قصص وأسماء مجموعة ” شموخ ” لبشير خلف / د مخاوف عامر *
بواسطة مسارب بتاريخ 27 يونيو, 2014 في 05:34 مساء | مصنفة في حفريات | تعليق واحد عدد المشاهدات : 2257.

(( الشموخ))، عنوان مجموعة قصصية لـ:”بشير خلف”  صدرت عن التبيين/ الجاحظية عام 1999. وهي تحتوي على القصص التالية:

الشموخ- الحلم والأسوار-لصوص من نوع آخر- الحلم في العيون الصغيرة- اليأس- السقوط في الوحْل- ليلة في فندق عاصمي- عزف على أوتار مقطوعة.

يتضح من خلال هذه العناوين التي اختارها القاص، أنها تتراوح بين المداورة والتصريح. ولعل التصريح أن يكون هو الغالب ليس على العناوين وحسب، وإنما على طريقة عرض الأحداث  واللغة أيضاً.

فالبناء القصصي أقرب إلى الطريقة التقليدية المعهودة . إذ هو يؤسَّس على الرؤية من خلف حيث الكاتب هو العالم بالأحداث ومسيِّر الشخصيات وإن هو نقل السرد من الكاتب لتنوب عنه شخصية أخرى في بعض القصص. كما إنه يلجأ- أحياناً – إلى الحوار الثنائي أو يناوب بين ضمير الغائب والمخاطَب فيجعل هذا الأخير هو السائد. وقد يرتد بطل القصة بذاكرته عشرين سنة إلى الوراء لينقل إلينا صورة رئيس المصلحة وقد كان من قبل يستغله ووالدتَه في مزرعته.

 فأما اليوم وقد أتقن هذا المسؤول لعبة إهدار المال ونهبه فيقول بنبرة ديماغوجية مفضوحة : ((البلاد في ورشة شاملة، علينا تسهيل الإجراءات لإنجاز المشاريع لفائدة الوطن، التعطيل بيروقراطية يا ولدي، عليك أن تفهم هذا جيداً))، عزف على أوتار مقطوعة،ص:60.

  لكن ذلك كله، سواء أكان تناوباً بين الضمائر أم حواراً أم ارتداداً أم تقسيم القصة إلى لقطات ومشاهد ولوحات، لا يغير من أن القاص يظل هو المتحكِّم  في زمام الأمور.

لكن لِمَ الميْل إلى هذا الأسلوب لدى “بشير خلف”؟

إن قارئ القصص سيكتشف-بلا عناء- أن الكاتب مسكون بالهاجس الوطني /الاجتماعي. لا يرى في الكتابة  مجالا  للمتعة  والترف أو أن الكاتب يُطلُّ  على غيره من برج عاجي.

فهو حين يستعيد الماضي في صورة جَدٍّ لا يتراخى في العمل وكان وحرب التحرير في أوجها(( لما يهوي على الأرض بفأسه، ترتعد الأرض تحت قدميْه)) الشموخ ص”5.

 وهو والد شهيد سقط في سبيل الوطن وهو يفكُّ الأسلاك الشائكة ليفتح الطريق أمام رفاقه. حين تستحضر الأم حكاية الجد لأطفالها  يصدمنا واقع آخر لم يكن  وفياً للقيم التي ضحى من أجلها الشرفاء . لذلك يبقى الجد  واقفاً كنخلة باسقة وسط عواصف الفساد والمغريات فلا يرضى بأن يشتغل بَوَّاباً  لدى مسؤول تافه يأمره  بمنع الناس من دخول مكتبه ، ولا يقبل بطاقة تُعرض عليه ليتنقَّل مجاناً لأن((خدمة الأوطان والإخلاص لها سلوك فطري لدى النفوس الحرة. لا تحتاج لبطاقة عطف. كان جدكم نخلة  باسقة ولا يزال  ظلها المستقيم يتمدَّد  بثبات))الشموخ ص:7

فاستدعاء الماضي- ها هنا- بقدر ما فيه من تمجيد لقيمة العمل وحب الأرض يستبطن قدراً أكبر من النقمة على واقع يكسر الأحلام ويزرع الأوهام. إنه حنين إلى قيم أصبحت مفقودة وكان المأمول بعد التضحيات الجسام أن تتنمَّى وتتقوَّى.

وهو إذ يصف  وضعية “صالح ” المغترب في باريس، إنما يتألم لوضعية المغتربين جميعاً، لبؤس إنسان يعيش حياته مستغَلاًّ مهمَّشاً لا يتوقف لحظة عن التفكير في العوْدة إلى وطنه ولكن حرمانه من جواز السفر والوعود الكاذبة تُبقيه خلف الأسوار يكدح من أجل الآخرين، من أجل شخص مشبوه ماضيه(( المعلم صاحب الكرش المنتفخ والوجه الناتئ المستدير )) الحلم والأسوار ، ص:15

نماذج أخرى تتظاهر بالتقوى والورع، تجعل من الوضوء والصلاة الجماعية ذريعة للتهرب من أداء واجبها، فلا يملك مدير المدرسة إلا أن يقوم بالعمل بدلا عنهم. وآخر دائم التنقل بين الجزائر وفرنسا ليحترف السمسرة والسرقة في مواد البناء.  ويحضر ما طاب له من الهدايا إلى أن يسقط في الوحل، يوم يُسْتدعى من قِبل الدرك الوطني ويُقدَّم للمحاكمة فيعاقب بعشر سنوات سجناً جزاء له على ما قدمت يداه.

بينما المهندس النظيف لا يجد الوقت الكافي لشراء أغرض البيت نظراً لندرة السلع بسبب المضاربة والاحتكار والزحام الذي صار يعم الأسواق. وإذا هو بين ما يكتشف من مشاريع وهْمية رصدت لها  ميزانية ضخمة، وبين ضيق الحال وصداع الزوجة في البيت فيطمع حتى البقال في أن  يشتري ضميره مقابل أن يغضَّ الطرف عن قطعة أرض حصل عليها بطريقة مشبوهة وهي مخصصة لتوْسيع الثانوية .

فأما إذا ما قُدر لك أن تقضي ليلة في فندق بالعاصمة البيضاء، فإنك ستجد  فندقها يُوَشِّحه السواد. سواد الحشرات والأوساخ والأفرشة المدنَّسة والاستقبال الجاف الذي لا همَّ له من الزائر إلا الابتزاز الرخيص.

تملي هذه القصص على المتلقي أن ينظر إليها من زاوية اجتماعية ومن دون أن يحتاج إلى جداول بنيوية وإحصاءات توهم بدراسة معمَّقة. فالقاص يلتقط صوراً من الواقع ترتسم في طرفين متناقضيْن:

 الأول:  يمثله أولئك الذين تنكَّروا لقيم الماضي القريب الذي ضحى من أجله قافلة من الشهداء ، وحوَّلوا الوطن إلى غنيمة يتنافسون على تقاسمها، يمارسون النهب داخل البلد وخارجه أو يتبنَّوْن خُطَباً زائفة باسم الإجراءات القانونية وعدم تعطيل المشاريع أو يتظاهرون بالتديُّن بينما هم  يخادعون الناس والوطن.

 فأما الثاني، فيقاوم مظاهر الفساد والخداع كالأم التي توظف الحكْي للتذكير بالقيم النبيلة، والأطفال الذين تنمُّ إجاباتهم أثناء الدرس على أن الحلم إنما هو في عيونهم وهم يتحدثون عن الزوايا الحادَّة عوض الزوايا القائمة التي  يحرص عليها أستاذهم. لأن الزوايا الحادة  يرونها يومياً وفي كل جهة من الأحياء الفقيرة والبيوت القصديرية. كما يتبدَّى في صورة  مدير مدرسة يسعى بكل ما أوتي من إمكانات ليحفظ المؤسسة ويحافظ على  صحة المتعلمين، ثم في شخصية “محمود” هذا الموظف النزيه الذي تحاصره المعوقات من كل الجهات، لأن همَّه الأساس أن يخدم البلد بقناعة وطنية لا يفسدها اللهاث وراء المصالح الشخصية كما أفسدت طبائع الآخرين. لذلك يجد نفسه أشبه بعازف على أوْتار مقطوعة.

إن “بشير خلف” وهو  يلتقط من الواقع هذه الصور التي  يحركها تناقض صارخ بين توجُّهيْن، لا يخفي انحيازه إلى الفقراء  والمهمَّشين فلا يخفي أمله في تحوُّل الواقع إلى ما هو أفضل، لأنه يكتب من مخزون استمرَّ يستوحي أفكاره من قيم الثورة ومن الروح الوطنية التي لا ينضب معينها.

فاختياره(الشموخ) عنواناً للمجموعة، يعود إلى أن شموخ الجد بترفُّعه عمَّا يقدم له مجاناً ، وبأن     يبقى مستعصياً على أن يُستدرج  حتى لا يتلوَّث سلوكه. إنه حريص على أن  يبقى واقفاً  صامداً في وجه كل المغريات ليظل  حاضرُه ناصع البياض كما كان ماضيه.

إن هذا الجَد يجد امتداده يسري في أرواح شخصيات كثيرة، ترفض الظلم والقهر، تحارب الفساد  ويسوءها أن ترى الأحياء القصديرية مازلت تتكاثر في بلد ينعم بخيرات جمَّة. بخلاف أولئك الذين حاضرُهم ليس سوى امتداد لماضيهم المشبوه.

وبين هذا وذاك لا يتردَّد “بشير خلف” في أن يقف إلى  صف المعذبين في الأرض، والذين أنكروا الذات ونذروا أنفسهم  لخدمة الوطن.

 إنها قصص مهما قد يقال عن نسيجها التقليدي وعن ميلها إلى المباشرة، إلا أنها مشحونة ببُعْد وطني /اجتماعي يرصد فيها الكاتب التناقضات الجوهرية، ويعرض الأحداث كما يحسن الوصف بلغة سهلة ميسورة.

.

*ناقد وأكاديمي  من الجزائر

.

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. تحليل رائق وسلس اعجبني كثيرا..
    - لكن ما هو السلوب العميق؟ فنحن دائما ما نقرأ أسلوب بسيط ومباشر، وما هي الحكمة من التعقيد والتراكيب الملتوية؟
    - الكتابة الجادة ليست من باب المتعة والترف، ألا يمكن أن تكون الكتابة جادة ولصاحبها متعة؟

اترك تعليقا