وصع الرجل الجريدة جانبا و هي تتبعثر في فوضاها تحت ضغط أصابعه المرتعشة….و على تضاريس الوجه النحيل بدت ما يشبه شحنة غضب طارئة ..و في نبرة صوت حانق تسلل من فمه مثل برميل بارود أهتز لها المقعد الجاثم فوقه…..أمام دكان صديقه النمر..الذي كان للتو في الداخل……..كان ذلك اسمه……فقال….
……شفت يا نمر يا خويا……..ما كتبت الجريدة……..بعد كل الذي فعلوه و يقترفونه بالصوت و الصورة أمام عدسات العالم…..قال….مفاوضات…..؟؟؟؟ و هل تحن سنقضي كل حياتنا في المفاوضات…..؟؟؟؟ هي قوافل الجنائز هنا لا تتوقف….و جامعتنا العربية متوقفة مع وقف التنفيذ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
جاءه صاحبه بعد لحظات بعد أن أنتهى من زبائنه و يحمل هو الاخر كرسيه ليأخذ مكانه على مقربة منه…يقاربه في السن كما ظهر…سن تتدحرج الى العقد الستيني….بقليل و يتجاوزه في البنية الجسدية……..بادره النمر وقت أن جلس….
…….أنا معك…..يا رجل يا طيب……و الله ما أتعبتنا أسفار المقاومة….و لا كسرتنا النكسة و لا….خراب الجامعة….مزيد من مستوطنات و نحن نستوطن الوطن في الداحل….و خليها على الله…………شوف لنا أي موضوع….الله يرضى عليك……بلاش سينما…..متعبة…تعبنا…..؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
طبع عبد المجيد نصف ابتسامة توحي بالتجاوب مع ما قال الرجل…و كأنه يجاريه. في كسر رتابة الحديث….راح يعدل من وضعية كوفيته التي انسحبت بعض الشيء الى ما فوق عينيه…من شدة حالة الانفعال التي كان عليها……هدأت ثورته…طوى الجريدة….و رمق صاحبه..مليا ثم خاطبه..
……الله يسعدها مع عريسها الليلة……بنت الحاج عزالدين……الله يرحمه….انا لا أعرف كيف لبنت بمواصفاتها تترك مجدها ..في الخليج…و تتخلى عن قناة مشهورة هناك….و تأتي لتدفن حياتها هنا…وسط الخراب ….غير معقول……..الله يسعدها على كل حال ؟؟؟؟؟؟؟؟
لم يكن ذلك المكان بالبعيد…كي يحجب و يخفي أصوات هي مزيج من موسيقى و ضرب دفوف….و جلبة…..أصوات تجيء مع هبوب رياح ايلول الخفيفة….أحدثت قطيعة لحديث الرجلين…..كان يسمعه النمر و ينظر الى البعيد….لذلك أردف…..
…….يا صديقي…أنت ما تؤمن بالأقدار..؟؟؟؟؟؟ ثم ما سمعته أنا يختلف..عن حكاية اغنية المجد التي أنت يتعزفها أمامي……كثير من الناس تقول أن البنت الصحفية زينب أستقالت…و ما أعجبها الجو الملوث هناك….كرهت عمالتهم و أكتشفت ألاعيبهم فهربت…….هذا أصل الحكاية……
و بشكل قاطع و في كل مرة…كان يؤمن بكلام صاحبه النمر……لذلك صدرت منه ايماءة…
سابق الطفل خطواته في الركض حتى تعثر أرضا…و سرعان ما أنتفض ثانية…ماسحا على ثيابه بقايا أتربة السقطة الصغيرة…..ألتفتت اليه احداهن و أشارت له بالمسير فورا….و هي تمد له يدها.لتسحبه…بجوارها…وسط بعض النسوة….كن يلتحفن عباءات بيضاء و سوداء……سرت بينهن وشوشات..و الطفل مازال يغالب خطواته….و يتمايل في كل اتجاه….على طريق منحدر….أزاحت امرأة خمارها قليلا…كانت تتوسطهن….ظهر وجهها و هي تلتفا لوالدة الصبي……سألتها بصوت خافت….
…….لماذا جئت بالولد الى الزفة…..؟؟؟؟ لو كنت تركتيه في البيت كان أفضل…أرأيت كيف كاد يسقط…….يبدو أنه مريض و الوقت غير مأمون الجانب…يا خالة ؟؟؟؟؟؟؟
و أتبعت المرأة التي كانت تتحدث بوضع يدها على أذن الصبي..بلطف….أما أمه فشعرت بمدلول كلامها….مسكت بما يشبه الضغط على يده….رأته و هو يتطلع مشرئبا عنقه اليها…..و هو يمشي……قالت…..
………منذ الليلة التي جاءت فيه العصابة الاسرائلية….للحارة..و الطفل مرعوب….فزع…صار لا يأكل و لا ينام…..خفت عليه من يومها…لا أتركه من يدي………أبدا………ثم أسترسلت…و هي تضحك…..
……..هو عرس اليوم سيغسله شوية من الصدمة………؟؟؟؟؟؟؟؟….ومشت الضحكة بينهن سريعا……فضحكن….
الطريق تجلى الان…..المكان يكاد يغطيه شجر الزيتون….بنايات من قرميد تتعانق…..صخب..يعلو….حركة قدوم لا تتوقف من و الى تلك البناية المتموقعة في اخر الشارع….النسوة دلفن اليه…و هن يرسلن زغاريده المدوية متناغمة في ايقاع صوتي منفرد…..و ذلك الطفل كان قد تخلص من قيضة والدته و أنفلت في اتجاهات البيت الفسيحة و بدت تلك الروح الصغبرة منطلقة…..باحثة عن متنفس جديد لا تعرف بالتحديد حدود تحليقها……
البيت في أوج التجمل….على امتداد أطرافه ثبتت أكوام الورود…تنبعث الروائح الزكبة….الطيب و العطر….ثمة سيدة شوهدت و هي تمشي في الفناء و بيت الفينة و الاخرى تدفق ماء الورد من ابريق ذهبي ترش به الأرض…و كل من في المكان…..و لحظة أن تفرغ من ذلك تزغرد….و تهرول بعدها صوب غرفة … في زاوية الفناء….تفتح بابها…..و هي نصف مسنودة عليه….و تلتفت يمينا و شمالا…..لتخاطب الزائرات المهنئات………العروس زينب هنا……تفضلن……عزيزاتي……….
كانت السيدة أمها……حاملة الابريق…..
يعبرن النسوة و المهنئان الباب الى حيث كانت تجلس العروس على كرسي مرتفع تحلق حوله فتيات…و العروس تحدق في مرااة ملتصقة بالجدار المقابل..و أحاديث تتناثر من ود و اعجاب بجمالها…..قالت واحدة منهن…….أنت أيقونة يا زينب…..ما رأيت في حياتي و لا أجمل منك…حتى في الكتب ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟….أردفت اخرى…….قمر………
و لكن لا أحد في بيت الفرح كان يقرأ سر البريق الظاهر في عينيها….و تلك اللهفة التي تبديها و هي تتحرك من كرسيها بين يدي مزينتها.و كأنها تنتظر أحدا….؟؟؟……..لحظة أن دخلت زائرة..لغرفتها..لهفة غريبة…..بريق مشع…..و ما هي سوى لحظة أقتربت منها…..بعد أن أحتضنتها….أنفرجت أسارير العروس…..و فجأة أختفت الزائرة…… تاركة خلفها بالقرب من الكرسي هناك. حقيبة تبدو صغيرة….
طلبت زينب بلطف… من كان في غرفتها ان يتركها للحظات…و من كان هناك.. رجح ان القادمة جاءت بهدية ثمينة ….و العروس تفضل أن تراها بنفسها ….و لا أحد معها……و ثمة من قال أنها هدية ثمينة من قناة الجزيرة………
فرغت الغرفة تماما الان…غادرها الجميع..وحدها بقيت زينب…..أدارت مفتاح باب…الغرفة….تأكدت أنه أغلق….بسرعة تخلصت من فستانها….أتجهت الى الحقيبة هناك….فتحتها….أخرجت من داخله شيئا ما……ظهر ما يشيه الحزام…….لفته على خصرها… بهدوء …و باحكام دقيق ايضا…. أعادت ارتداء فستانها الأبيض..مجددا…..أتجهت الى باب الغرفة….. و نادت على الجميع…دخان…..و هي تعود الى مكانها في الكرسي قبالة المرااة……. و كأن شيئا لم يكن….. غصت الغرفة مرة اخرى …..بزائريها و المهنئات……
لم يكن قرص الشمس قد غرب بعد… حين ما أطلت المرأة التي شوهدت اول مرة و هي ترش زوايا البيت بماء الورد من الباب لتخبر ابنتها العروس يقدوم الموكب…..جائ من يأخذها الان الى بيت عريسها……قدمت عربات اهل العريس…خرجت اخيرا زينب و هي تضع يديها على أطراف فستانها….وسط صخب الموسيقى و طبول تضرب….و زغاريد متناغمة….على بعد امتار من الباب الخارجي….أمتطت عربتها….المتزينة بأكاليل الورود……سار الموكب…..و عربة العروس تتقدمه…..و في طريق متفرع الى جهات اخرى من الحارة….. و كأن السائق كان يعرف…..الوحيد من كان يعرف..وسط الموكب الذي لا يعرف……..أستجاب لأمر زينب…..سلك طريقا اخر…..و بدأت العربة تنهب الارض نهبا……و اختفى الموكب…..تماما……على بعد مسافة ما قصيرة….ظهرت بناية. لمركز…..أقتربت العربة بأكاليل الورود و على الطريق شاحنات عسكرية….وجنود……يقفون على الحاجز…….صدرت من الجنود أصواتا عنيفة زاعقة…..و هم يتحسسون أسلحتهم………نزلت العروس…..ظهرت لهم……سارت اليهم بخطوات ثابتة….المشهد كان سورياليا……أنفجر الجنود ضحكا..و قهقهات…….بدت عليهم سمات الاطمئنان……و حتى انهم شعروا بحالة استرخاء…فتمايلوا على شاحناتهم…..كالسكارى….تخلصت زينب في هذه اللحظات من شد أطراف فستانها……تحررت منه……و هي ترفع رأسها……و في لمح البصر…..أطبقت بيديها على مكان خصرها……على الحزام الناسف الذي كان هناك……و فجرته…..أضحى المكان كله أشلاء لجنود تتطاير…. في الهواء…..دخان و ألسنة نيران نحرق كل ما وجدته أمامها…..و على نحو بعيد….سمعت صفاران الانذار…..و حركة اليات عسكرية قادمة…..تدب…لتقطع هدوء المكان…..هدوء الحارة الطويل……...
* قاص من الجزائر




