المشوّهون / قصة قصيرة / عفيفة أم الشيماء *
بواسطة مسارب بتاريخ 22 يونيو, 2014 في 07:38 صباح | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1579.

شيئا فشيئا راح صوت هرج الحياة في الشّارع ينسحب من أذني، و وقْع نطّ العقرب إلى اليمين على الجدار يغفو رويدا رويدا… تثاقل جسدي بعد غليان، و اتّسع رأسي، و هدأ بعد مطارق كانت تقرعه و صداع و شقيقة تنخره لدرجة أنّي كنت أتحسّس عيناي ما إذا كانتا ما زالتا في محجريهما، و أتلمَسُ رأسي ما إذا كان ما يزال محافظا على شكله الكرويّ… من بعيد جدّا التقطَ سمعي صياح طفل: إنّـــي أطيــــــــرْ! … فرأيتني ذا جناحين حقيقيّين قويّين أحببتهما، و ما وقعتْ عيني على شيء إلاّ و بَدا منه الجمال السّاحر؛ تراقصت الأشياء تُغَــيّــر أماكنها ثمّ تعود… وقفتُ على حافّة نافذة غرفتي… الشّارع خالي، السّماء ذات أنوار تتلألأ، ضحكتْ لِــي الشّمس و سمعتُ ضحكاتها… أفردتُّ جناحيّا للرّيح و طرتُ مبتعدا عن بيتنا سعيدا بهما؛ منحاني قوّةً؛ لو ضربت صخرا بناصيتي لَــــفَـلقـــتُـــه… حلّقتُ و حلّقت اخترقت جسد السّحب البيضاء و شعرت بنعومتها يمرّ عليها جسدي… تتلهّف عيناي لتُحيط بالمناظر المذهلة على مدّ البصر تحيط بي و لا شيء يحجبها عنّي، فَرُحْت أدور كصوفيّ في رقصة وجدانيّة… مَــــرّ بِــــي السّندباد البحريّ يمتطي نِسرا عظيما؛ ألقى التحيّة على عجل مواصلا رحلته… أبصرتُ تحتي وجه البحيرة الفيروزيّ المتلألئ تحت أشعّة الشّمس التي كنّا نقضي بجوارها أيّام العطلة الصّيفيّة يوم كان كلّ فكري إسعاد أبي و أمّي… أثار المنظر في نفسي شهيّة الغطس فيها، ضَممْتُ جناحيّا و تركت ثقلي يسحبني رأسيّا إليها و الفرح يملأ صدري يكاد ينفجر به… حين أوشك رأسي يرتطم بالقاع تحوّلت فجأة إلى دلفين فِـضيّ سعيد بالماء، و انعطفت بتسعين درجة…  و لم تعد البحيرةُ بحيرةً بل محيطا شاسعا فيه ألاف الكائنات البحرية السّعيدة مثلي… سمعتُ من خلف تلّة صغيرة قهقهات عذبة رنّانة… مضيت إليها في هدوء؛ كان جمعاً من حوريات البحر وسط أطلال  لقصر رومانيّ ذهبيّاتِ اللّون، طويلات شَعرٍ ناعم يتماوج بحركة تيّار القاع و يضطربُ، ما إن رأينني أخذن يتهامسن ثمّ تفرّقن في رمشة عين… طفت بين حدائق المرجان، وأصداف اللّــؤلؤ العملاقة، التَــقَيت حصان البحر، هلعت حين رأيت سمك القرش الأبيض لكنّه لم يهاجمني… رحت أقفز متحديّا نفسيّ محاولا تكبير قوس القفزة مع كلّ قفزة نَـــشوانا منتعشا، استعذبتُ الانتقال بين برودة الأعماق و دفئ السّطح… اقتربت من الشاطئ فرأيت أمّي تلوّح إليّ بيدها، فإذا بذراعاي  ينبتان من جديد و ساقاي. خرجت من الماء تتقاطر أثوابي، فاعترتني قشعريرة، ثمّ شعرت ببرد شديد، و ثقــل جسدي، و احتراق باطن قدماي تغوصان في رمال الشّاطئ الحارّة… أشارت أمّي  إلى خيمة بيضاء بالقرب منها، و قالت تبتسم: عروسك في انتظارك !

أعجلتُ خُطاي إليها لكنّ الرّمال كأنّما تمسك بقدماي و تنهك قواي… وصلتُ أتصبّب عرقا لاهثا. انحنيت واضعا يداي على ركبتاي ألتقط أنفاسي، فإذا بي أرى عروسي يحملها صديقي بين يديه، و يخرج بها من الخيمة. اغتضتُ و حنقتُ عليه… انطلقتُ نحوه شعلة يتطاير من حولي شَرر… أمسكت بتلابيب ثوبه: إنّها لي !

ــ ابتسم بخبث و ردّ بكلّ هدوء: بل هي لي !

تلاكمنا، تراكلنا، تعفّرنا… حين صِرت كخرقة بالية استجمعت مابقي لي من قوّة، التقطت حجرا بحجم قبضة اليد و بينما أنا أديره في يدي و أسدّد صوبه نادى عليّ صوت شقيقتي من بعيد كأنّها تريد إلهائي ليتمكّن خصمي منّي و يظفر بعروسي، فاستدرت إليها و رميتها به… ملأتْ صرختها السّماء، شدّتْ على خدّها بكلتا يديها… انتبهتُ أرتعش بردا… و قد عاد الصّداع ينخر رأسي و جسمي مبتل عرقا… أمسكته بين يديَّ أضربه على الجدار تائها عاجزا عن تحديد إحداثيات المكان، و الزّمان … نظرتُ إلى شظايا الزّجاج المتناثرة على الأرض باستغراب، فاحْتمَلْــتُ أن أكون رميتُ وجه شقيقتي بالكوب الذي كان في يدي بعد أن نال منّي مفعول تلك الأقراص المهدّئة الثّلاثة التّي كلّفتني هاتفي مقايضة، و حتّى بعد أن ارتخى جسدي و ارتميت في حضن مَــضْـــجعـي العتيق كان ما يزال في يدي بعد أن عانيت الأرق ثلاثة ليال متواليات و لم تجد معي مسكّنات الألم لإسكات ألمي، و قهْرَ زفراتي، وزحزحة صخرة الحزن من على صدري؛ و قد زاد إلى أوجاعي وجعا آخر تراجع تلك التي أحببتها و أبدت لي أنّها تحبّني إذ أخبرتها برغبتي في أن تكون شريكة حياتي بعد أن تكشّفَ لها شيئا من ماضيّ الأسود…

فكّرتُ في الذّهاب إلى ربّ عملي صاحب مخبزة الحيّ لأستدين منه مالا على أن يقتطعه من أجرتي التّالية، ثمّ تذكّرت أنّني تغيّبت عن العمل أسبوعا قبضت أجرته مسبقا فلابدّ أنّه استخلف غيري على فُــرْنه ذلك الصّارم حدّ القسوة… تذكّرت صديقا لي قطعت علاقتي به مذ غادرت مركز إعادة التّأهيل النّفسي و إزالة الإدمان منذ بضعة أشهر؛ أردت الاتّصال به ليخرجني ممّا أنا فيه على الأقل مؤقّتا و لم يكن بحوزتي هاتف؛ ما أرغمني على الذّهاب إليه راجلا على بُعد ثلاثة شوارع من شارع إقامتي.

ما زال صراخ شقيقتي و عويل أمّي تندب حظّها من الدّنيا و تبكي مُصاب أختي و تدعو عليّ باصفرار الوجة و سواد العاقبة مرّة ثمّ بالموت مرّة أخرى… خرجت من غرفتي، كَـذَّبْتُ حجم الدّم الذي تلطّخ به المسار منها إلى الردهة… أنا الذّئب و الدّم على ثوبها الزهريّ ليس كذبا… ما الذي حدث؟ يفور الدّم من الشقّ الذي أحدثه الكوب في وجهها من أعلى الوجنة حتّى أسفل الفكّ السّفلي كلّما حاولَت إبعاد يدها عن خدّها. انعقد لساني، وقفتُ مشدوها أنظر إليهما… فزِعتْ أمّي بها إلى المستشفى لتقطيب الفجّ النَّــعّار على خدّها و هي تشدّ عليه بخرقة و تطمئنها أن لاّ تخاف و أنّ الجرح بسيط؛ لكن هيهات فقد وسمتها بالشّوه و ستحيا بها شوْهاء و عَطّارُها من قديـم الأموات…

ما بلغني من عويل أمّي أنّ أختي نادت عليّ و هي في غمرة فرحها و عظيم سرورها لتبشّرني بنجاحها بنيل “شهادة الباكالوريا”، دخلتْ و هي تصيح باسمي فرحاً إذ لم أسمعها من خلف الباب.

خرجتُ أنا الآخر تاركا الباب مُشرعا خلفي كما تركته أمّي. ركضت مفلس الجيب و الفؤاد و الأهل و الخلاّن… حين بلغت الشَارع ما قبل شارع إقامة صديقي وجدت طابورا من السّيارات الفارهة من رأس الشّارع حتّى آخره تنتظر خروج عروسي التّي افتكّها مِـخلب الفقر من بين يديّ… برّرتْ تراجعها بسوادٍ تلطّخ به بعض ماضيّ و أسقطني من عينيها و الحقيقة أن مستقبل الرّجل الذي تزوّجها محكوم عليه بالسّواد هي فقط لا تعلم فعينيها الأن تحت صدمة بريق الذّهب و أذناها صمّهما رنينه و ستسقط كلّ الحياة من عينها يوما ما. و لأنّه يملك أكثر؛ يستطيع التقنُّـــع مدّة أطول لكن ليس العمر كلّه و قد تجاوز مرحلة لفّ الحشوة إلى مرحلة شمّ الغبار الأبيض.

تعاظمتْ حاجتي إلى صديقي… استأنفت الرّكض كالمـجنون حتّى بلغت الشارع الأخير و ليس في مساحة رؤيتي غير باب دارهم الرّماديّ آخِر الشّارع، و أنا أعبر الطّريق إليه تقاطعتُ و والدي يترجّل من سيّارته رفقة حسنائه التي طلّق أمّي رغبة فيها؛ بعد أن خيّرته أمّي بينها و بين حسنائه و لم تفكر في سعادتنا قطّ ظنّا منها أنّه سيختار أمّ ولديه و قد انمحى من ذاكرتي تماما أنّه ذات الشارع الذي يقيم به هو أيضا. لا أظنّه تعرّف عليّ لرثاءة حالي و شعوث شعري و لحيتي التي غطّت وجهي المكدود… مرّ بخاطري ذلك الزّمن الجميل حين كان صدري يلتمع بالأمنيات الجميلة كما تلتمع سماء ليل صيفيّ بالأنجم و أكثرها سطوعا كانت أن أصبح “مهندسا” مثل والدي، فاجتهدتُ أعواما و بذلت أقصى ما في وسعي من أجل لحظة واحدة عمرها لا يتعدّى الثّواني؛ حين كنت أعود إلى البيت بحماس شديد لأعرض عليه نتائجي و تَرْتَسِم على مُـحيّاه ابتسامة عريضة؛ أسعدُ بها أيّاما، و أمّا حين رحل و لم يعُد يأبَه و لم تشفع لي عنده ” أُحِبُّكَ أبي” فما عُدتُ آبَهُ أنا أيضا… انكمشت أشيائي الجميلة بداخلي، تلاشتْ… علّمني رحيله كيف أحيا منتحرا… كثيرا ما كنت أقضي و زميل لي أوقات الدّوام المدرسي في ذلك المبنى المهجور لصناعة الخمور من أثر الاستعمار الفرنسي. تتلمذت على يد الفراغ، و أجَدْت فنون الضيّاع حدّ القذارة… ما زلت أذكر حجم هلع أمّي بعد الاطّلاع على نتائج العام الدراسيّ و لا تحرّك ساكنا ككلّ مرّة ، تكتفي بشتمي و تعييري و مقارنتي بابنة الجار، و هلعها الأكبر يوم سلبَ ذاتُ الجار من شقيقتي جوهرتها التي لا عوض لها بعد أن استدرجها و هي تلعب عند عتبة الباب تلفّ جسمها الهزيل بمئزري المدرسيّ الأبيض تمثّل دور الطّبيبة؛ نادى عليها:” أنا مريض ألا تأتين لتداويني؟ “… لبّتْ شقيقتي نداءه ببراءة عالية…و أعظمَ ما بلغَــهُ هلعُ أمّي أنْ تكتّمتْ على الأمر خشية الفضيحة، وحرصتْ على أن لاّ يبلغ الأمر مسمع والدي، فينتزع منها حضانة أختي… لا تبارح ناظري صورة أختي التي تفتّتُ كبدي و هي تدخل علينا منفرجة السّاقين تحمل علبة شوكولا رخيصة، مقهورة، ، شاخصة البصر، بكماء؛ نطقت بعد الحادث بيومين ” لا أريد أن أكون طبيبة”… من حينها و هي تخصّ حقدها المتــعــاظم بمن يلبس سروالا عموما و من له شارب خصوصا… و حصلتْ في المدرسة على لقب الـــ ” العَــقُّــونَـة ” لتأتأتها… إنّها ترسب عاما وتنجح عاما مصرّة أن تصبح قاضية يغريها المئزر الأسود جدّا…

 تنمو الأمنيات في صدورنا كما الأجنّة في أرحام الأمّهات، ثمّ يُــحكم عليها بالإجهاض، و قلّما ينجو بعضها مهدودة البدن ضعيفة البصر فتموت في سنّ طفولتها محكوم عليها مجدّدا دونما رحمة  بالإعدام بحظر الهواء… و يستمرّ زحف الفراغ على مساحاتها فينا مع بزوغ شمس نهار جديد و لا شيء قادر على ملئه غير الجُــناة عليها، أولئك المشوّهون الذين أينما مَـــرّوا زرعوا شوَها، و للأسف بذلك عُدِمُــوا القدرة على جميلِ استثمار أجمل ما خلق الله فينا؛ أحـــــاسيـــــسنـــا…

أليس الأبُ البطلَ الأوّل في عين ابنه و الغرام الأول في حياة ابنته؟… عُدت إلى سيّارة والدي و ما تركتها إلاّ و هي قطعة خردة لا تصلح إلا للذّهاب إلى مقبرة السّيّارات…

عدتُ مرّة أخرى إلى الباب أطرقه و لا خيار لي أرتجف و أبواق سيّارات العالم و ضوضاؤها تنفخ في أذني… طرقتُ الباب بِـــبَـــرْبريّة أكبر مستعجلا القُــرص الذي سيناولني إيّاه صديقي كما فعل دوما، أبتلعه لأبتلع حزني و أخادع وجعي لأرحل بعيدا عن هذا العالم… خرجتْ عليَّ عجوز شمطاء ثرثارة و كلّ ما فهمته منها بعد قنطار حَديث أنّها اشترت البيت و لا تعرف إلى أين رحل صديقي و أهله…

استأنفت الرّكض على غير هدى… وَجَدْتُــني على ضفّة الطّريق السّيّار، تخطّيت الحاجز الإسمنتيّ، اعترضْت طريق “شاحنة قَــطْر”… علا بوقها، مالتْ يمينا؛ قَـلَّــدْتُــها و مِلت معَها يمينا، مالتْ شمالا؛ قَـلَّــدْتُــها و مِلت معَها شمالا… و هي تقترب منّي أفردت لها ذراعيّا أرى فيها وجه القرص الذي لم أحصل عليه مستعجلا راحتي الأبدية… أغمضت عيناي و في خلدي يتردّد: الموت أقصر طرق الرّاحة، و ما الحياة إلاّ سبيل لــمَدِّ الأوجاع… كَفاكَ مَوتا بالتّقسيط !… لن يعتذر منّي أولئك المشوّهون الذين تعاونوا على شحذ السّكين التي ذبحتني و ما انفكّوا يطالبونني بالاعتذار عن طراوة رقبتي و أنْ لم تدُم لهم متعة حَــــزّ السّكّين طويلا… من يُـجْلي السّواد من عيني و أهلي عميان؟ من يسدّ الفجوة في صدري و الكلّ ظلّوا الطّريق حيارى؟ من يجبر كسر روحي و مَن حولي على الكَسْر مَـجْبول؟ من يعيدني طفلا؟ من يطعمني حليب أمّي؟… سيساعدني هذا الوحش الجميل على رحيل أجمل!… أشحتُ بوجهي عنه، استقبلتني جمرة قرص الشّمس على الأفق تنطفئ.

استيقظت أشعر بخفّة جسدي على سرير طريّ ناعم مريح و لولا الألم الفظيع أسفل ظهري لَــتمَّتْ مُتعتي به. ففتحت عيناي ببطء شديد… أسلاك كثيرة و أنابيب موصولة بجسدي و يداي موكوتتان إلى جانبيّ السّرير… أوّل وجه رأيته وجه صبوح يبتسم في ثوب ملائكيّ أبيض بجانبي، بعد حديث عذب طويل معه قال: إنّها لمعجزة أن نجوتَ من موت محقّق…  يمكننا دائما البدء من جديد، و ليس بنهاية العالم أنْ يفقد المرء نصفه السّفلي!…

                                                                               

*قاصة من الجزائر

.

 

اترك تعليقا