تفكيك اللامفكك او بنية الغموض في المجموعة الشعرية “مرايا الماء”* لعبد الحميد شكيل/ عبد الحفيظ بن جلولي*
بواسطة مسارب بتاريخ 28 أغسطس, 2014 في 04:22 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 4633.

تعتلي الشعرية عند عبد الحميد شكيل مدار اللامعلن كانخراط أساس في دائرة المختلف، الذي لا ينفصل عن بداهة تعاطي المقول على مشارف القصيدة، إذ تنحدر هذه الأخيرة من توهان معدم الاتصال بالراهن منفلت من أي تحديد للبدايات أو النهايات، فالبداية الخواء سمة (علامة)، باعتبار أن “التعبير يصبح عبارة عن علامات، عن سمات.”1،  يستثمرها المجهول ألانبثاقي لفعاليات القراءة، الباحث عن أقاصي المعنى، فمحاولة الشاعر “ليس في أن يصور الواقع أو ينقله، و إنما هو في أن يبقي اللغة متوفزة، مرتبطة بالحدس، كأنها التموج لا يهدأ”2، والنهاية لا تنكشف إلا بمقدار الوصول إلى الدلالات المتاحة في مؤانسات المعنى الزئبقية، المتغيرة عند كل أفق للانتظار، “لكن هذا لا يعني ان الانتظار يتغير باستمرار ووجود انتظار جديد للمعنى هو الذي يزوّد النص بوحدة المعنى”3 وبذلك تكتمل حركة الفهم انطلاقا من الكل وعودة إليه مرورا بالجزء حسب منظور غادامير، وحيث يشعر القارىء بالهروب المتكرر للمعنى كلما حاول أن يجد مدخلا للقبض على أبجدية نصية، وذاك ما يصطلح عليه بالقراءات المتجددة التي تتيحها بعض النصوص الحداثية، وهو ما يعبر عن حال الواقع الذي غار في مآلات التحول والسرعة والتغيير والحداثة، فانعكست جملة هذه المنحنيات على نفسية الشاعر وبالتالي على بنية القصيدة بتلبسها رداء الغموض(الفني) غير المقصود، وأخيرا على القارىء الذي يصده النص، باعتبار أن التقاط الصورة الشعرية أو الموقف الشعري أصبح يخضع لعنف اللحظة المولدة للنص والمباغتة بسرعتها المذهلة. والغموض لا يرتئي غير مقصود لجملة المتعاطين مع القصيدة في تجلياتها الظاهرة، أو في دلالاتها الذاتية المُحيلة على قاموسية النص، حيث يبدو غموضا مقصودا.   

 تفكيك العنوان/غموض الانعكاس:

يدخل العنوان ضمن نسقية المشروع الشعري عند عبد الحميد شكيل، في محاولاته بلوغ مقامات التواصل النصي مع مُتَوَّج ألذات ألفيضي، فتفكيك العنوان “مرايا الماء”، يقود إلى اعتبار المرايا منفصلة عن الماء، ومن ثم يشكلان حقلين ذوا طبيعتين مختلفتين يجمع بينهما مشترك الانعكاس، حيث يجعل منهما موضوعا لـ”التقابل المرآوي”4 بين المرايا و الماء، هذا التقابل ينتج على مستوى التلقي الفاعل تأثير علاقة التفاعل بينهما في ترتيب المعنى الشعري، فالعلاقة مع المرآة تحددها القصدية المسبقة لفعل اكتشاف الذات، إذ يعترف لاكان “بأن بنية ألذات تقوم على التشبث النرجسي بالمتخيل، خاصة في مرحلة المرآة، حيث يبني الفرد لنفسه ذاتا مثالية يتماهى معها”5 ، اما العلاقة مع الماء فتحددها التلقائية الكامنة في انكشاف الأشياء على صفحة الماء، تماما كما تحققها أسطورة نرجس، حيث أنتج ذبول ألذات وردة النرجس، وهو ما يكسب الانعكاس في هذه الحالة جمالية خاصة.

تحقق أيضا جملة العنوان على المستوى الذهني،  اتصالا دلاليا بين المرايا و الماء، مما يوحي بإمكانية قبول أن طبيعة المرايا مائية، وهو ما يجعل أيضا مفهومي الانعكاس السابقين متّحدين يتحققان في الآن نفسه، وهو ما يؤكد أن “التقابل المرآوي” الذي أنجزه العنوان، يجعل من الماء تعبيرا عن حالة مكانية بدلالة الجملة التفسيرية “مقام بونة” الملحقة بالعنوان الأصل، وهو خلاف ما عبر عنه الماء من حالة الذات في ديوان ” تحولات فاجعة الماء”، وتصبح المرايا هي الآخر الذي يُرى من خلاله المكان بونة، وتُحَققه ابتداء العتبات المتمثلة في الإهداء الموجه إلى ” ذو النون الاطرقجي” الذي يشير فيه الشاعر بشكل مباشر إلى مرآويته حينما يخاطبه “وانتشر كالمرايا..”ص5، وفي المقابسة المتمثلة في منطوق السرد عند حيدر حيدر “..تلك هي بونة المضيئة. مدينة الحزن و البحر و الخوف و الحب و الذاكرة…”ص7، وأيضا تُحققه بعض الإشارات المتضمَّنة في النصوص.

وعليه يتبين مما سبق ان الغموض ينتج عن عدم القدرة على بلوغ التواصل مع شفرات برنامج الخطاب الشعري.

موضوعة الماء/ غموض الدلالة:

إن موضوعة الماء في الإبداع الشكيلي ذات انعطافات حادة، تخرج عن محاولة الإدراك المعرفي المجرد، إلى مدارات أرحب من الجوهرية الشعرية المنفلتة من التحديد، ” ومن هنا لا ينبع الشعر من الأفكار وإنما ينبع من الإشارات والدلالات”6، فاستجلاب عنصر الماء كأداة للتوظيف الشعري، يشكل تحولا ذهنيا عن أي تمثل يخضع لمقاييس التفكير محدد الأبعاد بمنطقية العقل، وبالمقابل يعتبر انحيازا إلى لا منطق الشعر الذي يتحكم فيه التواجد الفجائي في مهب الكلمات، وذلك ما أراده بورخس بقوله: “عندما اكتب شيئا، ينتابني شعور بأنه كان موجودا من قبل. ابدأ بمفهوم عام. واعرف قليلا او كثيرا البداية و النهاية، بعدئذ اكتشف الأجزاء الداخلية. لكنني لا امتلك الشعور بأنني اكتشفتها، او إنها تعتمد على إرادتي الحرة. الأشياء هي كما هي عليه، تكون مخبوءة، ومهمتي كشاعر هو العثور عليها.”7

يقول عبد الحميد شكيل في نص “فتون”:

“جسدي..

يا أبي ماء أجاج” ــــــــ 1 /ص120.

ويقول في “غيوم على شاطىء الماء”:

“تغيم الريح،

أتوارى خلف جسد الماء، ” ـــ 2 / ص119

العامل المشترك بين الجملتين هو الجسد الماء، والجسد يؤول إلى ألذات الشاعرة في الجملة(1)، ويضاف إلى الماء في الجملة(2)، ومنه نستنتج اختلاف طبيعتي الجسدين، فهو ذو منشأ إنساني في الأولى، وذو منشأ مائي في الثانية، هذا التنوع في إبداع مستويات لا منطقية للماء، تشكل الجواز المنطقي إلى الحدود غير الآمنة للتشكيل الشعري، وتؤسس منطقها الخاص عندما نوغل فنيا في غموضها البعيد عن الافتعال ألقصدي، فالدلالة المعنوية في الجملة(1) تنحرف بالوعي صوب الموضوع الجسدي الملتاع بحرائقه(أجاج)، مما يجعله في عطش شديد مستمر لإدراك مدارج الروحي او بتعبير النص:

“أعطى المريد فتح المرايا،”/ ص120. 

إن التواري خلف الشيء يكون للحماية، لكنه جاء في الجملة الشعرية(2) كتعبير أنيق للدلالة على الاحتماء من نجس الجسد بطهرانية الماء الكامنة في شفافه، حيث ينعدم مفهوم الحماية الساتر لينبثق شعريا مفهوم مغاير شفاف، بما يفيد انعكاس شفاف الماء على ألذات، فيتلبسها، أو أن التستر أصلا بالشفاف يعني اكتساب طهرانيته مسبقا، لان الشفاف مخترَق ولا يحجب ما دونه.

انطلاقا من هذا المنظور، يخرج الماء الشعري عن ترتيبات المنهج المعرفي للكشف عن مدلولاته الإبداعية، فوجود العقل البنيوي والعقل الانتربولوجي والعقل الأخلاقي و العقل التحليلي..، لا ينفي وجود العقل الشعري على اساس تنافر حقلي العقل و الشعر في ما يصدر عنهما من فكر مجرد لدى العقل، و شعور (فيض) وجداني لدى الشعر.

ان العقل الشعري يجمع شتات هذه العقول، لأنها تصدر عن ماهية لا ادراكية، فالعقل التحليلي يحلل، لكن كيفية انقداح شرارة التحليل، ينبري العقل الشعري لملء فراغها المجهول، فالماء يتناوبه بحثيا العقل: الأخلاقي، التحليلي، الانتربولوجي، العلمي، اما العقل الشعري فيقبض على كيفية انبثاق الأساسات الروحية للبحوث المجردة، أي انه انفلات من ضائقة الكم إلى فسحة الكيف، إن العقل الشعري يغامر بالغوص في المناطق المجهولة لمصدر المادة الإجرائية والتنظيرية للعقول المجردة بتراكيب شعرية مستحيلة التوائم مع المنطقي و المعقول.

إن موضوعة الماء عند عبد الحميد شكيل لا يمكن تناولها في إطار التوظيف المفرداتي المجرد بعيدا عن تعمق الدلالات السياقية في أتون التجربة الشعرية الشخصية، فالماء يندرج ضمن فضاء التشكل الصوفي، إذ ينسل من تواجده المادي/المعرفي المجرد إلى التماهي في بعثرة النشوة و لذة الحرائق. 

العتبات/علائق الغموض:

يصدر عبد الحميد شكيّل في نصوصه “مرايا الماء” عن حالات شعرية متحولة، تبحث عن حالة استثنائية تتمثل في المكان “بونة”.

“يشير جيرار جينيت في كتابه الهام “عتبات” إلى أن النص نادرا ما يقدم دون تدعيمه بمجموعة من الانتاجات:(اسم المؤلف، العنوان، المقدمة…). وكلها تعيينات تحيط بالنص وتمدده، وبالضبط لكي تقدمه بالمعنى الاعتيادي للفظ.”8

إن النص لا يمكن أن يقدم ذاته مهما بلغ من الصَّنعة الفنية، أي مهما بلغت لغته من عمقٍ في أدبيتها، إلا إذا ارتحل في عالم التلقي مخلفا أثارا لمفاتيح مقولية، قد لا يتاح لعموم القراءة أن تمسك بها، لكنها ضرورية لاختراق مركز النص الصاد الذي لا يلاعب إلا القارىء غير المكترث لصده، حيث يجعله مفتشا في جعبته الادواتية عن ما يمد طاقته القراءاتية بإمكان فك اللامفكك، وهو ما يفسر عجز بعض التلقي عن ولوج عالم النص مفسرا ذلك بغموضه.

العتبتين المُصدِّرتين للنص والمتمثلتين في الإهداء والمقابسة، يفتحان شيئا من انغلاق النص، المفتوح في ذواخله على المكان، فالإهداء يتقدم به الشاعر إلى الأديب العراقي ذو النون الاطرقجي، مفتتحا إياه بالجملة:

(أما زلت تذكر “ليلى” ؟)/ص5

يُلحق الجملة بحقل مفرداتي للطبيعة: بساتين الحبق، الزنابق الجبلية.

يجعل هذا الإلحاق من الحقل المفرداتي للطبيعة تابعا لمعنى الجملة السابقة، وبه يحتمل قراءة “ليلى” على أساس المكان “بونة”، ولا ينفصل الاسم “ليلى” في المخيلة العربية، بل والذاكرة الأدبية العالمية، عن تراثيته المزدانة بالعشق والمحبة، وبالتالي تصبح “بونة” موضوعا لجذب عشقاني و محباتي.

يتضمن الإهداء جنسية “ذو النون الاطرقجي” حينما يخاطبه الشاعر:

“أيها العراقي..”/ص5

تأكيد الإهداء على إظهار موطن المهدي إليه، يحمل إشارات الدلالة على إقران عراقة العراق كذاكرة بشرية لبداية الحضارات بعتاقة بونة وعمقها في التاريخ، و منه ينعطف الوعي مباشرة على تحميل الإقران أيضا بغداد العريقة.

بعد الإهداء ينتقل الشاعر إلى المقابسة، و التي تعتبر فقرة من رواية “وليمة لأعشاب البحر” لحيدر حيدر، يتوجه المسرود فيها إلى بونة، مفتتحا إياها بالجملة:

“كانت مدينة جميلة”/ص7

ثم يلحقها بحقل معنوي للتنوع بقبيحه وجميله، الذي يحتاج إليه أي عَالَمٍ لكي يتشكل، حسب المثل الفرنسي المشهور، ” لكي نشكل عالما لا بد من كل شيء”، هذا التنوع هو ما يجعلها:

 ”بونة المضيئة”/ص7، المنفتحة على العادي في تراخيه الإنساني الباعث على التعالق:

“تلك هي بونة. مدينة الحزن والبحر والخوف والحب والذاكرة…”/ص7

تحيل المقابسة إلى معنيين دالين اخفاهما الشاعر و ذكر بعضا من اثارهما، فحيدر حيدر روائي سوري، حيث لم يذكر الشاعر جنسيته، والإشارة الدالة المستفاد منها في ترقوية المكان “بونة” هي “دمشق” عطر الأمكنة و بهاء التاريخ، والدلالة لا تترك مجالا للشك في احتمال الإقران بين “بونة و “دمشق”.

المعنى الثاني المحال إليه هو “وليمة لأعشاب البحر”، وهي رواية أثارت ضجة واسعة، وكان بإمكان الشاعر ان يستغني عن ذكر مصدر الفقرة، وكأني به تَقَصَّد ذكرها لإسباغ حركية الضجة و اشتعالها على “بونة” المتضمَّنة سرديا في حدثية الرواية، وبذلك ترافق حرارة وضجيج سيرورة الرواية حركة المكان “بونة” فتكسبها المخاض المتجدد للولادة المستمرة.

الشعور بالمكان/مرجعية الإدراك:

يرى عبده وازن في مقالته “شارل بودلير شاعر القصيدة النثرية” ان بودلير لم يستغرب “ان يحتل المشهد ألمديني جزءا كبيرا من القصائد النثرية، وان تمثل الحياة الحديثة هماًّ من هموم الشاعر الملحة، فقد ارتبطت تلك القصائد بحداثة مادتها او مرجعيتها”9

ان المدينة بتعدد فضاءاتها، وتضارب هندساتها الحركية، لجديرة بان تصبح موضوعا لهاجس يترصد التفاصيل المهملة التي لا تعني سوى الوعي المتوثّب، الجاهز على تخوم المقول “لحاجة شعورية تترجم بشكل تعبيري”10.

ان نص “تحولات محاق اللون” يسير في إطار البحث عن تخوم هاربة منسوجة على منوال حلمي في شعرنة الأشياء، يبتغيه الشاعر ويشكل هاجسه وفق الرؤية التعبيرية الخالصة والمخلصة لتوادد الفعل الشعري، حيث يفتتح المشهد:

“لم أرها..

ولم أجد الماء الذي كنت انتظر!”/ص9

الجملة الشعرية تحدث مقابلة بين مؤنث لم يره الشاعر، و بين ماء منتظر، يجمع بينهما في إطار العدمية، فلم تحصل الرؤية بالنسبة للمؤنث والذي يحتمل إمكانية تأويله على أساس المكان “بونة”، ولم ينوجد الماء الذي يعتبر من مفردات المكان والذي يصبح رديفا له بدلالة الجملة التفسيرية الملحقة بجملة العنوان(مقام بونة)، هذه المقابلة تحدث نوعا من الانقباض ألمشهدي المفتوح على الفقد، لكن استعاضة الشاعر عن المكان، تأتي من ذات الطبيعة الملموسة والوجدانية، الحارة والحميمة، التي يحفظها للمكان:

“وانخرطت في شهوة البكاء،”/ص9

فالدمع من نفس الطبيعة المحسوسة للماء(الشفاف و السيولة)، ومنبعه عضو نبيل وهو العين، تماما كما ينبع المكان من القلب، إلا أن حالة الفقد هذه ذات طبيعة خاصة، لِتَفَجُّرِ فجائعيتها في حقلية المدى الشاعر، لذلك كانت لحظة التفاعل مع الفجيعة غرائبية في تشكلها، إذ جمع فيها الشاعر بين الحزن و الفرح:

“و دعوت الشجو، كيما يشاركني الفرح!”/ص9

ولو لم تكن كذلك لما كان الموقف جديرا بشعرية التخريج، التي لا تقوم إلا على محمول اللغة الدال:

“وخرجت من غبار اللغة..”/ص9

كأن انغلاق البنية الشعرية على مشهدية الفجيعة والجمع بين المتناقضات، جعل من الموقف الشعري غورا سريا تحيل إليه الجملة الشعرية:

“وبجسمي علقت سبع سنابل، “/ص10

   الإحالة واضحة على الآية القرآنية الكريمة في سورة يوسف، والتي تفيد تعبير الرؤيا، “..وسبع سنبلات خضر و أخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون”سورة يوسف الآية43، بمعنى فك شفرات موضوع غامض، والمعنى “سبع سنابل” إشارة دالة بحكم ورودها السياقي القرآني على تعبير الرؤيا، وفك مغلق المبهم بالعثور على الحل، لذلك استرشد الشاعر بالصيغة القريبة من المعطى القرآني في المحاولات المنجزة للبحث عن المخرج،  وأوجز ذلك في فعل العبور:

“كانت تراهن، كيما نعبر جسر المهزلة!”ص10

الرؤية الشعرية في فكروية المشهد، تحتمل إمكانية طرح المأساة التي يعيشها الوجود الإنساني داخل دوامة المكان بكل تعقيداته وتشابكاته، لذك فهي تستدعي الآليات ذات الطبيعة الخاصة والتي لا يمكن إلا أن يكون محمولها شعري، لأنها تحمل من التناقض ما لا يقدر المعرفي الممنهج على خرق إحاطاته الممعنة في الصاد والمدهش، المتوغلة في غيابات المستعصي، وتحديد الاتجاه صوب جهاتها لا يكون إلا عن طريق:            “بوصلة الشك/اليقين!”/ص11، أي المواجهة الصراعية التي تكشف عن الحركية في تبدلاتها المستمرة.

تكشف المفردة الشعرية في مجمل النص عن الحيرة التي يواجه بها الشاعر العالم في تحولاته.

اللغة المقول /شعرية القصد:

يصدر عبد الحميد شكيل في شعره عن المقول وليس عن القول الشعري، لان القول رهين الشيوع الافتعالي الذي يلامس العادي والمستهلك، وعليه يكون التخصيص بالمقول أجدى، والمقول تخصيص من العام حسب ماورد في المنجد، فـ” المَقُول والمَقْوُول:اسم مفعول/مقول القول عند النحاة: مفعول القول”11، والدلالة القاموسية تحيل ذهنيا على التحول من مستوى القول إلى مستوى المقول، والرابط بين المستويين هو فعل التحقق، و قد يساعد المثل العربي الذائع الصيت ـ “لكل مقام مقال /يريد ان لكل أمر أو فعل أو كلام موضعا لا يوضع في غيره.”12 ـ على استبانة المعنى في جوهرية المقول وفرادته الدلالية و التفضيلية على القول.

يتبين من التوضيح القاموسي أن المقام يفرض مقاله، وبالتالي، وإسقاطا على مقام الشعر فان المقول اقرب إلى النبض الشعري المختلف، “فحين يهزنا اليوم شعر امرىء القيس، مثلا، أو المتنبي، فليس لأنه ماض عظيم، بل لأنه، إبداعيا، يمثل لحظة تخترق الأزمنة.”13، وبذلك يحتفظ بألقه واختلافه المدهش، الناتج عن التخصيص في جسد العام، أي مقول القول الذي أرخ فنيا للحظة البوح الشعري، فارتقت القصيدة مقامها الإنساني، الذي جعل التجربة متداولة وفقا لنسق خاص، لا ينفتح عليه إلا من يملك مفاتيح المدارج الشعرية، تماما كما السلوك الصوفي الغارق في الذائقة والعرفانية، “من ذاق عرف و من عرف اغترف”.

عندما يقول شكيل في “تحولات محاق اللون”:

“وخرجت من غبار اللغة..

كنت وحيدا، “/ص9

تهيمن اللحظة الفجائعية على فضاء اللغة، فتتولد الكلمات منغطسة في مغسل الحالة، بعيدة عن الافتعال، لان اللحظة الشعرية معاشة وليست مُرَاقَبَة، و هوما يغذي ذاكرة التخيل الشعرية، “فذاكرة التخيل النشطة لدى الشاعر- كما لدى أساتذته من المتصوفة و مفكري الشيعة- تسمح له بالهجرة من العالم المحسوس إلى المتخيل، العبور من الصمت إلى الغناء دون ان يكسر من اجله الصمت الخالق للقصيدة.”14 كما يقول خوان جويتيسولو في ملاحظاته حول شاعرية خوسيه أنخيل فالنتي.

ذاكرة المتخيل متصلة بأحشاء المعنى وانسراب الكلمات في سياق القصيدة التي لا تستجيب إلا لمنطقها الخاص، ويبدو ذلك في مفردة “غبار”، التي أضفت مسحة شجنية على المقول الشعري الذي خرج منه الشاعرـ وفي تراثه ما يؤكد هذا المفهوم، حيث نصادف في مجموعة “غوايات الجمر والياقوت”15 قصيدة بعنوان”أشجان غبارية لشمعدان الماء” ـ، وتفيد الجملة الشعرية أسبقية التواجد ألمقولي على القائل، وهو ما يؤكد دلاليا على المقام المتمايز عن سياقات القول التي نباشرها و لا تباشرنا، وقد يكون ذلك واحدا من مقصديات قول “خوان جويتيسولو “الهجرة من العالم المحسوس إلى المتخيل”، وعليه يكون “غبار اللغة” هو المقول الشعري، وتُسْتتبع الجملة بـ ” كنت وحيدا”، هذا المعنى في احتمالية مقصديته يجعل “القصيدة لا تنصاع للسجن في معنى وحيد، بل تحرق وتحترق وتتوالد بنورها الخاص.”16      

ان الجملة الإيضاحية لما سبقها، “كنت وحيدا” تحتمل معنى التجربة الذاتية، او فردانية الشعر، والتي تتلخص فيما يقوله آلان تيت في معرض حديثه عن شعر اليوت، بأن “الاعتقاد قائم بان شعر اليوت- وكل الشعر الآخر – تقرير بسيط عن استجابة شخصية ما لظرف ما”17

ترتقي الحالة الشعرية مدارها الإلهامي، فتتوحد بالحالة الغبارية لكينونة الراهن:

“لكنه وقت الغبار كان، ــــــــــــ كينونة الراهن.

وكنا نروض وحش المرحلة”/ص10 ـــــ كينونة الأنا الشعري. 

تندمج الكينونتين في تسام مقولاتي يجنح نحو الخلق الشعري الباهر في لحظات التوحد و الفردانية، حيث ان “الشعر اليوم خاص او شخصي من حيث النوع، وهذه أجدى صفاته”18، فكلا الكينونتين تندمجان، إذ يخوض الفاعل الشعري مغامرته الترويضية في مرحلة أولى، ثم يُبَادِر بالتسوية في مرحلة أخرى:

“سويت الماء بالريح،”/ص10

تُخاض المغامرة في ظل غبارية الراهن، ومنه تحيل مفردة الغبار إلى معنى “غبار اللغة” في الجملة الشعرية السابقة، فتتجلى معاني التجربة الشخصية في ذائقة ألنُّخَبِي غير المتعالي، المحتفظ بهامش للمشاركة ـ” كنا نروّض” ـ في فعل المبادرة الانتقالي بطبيعة المكان من حالة الغبار إلى حالة التسمية:

“سَمَّيت الدرب: بهجة الفوز،”/ص14

“وسَمَّى الاتجاه: برهة الوقت،”/ص15

“اُسَمِّي بونة: عطر الاماسي التي خلعت مسوحها،”/ص16

و التسمية في الأخير ليست إلا فجائية المقول الشعري الصادر “عن حدس يرى ان اللغة بدئية، كأنما هي قبل الأشياء، اعني أنها لا “تعمل”، إنما تسمي.” 19، وهو ذات الاستنتاج الذي يمكن ان تحتمله الجملة الشعرية السابقة التي تنضح بأسبقية اللغة على الذات الشاعرة “وخرجت من غبار اللغة..”

مع نهايات القصيدة تتكرر اللازمة النصية “لم أرها”، التي ذكرت في النص ثلاث مرات، ويمتد النفي المتعلق بغائب، الذي تشير الدلالات النصية المؤنثة على انه المكان، من الرؤية إلى الوعي تارة:

“لكنني، لم أعها، “/ص14

وتارة أخرى إلى الذوق، حيث يتكرر مرتان:

“لكنني لم أذقها، “/ص13

امتداد مجال النفي، وتكراره كما في حالة الرؤية و الذوق، قد يحيل على استمرارية المكان في الوعي، و”يلغي الزمن العادي، ليفجر زمن النص، ويجر القارىء إلى أن يحتفل بالمكان كرمز بهائي مُتَخطَّف من أخاديد كونية مشتهاة، مرغوبة، ولكنها دائمة الهروب حتى نظل دائمي البحث عن صورة اقترابية لهذا المكان الرمز..”20

لهذا، وعود على بدء، اصل إلى أن المقول تأسيس للمصطلح الشعري ذو الخصوصية الابهارية، وامتلاك لمجاليته البعيدة في لا محدود الحدس والإلهام.

الاستدعاء/غامض الاستعادة:

عنوان القصيدة إحالة صارخة على التاريخ الإستيعادي، وعلى لحظات الإنعتاق من أسر الأغلال، باعتبار نوفمبر(تشرين الثاني) تاريخ لاندلاع ثورة التحرير الجزائرية.

“نوفمبروت”، علامة إصرار، تفرض على القارىء محاولة البحث عن العلائق بين ما يقذفه معنى المفردة في ذهن المتلقي، وما ينحته النص من منعطفات شعرية، ولعلّ الجسر الذي يتيح المقاربة بين العنوان واتجاه النص هو الجملة الشعرية:

“ويجيء الوطن المرتجى:

سماء صافية،

نبع ماء من حليب..”/ص37

أخذت مفردة “نوفمبروت” في النص أبعادا دلالية، بتحويرها على صيغة مصدر يمنح الإحساس بالقوة على غرار المصدر “جبروت”، وهو ما يليق بحقيقة نوفمبر كزمن ماض أرّخ لبداية استرجاع وطن، فكتب لِذاته الحضور المستمر في الوعي، وفي علاقته بالمتن، أسّس بنية المماثلة الإبداعية بين استعادة وطن بالمفهوم العام أي الفضاء، و شروق وطن بالمفهوم الخاص أي المكان المبحوث عنه من قبل الشاعر، والمُتضمَّن في المكان العام، و لعل عنوان القصيدة وضع شكلا من أشكال التمييز بين الفضاء و المكان باعتبار دأب الشاعر المستمر أبدا في إدراك المكان المعيَّن بالتخصيص وهو “بونة”، واستخلاص محمد بنيس المستند إلى منظور هيدجر يؤكد “ان المكان منفصل عن الفضاء”21 والجملة الشعرية توضح شيئا من مكونات الفضاء:

“اشد الأزر، ” ـــــــــ انفصال

و اعتمر المكان المستحيل!”ــ اتصال /ص33

الجملة الشعرية تحقق برنامجين قراءيين، برنامج انفصال عن ما قبل شد الأزر، أي انفصال عن مكان ما، وبرنامج اتصال بما بعد شد الأزر، والاتصال يكون أيضا بمكان ما، فمكان الانفصال هو الفضاء العام بدلالة جملة “المكان المستحيل” التي تبين المكان الخاص الذي يرومه الشاعر، وهو ذاته الذي لم يره و لم يذقه و لم يعه في نص “تحولات محاق اللون”، هذا الوطن يُكوّن له الشاعر صورة اهتزازية في ذهن المتلقي، لإشعال شرارة الصراع المولد للحركة، والذي يمكن أن تتجه قصديته إلى استمالة القارىء لمشاركة الشاعر هواجسه و شعوراته اتجاه المكان الشعري:

“يكتب عن سورة وطن يجيء ولا يجيء، “/ص34 ـــــــ غموض

مؤدى الجملة ان هناك آخرا، غائبا، يقارب موضوعة المكان”الذي يجيء ولا يجيء” بإسفاف. “يجيء ولا يجيء”، تهب المعنى عمقا على مستوى الجملة الشعرية، او باصطلاح أكثر أدبية، تهبه غموضا فنيا، يكشف عن مضمون الإسفاف(السطحية والوضوح) في مقاربات الآخر:

“يكتب عن سورة وطن يجيء، ولا يجيء، ـــــ غموض.

سوى في حبر المقالات الرخيصة، ـــــــــ سطحية.

او في حشو النشرات التي تعادي البلاغة، ” ـــــ وضوح./ ص 34 ـ 35

مقاربات الآخر الارتجالية تمثل اعتداء على عمق المكان الشعري، الذي لا يدرك إلا في مدار فريد يصفه الشاعر بـ :

“هي الكتابة، محرقة الذين توحّدوا بالألم المعجّل،

والمؤجّل، واستووا على قمة الروح..”/ص35

هذه الكتابة المفتاح هي التي توازي قامة الوطن (المكان الخاص)، الذي لا ينفضح بسهولة، لأنه كامن في المُتوَّج الشعري ومنظوم في علاقاته الجوهرية، التي تتفرد الكلمات ببناءها في اشتباكها الدال غير المحكوم بترتيب المفهوم وفق أبجدية البداية والنهاية، ولهذا فهو يشكل مسارا لأسطورية متاحة في فرار المكان وانفلاته:

“أشد الأزر،

وأهتف ملء صوتي:

أما آن للموج الصاخب،

أن يمنحنا السكون..؟/ص39

ينتهي النص بهذا المقطع، وكأني بالشاعر يعاود اللحظة الافتتاحية التي سجل فيها استحالة القبض على مكانه الشعري، حتى تتصل استمرارية الوطن العام والخاص بانفتاح دائم على الانبعاث الذي تمثله أسطورية نوفمبر.

علائق الوصل/غموض الرابط:

تنفتح قصيدة “ابتهالات لأرجاء بونة”/ص41، على الإنساني، على الجواني، وعلى ما أدركه”جان دوفينيو”، من المنظور السوسيولوجي، إذ يرى أن ” تجذر الفن في سياق الحياة الاجتماعية، يزيد من دلالته التواصلية، دون ان يضعف قوة الإبداع، ويستطيع حتى ان يوسع معناه.”22

لا يمكن أن تنحصر ألذات الشاعرة في رواء عالمها التخييلي وحسب، بل عليها أن تسعى جاهدة إلى مد جسور التواصل مع الإمكانية المجتمعية، المُفجِّرة لدواعي التخييل المكثف، والمناضلة لتعميق المفهوم في انتصاراته القاعدية و الهرمية، لأجل أن يتبوأ المعيش رهافة المنتظر في أفق ألذات والمكان كعنصرين من عناصر الإبداعية الإنسانية.

ينادي الشاعر على “بونة” ابتداء:

“يا طفلة المدن المرصودة في كتب الخوف،

يا ماء القلب الناهض من أشداق البحر”/ص42،43

تمعن دلالات المقطع العميقة، في الكشف عن طبيعة القصيدة الهادئة، مَرْكَب فوق الماء يسير في هدوء، يشرب من شمس البحر، ومن ملوحته أيضا، يؤسس عطشا للإبداع والمقول، يترغب فتنة الشعر التي على غير عادة راهن الوقت.

يجمع المقطع الشعري حقلين دلاليين متمايزين:

الحقل الدلالي للطفولة: الخوف.

الحقل الدلالي للبحر :الماء.

تتحول المدينة الشعرية إلى طفلة، لكن إضفاء صفة الخوف الطفولي عليها، يزيد من جماليتها، ويقوي من اقترابنا ألحناني إليها، لكن ما يمكن ان نَتنبَّه إليه بروية هو رابط ألـ “كُتُبْ” الذي يتضمن الخوف، والذي يكسب الاقتراب الحناني شعرية يترغبها الشاعر في الآخر، ومعرفية ترمز إليها مفردة “كتب”، وهو ما يقترب من المنظور السوسيولوجي لـ”دوفينيو”.

يجعل الشاعر أيضا من المدينة الشعرية “ماء القلب”، وهو ما يؤكد الافتراض الأول في ان مدلول الماء ينصب على المدينة “بونة”، والماء الراكض بطبيعته آسن، لذلك لم تتوقف الجملة الشعرية عند حصرية الوصف بالماء، بل فتحت البنية الجُمَلِيَة على موضوع البحر لدلالات تجدده المستمر، و لربط التجدد بـ “ماء القلب” الذي هو المدينة الشعرية، أوجد الرابط الملائم المتمثل في صفة “الناهض”، والصورة المستخلصة من الكل الرؤيوي هي انتعاش المدينة من تدفق البحر في شرايينها، مما يجعلها تأخذ من مزاياه المتعددة كالعمق وتنوع الكائنات، وهو ما يجعل المقاربة السوسيولوجية قائمة في أطروحة “دوفينيو”، أما على المستوى الرمزي فان المدينة تأخذ من البحر ملوحته، التي تؤدي دلالاتها مفهوم العطش المتجدد للاستمرار، بما يتضمنه البحر من معاني الحياة الكامنة في امتداده و كونيته، وهو ما يؤسِّس أيضا لانفتاح المدينة على العالم.

في خضم التواصل العام الذي يفتح به الشاعر تاويلات القصيدة، لا يستطيع أن ينفك من جمالية إساره للوشائج الوجدانية التي تموقعه في برزخ الشعر، وكأني به يُذكِّر المدينة بالرابضين على شرفات الاحتراق:

“وظللي الفتية الضالعين في سر الشوق”/ص42

ينتقل الشاعر من التصور الأقرب إلى الذهن، الطاعن في الشعرية أيضا، إلى تصور يمتح من الأسطوري، ليؤكد المنحى الاستمراري في محاولات القبض على المكان الهارب، مستمرا في النداء عليه:

“أيتها الخلوة الهاربة من ظل الدخان،”/ص42

لتفكيك غامض المعنى، نقسم الجملة الشعرية إلى مفصلين زمنيين:

أيتها الخلوة الهاربة.. ـــــ زمن واقعي.

..من ظل الدخان.. ــــــ زمن أسطوري.

قراءة الجملة من زاوية زمنية، تبين تهويم الزمن بدلالة “ظل الدخان”، حيث يغيب المفهوم في غموض لا يتجلى إلا باستدراك أداة الربط المتمثلة في مفردة “الهاربة”، التي تقسم الجملة دلاليا إلى ماقبل الهروب و ما بعده، فينتج عن ذلك لحظة اتصال اسطورية تدمج المدينة الشعرية في غموض “ظل الخان”، ولحظة انفصال واقعية تتجلى فيها ملامح التضاريس المدينية، فيتركب الزمن بذلك في معادلة اقرب إلى الواقعية الأسطورية، لكنه يفر أيضا من راهنيته ليتعلق بأسرار زمن بدئي أحدثه الشاعر بتناص هادىء مع المعطى القرآني الدال على الدخان ألبدئي الذي جمع الكون:قال الله تعالى:

“ثم استوى إلى السماء وهي دخان” سورة فصلت/الآية10.

 والدال أيضا على فَتْق الأرض عن رَتْق السماء و الأرض:قال الله تعالى:

“ألم ير الذين كفروا ان السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما”سورة الأنبياء/الاية30. وهي الإشارة التي ترفع المكان من الأسطورية التي أوجبتها نصيا الضرورة الشعرية، إلى اللحظة التجلياتة في جمالية الخلق الإلهي، فيأخذ المكان مباشرة أهميته من لحظة الانوجاد الأولى في كنف العناية الالآهية، وهو ما ينقل الإفضاء الشعري من سوسيولوجية الموقف اتجاه الأشياء إلى “توقفات مفاجئة، اشراقية، في (العوالم المتخيلة)، بعد العودة المحتومة إلى المادة..”23، حيث تقول سانتا تيريزا:” الاتحاد والإبحار إلى أكثر المضامين سموا لا تستمر سوى لحظات قصيرة جدا..”24

تجاوز الكتابي/حضور الإنساني(غموض الاتساق):

يتعمق غادامير في كتابه “فلسفة التأويل” إشكالية الفهم و التأويل بصيغة دلتاي، ولا يرى أنهما يتعلقان بالعناصر الموثقة عبر الكتابة وحسب، بل “يختصان ـ بالا حرى ـ بالعلاقة العامة الكائنة بين الأشخاص وكذا علاقتهم بالعالم”25، وليس معنى ذلك إهمال التثبت بالكتابة، بل إضافة بعد آخر يجعل من التجربة أكثر وجودية، وخصوصا وان الاتجاه التاويلي عند غادامير يستلهم من “الوجودي” الهيدغيري، أي الدازاين( الوجود ـ في ـ العالم)، ومنه “تصبح قدرة الفهم عبارة عن عزم أساسي، بواسطته يحيا الإنسان مع الآخر ويتواصل معه، يتحقق هذا العزم أولا في اللغة ووحدة الحوار.”26

انطلاقا من تمعن الفقرتين تتجلى النظرة التكاملية بين ما هو علاقات إنسانية، وما هو نص تشكله اللغة التي ترقى إلى هندسة هذه العلاقات، او تنفرد اللغة في توظيفها التواصلي الوجودي في تحقيق ذات الهدف.

نهايات نص “ابتهالات لأرجاء بونة”، يتجاوز تلقيها شكل انطراحها الكتابي، ليتواصل مع “الدازاين” بتعبير هيدغر، المنتج لها في اتساقه الحفي باللحظة الشعرية، وفي ارتباطه الإنساني بالعالم، ومنه تتعلق القراءة بالإنساني في حضوره الوجودي بالعالم مهملة أثره الكتابي من شدة وهجه.

يقول عبد الحميد شكيل مخاطبا فراغ غيابي ممتلىء بالذات في شروقها المكاني:

“يا صوت من مروا،

ومن عبروا”/ص49

الخطاب الشعري يتجه إلى مخاطب غائب، يصور إدراك اثر مطلق دون تعيين مصدره، والوقوف على المنجز الإنساني المتمثل في “الحب”، يوحي بحضور ألذات الشاعرة بالمكان المؤنسن، أي المفتوح على الإنسان في إطلاقه:

“ومن بالحب خطوا أغنية الإنسان”/ص49 ـــــــ زمن إنساني مضيء.

غياب الإنسان وحضور الأثر يحيل على المكان، وعليه فالمقطع يؤسس لزمن المدينة الماضي والمضيء.

ثم ينتقل إلى تصوير لحظة راهنة، تكشفها أفعال الزمن الحاضر(هاج، جار، اختلط):

“هاج الرهط،

جار الوقت،

واختلط الأمران، “/ص49 ـــــــــ زمن إنساني معتم.

المقابلة بين المقطعين تُظهر ثنائية ضدية، قطبيها، زمن إنساني مضيء، وزمن إنساني معتم، تقف ألذات الشاعرة بكل امتلائها الإنساني الذي يغترف من فورة الوجدان كما يتأثر ببلادة الحس، يسمو بالقوة كما يخور بالضعف، تقف بين الزمنين مفصحة عن زمنها الخاص المليء بالهاجس و الخوف الطفولي الذي تترجمه جملة “الفراخ الزغب”، والذي يواجه الموقف الأشد حلكة، ببراءة الانفتاح على معتم البراني بإضاءات الجواني، لذلك ناشد المكان بما يتوافق وهذه الإضاءة:

“ناشدتك الله، والقمر السهران:

أن تفتحي الباب المرصود،

فليس لنا سواك من البلدان!!”ص50     

و مطلق البراءة أن لا تُفَرِّط في ما تحس انك تمتلكه بأنانية الطفولة، لأنه يصبح امتداد متخيل للأنا، وذاك ما تفيض به الجملة الشعرية الأخيرة، “فليس لنا سواك من البلدان!!”، وهو ما يدفع القارىء تلقائيا إلى عقد حوارية تتجاوز النص إلى الإنسان في انوجاده الإنساني داخل متاهة الكلمات.

الانتباه/ “الرنين الدلالي”(غموض الخصوصية):

البحث الدلالي عن المعنى، إذ يسير محايثا للنص في تعرجاته المنتهية إلى ذهن المتلقي، يقود الوعي إلى مآلات لا نهائية من الافهام، تضطر القراءة إلى استنفار كافة طاقاتها لترجيح المحتمل منها، المدعم بالقرائن النصية، وهو “ما يميز خصوبة الحوار المتمثل في القراءة(تلك التي تبحث عن الفهم)”27، حيث تقترب من النص مُترغِّبة جس طيفية أصواته لاستخلاص النبض المتناغم مع صدى ألذات الباطني، الذي يتحسس خصوصية ما يحتويه النص، فـ “النص في حد ذاته يتحدث عن شيء ما، مثال الشعر كمعاهدة قسرية بامتياز، بدون الإحالة إلى “المؤلف” ولا إلى صوته وإنما إلى عمق المعنى والرنين الدلالي الذي يفلح القارىء في سماعه.”28

نص “ضراوة الأجراس”، يمنح إمكانا تأويليا ـ ونحن نبحث عن علاقة العنوان بالمتن الشعري ـ لان الأجراس بما تثيره من انتباه، هي تعدد لموضوعة اليد داخل النص، فالرنين الدلالي يقترن بالتوارد المتتالي لليد على شاشة الذهن، نظرا لما يحدثه العثور المتتابع عليها في منعطفات النص، أما الرنين الواقعي للجرس، يقترن بتتالي الحركة الضاربة المولدة للقرع، وهو ما يحدثه تتالي اليد في سيرورة القراءة.

يُفْتتح النص بالمقطع:

“أكتب الماء و الشجر،

وسلطة اليقين، “/ص51.

يتوجه الشاعر بإهداء صغير إلى الروائي الراحل “عبد الحميد بن هدوقة”، بتوضيح “متوحدا في ملكوت الماء”، قراءة الإهداء في تجلياته الدلالية، يفتح أفق التلقي على فك غامض المبتدأ النصي.

إذا اعتبرنا أن الماء ترميز للمكان قياسا على التفسير الملحق بعنوان المجموعة، يكون الإهداء بمثابة استدعاء للروائي إلى مكان الشاعر الشعري، حيث يتاح له الإبحار في مغامرة النص، و لما كان الروائي منطويا في الغياب الأزلي، أضاف الشاعر إلى كينونة الماء، باعتباره حاملا لمحمول المكان، وصفا من ذات مفردات مكان الغياب الأزلي متمثلا في “ملكوت”، وهو ما يحيل على ديمومة رغبة الشاعر في إضفاء حالة الهروب المتتالي على مكانه الشعري، حتى نستمر في الاحتفاظ له بالصورة الاقترابية الرمزية، إذ “ملكوت الماء”صورة ذهنية منتزعة من مدار غيبي منفلت من جغرافية الإدراك والتحديد.   

استدعاء “عبد الحميد بن هدوقة” نصيا، يكرس الدلالة المبطنة في معنى “سلطة اليقين”، حيث عندما يتحول اليقين إلى سلطة فهو حتما يقين الكتابة، و مبرر ذلك أن الجملة جاءت استئنافية لما قبلها، المدمج في فعل الكتابة “اكتب الماء والشجر”، ومنه يكون الاستدعاء قصد التدعيم و التقوي، لتعميق دلالة مفردة “سلطة”.

إن من أهم أدوات السلطة في استتباب أمرها، هي اليد، التي تعبّر عن القوة و القدرة، لذلك استتبع الشاعر السلطة نصيا بالوصف:

“معروقة، مشروخة اليدين”/ص51.

ثم يعدد حالات اليد، و التي ما هي إلا تعداد لحالات السلطة التي يمتلكها الكاتب المتمثلة في الكتابة، فتكون أحيانا في أعلى درجاتها الافصاحية و الفعلية:

“يدي مرفوعة،

وقامتي محدودبة، “/ص55

فالرفعة هي رفعة القلم، وتحدب القامة يحتمل إمكانية القراءة على أساس الانهماك الذي ينخرط فيه الشاعر”إتقاءً”:

“لأتقي رغوة الكلام المنتشر، “/ص55

يستمر النص في عرض حالات اليد:

“يدي مشرعة،

وقامتي منتصبة،

ورايتي المخضبة،

تلوب في الأرجاء،” /ص57

وهي حالة من التوازن تترجمها المتوالية المعنوية(مشرعة/منتصبة)، لذلك يُسْتشف من لاحق المقول الشعري أن توازن الحالة الكتابية متناغم مع الوسط المحيط، حيث يتوفر الدافع إلى ذلك وهو العطش المعرفي، وفعل “تلوب” من “لاب”، أي “عطش. وقيل حام حول الماء وهو لا يصل إليه”29، يكرس هذا المنحى التأويلي.

تتحول حالة اليد إلى الانقباض:

“يدي مقبوضة،

وقامتي محددة،”/ص58

ثم تصير اليد إلى القطع، و تصير القامة إلى الصرع:

“يدي مقطوعة،

وقامتي مجندلة، “/ص60

و كلها حالات للكتابة تتواءم مع حالة السلطة، وتخضع لنفس معايير تقلباتها، من الضعف إلى القوة و العكس.

إلى أن يصل بنا الشاعر إلى تأسيس حقل مفرداتي للكتابة(سبورة، قصيدة) في سياق صياغة المعنى المحتمل لليد والقامة، المنخرط في الكتابة:

“يدي سبورة من الفلق،

وقامتي قصيدة من الكلام المنزلق!!”/ص61

لا يترك الشاعر حالات اليد و القامة مفتوحة على المطلق، بل يقيدها مع نهاية النص بالاستنفار والاستنهاض، بما يجعل الكتابة ضرورة من ضرورات التغيير والكينونة:

“استنفر يدي ،

استنهض قامتي،”/ص64

ينتهي النص بالجملة الشعرية:

“أغلق الباب المشرعة!!”ص64

غلق النص على هذه النهاية، يقدح ذهنيا سيناريوهاتية طاغية، تفيد الاستراحة إلى المكان، وبدلك تتحقق هويته ككينونة، وهوية ألذات كوجود في المكان أو بمعنى هيدغيري، الوجود ـ في ـ العالم(الدازاين)، الذي “لا يقتصر على سلوك و تصرف تجاه موضوعات المعرفة و لكنه الوجود ـ في ـ العالم نفسه للدازاين.”30

الرؤيا(غياب/حضور، اتصال/انفصال)/غامض التواصل:

يتراخى المكان في تلقائية الانسراح ألمقولي لدى الشاعر، حتى تغدو المسافات القرائية تائهة في انغلاقات لذيذة لبساطة وتفرد المنظور الفكروي، فالمكان في لحظة شعرية غائرة في الابتهال الجواني، يتحول إلى وجود قابل للتشكل وفق طيفية للصيرورة التخييلية، وهو ما يجعل من النص رؤيويا ينفر من المحاكاة، “ولا يستقيم المعنى إلا بقراءة القصيدة على أنها قصيدة رؤيا، وبالتالي البحث في خلفياتها الفلسفية و بنياتها الاحالية.”31

يبني الشاعر مسافة متخيلة بين إدراكه للذات، وإدراكه للمكان، حيث يقول:

“انهض من نومي، أرتب فوضى الأحلام، “/ص67 ـــــــ برنامج انفصال.

تنفصل الذات الشاعرة عن زمن مغيِّب للإدراك(نوم)، لتبادر إلى ترتيب الأشياء الناتجة عن الانخراط فيه حسب الأولوية، والأولوية تبينها مفردة المكان، اللاحقة في سياق المعنى الشعري.

بعد ذلك ينخرط الشاعر في برنامج اتصال:

“ارتدي جسدي، “/ص67. ـــــــــــــــــــ برنامج اتصال.

أهمية هذه الجملة لا تتأتى من كونها تعيد الشاعر إلى حالة الوعي، ولكن من تلبسها حالة فوضى الحلم التي رتبها الشاعر.

 تتلخص نتيجة الاتصال والانفصال، في محاولة الشاعر قراءة موقف وجودي في مستوى تتلاءم فيه طبيعة القراءة مع طبيعة حالة الوعي الحُلمية:

“أتهجى مراياي، “/ص67.

 المرايا تعكس ما يتعرض لها، فهي بالضرورة، ومن خلال السياق الشعري تعكس الذات المتلبسة هالة الحلم، وفي مستوى الحالة اللامدركة والحلمية تتوعى ألذات الشاعرة لمفقودها الشعري(المكان)، شاحنة كيانه المرتجى من الطبيعة الحاضرة للذات:

“ثم اشحنك قبرة من أراجيف المكان؟”/ص67.

لا تنعكس أثار الطبيعة الحلمية للذات على المكان فحسب، بل أيضا على أداة التواصل المكينة بينها وبين المكان، و المتمثلة في الشعر، الذي لا يمتلك الشاعر غيره، فتنشأ علاقات ذات طبيعة خاصة:

“يستوي بيننا،

الذي بيننا،

فنعرف ان للوردة شكل المشنقة!

وان للحليب لونا غير البياض!”/ص67

المفارقات الناتجة عن الاستفاقة في دائرة الحلم الشعرية، تجعل للأشياء أبعادا تناقض أبعاد وجودها في المنظور الطبيعي، وهو ما يتلاءم ورغبة الشاعر في الإبقاء على مكانه الشعري بعيدا في توهانه الأسطوري، ليظل المتلقي دائم البحث عن صورة اقترابية له، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تيسير الحصول على المفردات ذات الطبيعة الخاصة لتأثيث العالم الشعري ” الذي يصدر عن حدس يرى ان اللغة بدئية، كأنما هي قبل الأشياء..”32 وهو ما يخالف واقع العادي، حيث الاستفاقة تكون فارقة للذات عن كل ما يمت بصلة للحلم.

و كما يبقى الشعر أداة أساسية للتواصل مع المكان، تبقى أيضا حالات الاقتراب من ألذات والابتعاد عنها، التي تتطلبها ضرورات الاغتراف من المعين الشعري، علامات عميقة لتحديد البوصلة الوجدانية صوب المكان الشعري، فالاقتراب من ألذات هو التصاق بعالمها الذي لا يتكشف في ظاهر الانوجاد إلا بمقدار ما نريد ان نسجل من حضور شخصي، بينما المستوى الأكثر إيغالا في الماوراء يتطلب طبيعة مغايرة للحضور العادي، أي شخصانية ذات تميز، وهو ما يتفق مع الاندغام في الذات عند استشعار حالات البرد الشتوية:

“في الشتاء، البس بردة ذاتي، “/ص68. ــــــــ اتصال.

اما الافتراق عن الذات فهو انفصال جمالي يكشف أبعاد تواصلها مع العالم:

“في الربيع أتحلى بخرير المياه!”/ص68.ــــــ انفصال .

الجملة الشعرية تترجم انفصالا عن الذات و اتصال بالموضوع، و الانفصال الشعري يمتلك جماليته من ذات الحقل المفرداتي للجمال (الربيع، خرير).

حركة الاقتراب من الذات و الابتعاد عنها، المراد منها شعريا هو إحداث حالة من الصراع النفسي:

:ولما تضيق فضاءات نفسي:”/ص68.

الهدف من الصراع النفسي، هو تثوير مستوى للذات في سيرها صوب الموضوع الشعري، والمُترغَّب من الحركة الإبداعية في مدارات التشكل ألجنيني والمتجدد للغة، وهو المكان الذي يحتوي شعريا كل غياب للذات أو حضور لها، وكل اتصال بها أو انفصال عنها، إذ يبقى كل ذلك أداة للتواصل مع المكان.

نصية الوعي/غامض المشترك:

في نص “فاتحة لكتاب الوقت”، يجلب انتباه القراءة تداول مفهومين في جملتين مختلفتين، لتقاسم محمولهما مشترك “الضيق”، الذي تنتج عنه مجموعة علاقات تساعد على تفكيك غامض النصية باعتبارها “الشرط الذي يكون النص، طبقا لها، نصًّا.فنصٌّ ما هو توليفة مركبة من العلامات.”33

تتمثل معادلة الجملتين في:

“يعدل الثوب الذي ضاق بزهو الجسد!” /ص94 ـــــــ /1

“السموات التي ضاقت بالزرقة، /ص99 ـــــــــــ /2

نستشف من معنى الجملة الأولى، أن صفة الضيق تقع على الثوب، و بمفهوم المخالفة فان الاتساع يشمل الجسد، ويمكن أن نقرأ ذلك من خلال مفردة “زهو”.

بالانتقال إلى الجملة الثانية، نتلمس ان صفة الضيق تقع على السموات، وبمفهوم المخالفة فان الاتساع يشمل الزرقة.

الجمع بين الجملتين يبين ابتداء، تقاسمهما مشترك صفة الضيق، وبتحديد حدي الضيق، يمكن التوليف بينهما، ومنه التوليف أيضا بين حدي الاتساع:

حدَّي الضيق: الثوب، السماء.

حدَّي الاتساع: الجسد، الزرقة.

تتمثل إبداعية الجملة الثانية في إلحاق صفة الضيق بالسموات، بينما احتفظت للزرقة، وهي إحدى اللواحق الدلالية للسماء، بصفة الاتساع، ليؤدي معناه في الجملتين وظيفة جمالية، تجعل من الجسد بعد تعيينه كحد للاتساع، يتشعرن ببعديه الأرضي والسماوي، فالزرقة تنسحب على السماء كما تنسحب على البحر، الذي يمثل احد اللواحق الدلالية للأرض، وبذلك يسبغ حقل الاتساع الزرقة على الجسد، مانحة إياه موضوعتي انسحابها اللوني(البحر والسماء)، فيكتسب بعديه الأرضي والسماوي، وطبقا لذلك، “تتجلى وظائف الجسد في الحركة والوجود في العالم، والجنس و الاتصال مع الآخرين وشرط ذلك كله هو الوعي بالجسد.. ليس الجسد موضوعا بل وعيا ذاتيا.”34.

ويمكن تفسير الاعتراض الذي تظهره الجملة الثانية المتمثل في ضيق السماء بالزرقة، بعكس المعنى الوارد، أي تَرَغُّبِها لرمادية الغيم، وهو ما يحمل معاني القِطر والنماء.

الملاحظ أن كافة أوجه التأويل المحتملة، تؤدي معان ايجابية، فلا ينحبس الجسد في انكفاءه الترابي بل تعتقه الرؤيا الشعرية إلى تشوفاته السماوية، و أيضا الرؤيا الشعرية لا تسجن جمالية السماء في واحدية الصفاء، بل تزج بها في رمادية النماء الناتجة عن طبيعية التغييم.

عود على بدء/ شعرية الخاتمة:

من مزايا شعر الحداثة، ذلك السيل المنهمر من الأسئلة الحارقة التي يصدم بها القارىء، و المحفزة للإبحار في متون المتاهة النصية،ليس لافتكاك الإجابات، ولكن لاكتشاف “فراغات بيضاء” بتعبير أمبرتو إيكو، قد تساهم في إضاءة الفتيل القرائي، حيث أن الشعر الحداثي وليد لحظة السرعة التي ألمت بالمدينة في تحولاتها الجذرية، إذ أن  “ثقافة المدينة انطلاقا من بودلير هي الحوار مع السرعة”“35، فأنزلت الوعي منزلة المتفقه للأشياء في زَرَبِها المهاجر صوب اللاتحديد، صوب الإشكالات العويصة للكينونة، وتشويش المتفق عليه والمهمش في أسئلة الجمهور القنوع، المنبهر بالمستهلك، والمطيع لفتنة المتعة البصرية ذات الاستحواذ الطاغي، الواحدي الاتجاه والتلقيني النزعة.

ان قلق الحداثة يتغذى من هذه التحولات في البنى الهندسية لهياكل المعيش، وفق وتائر لا تتماشى في معظمها مع العقل التنميطي الذي لا يعيش إلا في كنف الآخر الفكري والفلسفي وحتى الوجداني، لذلك أحيانا تنبني التجارب الإبداعية مبتورة عن سياقاتها الجذرية المتحالفة مع الحرية والمعادية للتقليد حيث أن “دينامية الإبداع تتنافى مع التقليد، وتنبع مباشرة من القدرة على إطلاق الطاقات الدفينة والكامنة في نظام خيالي- رمزي تابع لكل ثقافة…”36

تجربة عبد الحميد شكيل ـ والتجربة الشعرية الحداثية الجادة ـ استطاعت الى حد بعيد أن تنحت مفردات لغتها الشعرية داخل منظومة الغموض، لكن ليس أي غموض، انه بالتحديد الغموض الفني، الذي استغرب ادونيس استنكاره من قبل مؤسسة الوعي المتلقي في نظامية القراءة العربية، حيث يرى ان “الغموض، على العكس، دليل غنى وعمق. وهذا ما تنبه إليه ناقد عربي قديم، فقال (افخر الشعر ما غمض).”37

ان الإطار الذي تتحدد به الذائقة الشعرية ليس في مدح أو ذم الغموض، بل في إثباته أولا، أي أن ما يظهر غموضا لقارىء معين قد لا يكون كذلك بالضرورة لقارىء لآخر، وان الغموض إذا كان فنيا، يتعلق في حد ذاته بقدرة القراءة على اختراق جدر الصد العنيفة في القصيدة، فالمركزة النصية عندما تصد، يستجيب إليها عجز المحاولة، فينكفىء على حاله متهما النص بالغموض، اما المحاولة المالكة لزمام القدرة، فهي وحدها التي ترتجع الى ذاتها دون خجل، تفتش في جعبتها الادواتية، لتختار منها ما تجابه به عتو اللغة، وقد تشكل بعض العناصر المموهة في النص أدوات متخفية، إذا تَيَسّر القبض عليها، قد تساهم في فك بعض من شفراته، وهو ما حاولت أن أشتغل عليه في نصوص عبد الحميد شكيل، حيث حددت بعضا من هذه العناصر، كغامض المشترك، التواصل، الخصوصية، الأنساق، الرابط والاستعادة.

إن اللغة لا تحيد قيد أنملة عن جوهرها عندما تغير من نظام بنياتها، لأنها وليدة الكينونة الخاضعة للتغيير، إذ أن ” ما تحمله هذه اللغة و مفرداتها من معاني و أفكار ومذاهب، لا يكف عن التبدل مع تطور المجتمع و الثقافة.”38، ولإثبات اللغة ديمومتها داخل منظومة التبدل، عليها أن تمتلك تنوع الأداة، التي من بينها الغموض الفني، الذي يتيح لها انتقاليتها وتحوليتها داخل الأسس البنيوية لثقافتها، وهو ما لا يعيبها بقدر ما يكون رافدا من روافد اغتنائها.

 

 

الهوامش:

*- نصوص ابداعية، عبد الحميد شكيل، منشورات وزارة الثقافة، مديرية الفنون والاداب، الجزائر،ط1، 2005.

1ـ فيليب مانغ، نسق المتعدد أو جيل دولوز، ترجمة عبد العزيز بن عرفة، دار الحوار، سورية،ط1،2003،ص120.

2ـ ادونيس، مقدمة قصيدة الوجوه الدمية، صلاح ستيتيه، دار الاداب، بيروت،ط1،1983 ،ص 10.

3ـ هانس غيورغ غادامير، فلسفة التأويل، تر محمد شوقي الزين، منشورات الاختلاف، الدار العربية للعلوم، المركز الثقافي العربي،ط2،2006، ص119.

4ـ عبد الرحيم العلام، الفوضى الممكنة، دار الثقافة، المغرب،ط1، 2001،ص217.

5ـ  د.ميجان الويلي،د.سعد البازعي،دليل الناقد الادبيالمركز الثقافي العربي،المغرب،لبنان، ط3، 2002 ،  ص 45 .

6ـ ادونيس، زمن الشعر، دار الساقي، لبنان، ط6، 2005 ، ص69.

7ـ خورخي لويس بورخس، سبع ليال، ترجمة د.عابد اسماعيل، دار الينابيع، ط1، 1999، ص108.

8ـ الفوضى الممكنة، مرجع سلبق، ص17.

9ـ محمد العباس،ضد الذاكرة،شعرية قصيدة النثر، المركز الثقافي العربي، المغرب، لبنان،ط1، 2000،ص56.

10ـ نفس المرجع، ص56.

11ـ المنجد في اللغة و الاعلام، دار المشرق، بيروت، 1987 ، مادة قَوَلَ، ص663 .

12ـ المنجد في اللغة و الاعلام، فرائد الادب،ص 1006.

13ـ صقر ابو فخر، حوار مع ادونيس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،  الطبعة العربية الاولى، 2000، ص182.

14ـ الأدب الأسباني المعاصر،باقلام كتابه، ترجمة وتحرير طلعت شاهين،المجلس الاعلى للثقافة، القاهرة،،ط1، 2002،ص23.

15ـ عبد الحميد شكيل، غوايات الجمر والياقوت، منشورات وزارة الثقافة، الجزائر، ط1، 2005،ص5.

16ـ الأدب الأسباني المعاصر، مرجع سابق، ص23.

17ـ آلان تيت،دراسات في النقد، تر د. عبد الرحمان ياغي، مكتبة المعارف، بيروت، 1987،ص67.

18ـ دراسات في النقد، مرجع سابق، ص66.

19ـ الوجوه الدمية، مرجع سابق، ص5.

20ـ عبد الحفيظ بن جلولي، المأساوية العشقية في ” حالات للخفق و الفداحة”، متابعة، جريدة صوت الاحرار،12 جانفي 2000، عدد 571.

21ـ حسن نجمي، شعرية الفضاء، المركز الثقافي العربي، المغرب، لبنان، ط1، 2000، ص42.

22ـ ضد الذاكرة، مرجع سابق، ص123.

23ـ الادب الاسباني المعاصر، مرجع سابق، ص27.

24ـ نفس المرجع، 27-28.

25ـ فلسفة التأويل، مرجع سابق، ص173.

26ـ نفس المرجع، ص 173.

27ـ نفس المرجع، ص 196.

28ـ نفس المرجع، ص 197.

29ـ المنجد في اللغة و الاعلام، دار المشرق، بيروت، 1987، مادة لَوَبَ، ص 737.

30ـ فلسفة التأويل، مرجع سابق، ص 176.

31ـ حسين فيلالي، السمة و النص الشعري، منشورات أهل القلم، سطيف، ط1، 2006، ص52.

32ـ صلاح ستيتيه، الوجوه الدمية، مقدمة ادونيس، مرجع سابق، ص5. 

33ـ ج. هيو سلفرمان، نصيات، تر/ حسن ناظم وعلي حاكم صالح، المركز الثقافي العربي،المغرب، لبنلن، ط1، 2002، ص117.

34ـ د.حسن حنفي، تقديم كتاب كوجيتو الجسد، مؤلف مشترك، مركز الكتاب للنشر،القاهرة، ط1،2004، ص7.

35ـ لويس غارسيا مونتيرو، حوار اجراه، ترجمه، اليوم الادبي، الصفحة الادبية الادبية لجريدة اليوم الجزائرية.

36ـاغتيال العقل، برهان غليون، موفم للنشر، سلسلة صاد، 1990، ص 296.

37ـ فن الشعر، مرجع سابق، ص13.

38ـ اغتيال العقل، مرجع سابق، ص302.

 



* قاص وناقد من الجزائر

اترك تعليقا