اشترط على مَن هي ماثلٌ بين يديها شرطين؛ الأول أن تصغي إليه و لا تقاطعه حتّى يكمل…
و باشر يروي: …أقلّ من القليل رصيدي المعرفيّ بالحياة؛لم أقترب من أحد قطّ غير أمّي قبل عبوري سنّ المراهقة!، و ما زاد من بِــلّة طينتي المعلّمون و التلاميذ في المدرسة على السّواء عاملوني كغير مرئيّ.كنت أشاركها سريرها، و لم أنم في غير حضنها، أبيت أشمّه؛ ننام متعانقين دوما، كانت أبدا ملاكي الحارس، أشعر أنّي حُزت حُـمر النَّعم، و أنّي في منأى عن السّوء و حتّى عن الموت إن هي احتضنتني. عاشت حبيبتي مطلّقة بالكاد تفكّ الحرف، لم تنعم طويلا بنعمة الزّواج؛ طلّقها والدي بعد أن اكتشفت زوجُه الأولى زواجه منها، و الحقّ أنّه لم يظلمها و دفع ثمن نزوته بأن كتب باسمها شقّة من غرفة واحدة في “حيّ الخنازير” تسمِية من ابداع الأحياء المجاورة، و لم تعد مرغوب فيها من طرف أهلها؛ قد دخل بها و هم له كارهون. فغدت مجبرة على تحصيل قوتنا و اليد منها إليه قصيرة؛ ليست تملك غير أنوثتها و جسدا إنسيابيا فارعا و شُقرتها. راحت تجتهد في استثمار ما تملك، و تراوغ الزّمن بالموضات و الأصباغ؛ لترمّم شبابا مُنعت أزهاره الماء و تسعى خلف سعادة لم تتذوّق طعمها… دخّالة خرّاجة نهارا، لا تخرج ليلا إلاّ لمواعيد على الأسرّة الفاخرة ذات الشّراشف الحمراء تحت سقُف المرايا الذّهبيّة الأُطر… تدسّ لي منوّماً في كوب الحليب، ثمّ تنسحب بهدوء، و كنت أعلم أنّها تفعل و لم أمانع!…
ذات ألم في ليلة تِـمام من شِتاء بارد في غياب حضن أمّي و أنا طريّ الكبد؛ فزعت فزعا شديدا؛ خفق قلبي بشدّة، تقاربت أنفاسي و شُلّت أطرافي طوال اللّيل حين سمعت طرقا قويّا على بابنا، و قضيت ليلتي مُـتيبّسا شبه منخنق تحت السّرير… حُــــرِمت من يومها أعظم مُــتع الأطفال؛ “الحلوى” و ما انضمّ إليها من سكّريات و أشياء أخرى، حتّى قطعة الخبز أضحت محسوبة عليّ، و بُليتُ برفيق مُرّ ثقيل ” داء السّكري “… مانَـعتُ تركها لي وحدي ليلا خاصة في الّليالي الدّامسة الراعدة… فاشترت لي دمية بحجم حُضني ذات شعر أسود طويل متموّج، و قالت: إذا شعرت بالخوف احضنها كما أحضنك و تحدّث إليها كما أتحدّث إليك؛ أصدّقها و لو قالت: “قرص الشّمس أزرق “… و أبت إلاّ أن تواصل حربا خاسرة ضدّ البطن الخاوي و الجِـــيد العاري عقيدتها ” كلّ شيء يباع و يشترى”… حتّى أنّها اشترت لي رخصة السّياقة يوم بلغ ما مضى من عمري العشرين، ثمّ أهدتني سيّارة أُهدِيَـــــتْها من السّيارات المحجوز عليها… كانت مولعة بكلّ ما هو برّاق، تتنفّس عشقَ المال؛ حنونة جدّا. وحدها أمّي المسكينة أحبّتني و احتفت بوجودي، كنتُ دميتها، و كانت عالمي…
خرجت يوم الحادثة إلى الشّارع و قليلا جدّا ما أفعل، كان يوما قائظا… الشّارع مزدحم، الحرّ يُــمسَكُ باليدين، السّيارات أبواقها تتعالى تقرع رأسي كعادة الشّارع الرئيسيّ وقت الذّروة. دخلت سوق أمّي المفضّل، سِحْت بين أروقته. و أنا أقف في رواق العطور النّسائية، أحمل بين يديّ عطر الفرولة؛ عطر أمّي الخاص، أمسح بالقارورة على خدّي، أضع أرنبة أنفي على سدّادتها، أغمض عينيَّ، أسحب نفسا عميقا و أستحضر صورتها، مرّت بالقرب منّي امرأة شقراء و أريج ذات العطر خلفها يضوع أفقدني الحضور و ابنتها ذات شعر أسود طويل متموّج تمسك بيدٍ كُـمِّها و باليد الأخرى تحضن دميتها… أعدت القارورة مكانها يتلبّسني شيء بات يتمدّد فِــيَ شيئا فشيئا، و رأيت في المرآة صورتي لا تشبهني… تبعتهما ببصري، و حين أوشكتْ تغادران جعلتُ خطوي يقارب خطوهما في غفلة منهما و سرت خلفهما من محلّ إلى آخر و عيني لا تتزحزح عن الصّغيرة و أنا أشعر بألمها و ضعفها، و وحدتها، و شدّة تقاربنا.
بعد أن كدت أيأس؛ دخلَت أمّها محلّ مجوهرات و أبت الطّفلة إلاّ أن تبقى خارجا تُرددّ بصوت مبحوح مُلح : تعبت يا ماما، أنا عطشانة!… وَعَـدَتْـها أنّه المحلّ الأخير. من سوء حظّي كنت قد ابتعت قارورة ماء شبه مثلّجة لتبليل حلقي الجاف و أنا أتعقّبهما.
تقدّمتُ من الطّفلة و هي تتفرّج على واجهة المحلّ رأيتها استهوى عينها بريق الذّهب و لمعان الأحجار قائلا: ربّما أنت متعبة و عطشى! هل تريدين ماء باردا؟
تهلّل وجهها، و اقتربت منّي تقتحم رَيـبها. عَـــــبّتْ نصف الماء بلهفة، ثمّ أهديتها حبّة حلوى من التي أحتفظ بها دوما في جيبي احترازا لهبوط السّكر المفاجئ. تبادلنا حديث التّعارف، و انزاح عنها الخوف و اطمأنّت إليّ. عرضت عليها أن ترافقني لأبتاع لها مثلّجات بنكهة الشكولا التي تحبّها، وافقت مسرورة و كنت أعلم أنّ محلّ المثلّجات على الضفّة الأخرى من الطّريق. كلّما نظرتُ إلى دميتها حضر ذلك الذي يتلبّسني بقوّة. و نحن نسير تظاهرت أنّي نسيت محفظة النّقود في السّيارة و أقنعتها بأن نذهب لإحضارها. وصلت إلى السّيارة، فتحت الباب، نظرت يمنة و يسرة، و من سوء حظّي مرّة أخرى كان الطّريق خاليا. بخّة صغيرة من البنج الذي لم يفارق حقيبة أمّي أبدا و سقطت دميتها من يدها… بسرعة البرق وضعتها على المقعد الخلفيّ، مضيتُ بها إلى منطقة غابية معزولة أنتظر الغروب لأستتر بغبشه و جاراتي يَــعْددن حبّات البرتقال من خلف الكيس الأسود عبر ثقب الباب. بعد حوالي ساعتين استفاقتْ و كنت خارج السّيارة أقضي حاجتي، فتحَت الباب و راحت تركض، أدركتُها. صرختْ، قاومتني، هدّدتها تخويفا بالقتل إن هي فعلت مرّة أخرى، أمسكتها من يدها و كان عليّ أن أعود بها إلى السّيارة لأفقدها الوعي مرّة أخرى، عضّت يدي وانفلتت و راحت تركض ثانية… حين بَـلَغَت المنحدر توقّفت، لكنّ قدرها سبقها و زلّت قدمها، هوَت فارتطم رأسها بحجر. نزلت إليها فإذا هي جسد ساكن يتفجّر براءة، تكسوه وداعة، تماما كدميتي… رددتُ يدي إلى فمي،حدّقت فيها حدّ الذّهول، مسحت على وجهها و رأسها، جمعت لها شعرها… أدركت لحظتها سوء الوضع. جلست بالقرب منها زمنا و عدتُ أبكي وحدتي بعد أمّي… تولّيت إلى السّيارة فإذا بنظّاراتها قرب الباب، رجعت إليها و ألبستها إياها…
قالت قاضي التّحقيق: لم تمت الطّفلة بسبب ارتطام رأسها و إنّما بسبب مضاعفات أخرى لتأخر الإسعاف، كان مغمى عليها حين تركتها…
ثمّ أردفتْ: بصماتك على نظّاراتها تؤكّد أقوالك، هل من إضافة؟
قلَّبَ صفحات ماضيه، رأى مستقبله…
ماتتْ بجرم أنّـها تشبه دميته التي مازال يحتفظ بها، ثم أجابها بهدوء موارب: كانت هذه رقم إثنان من بين ثمانية، و هي الوحيدة التي تمرّدتْ و أفسدت عليّ خطّتي منذ مقتل والدتي…
قالت القاضي: أنت وحش! و ستنال أقصى عقوبة!
ردّد في نفسه: أقسم أنّها الثانية و ستكون الأخيرة، أمّا الأولى فآنَـست وحدتي ليلة بدلا عن أمّي و عن الدّمية ثمّ أخليت سبيلها، و ما افتريت على نفسي إلاّ لتبقى ذوات الشّعر الأسود الطّويل المتموّج في مأمن من هذا الذي يسكنني…
ألقى ببصره خارج المكتب عبر النّافذة؛ اصفرّ قرص الشّمس، و اقترب المغيب… تهدّلت كتفاه، تقبّضت أساريره، بصوت صبيانيّ هَـــلِــــع، مقهور، ضعيف متهدّج و الدّمع يبلّل شاربيه قال: ” دُمْـــــيَــــتـــــــِي “!… إذا حلّ الظّلام ستنهار عليّ الجدران، و تَـمتدُّ إلى عنقي يد السّواد و تخنقني إن هي لم تحضنّي… أُقَـــــبِّل أيديكم و أقدامكم، اتوني بها!…
* قاصة من الجزائر




