مسرحية ” صرخة شعب ” .. رحلة الماضي والحاضر / قادري عبد الكريم *
بواسطة مسارب بتاريخ 30 يونيو, 2014 في 03:30 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1918.

لطالما كان المسرح الجزائري رافدا من روافد الثورة الجزائرية “1954ـ1962″ ، تمثله فرقة جبهة التحرير الوطني، عن طريق أعمال نشرت روح التحرر بين الشعوب، وروجت لفكرة وضرورة نزع رداء الذل والمهانة، واستبداله بالبرنوس الجزائري الذي يرمز للعفة والسؤدد والاستقلال، وعلى ضوء هذا الطرح دعمت وزارة الثقافة العديد من الأعمال التي جعلت من الثورة الجزائرية “تيمة” لها، بمناسبة خمسينية الاستقلال، التي أضيفت لها سنة أخرى، ليعانق الجيل الجديدة حلو ماضيه ومره، خير مستقبله وشره، وقد جاء العمل الجديد الذي أنتجه المسرح الوطني الجزائري “محي الدين بشطارزي”، المعنون بـ”صرخة شعب” ، ليعانق فكرة الثورة من منظور مختلف، بالمراجعة والعودة إلى الوراء، عن طريق لعبة الحاضر والماضي، أمس واليوم، زمن الثورة واتقاد كانونها، وزمن السلم وتحول هذا الكانون إلى رماد، تذروه الرياح يمنة ويسرة، لكن كل مرة يظهر قبس من الرماد، ما إن تضع عليه قليل من العشب اليابس حتى تعود تلك النار تستعر من جديد، لينعكس ضوئها على القلوب المظلمة، وتحرق اليأس لتشق طريقا جديدا للأمل، حتى وان كان هذا على حساب المعطيات الجميلة، وسنوات العمر، وهي الثروة التي لا تقدر عليها الثورة، أرجع وأقول بأن العمل المسرحي الجديد الذي حرك خيوطه المخرج سيد أحمد قارة، جاء ليحي هذه الثنائية الرهيبة، التي تنعكس في كل ثورات العالم، لكن درجات ارتفاعها وانخفاضها تختلف من زاوية إلى أخرى.

النية وحدها لا تكفي

 يبدو أن نية المخرج كانت واضحة من خلال هذا العمل ليكون تحفة فنية تكلل مساره المسرحي الممتد، من خلاله توجيه نقد لاذع للأوضاع التي وصلت إليها الجزائر بعد الاستقلال من خلال عمله، لكن النية وحدها لا تكفي كي يكون العمل متكاملا حتى لا أقول مثاليا، لذا أحسست وأنا أتابع كل تفاصيل المسرحية أثناء عرضها بالمسرح الجهوي “عز الدين مجبوبي” بعنابة “تقع شرق الجزائر”، بأن هناك تشتت وعدم ترابط الكثير من مشاهد العمل، حتى أنه من الصعب على المشاهد المتمرس، أو الناقد وحتى لا أقول الجمهور، أن يتمكن من فهم العمل فهما يليق بالإمكانيات الكبيرة التي وفرت للمخرج سيد أحمد قارة ووضعت تحت تصرفه، لذا جاءت “صرخة شعب” عبارة من مشاهد مقحمة في بعضها، يربطها خيط رفيع جدا، وهو الرقصات الكورغرافية التي صممها الفرنسي ريشار بونو سالتي، هذه الأخيرة كانت بمثابة الجزئية التي حفظت ماء وجه العمل وأنقذته من التشوه، إذ عبرت من خلال الموسيقى عن بعض ما يجول في نفسية الإنسان من الفرح والحزن.

صرخة صامتة

يظهر من خلال العنوان “صرخة شعب” أن هناك العديد من الدلالات التي تستنبط منه، وتحيل لفظة “صرخة” إلى الأصوات المرتفعة العالية التي تعبر عن اليأس والكبت والغضب، وهي في مجملها من المعطيات السلبية التي تحاكي انفعالات الإنسان، خاصة وأن الفرد لا يصرخ إلا إذا أحس بالخطر والخوف، أو الكبت الكبير الساكن في باطنه، إذ من المفترض أن تخفف الصرخة من الصدمة التي حدثت، أما ارتباط لفظة “صرخة ” بـ” شعب” فيحيل هذا إلى التكامل والاتفاق الجماعي على فكرة ما، وعدم رضاهم عن وضع معين، لا يخدمهم ولا يخدم اتجاهاتهم وانتمائهم الجماعي، وليكون العنوان الكامل” صرخة شعب” بمثابة طلب نجاة جماعية من الأمور التي وصلت إليها الجزائر، من خلال الأوضاع التي مرت آو تمر بها، إذ لم تحددها المسرحية بشكل مباشر، لذا فهناك العديد من الاحتمالات التي يمكن أن تحيلنا إلى السبب المباشر الذي تختبئ من خلاله صرخات الشعب، ربما تكون من الرشوة آو البيرقراطية آو من العشرية السوداء التي مرت بها الجزائر، وهذا من أقرب الاحتمالات.

صرخة صاخبة

جاء” بوستر” العمل بمثابة الصرخة الثانية للشعب، ومن خلاله نكتشف أن هناك تدرج للألوان، بدأ بالألوان الداكنة وانتهاء بالفاتحةمنها،إذ جاءت إيقونة الملصق عبارة عن أربعة أشخاص في وضعيات مختلفة تجمعهم “تيمة” اللون والمتمثلة في البياض والسطوع، رغم حضور اللون الداكن المحيط بهم، ما يحيل إلى انه رغم دلالة اللون الداكن الذي غالبا ما يحتفي بالحزن والألم والصعاب واليأس، إلا أن هناك شيئا من البشرى والفرح التي يحيل إليها اللون الأبيض، في حين نرى أن ظلال هؤلاء الأشخاص ورغم اكتنافها بالون الفاتح إلا أن مساحتها وامتدادها وانكسار الظلال يظهر أنه مهما حاولنا إخفاء الألم إلا انه يبقى ساكنا بدواخلنا، بالإضافة أنه من العادة أن تكون ظلال الإنسان تحاكي دائما شكله، غير أن ظلال أشخاص الأيقونة لم تحاكي ظلالها، وهذا ما يفسر عدم التفاهم وعدم الرضا، لتكون هناك ثنائية أخرى بين الأيقونة التي ترمز للماضي بكل أشكاله ومعطياته، والحاضر الذي تعبر عنه الظلال التي جاءت على شكل واحد، ربما هذا ناتج عن الأوضاع السلبية واليأس الذي دائما ما يكون له شكل ولون ووزن واحد، حتى وان تعددت أسبابه.

احكي يا مقاهي الجزائر

تدور أحداث المسرحية في مقهى ما من مقاهي الجزائر، حيث الكراسي مبعثرة، والأذهان مفككة، على أحد هذه الكراسي آلة موسيقية وترية، يأتي صالح ” القهواجي” بمئزره الأبيض ويداعب تلك الآلة بيده ويتمتم بعبارة ” يخي فنانين يخي” بمعنى أن للفانين طقوس خاصة حسب تفسيري الخاص للعبارة التي لم أجد لها مقابل بالغة العربية الفصحى، أرجع وأقول بأن المقهى كانت بمثابة الأداة التي يستعملها المنوم المغناطيسي، للرجوع إلى الماضي وأحداثه، بعدها يأتي “عمي محمد” يسعل وهو في حالة متقدمة من الكبر، ما يدل على تقدم السن وفترة الاستقلال، ليبدأ في التحدث عن مفاهيم الثورة ونوفمبرـ الشهر الذي انطلقت فيه الثورة الجزائرية سنة 1954ـ بالكثير من الألم والمرارة، ومن مشهد لمشهد تبدأ الصرخات المصاحبة له، والملاصقة لأحلامه، عن العديد من الأمور والغموض الذي وصلت له الجزائر، لتعكس بعدها الرقصات الكوريغرافية التي نفذها مجموعة من الشباب، تصاحبها موسيقى معبرة وحزينة تحاكي المشهد بكل مميزاته وآلامه، ليعود “عمي محمد” من جديد وفي نفس الكرسي لكن هذه المرة يتقد شبابا وطموحا، ما يوحي إلى زمن الاستعمار، ليتحدث هذه المرة بأمل وحب، عن الحرية والانعتاق ” العدو أمامكم والكلاب ورائكم”، في عملية ثنائية تحدها الثورة والاستقلال، هذان المتناقضان اللذان سار على دربهما “عمي محمد” بطل هذا العمل طوال ساعة من الزمن، وحسب ملخص المسرحية فإنه لا وجود للتاريخ إلا في العمق الإنساني للفرد ومثالنا اليوم محمد بطل المسرحية الذي تسللت إلى ذهنه أحداث أول نوفمبر، وداعبت ذاكرته لترسم “فلاش باك”، على الخلفية الفكرية لمفهوم الخيبة، ولكنه تجاوزها عندما أقام محمد جسر الثورة وعلق عليه مفاهيم أخرى، تراوحت بين اليأس والأمل، لتشتت الخيبة بين وضعيات مختلفة، لم تترك لها المجال لتتطور حتى النهاية، وإنما تختفي لتحل محلها أمال، التي جسدها الكاتب شخصية في المسرحية، وبعثها العرض في حلة أمال الجيل الجديد، هذه الآمال حتى وان نسيها محمد أو يئس من وعودها إلا أنها عندما يساعد لحظات من ثورة نوفمبر يزود نفسه بعذرية الحرية، وصفاتها، ليستطيع المواصلة في ظل ظروف تطورت لتصنع تاريخ الجزائر، انهار أية أخرى من زاوية أخرى، رؤية تلتقي مع الإنسان الجزائري، وتختلف معه، وهي في حالتي الائتلاف والإختلاف، لا تفعل شيئا سوى أن تعمق فكرة الحرية، فكرة نحيا زمن طويلا داخل نفس بشرية تجتهد للبحث عن الممكن في هذه الحياة.

هذا كلام ينم عن الكثير من المسؤولية اتجاه الثورة الجزائرية وخلفيتها الفلسفية والروحية، لكن العمل من الناحية الفنية والإخراجية  جاء باهتا ومفككا على العموم، لا يحاكي الكثير من المشاهد التي جاءت عبارة عن حشو يمكن الاستغناء عنه بسهولة، ربما هذا يعود إلى استعجالية ما، ورغم أن المخرج حاول  خلق خيط تواصلي بين المسرحية والجمهور، وهذا ما تعكسه امتداد رقعة التمثيل من الخشبة إلى الجمهور، حين يتحرك الممثلين بينهم، في محاولة كما قلت من المخرج لشد انتباهه، بعد أن غاب خيط العمل من ذهن المشاهدين، خاصة وان هناك العديد من المشاهد التي تحتاج إلى توسعة وبسط وتوضيح في الفكرة “الحكاية ـ القصة”، وربط بعضها ببعض، من بينها قصة العاشقين في العمل، وإسقاط العديد من جمل الحوار واستبدالها بأخرى أكثر قوة وتأثير تساعد على  التواصل الذهني وبسط فكرة العمل وفهمها، ونلاحظ بأن اللونين الأبيض والأسود حاضرين بكل تفاصيل العمل، ولا لون يعلو عليهما، وهذا يزيد من ثنائية الفرح والألم ويضاعف جرعتهما

لكل مخرج كبوة

كان من الممكن للمخرج قارة حسن سيد أحمد أن يذهب بمسرحية ” صرخة شعب” بعيدا، حيث لا شئ يعلو فوق الفن والعمل الجاد، فكانت هذه بمثابة كبوة مخرجنا، الذي سبق له وان اخرج العديد من الأعمال المهمة والعالمية، واستطاع أن يكيفها ويلبسها البيئة العربية والجزائرية، على غرار رائعة وليام شكسبير ” الملك لير”، كما اخرج العديد من الأعمال الأخرى التي أظهر من خلالها براعته وتمكنه من الإخراج المسرحي، من بينها “أرض الملائكة“.

 مسرحية “صرخة شعب” أخرجها سيد أحمد قارة ومثل فيها كل من ” حجلة خلادي، منيرة روبحي فيسة، وائل بوزيدة، مراد أوجيت، رضوان مرابط، جعفر بن حليلو،” والكورس” لينا بوجمعة، عبلة مكاوي، صوفيا أوفلة، هشام بورماني، شكري بوقروز، ندير بوراي” الموسيقى لرفيق بلعبدي وسينوقرافيا لمراد بوشهر، كما ساعد في الإخراج مراد أوجيت، ناهيك عن الفرقة التقنية والفنية، والنص يعود لسهيلة بلحوالة عن مجموعة نصوص لمحمد بن قطاف، ومن هنا افتح قوس وأقول كيف يكون النص لسهيلة بلحوالة، وفي نفس الوقت يكون عن مجموعة نصوص لبن قطاف حسب ما جاء به الملصق، ومن المتعارف عليه أن يكون العمل إما مقتبس أو مترجم أو تأليف أو عن فكرة، لكن لم أفهم الصيغة التي جاء بها الملصق والتي أقحم فيها محمد بن قطاف، وهنا أرسم علامة استفهام.

 

.

 

*شاعر وباحث من الجزائر

 

.

 

اترك تعليقا