً منَ الأمّي إلى المفكّر..والسارد لها يوزّعُ لغته عبر تشكّلاتها الموازية لكلّ مستوى كما يفعل “نجيب محفوظ” في كثير من رواياته..بعيداً عن البوح والخوطرة والإفضاء كما تفعل “أحلام” النازحة من ريف الشعر إلى مدينة السرد !! وأفضّل ذِكر الأسماء المسوّمة حتّى لا أثيرَ حساسيةً لأحدِهم كشواهدَ موجبةٍ أو سالبة في طرحي؛والرسالة المسجّلة لا تخطئ عنوانها النازح . … إنّ السرديات العربية ما تزال إلى حدّ الآن تتخبّط في إشكالية المصطلح؛فقبل مئة عام أو تزيد كانت الرواية تُطلَق على النص المسرحي مكتوباً أو مشهوداً بقولهم:”عرض رواية تمثيلية للفرقة الفلانية” أو”فلان قام بتعريب الرواية التمثيلية لشيكسبير”..وقبل ذلك بقليل كانت الروايات التاريخية ل”جرجي زيدان” تسمّى روايات والتفريق فقط في التوصيف “تاريخية,تمثيلية” . وحين ترجموا بعضاً من الأعمال الكِلاسية الأوربّية اختلط عليهم الأمر فقالوا “قصّة” مثل ترجمة”آلام فرتر” للمازني وبعض التعريبات والصياغات الّتي وضعها “المنفلوطي”..وشيئاً فشيئاً تظهر ترجمات لقصص قصيرة لكاتبِين مثل”تشيكوف” و”موباسان” و”إدغار” وغيرهم؛فسمّوها أقاصيص أو أقصوصة مفردةً,وقالوا عن تلك أي الرواية قصّة. لكن بعد استقرار الترجمة وتكاثفها والاحتكاك الأكثر بالآداب الغربية ضبطوا بعضاً من مصطلحاتهم فأطلقوا “المسرحية” بدلاً عن “الرواية التمثيلية”,وفصلوا بين القصّة الطويلة والقصّة القصيرة؛ولمّا تعمّقوا في فنّ”القَصص” وجدوا الفرقَ شاسعاً بين القصّة الطويلة والرواية؛حتّى عرفوا أنّ القصّة جنس مستقلّ عن جنس الرواية,وأبقوا على القصّة واصفيها بالحجم. وإلى الآن يبقى هذا التخبّط في الفرق بين الرواية والقصّة من جهة المفهوم لا من جهة المصطلح؛بدليل أنّ كلّ من يحرّر راماً من السرد يسمّونه تسمية”الروائي فلان”..والمشكلة كذلك بين القصّة القصيرة والقصيرة جدّاً والقصّة الفِلاشية ,وكان منَ الأوجب أنْ تبقى القصّة بين طويلة وقصيرة من حيث الحجم؛ونصطلح على الأقصوصة بديلاً عن القصّة القصيرة جدّاً,وتبقى القصّة الفِلاشية ذات السطر أو”النادرة السردية” شكلاً مضافاً إلى محيط السرديات. والعجيب أنّ بعضهم يختزلها هكذا:”ق/ق/ج” ثمّ يكتب نادرته السردية في سطر أو يزيد غيرَ مفرّقٍ بينهما؛فالقصيرة جدّاً وأحبّذ”الأقصوصة” لا تكون ذات السطر أو النادرة السردية أو القصّة الفِلاشية,بل يختلفان فالأولى قصّة مضغوطة تكون في حجم صفحة فأقلّ,والثانية قصّة وامضة تكون في حجم سطر أو يزيد … في الزمن الّذي تخلّتْ فيه الأمم الأوربّية عن تدبيج الملاحم وخطَتْ خطواتٍ في عالَم السرديات من قصّة ورواية وسيرة..أقبل العربُ عليها بشغف فاتجين فيها فتوحات وكأنّي بهم يزاحمون “كلكامش” و”الإلياذة” و”الأوديسّة” و”الشاهنامة” و”الكوميديا الإلهية” و”الفردوس المفقود”…بنظوم باردة سمّاها” أحمد محرّم “الملحمة الإسلامية”,وسمّاها فوزي معلوف”على بساط الريح”,وسمّاها مفدي زكريا”إلياذة الجزائر”…وللأسف فهذه الأخيرة كانت أبعدها عن الملحمة بغنائيتها الفجّة ورّطتْ مطربتَنا الكبيرة في أداء مقاطع منها !! وكانت في روسيا وأوربّا وأمريكا فتوحات في عالَم السرد عامّة والرواية خاصّة حين كان العربُ يسمّون المسرحية”رواية” ويسمّون الرواية”قصّة” !!… وليس على الصعيد الإبداعي فحسب؛بل أصّلوا ونظّروا للفنّ الروائي وأخذ كلٌّ منهم مذهبَه؛فمنهم مَنْ رأى أنّها وليدة الملحمة المسندة إلى الأسطورة بينما يتوجّب على عصر الوضعية المنطقية أنْ تكونَ الروايةُ تطوّراً لزومياً يتوافق مع هذا العصر وتمظهراته الجديدة شكلاً وموضوعاً؛وذهب آخر إلى أنّها بنتُ المدينة خاصّةً مع بداية ظهور ما يسمّى”المدينة المليونية” بعد الثورة الصناعية وانسحابها على إفرازات اجتماعية جديدة؛ورأى آخر أنّ الروايةَ هي مجموعة من تراكمات سردية بامتدادها التاريخي لوجود روايات سابقة للنظرية مثل”الحمار الذهبي” ل “أبوليوس” و”دون كيخوتّه” ل”سرفانتس” أيْ روايات عصر الفروسية وما قبل الفروسية؛ولِآخر رأيٌ حين يعزوها إلى ظهور الطبقية الاجتماعية في عصر الرأسمالية. أمّا الرواية العربية فانطلقتْ منَ الفراغ الاجتماعي، وجاءت من البداوة الشعرية، وحاكت الترجمة الرديئة؛ولولا المركزية الشوفينية الّتي جعلت من يوميات ريفية روايةً تُدعى “زينب” لمتعشّق ريفي اسمه”هيكل” حاكى كتابات”روسّو” لَقلتُ أنّ الرواية العربية لمْ تبدأْ بعد,وأنّ الظاهرة الروائية المسمّاة”نجيب محفوظ” ـ رغمَ تكاملها الفنّي وبيانها العربي ـ ليستْ ظاهرة عربية صِرفة؛بل هو فنّان أوربّي ذو جنسية مصرية هذا كلّ ما في الأمر,وقيسوا عليه أخرين . … تثمين الرواية لدى القارئ العربي تسبقه منطلقات صارت بنوداً عرفية لإبداعيتها وجماليتها تصنعها وسائل القبول والرفض؛فيتلقّفها المتلقّي بإيحاءاتها ويتقبّلها بقبول حسن..ويمكن حصرها فيما يلي: أوّلاً: حصولها على “جائزة” يضع لها تأشيرة المرور إلى قارئيها وترفع من كاتبها مكاناً عليا؛وهذا لا يعني عدمية الاستحقاق ولكن رفض جائزيتها معياراً للإبداع والجودة,فكم من رائعة تمّ إقصاؤها أو إخفاؤها لسبب أو لآخر,وكم من رائعة لم تنل جائزتها لترفّع صاحبها عن المشاركة أو عدم مواتاته الفرصة أو قلّة الاكتراث بها أو بالجائزة, أو لأيّ سبب آخررجعلها لم تحظَ بنيلها..وقد يُفتعل تمريرها لأسباب إيديولوجية أو نفوذية أو سياسية أو نصوصية…إلخ… ثانياً: اعتمادها على ترجمة إلى لغة غير العربية ولو كانت محدودة الانتشار فما بالكم لو كانت الإنكليزية أو الإسبانية أو الفرنسية أو الروسية…وجعل الترجمة معياراً لجماليتها مغالطة فادحة أخرى لكون الترجمات تمثّل واجهةً لبضاعتنا وليس جودةَ البضاعة,ومن جهة أخرى لا يسلم كثير منها منَ المحاباة والمجاملة المباشرة أو غير المباشرة,وكذلك تكون من باب التطبيع أو التبادل الثقافي ,أو تكون من باب التقارب الإيديولوجي؛وبذلك تصنع للروائي افتخارَه على حساب روايات تفوقها إبداعاً وجَمالاً !! ثالثاً: حظّها من القراءات النقدية لأسباب متعدّدة؛بعضها براغماتية ناقدها(مصلحة متبادلة,اقتراب أنثوي,نفوذ وظيفي,احتياج مادّي…)،وبعضها لمقاربات إيديولوجية(ماركسي ونظيره,إسلامي ومثيله,أنطولوجي وشبيهه,ليبرالي وعديله…)،وبعضها لِمهمّات أكاديمية(بنيوية,أسلوبية,سيميائية,تفكيكية…)،وبعضها وقع في الفخّ الإعلامي(جائزة سابقة,ترجمة أجنبية,قراءة مأجورة,اقتباس ميديوي…)…إلخ. رابعاً: اقتباسها من وسائل الميديا الحديثة في مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي أو بثّها إذاعياً إو تركيحها مسرحياً لأسباب كثيرة(سياسية,اجتماعية,ثقافية,إعلامية…) قد يذهب ضحيتها كُتّاب كبار ويجوس من خلالها الصغار !! وهناك منطلقات غيرها ترفع من شأن عمله كالطبع خارجَ الوطن,أو اختيارِها لدراسة جامعية,أو تصنيفِها ضمن قائمة الَسبر,أو التقديمِ لها بقلم مشهور…لكن لا أحدَ منهم يترك نصّه للقارئ والزمن يحكمان بالمعايير المستحقّة. … إنّ النصّ الروائي يشبه كثيراً المتوالية العددية في شكلها الحسابي بالقيمتين؛إمّا بزمنها الاستشرافي بقيمة متزايدة,أو زمنها الاسترجاعي بقيمة متناقصة؛وبين هذا وذاك يتدخّل الزمن الاستذكاري لسدّ فجوات منسية في الحكي. وكُتّاب الرواية في نمط الحكي يسلكون أحد المسلكيْن: ـ جاهزية السرد؛فيلجأون إلى المدوّنات التاريخية أوالصحافية,والاغتذاء من الذاكرة الذاتية أو الغَيرية,وتوظيف المرويات الشعبية أو الأساطير والخرافات,والاقتيات من الموروث القصصي الديني…وغيرها من جاهزيات السرد كالأحلام والنوادر والأحداث الجارية؛يلجأون إليها تمرّناً للمبتدئين, أو إصابة بأنيميا الخيال عند بعضهم,أو تقنية محدودة ومقصودة داخل مساحة الحكي. ـ نمائية السرد؛حيث لا يقيم الروائي وزناً لتلك الجاهزيات,لكون مادّته الروائية تخلّقت كلّها في نصّه الذهني ثمّ قدّر سردَها على نصّه الورقي؛وإن كان شخوص نصّه قد يحيلون إلى متعاليات فهذا لا يعني خروجها عن النمائية,لكون الرواية مجتمعاً ورقياً يقول ويفعل مثل المجتمع الحيوي؛وهنا مبدأ التناظر الرياضي بينهما وليس الاستنساخ بحَرفيته المشوّهة كما يكتب كثيرهم. …والأدهى والأمرّ أنّ بعضهم لا يسلك أحد المسلكيْن لعجزه عنِ الإحياء في الأوّل والإنماء في الثاني؛بل يخوض سبيلَ غيره في تحوير رواية أجنبية غير مترجمة,أو رواية عربية مغمورة عتّقها الزمن وسدّ غطاءها النسيان؛فيُعمل فيها لمسات ديكورية مع تغيير الأسماء والمسمّيات كما يفعل المحتلّ “دبلجة تكتيكية” لا غير !! وبعضهم يكتب قصصا قصيرة ببطل واحد وفي فضاء واحد ثُمّ يقوم ب “مَنتجة” و”مكسجة” ثمّ يقول للناس:”هاؤمُ اقرأوا كتابيَهْ”..كما فعل غيره بالدبلجة !! ويقوم آخر بتمطيط قصّته الفصيرة فيحشوَها بكثير من الثرثرة والغرغرة حتّى يبلغَ بها مئة صفحة أو تزيد فيختمها بآخر كلمة مملّة…رواية بقلم فلان !! … كتابة رواية تعني صياغة إشكالية,وصياغة إشكالية تعني أنّنا نريد منَ المتلقّي أن يفكّر وفقَ الإشكالية المطروحة؛وفي الخطاب القرآني توجيه نقدي فريد لاستغلال القَصص وسيلةً تعبيرية وغائية للتفكّر:”فَاقصصِ القَصصَ لعلّهمْ يتفكّرون”. وحتّى يتحقّق أثر القَصص في المتلقّي يجب توفّر ثلاثية سردية رائعة في النصّ السردي وهي: ا) القصّ:ويعني الاقتطاع والاقتفاء؛فالأوّل وظيفته تحديد المكوّنات السردية,فيقتطع من الزمان زمنها ومن المكان حيّزها ومن الفاعلين فاعلها ومن الأفعال فعلها؛والثاني أنْ يتتبّع الفاعل وأفعاله في كلّ حركَاته وسكَناته في الإطار الزمكاني المقتطع سلفاً في مخيال السرد على مستوى الذهن. ب) النبأ:فالقارئ شغوف بالمفاجأة وباحث عن الدهشة،ولا يوفّرهما إلّا النبأ وهو الحدث الغائب أو المجهول أو المثير,بعكس الخبر وهو الحدث المتوقّع أو المنقول أو المألوف..وهذا هو الفرق بين السرد المنبئ والسرد المخبر,وبين الروائي والصحفي. ج) الحقّ:أو كلّ ما هو صادق وواقع يقتات من الحقيقة الإنسانية بعيدا عن أثر الذات الساردة ليومياتها أو الخيال الجامح بالأوهام؛فالروائيون الكبار أحببنا كتاباتهم لأنّ سردهم لامس الحقيقة الإنسانية بكلّ موضوعية بعيدا عن ذواتهم وهم في عمق محلّيتهم؛ وكأنّ لسان حالهم يستحضر الخطاب القرآني:”نحنُ نقصّ عليْكَ نبأَهمْ بِالْحقّ” !! …وممّا يدهشني في الخطاب القَصصي حين يتكرّر لدى المتلقّي لا يفقد أثره؛وتبقى مسحة الخلود قائمة كالذكرى:”وَاذكرْ في الْكتابِ مريمَ إذِ انتبذتْ منْ أهلٍها مكاناً شرقيّا”..وقد قرأنا نبأها في موضع سابق,وهكذا الروائع تنبئ جيلها وتذكّر الأجيال المقبلة بحقائق الإنسان الثابتة والمتكرّرة. والمدهش أكثر أنّ في القَصص القرآني شكليْن (منبئ وتمثيلي) ؛فالأوّل عرفتموه بطرفيه:(النبأ والذكرى)؛أمّا التمثيلي أو قَصص المثَل فيأتي على صيغتين: ـ افتراضية:”وَاضربْ لَهمْ مثلاً رجليْنِ جعلْنا لِأحدِهِما جنّتيْن…” ويمكن تصوّرها على أيّ إنسان في كلّ زمان ومكان بديمومتها وكينونتها. ـ إسقاطية:”وَاضربْ لَهمْ مثلاً أصحابَ الْقريةِ إذْ جاءَها الْمرسلون…” ولا يمكن تصوّرها إلّا على حالة مماثلة قد لا تتكرّر بالكينونة نفسِها ولا ديمومة لها. …وهذا التفريق بين ما هو منبئ وما هو تمثيلي جعلني أجزم بأنّ ليس كلّ سرد يصلح للمقاربة السنمائية,فكثير من الروايات لم تنجح السينما في تفليمها وهي من النمط المنبئ بينما نجحت في تفليم روايات أخرى لكونها من النمط التمثيلي. والآن,هل وردتْ مفردة”السرد” في الخطاب القرآني ؟؟ في الملاحم الّتي كان يخوضها”داوُد” عليه السلام كان بحاجة إلى صناعة التروس وإحكامها فألان له الله الحديد وهنا تكون الموهبة ثمّ أمره:”أنِ اعملْ سابغاتٍ وقدّرْ في السرد”؛فالمادّة المكوّنة لا تكفي وحدها ولا بدّ من إحكام الصنعة..وهنا أستعير المعنى القرآني لأصطلح”التقدير السردي” كمفهوم على إحكام البِنى السردية من ألفها إلى يائها. وتبقى فكرة أخيرة في أنّ العرب في الجاهلية قد عرفوا قَصصاً حسناً شفوياً لم يُدوّنْ،مثْلَ غيرهم من الأمم الّتي دوّنتْه,وأنّ كلّ ما أبدعتْه الأممُ من قَصص ملحمي أو حكائي هو في المستوى الحسن؛وجاء القرآن الكريم يقرّر هذا:”نحنُ نقصُّ عليْكَ أحسنَ الْقَصص” بما سبق وأوضحتُه في الرؤية السردية من خلال القَصص ومدلولاته وأنماطه في الخطاب القرآني. … في هذا الجزء الأخير من رُؤاي عن علم السرد , سأجعل ختامَها عن الكاتب الموسوم”روائياً”..ذلك المبدع لكائناته الورقية؛فمن هو الروائي الموصوف بها حقّ الوصف ؟..ولِمَ نسمّيه روائياً ولا نسمّيه راوياً ؟..وما هي صفاته ؟..وأسئلة غيرها. الأمر صعب بادئاً؛لكنّ التوغّل في ملكوت العملاق مغامرة جميلة مع خطورتها, والتعرّف شيء ملزم لولوج عالمه الإبداعي وشرط مشترط للقراءة الصحيحة: وقدْ أنثر كمّاً من مكوّناته لأرسم أجزاءً منه بُغية الاقتراب لفسح المقاربة؛وأوّلها صِدقيته فقبلَ أنْ ننسبه إلى ملكوت الرواية يُفترض أن يكون ذا صدق بالمعنى الإنساني والجَمالي تحديدا,أميناً وعادلاً بين شخوصه لا يتدخّل بهواه ولا يميل؛يقدّر في سرده عن علمٍ مبين,ضابطاً لما تقوله كائناته فلا يتقوّل لها أو عليها..عارفاً ومحيطاً بكلّ كائن يضيفه إلى نصّه,مقتصداً غير فضفاض ولا عارض كلام لشهوة الكلام. وثانيها اجتماعيته؛فلا أعتقد أنّ في عالَم الانطواء والاعتزال والتوحّد والخلوة تنشأ المجتمعات الإنسانية على الورق وترتسم شخصياتها من قلم في درج كائن مختبئ عن إنسانية الإنسان..وتلك الاجتماعية تفرض عليه عرفاناً بكلّ العلوم الاجتماعية بقدرالمتثقّف لا المتخصّص حتّى يكون مُحاكياً لا حاكياً لشخوصه, وهنا يكمن الفرق بين أن يكون روائياً أو يبقى راوياً ! وثالثها مشروعيته؛حيث لا يعتقد معتقدٌ عبثية التكوين تأنيقاً لِرامات الورق,فالكتابة الروائية هي مشروع إنساني مرتبط بماضويته،واجتماعي متبيّئ بحاضريته، وتاريخي متنبّئ بمستقبله..فالرواية كينونة الماضي ودينونة الحاضر وصيرورة الآتي. … وتبقى أسئلة أخرى لا تسعها هذه الخاتمة فأرجئها إلى فضاء التطبيق؛حيث يتسنّى لي إجرائياً إثبات المُثْبت ونفي المنفيّ .
*قاص وناقد من الجزائر
.



