نكش السطور و العود و الحمار‎/ قصة قصيرة / صيد عبد القادر*
بواسطة مسارب بتاريخ 25 أغسطس, 2014 في 04:49 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1367.

جلس الطفل على حافة الساقية و رجلاه  في و سطها، و كلما تدفقت المياه إلى تلك السطور التي ينكشها أحس بغبطة و انتصار كأنه يصنع بحاره ، و حين ملّ نظر إلى العود الملطخ بالطين ، و نفسه لا تطاوعه في رميه ، كأنه  يرفض أن يتخلى عن مضغة من صلبه، لم يرمه و لكن وضعه بجانبه ، ثم نظر إلى السماء يستطلع أمرا ، فشرعت تلهيه بلعبتها  الأزلية ، تستعرض له دمياتها فتتشكل له  أشكالا حسب الطلب ، حتى استرخى ، فرجع بظهره إلى الخلف ،و استلقى على الأرض ليقابلها  فيطلب ما يريد .. ها إنه لا يشعر بالمتعة الكافية ، يحاول أن ينظر إلى السماء و هو شبه مغمض العينين، تلتحم أشفاره  لتختلط مع سعفات النخيل ،  فينفذ إليه النور كأنه في  كهف ، يحس بزحف كتائب المياه على رجليه و هي تتمسح بجلده و تتحرش به ،لا يأبه لها ،بل يركز في متابعة معرض الصور المفضلة لديه ..يتبخر الآن السأم من كل خلية في جسده فينسجم مع المشهد ، ويحس بروحانية  تسمح له بالارتقاء إلى فوق ليرافق دمياته .
     من فرط تناغمه مع لعبة الدُّمى لم ينتبه  لدخول شيء غريب على المشهد  قد اقتحم عليه عالمه  ، شيء أسود  كأنه حذاء ممزق .. ينخطف فجاة ، وينتفض من مكانه، فإذا  أمامه  كائن يسمى الحمار..
ـ بسم الله الرحمن الرحيم ..كيف تجرؤ أيها الحمار و تقطع عليّ خلوتي ..
   ينظر إليه الحمار بجنب و بتحد كأنه يتجاهله ، لم يدر الطفل إن كان الحمار ينظر إلى جهته أو ينظر إلى جهة أخرى..لكن عقله لم يتباطأ في إمداده بفكرة ، كلمح البصر برز أمامه موقفه الأسبوع الفارط مع الكلب الذي هاجمه ،حينها لم يخف منه بل تقدم إليه متظاهرا بمبادلته الهجوم مما أرغم الكلب على التراجع تلقائيا،حدث نفسه الآن:
ـ ربما نفع مع الحمير ما نفع مع الكلب ،فشأنهما سيان ، فالكلاب نحمّلها عبء أمننا  و الحمير نحمّلها عبء أجسادنا و أمتعتنا ، و نحن نستدل بألحان الكلاب على اللصوص ، و نستدل بألحان الحمير على الفنانين ، تبا لهذه الحديقة  التي لا تفاجئني فيها إلا هذه الأصناف ، أتلهف ليوم يقاطعني عصفور أو فراشة!
   تقدم الطفل خطوتين في حركة  أرادها أن تكون سريعة و جريئة ليخيف الحمار، لكن الحمار لم يعبأ به ،حثا في وجهه  حفنات من التراب ، لكن الحمار أدار وجهه غير متأثر بشيء من هذا ، صاح في وجهه طويلا ،لكنه رأى الانشراح على وجهه ، أدرك المستوى الذي انحدر إليه، نظر حوله ليتأكد من أنه لا أحد  يوثق غباءه ، و حدث نفسه ثانية:
 ـ لن أتركه ينال مني ، لن أسمح لكائن نكرة ليس له علامة مسجلة في  الإيذاء أن يهزمني..
فليس للحمار عضة مشهورة كما الكلب ، و لا لسعة مرهوبة كما العقرب و الأفعى ، للأسف فإن أذاه غير مصنف في الكتب ، ماذا أقول لأبي ؟ عضني حمار ، ستذهب عني كلمة عضني ، و تلتصق بي حتما و إلى الأبد كلمة حمار.
 نظر وراءه  فوجد الساقية ، حدثته نفسه بالقفز عليها  للهروب..
ـ لست حمارا لأهرب من حمار،سأمتطيه ، و سيرى مني ما يسوءه .
   قفز قفزة فارس واثق من نفسه ، لكن الحمار انتفض مرة واحدة فأسقطه سقطة قوية في الساقية، لقد جهل الغرير المسكين أن سقطة الحمار مسجّلة ،تألم و لكنه ما زال يافعا فلم ينكسر فيه شيء، لم يتفطن  كيف وجد بين يديه ذلك العود الملطخ بالطين و الذي كان ينكت به السطور، هاهو الحمار يهجم عليه فاتحا فمه ليعضه عضة الدهر كله، و يترك عليه وسما لن ينساه ، فظيع أن تنتهي القصة بانتصار الحمار على الطفل الحالم ،لم يكن ليتحمل هكذا نتيجة،استجمع قوته  ، وضم أصابع يده يقوة على العود ،وما كاد الحمار يقترب منه حتى  غرز العود في عينه بسرعة و بقوة مطلقا صرخة ارتبكت منها دمياته التي لم ترى منه لأول مرة هذا الوجه الجديد، و نهق الحمار نهيقا  يحمل في طياته كل أصوله الحمارية،  و رجع بدمائه من حيث أتى .

  أدرك الطفل منذ هذه الحادثة  مخاطر  متابعة دميات السماء ، لكنه تعلم  الوثوق في عوده، فبقي محافظا عليه و لم يتخل عن نكش السطور بجانب الساقية .

 

 

 

 

 

 

 

 

* قاص وشاعر من الجزائر

اترك تعليقا