قبل أن …! / قصة قصيرة / قلولي بن ساعد *
بواسطة مسارب بتاريخ 29 أغسطس, 2014 في 09:04 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1843.

كان في سباق لاهث مع الزمن… جاء من الغياهب الآفلة … … من الماضي السحيق  …لم يشعر بثقل السنوات التي قضاها خارج البلد نائيا مستمتعا بوقته وبالدعة   التي من حوله  منقطعا عما سواها …لم يتحسس في يوم ما جيبه أو نزل بحارة أو سوق أو باحة من باحات بلده المليئة عن آخرها بلفيف من الفقراء والبائسين المدلجين إلى قاع الموت ..كان كل ما يريده رهن إشارته وبين يديه …منذ أشهر فقط بدأ يشعر بالوهن والضعف والهشاشة وقد “بلغ من الكبر عتيا”… طلب من مستشاره الدائم له منذ أن كان واليا على شعب دون ولاية أن يحجز له تذكرة العودة إلى قريته النائية   التي قضى فيها  سنوات طفولته يلهو في فلواتها الموشاة بحر الصيف وصقيع الشتاء  قبل أن يشعر بحدسه الذي لم يخنه بجدوى العنف الثوري المتأجج بين الأهالي وخروج الغزاة بعد حرب ضروس دامت سبع سنوات ونصف و يلتحق في اللحظات الأخيرة بصفوف جيش التحرير…تمكن في السنوات الطويلة التي قضاها في أجهزة الحزب والدولة من جمع ثروة هائلة بفضل الوشائج الكثيرة   التي كانت تربطه برفقاء النضال الذين وفروا له كل التسهيلات الممكنة لأخذ ما يريده بأسماء أبنائه وبناته من البنوك بفائدة أو بدونها حتى قبل أن يدخل قانون الإستثمار والخصخصة حيز التنفيذ …كان ينتمي لقبيلة لم يعرف أبناؤها  الفقر والحاجة أبدا فمنذ سالف الأزمان وهم المبجلون المقربون من دوائر صنع القرار في الأزمنة العجاف المالكون لرقاب الناس وللأراضي والعقارت   الكثيرة التي أستولوا عليها بقرارات  ظالمة  وعقود مزورة هم وحدهم الذين يفككون حروفها والخرائط والأرقام القائمة فيها فحين جاء إلى ” جنيف ” قادما إليها من قريته ترك كل ما يملك تحت تصرف صهره الذي قضى معه سنوات طويلة في خدمته عندما كان واليا ينقل إليه  أحلام الفقراء الراجفين اللاهثين وراء الرغيف المغمس بالشقاء والخوف والمهانة   ووشوشاتهم وحالات القلق التي تنتابهم ولا تتجاوز حدود الدعاء عليه كحد أقصى من حدود الغضب أو الإحتجاج السري  مستعينا بأرمادة من البصاصين والصحفيين المأجورين  العاملين في شاشته اليتيمة المحرمة على الأغبياء والسذج  ومن لف لفهم …لم يصدق أبدا أن القرية التي تركها منذ ثلاثين سنة قد فاضت واتسعت وصارت بحجم مدينة هو لا يعرفها ولا يعلم ما بداخلها…. فوجىء وهو يترجل من سيارته السوداء التي حملته من المطار لغاية مدخل القرية وبابها الشمالي الذي لم يعد مرصعا باسمه وبتمثال صورته التي نسجتها أنامل نحات جيء به من اسطمبول  خصيصا لهذه المهمة  أن لا أحد من الجماهير قام باستقباله  مثلما كانوا يفعلون عند مقدمه حين كان مجرد خبر وجوده بينهم يصيبهم بالرعشة والخوف والذهول وربما الصمت الأشبه بصمت القبور…لم يفهم الناس سر عودته المفاجئة فهو لم يعلن عن ذلك عبر القناة الحكومية أو الصحف المقربة من الدائرة الضيقة لأصدقائه الماسكين على رقاب الرعية كالقدر أو الموت أو البعث أو النشور كما جرت العادة  مع كل موعد انتخابي ليوجه أفراد قبيلته والقبائل المتاخمة لها في الجيرة والكلأ والماء الوجهة التي يريدها أو لوأد أي احتقان اجتماعي أو إضراب مهني  والحيلولة دون خروج أفراد قبيلته عن طاعة السلطان …علت الهمهمات خواطر الناس وتساؤلاتهم ..وفي مقهى الروجي تجمع نفر من المتقاعدين والتجار يتساءلون عن سرعودته والغاية منها ومن وراء أكياس السكر والبن المتراصة عند مدخل المقهى سمع صوت الإمام سي الطاهر يقول دعوا الرجل يموت بين ذويه وينتهي بين يدي ربه وهو وحده المسؤول عن أفعاله …كان الروجي يلوب بين الطاولات والكراسي الشاغرة محاولا جمعها قال هو أيضا” شدو أفامكم علينا ” وحين أنهى كبيرهم مص سيجارة السوفي ورماها  بيديه المرتعشتين على الإسفلت  انسحبوا جميعا  صوب بيوتهم في الجهة الأخرى من ثنايا القرية التي اتسعت ففاضت وصارت أشبه بالمدينة …كان يحاول أن يرى هذا الإتساع الذي فاض في غيابه وأمامه جهاز الرؤية عن بعد  يحدد له الخرائط الجديدة والهياكل والعمارات التي انتشرت  فحجبت عنه المدى وسيل كبير من الشجر والبساتين العامرة والحدائق الغناء ثم هذا العدد الهائل  من الشباب المقبلين على الحياة بتحد وعزيمة  أكبر…رأى كل ذلك قد تم دون العودة إليه أو استشارته  ووراء عتمات الليل  والظلام المتأبط وجه السواد   كان في بيته الكبير وحوله عدد قليل من أحفاده وأبنائه وأفراد قبيلته …كانت أنفاسه المتقطعة الزافرة   تنوء من هول ما رأى …حز في نفسه أن يهان وهو في أرذل العمر …بقي واجما قبل أن يبتلعه الأجل وتدفن رفاته  في المقبرة القديمة في صمت وسكون  بعيدا عن الأضواء  بجوار الفقراء والمرضى وذوي الكدمات والندوب والآثارالغائرة فيهم

 

الجلفة في 24 أوت 2014

 


*قاص وناقد من الجزائر

 

 

 

 

 

 

 

 



 



اترك تعليقا