محمد مردان:ماوراء المشهد أو ما وراء النص / د غزلان هاشمي *
بواسطة مسارب بتاريخ 19 يوليو, 2014 في 05:07 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1723.

 

حينما تابعت نص الشاعر العراقي المبدع الدكتور محمد مردان والموسوم بـ”ماوراء المشهد” واجهتني المساءلات حول إمكانية التعدد …وتلك الهوية الباحثة عن حقيقتها في المعنى غير المكتمل ….وتلك اللغة المخاتلة التي تعتمد التمويه من أجل الخلق والإنجاز اللانهائي …وذلك البوح المسيج بالوجع ضمن زمن إبداعي حدوده الاختلاق…فما يقوله النص؟
العنوان:”ما وراء المشهد” يتشكل العنوان من ثلاث ملفوظات حيث الوراء معبر عن المستتر وعن المتفي وعن الخلف،وعن الموجود في حالة الكتمان الذي يهرب من صفة الكشف والإعلان،وكانه يبحث عن وجود محايث يعبر عن حقيقة النص أو المسكوت عنه أو ما وراء الخطاب،وأما المشهد فهو المنظر أو الفصل من الرواية…أو مجتمع الناس،ومن هنا فالنص يؤسس وجوده على الاختلاق السردي الذي يتخذ صفة العماءحيث هوية الالتباس،إذ المجتمع اللغوي الظاهر لا يعبر عن حقيقته وإنما يتخذ من المغايرة منطقا حتى يصبح النص مغامرة يخاطب من خلالها اللغة في مسافة اختراق ليصل إلى بوحها المستعصي أو لذلك المتخذ صفة التعدد ويهرب من التحديد.إن المشهد/اللغة هنا وجود متأسس على الحذر والمخاتلة يخفي فيما وراءه اعتبارات لغوية أخرى تزعزع النظام النصي القار وتهدد استقراره،لكنه في الوقت ذاته يعبر عن الحقيقة أو الواقع اللغوي الأصيل.إذن فالنص هنا يخاطب الماوراء ويهيئ المتلقي من أجل صياغة وعيه الإبداعي من جديد بما يوافق البحث المستجد وغير المطمئن للكون اللغوي الظاهر أو المعطى الإبداعي الجاهز،حيث تصبح هويته في طور الإنجاز أو تعتمد التأويل المتعدد والصياغة اللغوية المتجددة التي تهرب من حدود المطابقة.


ما يحزنني
أننا التقينا بعد فوات الأوان
فقد شاخت أصابعي
وما عادت قادرة
….على انتزاع الفخاخ المنصوبة
في قارعة دمي
بصفاقة

يتأسس بيننا دم أسود
الأبعاد ليست سوى أقنعة من رذاذ


يعاود الاسم الموصول ظهوره في النص حيث يؤسس لوعي المبادلة والتعويض،ومن هنا فهو يمثل مسافة صمت تنتفي معه الحركة للاستعداد وتهيئة المتلقي من أجل طرح البديل الذي ينتظر الاستظهار الذي يعكس المطلوب،ليأتي الفعل في زمن المستقبل”يحزنني” في شكل المعوض الذي يتخذ المغايرة سبيلا له،حيث يحاول القضاء على صفة السكون وتشكيل زمن شعري متحرك باتجاه القادم،وكأن بالمعنى اللغوي أو الهوية اللغوية تصبح منجزة في طريق التحقق أو في طور التشكيل تبحث عن اكتمالها في الأزمان اللاحقة.ويتأخر الفعل في الزمن المنقضي”التقينا” رغبة في تهميش وتغييب الماضي المتأسس على الوجع وتأخيره ،حيث يخاطب النص اللغة في مساحة التقاء كانت بعد فوات الأوان أو بعدما سيج النص بهوية مفخخة وصارت اللغة مرتهنة للبوح المتعدد لا الثابت،وحيث زمن التحقق في الماضي”شاخت”أعلن إفلاسه وتراجعه والتبس بهوية النفي”ماعادت” لعدم قدرته على التصدي للفخاخ التي ينصبها المعنى المنفتح بعد خروجه على سلطة التمثيل القبلي،ومن ثمة يسترجع المستقبل سلطته”يتأسس” حيث السواد تعبير عن التعتيم والمعنى الهارب من المعيارية والغموض والإبهام ،ومن هنا فالنص يعترف بتخليه عن دوره للغة المخادعة التي تتخذ شكل المتعدد وتتقنع هاربة من صفة التموضع وباحثة عن إمكاناتها المتعددة في لحظة المستقبل.


ما عاقبة الغرفة التي
تتبنى غرقها
غير الإذعان المتاخم للأذقان
متى تنفخ فينا الصور
وهذا السور
بتلبسنا صورة صورة
هل جز السياف كركراتنا
إلى أين يقودنا هذا الدخان
المتدثر بالدخان


ويتبنى النص تساؤلاته المتعددة بحثا عن الإمكان اللغوي الأصيل في زمن المستقبل”تتبنى ـ ينفخ ـ يقودنا” ،حيث تتأخر الحركة الفعلية الأولى”تتبنى” للتعبير عن النص غير المكتمل أو المعنى المؤجل الذي يبحث عن حقيقته أو اعتباره الأصلي بين كل تلك الممكنات المختلفة،أو تلك التساؤلات المعبرة عن زمن الدهشة والتوتر وعن هوية التبعثر والتشتت،حيث اللغة لا تذعن لسلطة المعيار التطابقي ولا لذلك الزمن الإبداعي المحتفي بالمعنى الثابت وإنما تحاول رسم صورة هاربة من التموقع تتمظهر بخصائص لا زمنية حتى تعبر عن الحقيقة غير الثابتة”الدخان” أو المتسربة في سماء النص ،حيث تتبخر تعبيرا عن رفضها الحضور ضمن إطار مرجعي محدد.


لم يكن هذا ما يريده
إلا أن النص قد استفاق
لحكمة ما
حوار محض
جعل المدينة مدينة
على ضوء القناديل
اكتشف المصباح وجهه
وماهي إلا هنيهة
ويبدأ درس الدرس
ودرءا لأحزان وافدة
يستنفر حزنه المؤثث
لا أسئلة في الإمتحان


ويعترف النص باستفاقته على الاحتمالات المتعددة أو على تلك الحوارية التي تبنى على التعقيد والتشكيل المتشابك”المدينة”،ويجعل النص كل تلك التحولات في الزمن الماضي”استفاق ـ جعل ـ اكتشف” من أجل إقصاء وجه المشابهة أو البساطة التي يبنى عليها النص التقليدي،إذ ضوء القناديل أو المصباح تعبير عن زمن مستعار أو غير حقيقي أو وجود محايث،ومن هنا فالنص الجديد يبحث عن حقيقته في اللغة المحايثة او التمثيلات الخطابية المستعارة الهاربة من المعيارية الثابتة في زمن المستقبل”يبدأ ـ يستنفر”،بل ويعلن استسلامه وخيبته في الوصول إلى إجابات عن أسئلته المتعددة عن حقيقة اللغة والإبداع حتى يعلن ألا أسئلة في الإمتحان.


مهجورة تبدو السنة البابلية
تعبت الأسوار من الوقوف على قدميها
أللعنة تطارد الأمس الذي تراجع
عن القميص الأكثر فخامة
وثمة طارئ يمشي
أولوا الأرض بلا مشاجب
أي غد سيكون عليه الآباء
أيها الأبناء
فهل جف نهر الزاب
واستعان المطر بالمطر؟


ويبدو النص متعبا لاهثا في زمن المستقبل”تبدو ـ تطارد ـ يمشي” بعد بحثه عن الإمكان اللغوي الحقيقي بين الإمكانات المتعددة،حيث الزمن الإبداعي القديم يبدو مهجورا وتاريخ النص القبلي مبني على سراب بعد أن اتضح أن فخامته مبنية على سراب ووهم وبعد أن طرأ عليه أمر التحول مع اللغة الحداثية الباحثة عن وجه مغاير،ومن هنا فالنص ينهي بوحه بتساؤلات حيث يسأل المعايير الجديدة عن مصير المنجز الإبداعي المحتكم للموروث والمتموضع في إطار الذاكرة المنقضية،وعن جفاف ذلك الدفق الشعري القديم وهل استعانت اللغة الجديدة باللغة الجديدة أو باحتمالاتها المتعددة من أجل بناء زمن إبداعي جديد مغاير لا يبحث عن إجابات بقدر ما يبني هويته على الإشكالات والتساؤلات المتعددة أو الأسئلة التي تجعل من النص منفتحا على التأويل بغير نهاية مغلقة.
الأستاذة غزلان هاشمي

 

 

 

 

*قاصة وباحثة أكاديمية ورئيسة تحرير مجلة جيل للدراسات الأدبية والفكرية

 

 

.

اترك تعليقا