ونحن صغار،كنا نستقبل عيد الفطر،بجوارح فطرية،طاهرة،لاتشوبها شائبة.لكن، حينما تقدمت بنا قليلا السنون،وأضحينا ندرك ما يدور حولنا وما يحيط بمستقبلنا من مكائد، كارهي الأعياد،أبى هذا العيد إلا أن يدمن على جروح وهزات تزداد رقعتها مع الزمان،تماما كالفطريات فوق جلودنا وبين طيات دواخلنا وتحت كساء عقولنا وحواسنا ومدركاتنا.
ليلة العيد،ألهو كأني ولدت للتو، صحبة أطفال حينا،حتى ساعة متأخرة،بكل ما أوتيت أطرافنا من فورة الفتوة، نقبّل هذا ونعانق ذاك ونقذف أولئك بشيطانية مضحكة،ونتحرش بتلك ونسخر من تلك.تطول مدة تسكعنا، الشبيهة بتسكع أهل الجن،لأن الترخيص الرمضاني قد انتهى،مع رؤية هلال شوال،المؤكد بصوت المدفعية أو صاحب “النفار”،يباغتنا بعض من الأهل،بسباب وشتائم،كي نعاود بيوتنا،وإلا فالعقاب واقع علينا لامحالة، بالتالي،قد تنقلب فرحة العيد إلى مأثم.نتشتت كالقطط ،على وقع جلال التهديد، ثم صبيحة العيد،لنا لقاء.
يصعب أن تنام على سجيتك،خلال الليلة،مشاعرنا هائمة، وفياضة بلا حدود،تبتغي الإتيان عنوة،بشمس يوم العيد،المختلف بالمطلق عن غيره.مع أول خيوط الفجر،ننط من أفرشتنا،نسرع نحو المطبخ،حيث سبقتنا الأم،فأوقدت فرنا من النار،كي تهيئ وجبة شهية بالقمح والحليب والزبدة والعسل.بالموازاة أيضا،تشرع في تحضير بعض الحلويات،التي لم تكن تقتضي مهارات كبيرة ولا آليات حديثة،لكنها فعلا كانت في منتهى اللذة.نحيط بها، والنوم لازال يغالب جفوننا، مترقبين صنيعها.حينما، نفقد صبرنا حيال أسر بريق تلك الحلوى،تتسابق أناملنا بطريقة سحرية، نحو انتشال ما تهيأ منها،تحت وقع ضربات الأم وصبيب لعناتها.
زيارات الأهل،بعد تناول الفطور مع أفراد الجيران،تتوزع يمنة ويسرة،يصاحب نموها أوتقلصها، انتفاخ جيوبنا بقروش،تضاعف أضعافا بهجة العيد،لأننا سنستعيض عن حرمان الماضي، بشراء ماحلمنا به قبل حلول العيد،ثم خاصة الذهاب خلال الظهيرة إلى قاعة السينما قصد الاستمتاع بفيلم كاراتيه وآخر هندي،التي لم نكن لنملك لها سبيلا بغير عطاءات العيد،أو التسكع في بعض منتزهات مراكش،لما كانت المدينة منا وإلينا،بأحذية وسراويل جديدة،يسمح لنا استثناء التباهي بها خلال المناسبة،لكن مباشرة بعد انقضاء اليوم،سنعيد طيها والإسراع بها،إلى خزانة الملابس في انتظار أول يوم من السنة الدراسية.
قد يكون حظنا سيئا،فيتصادف عيد الفطر والجو الممطر،مع ذلك، لايضيع الحفل،بل ،سنتكوم داخل الغرفة، لمتابعة فيلم كنا نعتبره وقتها هدية ثمينة من التلفزة المغربية، وستزداد الأجواء سكينة وحميمية، إذا انتمى إلى صنف الكلاسيكيات المصرية أو الفرنسية.
فيما بعد،لم تعد الأمور مقبولة لدي وفق الأبجديات ذاتها،تزاحمت الأفكار،تراكمت الأحزان،فتلاشى المفهوم العام لشيء اسمه العيد واندثر،كي يأخذ الحس الذاتي مجرى مغايرا للثقافة المجتمعية،بمعطياتها النمطية ومقولاتها الجاهزة،وصرت أومن أولا وأخيرا،بأن العيد في جوهره الأصلي،باعتباره تمثلا إنسانيا،أكثر من كونه مجرد طقس مجتمعي،ثم ما يحدده من حيثيات السعادة والفرح،هو قضية ذاتية ونسبية،تتعدد بتعدد الذوات البشرية بل ومع الذات الواحدة،لاترتبط بسياقات الآخرين.
بمعنى،إذا كان العيد،سعادة يبديها المحتفي سواء عبر علامات لغوية مختلفة عن المعتاد،منزاحة،وألبسة،فإن حجر الزاوية بخصوص قضية الفرح،يكمن في مدى تجاوب الفرد مع مشاعره وتصالحه معها.هنا،يتجلى الفرق بين الفرح والحزن،الأول ماكر،حربائي،يملك قدرة هائلة على الخداع،بينما الحزن ساذج، أحادي الوجهة،ينكسر بسرعة، ليس بوسعه غير أن يكون كما هو، دون مواربة.لذا،يسهل بسرعة التظاهر بالفرح،فتطلي وجهك بحزمة مساحيق وأقنعة،أما الحزن فيرتاح باستمرار، تحت سقف الهوية الواحدة.
أقول كلامي هذا،متوخيا استلهام العبرة الأخلاقية،التي يجدر أن نستشفها ،من الدلالات الجذرية لحالة أن تكون فرحا سعيدا مبتهجا،وسط محيط عربي،في غاية الحزن والسوداوية، كي نتجاوز المشاعر الكاذبة ل”أعياد” كثيرة،احتفلنا بها زيفا،دون تمثل لشفافية الأحاسيس،فكانت النتيجة الوضع المأساوي الذي لايمكنه بتاتا أن يبعث سعادتك ،اللهم الهستيريا المرضية ،ثم في أفضل الحالات نوع من الكوميديا السوداء، أو كانت مشاعرك مبلطة بالاسمنت الثقيل،مما يعني أنك لست من فصيلة البشر.
لأننا تربينا وترعرعنا،داخل مجتمعات تتماهى بالنفاق وتتسامى بالشخصيات الانفصامية،تبرع في تشييد جبال من اللغة المخادعة،فنخرب ذواتنا مع سبق الإصرار،وأن لاتتحقق عندنا الأعياد،كما المفترض ،مصالحة حقيقية للناس مع ذواتهم واختياراتهم ومواقفهم ورغباتهم،كان حتما انتهاء العالم العربي إلى الجحيم،والقادم أكثر مرارة بلاشك. كل شيء،يتدمر حولنا،وبات خرابا،وأثرا بعد عين، لأننا ببساطة شديدة، لم نمارس قط الصدق مع أنفسنا،مثلما يبتغيه مفهوم العيد.
بقوا،يخبرون الجميع بتحرير فلسطين،وهم يراكمون خلف الكواليس صفقات الخيانات.استمروا،يبشرون بهتانا، بالعروبة والأمة الواحدة والسوق الموحدة المزهرة،وثروات العرب لكل العرب،وخير أمة أخرجت للعالمين،والقمم والاتفاقيات الثلاثية والرباعية واللانهائية والأخوة والزعامات،الخ،أعياد وكرنفالات لغوية،ما الحصيلة؟صفر.
بدا جليا،بعد جل “الأعياد” ،التي لم تشكل لحظة للمكاشفة الصريحة،فنحتفل حقيقة بذواتنا وبواقعنا،دون خجل، متجردين عن الادعاءات الكاذبة،أننا لم ندرك بعد حكمة الشاعر العراقي محمد الجواهري :((ألا ليت الإنسان ينسجم مع نفسه دائما)).
أما الدرس الكبير، الذي أراد منا سعد الله ونوس،هضمه جيدا،أثناء سجاله مع الموت بعد إصابته بداء السرطان،فمفاده
أن مواجهة القضايا الكبرى،لايمكنها التحقق، بغير أن يتحلى كل واحد منا بشجاعة داخلية يتجاوز بها الزيف والنفاق والشهوات العارضة.
حينذاك،سنشعر كلية ببهجة العيد،ولن نهمس أبدا : عيد بأية حال عدت ياعيد؟.
* باحث ومترجم من المغرب




